back to Saydet el Kalaa

 

Saydet el Kalaa - سيدة القلعة

Menjez, Akkar   منجز، عكار

الأب نعمة الله طعمه اللبناني

 

 

دير سيدة القلعة

لقد أشرقت شمس هذا المعبد في سماء عكار منذ عهد بعيد يعود تاريخه إلى القرن العاشر ميلادي يدل على صحة ذلك القلعة القديمة المبنية قرب هذا المعبد إلى الجانب الغربي منه وهي التي تدعى السيدة باسمها المشهور "سيدة القلعة".

 

ولقد بالغ سكان بلاد عكار وغيرهم في الإكرام والاحترام لهذا المكان المقدس، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وأديانهم لأن شفاعة صاحبته أي السيدة كانت وما زالت تحل على كل من يلتمسها بثقة وإيمان وبدالة الابن على أمه فلكثرة الأقوال والأحاديث بشأن هذه السيدة ومعجزاتها العديدة رأينا لزاما علينا، ونحن الآن نقوم على وكالتها وإدارتها، رأينا أن نسرد بكل صدق وأمانة كل ما اتصل بنا من آثار هذا المعبد العريق في القدم، ومن أخباره السالفة ونلقي شيئا من الأضواء على تاريخه العجائبي الجدير بالذكر والإعجاب والتكريم.

 

على أكتاف النهر الكبير إلى الجنوب وضمن الحدود اللبنانية الشمالية، يقوم هذا المعبد على منتصف الطريق التي تصل مدينة طرابلس بمدينة حمص. حوله الغابات والاحراج، تزيده روعة وجمالا وهيبة ووقارا. ويستلفت إليه الأنظار عن بعد لما هو عليه من حسن الموقع وزخرف البناء وإذا سألت عنه الكبار والصغار من أبناء عكار وعن ماضيه العجيب، جعلوا يقصون على مسامعك من عجائبه ومعجزاته ما ترتاح إليه النفس ويسر له الخاطر. هذا وناهيك عن الوقائع التاريخية المفيدة.

 

أيها القارئ العزيز، هيا معي إلى هذا المكان المقدس لنشاهده عيانا إذا لم تكن عرفته من قبل بعد اجتياز قرية عزير السورية، يهبط الزائر مسلكا وعرا ذا اعوجاج إلى وادي النهر الكبير، فيبدو للناظر سهل مرتفع يعرف بسهل السيدة. يخاله الناظر إليه عند ملتقى رافد النهر المسمى بالنهرية، يخاله صدر سفينة عظيمة رست في تلك المياه ساخرة بالرياح الهوج وطوارق الحدثان وتتابع القرون العاجزة عن زحزحتها. وبينما أنت في منحدر ذلك الوادي تلفت نظرك مياه النهر الكبير الدافئة المندفعة إلى البحر بين أشجار الدلب والدفلى والصفصاف الباكي وغيرها من الأشجار المائية وبساتين التوت والذرة والأرز والفستق التي يسقيها هذا النهر، وكم كنا نتمنى لو تتفق الدولتان الشقيقتان سورية ولبنان على إقامة سد كبير على هذا النهر لتعميم فوائده على البلدين الأخوين. وإننا لنرجو ذلك. أما الذي يزيد في هيبة هذا النهر وطاقته المائية، فهو فصل الشتاء حيث تتعاظم مياهه فيصبح مرعبا مخيفا وتتبدل مياهه من صافية إلى حمراء دكناء تحدث ضجيجاً هائلاً يصم الآذان. وينقطع الاتصال تماما بين لبنان وسوريا إلا على جسرين فقط هما جسر العريضة وجسر العبودية والمسافة بين الاثنين تبلغ حوالي ثلاثين كيلومتراً.

 

يعرف هذا النهر عند الأقدمين من المؤرخين باسم "الوتاروس" وتصب مياهه في البحر المتوسط الذي يرى عن بعد على شكل نصف دائرة أو هلال أزرق اللون هو جون عكار.

 

على أن سهل السيدة عقيم أجرد لا يقع البصر فيه إلا على بعض أشجار من السنديان والملول ورؤوس من الأبقار وقطعان الماعز والغنم تزيل وحشة ذلك المكان بخوارها وثغائها المتقطع ثم يأخذ هذا السهل يضيق شيئا فشيئا حتى ينتهي في وادي قرية منجز وقرب الطريق العريضة التي تباشر بها الحكومة اليوم بعد سبات طويل.

