لقاء السبت الأول - د. انطوان ضاهر

back to Cultural salon

الصــالون الثقــــافي في القبيات

 

6 كانون الأول 2014

لقاء السبت الأول



إستحالة نجاح مشروع سياسي مستدام قوامه العائلة في القبيات. آل ضاهر نموذجاً.ً

 

د. أنطوان ضاهر

 

١- مقدمة
لطالما شكلت العائلة، إن في القبيات أو في عكار أو في لبنان بشكل عام، المكان الذي منه ينطلق السياسي إلى الأفق الأوسع. ولطالما عاد كثير من السياسيين بعد جولات وطنية خلال سنين، إلى أفقهم الأول، العائلة. بينما لم يستطع بعضهم تخطي حدود العائلة الضيقة. ولعلّ قدرة أي مشروع سياسي قبياتي حالي على النجاح والإستمرارية تكمن، في جملة ما تكمن، في القدرة على الانطلاق من العائلة الضيقة إلى التجمع الأكبر الذي لا تكون فيه صلة القربى هي العصب المحرك، بل جملة قضايا جامعة، منها المصالح المشتركة، الأفكار المشتركة، النظرة الواحدة إلى الأمور الأساسية في الحراك السياسي، وغيرها من القواسم التي تعمل على خلق “عصبية” جديدة تخترق حدود العائلات وتحل مكان عصبية العائلة وتوحد هذا التجمع حول الشخص حامل المشروع. وبقدر ما يتعسّر قيام حالة عابرة للعائلات (situation trans-familiale) للمشروع السياسي، بقدر ما يكون هذا المشروع مهيأً للفشل على المدى الطويل. هذا ما سأحاول شرحه انطلاقاً من التجربة السياسية لعائلة ضاهر في القبيات ومحيطها، ومقارنتها بالتجارب السياسية السابقة والحالية للعائلات الأخرى.



٢- العائلة من ركائز مجتمعنا
إن عاداتنا وتربيتنا وتقاليدنا الشرقية تجعل من العائلة الصغرى (الأب والأم والأخوة والأخوات) ومن صلات القربى، المجتمع الصغير الأول الذي يتربى فيه إنساننا. فيه يتعلم، يتعرف إلى وجوه أقربائه الذين يشكلون لفترة لا يستهان بها من حياته عالمه الخاص الأول، قبل انطلاقه إلى الحي، فالمدرسة، فالرفاق، ومن ثم البلدة، ومن بعدها الأفق الأوسع. يكبر الإنسان وتبقى العائلة تلك البوتقة الطبيعية الأقرب إليه. يلجأ إليها بدهياً وتجتمع حوله في الضيق والصعوبات، في المرض والترح، كما في الأفراح والأعراس والمناسبات الحلوة. هذا التعاضد الجميل والذي هو في طور التراجع نسبياً، لم يزل ولحسن الحظ يحظى بحضور قوي في مجتمعنا القبياتي والعكاري.

 

 

٣- فقدت العائلة القبياتية عصبيتها المطلقة
وذلك منذ منتصف القرن الماضي. سابقاً، كان لكل عائلة شيخ، زعيم، وجيه، مرجع ما، أو في أقل الإحتمالات “مفتاح” يدير العائلة. إنه شخص يشكل رأس العائلة، يتكلم باسمها، يدافع عن مصالحها، ويطاع من أفراد العائلة. وغالباً ما كان هذا الشخص يملك ما لا يملكه الآخرون في العائلة: سلطة المال و/أو سلطة المعرفة والعلم، ما يسمح له بنسج علاقات مع المتمكنين في المجتمع الأوسع لا قدرة لباقي أفراد العائلة على نسجها. (مع بعض الاستثناءات إذ أن هناك من استطاع إدارة عائلته دون الإستحواذ على المال ولا على العلم، انما ربما على الذكاء والتقرب من رأس السلطة الحاكمة في حينه). وكان كل اعمال أفراد العائلة، أو أغلبها، يمرّ إلزامياً عبر رأس العائلة، وذلك لم يكن خياراً بل واقعاً لا مفر منه في ظل انعدام وجود دولة ومؤسسات. شكّل هذا عصبية شبيهة لتلك المتواجدة ضمن العشيرة أو القبيلة، مع بعض المفارقات، وذلك لفترة طويلة.


منذ بداية القرن الماضي بدأت بعض العائلات القبياتية تنفتح على التجارة والصناعات الخفيفة انما المجدية (القطران، الحرير، الخ) مما ساهم في تعزيز الوضع الإقتصادي لأفراد العائلات التي دخلت في هذا المضمار، بينما بقيت أغلبية باقي العائلات على تعاطي الزراعة أولاً وآخراً. دخلت المدارس، أصبح العلم بمتناول اغلبية أفراد العائلات ودخل معظم ابناء القبيات المتعلمين في ما بعد في الوظيفة: الجيش، الدرك ثم قطاع التعليم وباقي الوظائف الرسمية. رويداً رويداً بدأ يظهر في كل العائلات من لم يعد بحاجة لرأس العائلة إذ اصبح ينافسه بقدراته المالية وبتحصيله العلمي والمعرفي ما سمح له بنسج علاقات باتت تضاهي علاقات رأس العائلة. بدأت هكذا تتلاشى تدريجياً عصبية العائلة المطلقة، وذلك بشكل متفاوت ما بين العائلات القبياتية. فبقدر ما انفتحت العائلة على التحصيل العلمي وعلى التجارة والصناعة والوظيفة، بقدر ما كانت تهيّىء نفسها لتلعب في الميدان السياسي القبياتي والعكاري، وبقدر ما كانت أيضاً - وربما هذه هي سخرية القدر السياسي - مهيأة لأن يتلاشى فيها حس العصبية العائلية مع مرور الزمن، قبل غيرها من العائلات، ما يزيد من انقساماتها على نفسها ويعرضها لخسارة دورها الريادي في السياسة المحلية إن لم تتدارك الأمر وتستنبط للمجتمع الذي تعمل من ضمنه مشروعاً يلقى حماسة باقي العائلات والأفراد الخارجين عن العائليات والتجمعات المجتمعية. وهذا المشروع ليس بمقدوره، كي ينجح، أن يكون عائلياً.
عائلة ضاهر كانت في القبيات من أولى العائلات التي خاضت غمار هذه التجربة.

 

 

٤- التجارب السياسية لآل ضاهر
أنا لم أبحث في تاريخ العائلات القبياتية، هناك من قام بذلك، ولا داعٍ لأن أغوص في هذا المضمار الشيّق والمضني وهو يستلزم مؤهلات لا أملكها. لكن باستطاعة كل منا، من خلال قراءاته لما كتب، وما قيل، وما وصل إلى مسامعه من أحاديث وأخبار، أن يحلل ويستنتج. ويكون تحليله هذا بالطبع موضوع نقد وأخذ ورد. وهذا هو الهدف من تشاركنا في قراءة هذا التحليل.


إن ما يهمني في هذا الطرح الذي أقدمه لكم هو الفترة التاريخية الحديثة للمسيرة السياسية لآل ضاهر في القبيات، والممتدة من منتصف القرن الماضي حتى اليوم. سابقاً لعبت العائلة دوراً محورياً مهماً في السياسة القبياتية وكانت “الزعامة” تتشكل منها ومن آل عبدو (مقولة الطنوسين: طنوس ضاهر وطنوس عبدو)، دون أن يلغي ذلك أدواراً لعائلات أخرى مثل آل غصن وآل قسطون وغيرهم. ولقد شنق العثمانيون وجيهاً من آل ضاهر هو جد الشيح ميشال ضاهر في سياق حملة “تطهير” المجتمع اللبناني والسوري من الذين وقفوا في وجه العثماني واتهموا بالتعامل مع الأجنبي (الفرنسي تحديداً)، ما أعطانا شهداء نحتفل بهم كل سنة في ٦ أيار. تعلّم آل ضاهر قبل غيرهم، وكان الدكتور حبيب ضاهر أول طبيب يحمل شهادة دكتوراه في الطب في القبيات وجوارها ويترشح للانتخابات النيابية في ظل الانتداب الفرنسي. كما كان خليل ضاهر أول ظابط قبياتي، سُمّيت عائلته ب ال”كولونيل” وهو لقب لم يزل ساري المفعول حتى اليوم. في تلك الفترة، ما قبل منتصف القرن الماضي، كانت العائلة لم تزل هرمية، صلبة، متماسكة، لها شيخ واحد وأعيان ينسقون معه وأفراد يسمعون كلمة الشيخ، الخ… كان المشروع السياسي في تلك الفترة يرتكز على العائلة، وكان باستطاعته الاستمرار، إذ أن العائلة كانت تشكل “الحزب السياسي” المتماسك والذي يخضع باقي العائلات.
أما في الفترة الحديثة والتي يتناولها هذا الطرح، منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم، فهناك ثلاث تجارب سياسية يجدر بنا التوقف عندها: تجربة الشيخ ميشال ضاهر، تجربة الاستاذ مخايل ضاهر ومن ثم تجربة الشيخ مخايل ضاهر.