 

 

قلعة فاليكس

إن طرف السهل الذي ذكرناه في العدد الأول، ينفصل عن باقيه بخندق عمقه تقريبا عشرون مترا بعرض خمسين مترا قد نقرته في الصخر يد الإنسان وفي هذا الطرف المنفصل يرى الزائر اطلال قلعة قديمة تعرف بالتاريخ باسم قلعة فاليكس أي قلعة السعيد، هكذا سماها الأقدمون ولقد أجمع المؤرخون على ان هذا القصر كان في جوار "عرقا" وبدليل هذه البينات تمكن الأب برنيه اليسوعي والمسيو دوسو من معرفة آثاره، وجزما جزما قاطعا ليس هو إلا قلعة فاليكس التي تبعد عن عرقا زهاء خمسة وعشرين كيلومترا وكشف السيد دوشو الأستاذ في درس الآباء القديمة، كشف الحجاب عن ذلك في مقالة نشرها في مجلة الآثار القديمة تحت عنوان "الرحلة السورية" بتاريخ تشرين الأول والثاني عام 1896. وقد أخذنا معظم ما تنطوي عليه هذه اللمحة من الفوائد التاريخية في حضرة الأب برنيه اليسوعي المرسل الرسولي والساعي الأول في بناء دير السيدة القائم حالياً، وعن الأخ تاودور الذي وضع تصميم هذا المعبد الحديث، وعن بعض ذوي الخبرة والمعرفة من السكان الباقين حتى الآن على قيد الحياة وقد شارفوا على المائة سنة، منهم السيد رشيد مخول من مزرعة كفرنون، والمرحوم سليمان الياس طعمه من عزيز وغيرهما من الشيوخ الطاعنين سنا.

 

من حجارة هذه القلعة قطع كبيرة من الحجر البركاني ورسوم ثلاث كنائس وغيرها من الأبنية ورؤوس أعمدة إلى غير ذلك من المنازل والبيوت المتهدمة، وهناك برج المراقبة من نوافذه ذات الفتحة الواسعة من الداخل والضيقة من الخارج، الواقع في طرف هذه الأبنية شرقا والمطل على واديين عميقين وهما وادي النهر الكبير ووادي نهر منجز وهذان الواديان أشبه بسور طبيعي يحمي القلعة ويقيها هجمات العدو. وهناك ثلاثة آبار عميقة. ونفق تحت الأرض مردوم كان على ما يبدو منفذا إلى النهر خصص للتسلل والهرب وقد وجد بين تلك الآثار رؤوس نبال ونصال ونوع من السرج والمشاعل وغير ذلك من العاديات القديمة نقلت كلها إلى المتاحف من عهد بعيد. كما اننا نجد من وقت إلى آخر، شيئا من العملات التي كانوا يتداولون بها قديما نقش على المتن الواحد منها صور ملوك ورسوم حيوانات وعلى المتن الآخر رسوم ملوك وكتابات باللغة الأجنبية. وما زلت حتى الآن انا كاتب هذه السطور احتفظ بثلاث منها. وقد سلمت إلى الأب تالون اليسوعي الأثري الكبير بعضا منها ذات قيمة تاريخية على حد قوله. كم كنا نتمنى على الحكومة اللبنانية ان تلفت نظر دائرة الآثار إلى هذه القلعة القديمة والاهتمام بها كسائر الآثار اللبنانية لما فيها من فوائد تاريخية وظواهر آثار قديمة.

 

ومن الراهن الثابت ان المسيحيين في القرون الوسطى قد أقاموا في تلك القلعة وخفقت أعلامهم. فوق تلك الرابية المرتفعة لما شاهدوا من مناعة هذا الموقع. وكان صاحبه آنذاك "جلبار دي بوسي لوران" وكان يقوم فيه سابقاً حصن رممه جلبار هذا. وما الآثار الموصوفة آنفا إلا بقاياه. "حاشية" في الرابع من شهر شباط سنة 1962 زار هذه القلعة المهندس الكبير عادل خوري يرافقه الكابيتان ابراهيم طنوس من القبيات على متن طائرة هليكوبتر فأعجبا بموقع القلعة ومناعتها وبمشاهدها الخلابة والاحراج الكثيفة المحيطة بها وكأنها الدرع الواقي المنحدر من أعلى إلى غور النهر الكبير الفاصل بين سوريا ولبنان. وأذكر عبارة قالها المهندس عادل بعد أن رأى ما رأى "لو تبني الحكومة مخفرا في هذا المكان الحصين لاستطاع حماية الحدود اللبنانية من العبودية الى جسر قمار" أعني مسافة لا تقل عن الأربعين كيلومترا.

 

ثم ان ريمون أمير طرابلس ابتاع الحصن من صاحبه "جلبار" بمبلغ قدره الآن خمسة وأربعون الفا من الفرنكات. وهذا مبلغ ذو شأن عند أبناء ذلك العصر يدل على أهمية وخطورة هذا الحصن المنيع. وفي سنة 1142م. استولى على "فاليكس" وعلى حصن الاكراد فرسان القديس يوحنا المعروفون عند العرب "بالأوسبيتليار" ومعناه المضيفين. فوسعوا نطاق هذه القلعة التي أصبحت تشغل هامة تلك القمة بتمامها وبنوا لهم كنيسة فسيحة الجوانب إكراما للقديس يوحنا شفيعهم ولم يزل حتى هذا اليوم يعرفها المسيحيون المجاورون بهذا الاسم.

 

ان الناظر إلى هذا الحصن من قرى سورية الكائنة على الحدود كقرية عزير مثلا وغيرها يحسبه شبحا ماردا جبارا رابط الجأش ثبت الجنان قد انتصب هناك لا يبدي حراكا يراقب تحركات العدو مستطلعا أخباره لينقض عليه وكأنه الرقيب يأوي أيام الحرب إلى برجه الذي ذكرناه يرصد ويراقب ما يحدث من الأمور في الأودية العميقة التي هي من حوله، أو في مسالك مدينة طرابلس وبلاد عكار المنخفضة من ناحية حصن الأكراد القائم فوق سهول البقيعة الخصبة حتى إذا تدلّت ستائر الليل وجن الظلام، كان ذلك الرقيب يتبادل الإشارات والرموز بواسطة الأنوار مع حصن صافيتا الذي يرى في الجهة الشمالية بين مضايق هاتيك الجبال. كما ينبئ إلى الوفود القادمين من قصر عرقا ومن حصن الأكراد اللذين من ذكرهما. وبهذه الواسطة لم تنقطع العلاقة بين قلعة فاليكس وهذه المراكز المنيعة بل كانت متواصلة. وكان سكان المنازل المجاورة لقلعة فاليكس التي تبلغ المائة منزلا يلجأون إلى هذه القلعة ويعتصمون بها عند اشتداد الخطوب الملمة بهم ولا يزال حتى أيامنا هذه يوجد ركام عديد من الحجارة هنا وهناك ان هي الا أطلال تلك المنازل.

 

 

معبد سيدة القلعة القديم

وأصل نشأته

إذا ما اجتزنا الخندق العظيم السابق وصفه، يأخذ طرف السهل المذكور بالاتساع والطول أمام الناظر شيئا فشيئا الى أن نصل الى معبد سيدة القلعة الذي يتردد اليه الزائرون من عهد قديم. على حين ان التاريخ لم يوقفنا على ذلك غير ان ما ذكره الأقدمون عن قلعة السيدة في السنين الغابرة يهدينا الى معرفة الشيء اليسير من أخباره ونشأته القديمة.

 

في سنة 1875، كان هذا المعبد خرابا يستدل على كيانه من آثاره القديمة وليس من أحد كان يقطن تلك الناحية الا انه كان يرى بعض الأحيان ان بعضا من سكان تلك الأديار يقصدون ذلك المعبد، فيخشعون ساجدين للصلاة امام طلل قديم أشبه بمذبح ذي حجارة ضخمة غير منتظمة. وفي تذكار ميلاد العذراء الواقع في الثامن من ايلول، كان الزوار يزدحمون هنالك على اختلاف مذاهبهم ويصير الاحتفال بقداس كبير يقيمه بعض الكهنة فوق ذلك الطلل المنتصب هنالك منذ قرون وأجيال وعددهم حينئذ يربي على المئات والالوف. وكنت إذا استعلمت أحدهم عن سبب ازدحامهم في هذا المكان وأمام هذا المعبد الخراب، يجيبك على الفور: اننا نقتفي بذلك آثار آبائنا وتقاليد أجدادنا الذين لم يهملوا قط، في مثل هذا اليوم المجيد، الاتيان الى هذا المكان المبارك، الذي أقامت فيه العذراء وظهرت فيه عجائبها.