 



٥- التجربة السياسية للشيخ ميشال
جاء ميشال ضاهر من أميركا اللاتينية حيث مكث لفترة جمع خلالها مالاً، وتزعم آل ضاهر عند عودته، وأصبح شيخ العائلة إلى جانب وعلى رأس باقي مشايخها الذين اعترفوا، وبعضهم على مضض والبعض الآخر بعد فترة اعتراض، بزعامته للعائلة. ترشح للانتخابات النيابية ودخل البرلمان في الخمسينات، وكان أول قبياتي يدخل الندوة البرلمانية. عمل ميشال ضاهر بشكل تقليدي، وكان شيخاً دون أن يكون إقطاعياً( فلا الوضع القبياتي كان يسمح لأي زعيم بأن يتحول إقطاعياً إذ أن الناس كانت قد تفلتت من الطاعة المطلقة للزعيم، ولا الوضع المالي لميشال ضاهر كان يسمح له بذلك، كما أن باقي الزعامات، إن ضمن العائلة أو خارجها، ما كانت لتتقبل فكرة وجود أي إقطاعي يهدد وجودها). إنطلق الشيخ ميشال من عائلته، بالطبع. استطاع جمعها بعد فترة بداية صعبة، فوحّدها لتصبح بمن فيها من أعيان وقدرات ومؤهلات ومال وعلاقات، قوة شكلت له الرافعة السياسية الأساسية. نجح شيخ القبيات في تشكيل زعامة قبياتية “ناعمة”، غير مستفزة للآخرين، ليصبح الشخص القبياتي الأول لفترة زمنية لا يستهان بها. واستطاع أن يجمع حوله باقي العائلات، وكانت حينها لا تملك سوى خيار الانضواء تحت لواء آل ضاهر. شكلت تلك العائلات الرافعة السياسية الثانية من حيث الأهمية. جاءت احداث سنة ١٩٥٨، حُلّ المجلس النيابي، دخلت البلاد مرحلة الشهابية السياسية حيث فقذ الشيخ ميشال عضوية النيابة عن المقعد الماروني في عكار والتى آلت الى رشدي فخر في بلدة عندقت، ومن بعده إلى فخر فخر. استطاع الشيخ ميشال الحفاظ على زعامة العائلة، وزعامة القبيات لفترة لا يستهان بها وهو خارج السلطة.


بقيت العائلات القبياتية تدين بولائها، بأغلبيتها، للشيخ ميشال، وذلك بالرغم من وجود نائب ومشروع زعيم ماروني منافس في بلدة عندقت المجاورة. بقي هو من يربح الانتخابات البلدية في القبيات ومن يعين رئيس البلدية. وكان المجتمع يتطور بسرعة ما بين الخمسينيات والستينيات حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي. تحسنت كثيراً الأوضاع المعيشية في هذه الحقبة، دخل القبياتيون حقل العلم من بابه الواسع، أصبح المتعلمون والمثقون يشكلون جزءاً مهماً من المجتمع، وراحوا يتدخلون في كل ما له علاقة بشؤون الناس ويعطون رأيهم في الأمور. بينما كان المجتمع القبياتي يتطور ويتغير بسرعة، مواكباً ولو عن بعد كل تلك المتغيرات الكبيرة في لبنان والعالم، مع تنامي الاتجاهات الاعتراضية في كل أصقاع الأرض وانتشار الأفكار اليسارية، كان المشروع السياسي للشيخ ميشال لم يزل هو هو، على حاله الأولى. المشيخة، العائلة أولاً، ثم العائلات الموالية. بدأ الشيخ يخسر العائلات القبياتية، الواحدة تلو الأخرى بالتزامن مع نمو تيار قبياتي ضد العائلية، تيار كان في الواقع ضد أحادية آل ضاهر. بدأ المشروع السياسي المبني أساساً عاى العائلة يترهل ويتراجع. لم يكترث النائب الماروني في حينها، فخر فخر، بالاستثمار في هذا التيار، فهو كان يعتقد أنه ليس بحاجة لأي عمل سياسي على الأرض، فمشروعيته كانت مستمدة من المكتب الثاني الذي جاء به الى النيابة، كما انه كان يستمد ديمومته من هذا المكتب.


في هذا الظرف يظهر شخص آخر، شاب، محام، يحمل كنية آل ضاهر لكنه يتفوق بشهاداته على زعيم العائلة، مستثمراً بذكاء ذلك التيار الرافض لآل ضاهر ومنتفضاً في الوقت نفسه، كما الشيخ ميشال انما بفاعلية أكبر، في وجه الشهابية السياسية. إنه مخايل ضاهر.

 

 

 

٦- التجربة السياسية للاستاذ مخايل
لمع نجم المحامي الشاب مخايل ضاهر كقطب جامع وعنوان للمثقفين والمتعلمين والغاضبين في حينه على سياسة الشيخ ميشال وكل الذين ارادوا التخلص من الألقاب والمشيخات والعهد القديم. طرح مخايل نفسه من خارج عائلته، ولم يكن يواكبه من آل ضاهر في بداية مشروعه السياسي سوى أبوه وأمه وأخوته. ولقد نبذته عائلة ضاهر واعتبرته “خائناً”، أو بأحسن الأحوال من الخوارج. نظر إليه أفراد العائلة كمغرد خارج السرب، وقاطعوه. أما هو، فلم يكترث. لا بل كان يتباهى بعداء العائلة له، قائلاً إنه ليس منها. واستطاع، بناءً على هذه العدائية، تقديم مشروع سياسي تكلل بالنجاح، قوامه شريحة عريضة من الناس الذين قدموا ميولهم السياسية وأفكارهم واعتقاداتهم ومصالحهم على انتمائهم العائلي وعصبيتهم العائلية. وبسرعة خلق مخايل ضاهر، الذي سمّى نفسه بالاستاذ مخايل رافضاً لقب الشيخ، خلية من الشبان الذين تحلقوا حوله والذين شكلوا هذا ال”بدل عن ضائع”، فكانوا بديل العائلة البيولوجية التي ما كانت لتقبل بهذا التحدي ضد شيخها. أراد الاستاذ مخايل أن ينطلق من مكان ما، فوجود ابيه وأمه وأخته وأخوته وابناء عمه بقربه ما كان ليشكل منطلقاً. رافضاً العصبية العائلية والمشيخة ومعلناً الحرب على “إقطاعية” الشيخ ميشال، - وهي إقطاعية وهمية - ومتكلماً لغة العصر آنذاك، شكل الأستاذ زعامة من نوع جديد جذّاب، تجمهر حولها قطاع واسع من المعلمين - وكانوا أصبحوا في حينه قوة لا يستهان بها - والمتعلمين والشبان الرافضين للعائلية والتواقين لأن يُقاسوا بعقولهم وقدراتهم لا بصلات الحسب والنسب. انفتح الاستاذ على الجوار. على عندقت بداية، بلدة أمه، حيث استطاع ان يشكل الوريث السياسي المحتمل لآل فخر عندما تحين فرصة أفول شمس المكتب الثاني. فما كان من المحامي اللامع إلا الوقوف بشراسة ضد هذا المكتب الاستخباراتي الذي كان يتدخل” حتى في انتخابات أخوية قلب يسوع”، على حد قول بعضهم. وهو لم يتوان في الدفاع عن الضابط فؤاد عوض، نسيب أمه، عندما قاد انقلاب القوميين السوريين ضد السلطة الشهابية. كما انه عمل على التقرب من البلدات الأخرى في عكار مدافعاً عن أبنائها ومرافعاً عنهم. ولقد ساعده تدرجه في مكتب حميد فرنجية للتقرب من مراكز القرار الماروني في الشمال، كما انه كان قريباً جداً من سلينمان العلي الذي شكل في حينه القوة السنية الضاربة في عكار.