 

إلى هذا الحد تتصل معرفة سكان تلك النواحي بماضي معبد السيدة القديم. وكم كنا نود استقراء كامل أخباره لو يتسنى لنا ونستخرج دفائن أسراره ويكشف الحجاب عن وجه حقيقته. على أن قلة البينات الواضحة تضطرنا الى ان نقتصر على ذكر ما سوف نسرده للتاريخ. استقينا معلوماته من مظان يوثق بها عن بعض المؤرخين القدماء من سياح الفرنجة ومستشرقيهم وعن لمحات ولمع للأب غودار اليسوعي من كتابه.

 

يرجح ان زمان بناء هذا المعبد يرقى الى عهد الصليبيين، لأنه لم يسكن بعدهم تلك الرابية الا شعوب غير مسيحيين بالتركمان مثلا الذين بنوا اكواخهم وبيوتهم على دعائهم هذه القلعة على ما هو معروف وذلك عام 1790 وبثوا مقيمين هذا المحل حتى عام 1840. ثم ارتحلوا عنه لجدب الماء فيه ولا يزال حتى يومنا هذا يرى المشاهد ركاما من الحجارة مبعثرة هنا وهناك ضمن سور القلعة وإلى جوانبها ان هي الا اطلال تلك المنازل الدارسة تحدث الأجيال عن القرون الغابرة وأخبار الدهور. وإلى الجانب الجنوبي من القلعة في أعلى منحدر رهيب فوق نهر منجز بمائة وخمسين مترا عمودياً ترى تلال عظيمة من صخور وحجارة مقطوعة صالحة للبناء، اطلق عليها المعاصرون اسم حارة اليهود والأصح حارة التركمان.

 

فينتج من كل ذلك ان معبد سيدة القلعة كان موجوداً قبل هذه العشائر وقد أصابه بعد ذلك ما أصاب غيره من الأبنية المسيحية القديمة التي أخنى عليها الزمان وتلاعبت بها أيدي الحدثان.

 

وقد جاء في تاريخ فرسان القديس يوحنا الذين أتينا على ذكرهم سابقا ما يثبت هذا الترجيح ويجعله من عداد الحقائق المبنية على أساس صحيح من مستندات التاريخ لأنه يصرح بأن هؤلاء الرهبان، قبل ابتياعهم قلعة فاليكس بأربع عشرة سنة، استولوا على نقطة متسعة من تلك الرابية وذلك عام 1128 م.

 

ولما كانت هذه القلعة تشغل بسطة طرف السهل بتمامه أعني السهب الممتد بين النهر الكبير وجدول منجز ابتداء من قرية رماح حتى ملتقى النهرين غرباً، ولم يكن على سطح هذا السهل المرتفع سوى اطلال المعبد المذكور، يمكنا ان نستنتج من ذلك كله، ان الرهبان أقاموا بادئ بدء في باحة هذا المعبد وأنهم بنوه أو على الأقل رمموه. ويؤيد هذا التحصيل الآبار الثلاث المحفورة في أعلى الرابية إلى الشرق منها اثنتان وإلى الغرب بئر واحدة وأجاجين من حجارة كبيرة للعماد ولم تزل قائمة حتى يومنا هذا لساناً ناطقاً بقدمية هذه القلعة ومعبدها الكريم.

 

ومن مطالعة كتب بعض المؤرخين نرى ان الافرنج كانوا يكثرون الترداد الى المشرق لزيارة معابد مريم العذراء كمعبد سيدة طرطوس الى الشمال من مدينة طرابلس ومعبد صيدنايا على مقربة من دمشق الشام . ومعبد سيدة الكرمل إذ كانت مراكبهم وسفن البندقية تقصد كل سنة هذه الأديار المشرقية في شهري حزيران وآب وهي تقل عدداً وافراً منهم فترسو بهم في ميناء عكا حيث تأتي لاستقبالهم جماعة من فرسان الهيكل لمواكبتهم في زياراتهم للأراضي المقدسة ولسيدة طرطوس وصيدنايا. وبعد هذه المرحلة كانوا يروحون النفس بزيارة أرز لبنان الخالد الشهير.

 

ومما لا ريب فيه ان بعضهم كانوا يأتون ايضا لزيارة سيدة القلعة الساطع بدرها في ذلك الحين في سماء تلك الأصقاع. وكان فرسان قد يوحنا المقيمون هنالك قبل ذهابهم الى ساحة القتال واقتحامهم غمار الحرب والأهوال، يطرحون على أقدام هذه السيدة اسلحتهم لتباركها ولتهبهم النصر في الدفاع عن عقائدهم وعن الكرامة والحرية.