وما لبثت شمس المكتب الثاني أن آلت إلى المغيب في الانتخابات الرئاسية التي جاءت بسليمان فرنجية إلى كرسي بعبدا. سقطت الشهابية بشكل مدوٍ وسقطت معها زعامة آل فخر، دخل الأستاذ مخايل الندوة البرلمانية نائباً عن المقعد الماروني في عكار.


نجح النائب الجديد في أن يحتاط بحلقة من المقربين المستشارين من خارج صلات القربى، فوتق بهم، وسلمهم إدارة الكثير من الأمور المحلية. لم يلجأ إلى أي من أخوته لذلك، أو إلى أبناء عمه، وكان بمقدوره فعل ذلك وهم على قدر من العلم والمعرفة والمكانة الإجتماعية. لا بل لجأ إلى استاذ مدرسة يتناغم معه ليسلمه مفاتيح الحل والربط والعمل المحلي والتكلم باسمه. كما أنه جذب آخرين كثراً شعروا بأنهم، معه ومع باقي المقربين منه، باتوا يشكلون تجمعاً قوياً يستطيع فرض وجوده. استعرّت الحرب بينه وبين عائلة ضاهر، حرب ما كان لها سوى أن تكون لمصلحته إذ أنها جعلت منه، عوضاً عن كونه نائباً مع كل ما يعني ذلك من قدرات ومن مغريات جاذبة، القطب الجديد الذي يهرع إليه كل من اختلف مع العائلة ومع الشيخ، وكل من تطلع إلى تغيير في العقلية السياسية. سارت معه العائلات القبياتية بجزء كبير منها، وهي لم تكن لتشعر معه بالدونية إذ أنها في انضوائها تحت لوائه لم تنضوِ تحت جناح عائلة مهيمنة انما وراء شخص يتبناها وتتبناه ويدافع عن مصالحها.


حقق الأستاذ مخايل، خلال مسيرته السياسية الأولى، نجاحاً يشهد له محلياً ولبنانياً في اختراق العائلات والعائلية، وفي استنباط عصبية من نوع جديد استطاعت أن تستمر فأثمر مشروعه السياسي المبني أساساً على” اللاعائلة”. بقي الشيخ ميشال زعيماً موجوداً، محترماً، لكن شعبيته كانت على تآكل لصالح الاستاذ.

 

 

٧- التجربة السياسية للشيخ مخايل
اندلعت الحرب اللبنانية، وأصبح البرلمان اللبناني يمدد تلقائياً لنفسه. وبما أن الناس كانوا قد فقدوا الأمل في استنباط حل لأزمة لبنان، أصبح مخايل ضاهر يُعتبر، مثله مثل باقي من كان قد دخل الندوة البرلمانية في حينه، نائباً “إلى الأبد”. دخل الحكومة، وكان اسمه يرد دائماً في اللائحة القصيرة للأسماء المحتملة لرئاسة الجمهورية. ولقد كان ذات مرة على قاب أقل من قوسين للتربع على كرسي بعبدا لو لم تختار الأحداث “الفوضى” بناء لمعادلة مورفي الشهيرة. كل هذا دفع بآل ضاهر لمراجعة حساباتهم مع ابن عائلتهم المنبوذ. وأذ بالإبن الضال يصبح هو الراعي الصالح لتعود إليه العائلة “الضالة” رويداً رويداً. استقطب أفراد العائلة الواحد تلو الآخر إلى أن أصبح ألد أعدائه في العائلة سابقاً، أقرب المقربين إليه في ما بعد. انتقلت العائلة ب٩٠٪ من افرادها من حضن الشيخ ميشال إلى حضن الاستاذ مخايل الذي “تبنّى” العائلة وتبنّته هي، ناسياً ما مضى، وناسية هي ما مضى، مطوّبةً مخايل ضاهر زعيماً لها. من قال أن الألزهايمر هو مرض يطال الخلايا العصبية لشخص ما؟ إنه في لبنان علاج ضروري لحالات التأقلم مع المتغيرات، يسمح بمحو كل الذاكرة السابقة، والبدء من جديد وعلى صفحة ناصعة البياض. سمّت العائلة مخايل ضاهر شيخها، وأُعجب بالتسمية، ودخلنا في عهد الشيخ مخايل. رحم الله الأستاذ، كانت فترة شباب، ومضت.


تربعت العائلة في دارة الشيخ مخايل و”أخذت راحتها”، وعادت أيام العز الضاهري الذي كانت العائلة قد افتقدته والذي لم يكن بمقدور الشيخ ميشال استرجاعه. أعاد الشيخ مخايل مجد العائلة رغماً عنها. لا بد لنا هنا من استحضار هذا المثل الذي ينطبق على منطق العمل السياسي المرتكز على العائلة : “مين ما تجوّز أمي بقللو يا عمي”. كل من يحمل كنية العائلة وينجح في تبوّء المركز الأول يصبح أهلاً لأن نسير وراءه وإن كنا في الماضي القريب جداً نخوض ضده الحرب الضروس. وهكذا صار. وتغيرت المعادلات وولدت معادلات جديدة كان على ابناء ضاهر أن يأخذوا بها. زعيم العائلة = مخايل ضاهر. شيخ العائلة = مخايل ضاهر. المدافع عن مصالح العائلة (نظرياً) = مخايل ضاهر. كان الشيخ ميشال يضحك في قرارة نفسه وهو يشهد كيف أن أبطال الدفاع والإستماتة عن الزعامة الميشالية ورؤوس الحربة في الهجوم على الزعامة المخائيلية يتركونه الواحد تلو الآخر ويؤدون الطاعة للزعيم الجديد. عائلة ضاهر التي نقلت نفوسها من “فوق” (بيت ميشال ضاهر) إلى “تحت” (بيت مخايل ضاهر)، استطاعت إلى حد ما أن تجلب مخايل ضاهر إليها، وتربحه جزئياً. هنا تنتهي المرحلة الثورية السابقة. فالماء تعود دوماً إلى مجاريها. العائلات القبياتية مهمة، دون أدنى شك، لكن لعائلة ضاهر دوراً عليها أن تلعبه، وأصبح وجودها في صحن دار الشيخ مخايل يسمح لها بمحاولة لعب هذا الدور. لكن لنقلها بوضوح، لم تستطع العائلة، في عز التصاقها بالشيخ مخايل، أن تأخذ ما كان لها في بيت الشيخ ميشال. كانت موجودة، وكان افرادها يحاولون تثبيت مواقعهم وأقدامهم، وهذا ما كان ليحصل إلا على حساب الحاشية السابقة، حاشية الرعيل الأول التي صنعت بيديها مجد مخايل ضاهر الاستاذ. كما أن مخايل الأول، المناضل والمؤمن بالمساواة بين الكل دون تمييز، أصبح في ما بعد مخايل الثاني، الشيخ الذي لا يناقش ولا يسمع لأحد. لم يسمع لأحد، بالتحديد، يوم قرر استملاك الخان (أهم بناء أثري في القبيات، قبل الدير وقبل بيت الحكيم يوسف ضاهر) وهدمه! وها هو يهدم السوق القديم وحتى بعض المطاحن في سبيل اوتوستراد لم يكن من مبرر لوجوده. وأيضاً وأيضاً، يشق الثانوية المختلطة الناجحة ويفصل الشبان عن الشابات، الخ…


قام مخايل ضاهر بإنجازات عدة خلال فترة نيابته الطويلة. لسنا هنا في طور تعدادها، وهي كثيرة، كما اننا لسنا في وارد تعداد الإخفاقات. لكل المسارات السياسية المهمة ايجابيات وسلبيات. إن ذكر بعض الإخفاقات جاء من باب التوقف عند التحول الذي بدأ يطرأ على مسيرة مخايل ضاهر، والوقائع التي لم نكن نعهدها كثيراً أيام مخايل الأستاذ وأصبحت تتكرر في عهد مخايل الشيخ.