 

وكان بعضهم يلقي المنية في هذا القتال دفاعا عن الواجب والحقيقة وبعضهم كان يعود اما مضرجا بدمه او مشوها فاقدا احد أعضائه فيجثو على أقدام العذراء شاكرا لها لأنه كان يعزو اليها نجاته من مخالب المنون.

 

ولعل القتال قد اشتبك اكثر من مرة أمام القلعة الحصينة وعلى مقربة من هذا المعبد يستدل على ذلك من العثور على اسنة ونبال شديدة الانحناء على مقربة من بعض مداخل القلعة وفي داخل النفق الضيق المؤدي الى النهر وقد ردم اليوم. فمنذ ذلك الحين أخذ السكان عموما والمسيحيون خصوصا يكثرون التردد الى معبد سيدة القلعة الذي ظهر لهم فيه من المعجزات والعجائب ما مكن في قلوب جميعهم حتى غير المسيحيين منهم الاعتقاد القاطع بعظمة صاحبة هذا المقام وقدرتها العجيبة وحملهم على الاستغاثة بها وسط تلك الأطلال البالية من محن الحياة وكوارث الدهر.

 

فكل ذلك يحملنا على الحكم الفصل بأن بناء هذا المعبد يرقى عهده الى أيام الصليبيين في القرون الوسطى ومع هذا لا يبعد ان يكون هذا المعبد قد وجد في زمان قبل زمانهم لأنه يستحيل على أناس مختلفي الأديان ان يجمعوا على التقاطر لزيارة هذا المعبد دون ان يسبق لهم زمان كانوا فيه على دين واحد.

 

ومن المقرر ان الدين المسيحي قبل ان يغزو العرب بلاد عكار، كان منتشرا هنالك حتى ان سكان تلك الأديار، وإن لم يكونوا كلهم كاثوليكيين، فقد كانوا مسيحيين. ولكن لما استوطن العرب هنالك قويت شوكتهم وامتدت سلطتهم تصدع شمل المسيحيين وربما اعتنق بعضهم الإسلام.

 

ومع ما وقع بينهم من الفوارق في الدين، قد لبثوا على عادتهم القديمة من الاجتماع كل عام في فناء هذا المعبد الدارس، في اليوم الثامن من شهر أيلول للإحتفال بتذكار ميلاد السيدة مريم البتول صاحبة ذلك المقام عليها السلام كبنين متفرقين تربطهم روابط الحنان البنوي لهذه الأم البتول التي ما برحوا من سالف الزمان ينضوون تحت لواء حمايتها. فهذا الاجتماع العام الذي يضم أولئك السكان على اختلاف أديانهم ونحلهم هو وحده كاف لإثبات وجود هذا المعبد قبل ظهور الاسلام إذ كان الروم يملكون الشرق بالسؤدد والسلطان.

 

وفضلاً عن ذلك فإن بين الآثار المسيحية المكتشفة في نواحي عكار، بقايا معابد كانت مشيدة إكراماً للبتول وكتابات عديدة منقوشة على الصخور كهذه: "منزل العذراء مريم _ هنا يقيم ابن الله ووالدته مريم. الخ" فكل ذلك يدل على تمسك اولئك السكان منذ القدم، باهداب العبادة لمريم العذراء. فلا يمكننا بعد ذكر ما تقدم ان نجعل معبد سيدة القلعة في عداد المعابد القديمة؟ أجل وان لم يكن ثم دليل قاطع يؤكد هذا الأمر ويثبته تماما.

 

ومما لا ريب فيه ان تلك الرابية كانت مأهولة على عهد الوثنيين اذ قد اكتشف في مكان معبد السيدة آثار كتابة تدل على ذلك منها انه وجد حجر كبير يبلغ حجمه نصف متر مكعب نقشت عليه حروف أجنبية وكتابة أخرى باللغة اليونانية منقوشة على حجر بركاني ترقى الى القرن الاول من النصرانية اليك ترجمتها مع تتمة الفاظها بين هلالين:

وقد فسرها الاب لامنس:

"مجلة الشرق المسيحي س 1899. ص 579"

كما يأتي "هذا تاريخ المسمى داداس (أو داماس) في شهر ارتميس في السنة 400 "للاسكندر الموافقة لسنة 88 م"

 