بدأ معاونو مخايل ضاهر القدامى يبتعدون عنه. راحت عائلات أخرى تفكر عائلياً، فتنفصل عنه لتشكل كياناً مستقلاً عن ابن ضاهر (آل مخايل مثلاً)، أو تفتش عن اسم جديد تدفع به الى الامام في وجه شيخ آل ضاهر.
بدأ الشيخ مخايل يخسر من مؤيديه. ولما وقف في وجه التمديد لرئيس الجمهورية الياس الهراوي وأراد السوريون تأنيبه بإقصائه عن النيابة وخلق زعامة جديدة عنوانها الشيخ فوزي حبيش، وجدوا “جيشاً” من الذين خذلتهم سياسة الشيخ مخايل، جاهزاً للإنضواء تحت لواء حبيش. وهكذا كان. عندما ابتعد مخايل عن طرحه الأول اللاعائلي، بدأ، عن غير قصد، يغذّي العصبية عند باقي العائلات التي راحت تفتش، كل على حدة، على كيان عائلي خاص بها يسمح لها يوماً بالافلات من زعامة الشيخ مخايل ضاهر.

 

 

٨- تجارب سياسية أخرى
عند دخول الشيخ فوزي البرلمان، ثم الحكومة، وعند طرح اسمه كرئيس محتمل للجمهورية، أدرك الشيخ فوزي أن ليس بمقدوره، وهو ابن عائلة صغيرة، ان يخلق زعامة جديدة في القبيات إن لم يعمل على استنباط شراكة قوية ما بين عدة عائلات وجهات واشخاص يكون هو حامل همومهم والمدافع عن مصالحهم ومحقق أحلامهم. وحّد عائلته حوله بشكل صلب ومتين، واستقطب كل النافرين من الشيخ مخايل، تحالف مع القوات اللبنانية ومع قسم فاعل من آل عبدو متداخل مع القوات، من الذين كانوا يفتشون من خارج زعامتهم التقليدية المتمثلة بالشيخ صبري، عن وجه جديد يقيمون معه تحالفاً يكون لهم فيه حصة الأسد، أي البلدية.
نجح الشيخ فوزي ومن بعده نجله الشيخ هادي في الحفاظ على الكرسي النيابي، بالدعم السوري للشيخ فوزي، وبالدعم الحريري للشيخ هادي. لكن الإثنين استطاعا، وبمنأى عن الدعم السوري أو الحريري، خلق شعبية فعلية رئيسية في القبيات، بفضل تلك الشبكة العابرة للعائلات. ولقد اثبتت الانتخابات البلدية الأخيرة ذلك، إذ حصل تحالف حبيش مع جزء من القوات على ٤٤٪ من الأصوات مقابل تحالف واسع ضم مخايل ضاهر والعونيين والكتائب وجزء من القوات وقدامى القوات والكنيسة والعسكر.


تجربة الاستاذ جوزيف مخايل وآل مخايل تستحق التوقف عندها. فهي خير دليل على استحالة نجاح مشروع سياسي لا يستطع تخطي العائلة. لم يستطع الاستاذ جوزيف أن يقنع، خارج عائلته، سوى القليل بمشروعه. أن تجمع حولك عائلتك، لا يكفي. فبقدر ما تجيش داخل العائلة وتشحن فيها العصبية، بقدر ما تدفع بالذين هم من خارج العائلة الى النفور من المشروع. أو أنك في أحسن الأحوال تعطيهم فكرة تقليدك في عائلتهم.


تجربة آل عبدو في السياسة والزعامة تعود الى زمن قديم. مؤخراً، ومنذ عودة الحياة البلدية إلى لبنان، عمل آل عبدو على أن يكونوا بيضة القبان في الانتخابات البلدية. من يتحالف معهم يربح البلدية، ومنهم يكون رئيسها. هكذا حصل مع صبري عبدو الاول بتحالف مع مخايل ضاهر، وصبري عبدو الثاني بتحالف مع فوزي حبيش، وعبدو عبدو الاول بتحالف مع هادي حبيش، وعبدو عبدو الثاني بتخالف مع مخايل ضاهر! نجح آل عبدو، حتى تاريخه، في فرض عائلتهم. وفي هذا “الفرض” تكمن مراكز الضعف لهذا المشروع الاستبعادي لباقي العائلات والمرتكز على القوة العددية وعلى القدرات المالية (والشرائية) للعائلة، دون أي طرح عابر للانتماء العائلي يجعل من الحلم السياسي للعائلة مشروعاً باستطاعة باقي العائلات حمله وتحمله، بالقدر نفسه، وبالحماس نفسه.


تمر الآن عائلة عبدو في “فترتها الذهبية” ربما، على قول البعض. لكن لا استمرارية لمشروع سياسي يخرج من العائلة ولا يلاقي كل ابناء البلدة. كما ان وحدة العائلة، وهي بالطبع ليست موحدة كلياً حالياً، ينتظرها مزيد من الانقسامات، وهذه سنة الحياة الطبيعية للعائلات التي تحكم، كما حصل مع آل ضاهر. فإذا كانت المعادلة للوصول الى البلدية هي حمل كنية عبدو مع حساب مالي ثمين في المصرف، فلماذا سيمتنع عن الترشح للمنصب من هو من آل عبدو وعنده المال والطموح؟


هناك تجارب سياسية حديثة لعائلات جديدة مستحدثة هي الأحزاب التي نسميها “مسيحية (وهي تسمية مغلوطة). لم يستطع أي من الأحزاب، حتى اليوم ( ربما تتغير المعادلة لاحقاً؟)، خلق ناس حزبيين عندهم انتماء حزبي مبني على فكر حزبي واضح يميزهم عن غيرهم من الحزبيين الآخرين. جل ما استطاعت الاحزاب عمله في القبيات حتى اليوم هو خلق عصبيات لها شعارها الخاص، لونها المميز، زمورها، وبالطبع زعيمها الأوحد. لم تعمل هذه الأحزاب، وللأسف، على تثقيف جمهورها سياسياً، وفي العمق، ليفهم المنتمي الى التيار الوطني الحر ما يميزه عن القواتي، وليفهم القواتي ما يميزه عن الكتائبي، غير الانتماء السطحي لعون أو لجعجع أو لآل الجميل. هذا الانتماء السطحي الحزبي حوّل هذه الأحزاب الى تجمعات تتشبه بالسياسي التقليدي وتعمل بعدته. يلومني أحد البارزين في تيار سياسي يعمل في القبيات لماذا لا أزوره في بيته عندما يأتي الى القبيات في آخر الاسبوع. قلت له بأن يدعوني مع غيري الى مناقشة نقطة معينة في السياسة مثلاً. قال “لا، شو بدك بوجع الراس. تعا نشرب قهوة”!


هذه العائلات الجديدة، إن لم تخرج من عائليتها إلى الأفق الأوسع، وإن لم تتحرر من الانتهازية السياسية (التي قد نفهم ولو على مضض وجودها عند تجمع عائلي لا يطرح فكراً سياسياً لكن لا نتفهمها أبداً عند حزب سياسي يحارب رئيس بلدية بلا هوادة خلال سنوات طوال ثم يعود ويتبناه)، وإن بقيت تعمل كعائلة تقليدية، فهي ستسلك مسار هذه العائلات التي خاضت التجربة السياسية والتي انتهت بالتفكك والانقسامات.

 

 

٩- خلاصة
إذا كانت العائلة موقعاً إجتماعياً في غاية الأهمية الأنسانية، فإنها لم تعد تستطع، على المدى الطويل، أن تشكل “الحزب” لأي مشروع سياسي في مجتمع مثل المجتمع القبياتي الذي خرج من متانة العائلة الهرمية ومن الأحادية العائلية في الحكم المحلي. إن نجحت مرحلياً بعض العائلات في الوصول الى السلطة السياسية المحلية برافعة اساسية هي العائلة، فإن لا استدامة لهذا النجاح الذي لا يلبث أن يسقط في ما بعد في الانقسامات مولداً مشاريع منافسة ومشابهة عند عائلات أخرى.
وبقدر ما يكون المشروع السياسي “لا عائلياً”، عابراً للأنانيات العائلية، حاملاً هموم الكل لا البعض، بقدر ما تكتب له الاستمرارية. اللهم إن عرف صاحب المشروع كيف يسير به، وإن حالفه الظرف والزمان.

 

------------------------------------------------

التواصل على البريدين الإلكترونيين:

joadallah@gmail.com
adaher@elleorient.com

back to Cultural salon