ولربما بعض سكان فينيقيا شيدوا مكان السيدة اليوم، هيكل لبعض آلهتهم وقد تعودوا ان يقيموا هياكل لأصنامهم على كل قمة من قمم لبنان خاصة إذا كانت حسنة الموقع رائعة المنظر كما كتب عن ذلك رينان في رحلته الفينيقية. وعلى هذا يكون معبد سيدة القلعة كآية انتصار مريم العذراء على الأصنام كما محقت ذكر الزهرة في مدينة حمص وفي قيصرية لبنان (عرقا) فاستوت على قمة تلك الرابية المرتفعة" مشرقة كالصبح. جميلة كالقمر مختارة كالشمس مرهوبة كصفوف تحت الرايات". (نشيد الانشاد 6: 9).

 

ونأمل في المستقبل كشف الخفاء عن آثار وعاديات غير هذه بحيث لا يبقى محل للريب في صحة هذا التاريخ لمقام السيدة.

 

 

الاحتفال بالزيارة

كان الأمر من بداية هذا المعبد وأصل نشأته، فقد اعتاد سكان تلك النواحي منذ القدم المجيء إلى هذه الرابية المنفردة لزيارة معبد العذراء والتماس شفاعتها وسط تلك الاطلال البالية دون ان يحول البعد بينهم وبين قضاء هذا الفرض الذي اخذوه عن أجدادهم فكانوا يقصدونه على بعد عشرات الكيلومترات غير حاسبين للصعوبات حسابا ولا لوعورة المسالك يحدوهم الحب والشوق لزيارة مريم لا فرق عندهم بين محمدي وعيسوي حتى هذا اليوم.

 

وفي بادئ الأمر لم يكن هناك سوى طلل من الحجارة الضخمة على هيئة مذبح يظلله ثلاث أشجار من السنديان. فيصلون أمامه ويضعون هنالك تقادمهم وهداياهم. أما اليوم الثامن من شهر أيلول الواقع فيه عيد هذه السيدة، فكان يوماً مشهوداً يجري فيه على بساطة تلك الرابية من المظاهرات ما يحرك عواطف القلوب ويؤثر فيها أشد التأثير. ففي عشية ذلك اليوم كانت الرابية تغص على رحبها بجمهور الزائرين القادمين من أطراف بعيدة كانوا ينصرفون الى الصلاة وأخرى كانوا يترنمون بمديح مريم البتول وكان ذلك برئاسة كاهن بلدة منجز المجاورة للسيدة.

 

وإذا ما جن الليل، كانوا يفترشون تلك الأطلال او يستظلون بعض الأشجار فيرقدون في حمى البتول التي ترعاهم بعين لا تنام. وعند انبلاج الصبح كانوا يهبون من رقادهم بأصوات الفرح والتهليل تجاوبهم جماعات عديدة قادمة من قرى منجز وعزير والدبابية وكفرنون ورماح والقبيات وعندقت ومن بيت ملات والتليل وديرجنين ومن قرى أخرى كثيرة من المسلمين والمسيحيين وفود وجماهير صاعدة الى هذه الرابية التي هي مطمح أبصار الجميع، في مثل هذا اليوم الذي كانوا يقضونه بين هزات الطرب وقرع المزامير والطبول (والدبكة) بكل محبة ووئام ورغد وهناء. وكان كل منهم يباهي صاحبه وينافسه بزخارف ملبوسة أو بجواده الذي يسبق الريح وقد ألبسه سرجاً أنيقاً يملك النظر أو بسيفه وسلاحه الغالي الثمن الحسن الطلق حتى يخيل اليك يومئذ ان ثروة بلاد عكار بتمامها قد عرضت في سوق المناظرة أمام سيدة القلعة وسط ازدحام الزائرين على اختلاف عوائدهم ومعتقداتهم. وجميعهم يقصدون من زيارتهم تكريم هذه السيدة التي كان يجلها سلفاؤهم ويكرمها أجدادهم، فيحتفلون بقداس كبير ترتفع فيه أصوات صلواتهم وابتهالاتهم حتى تملأ آذان السماء ثم ينفرد كل بعائلته ويجلس معها للطعام. وكان يحدث أحيانا ان بعض الزوار وفاء لنذره، يقوم بنفقة وليمة عامة يدعو اليها لفيف الحاضرين. وبعد الفراغ من الطعام كانوا كلهم يلهون ويطربون ويسترسلون الى الفرح والسرور فمنهم من كان يشدو ويترنم بالألحان الوطنية المعروفة عندهم ومنهم من كان يتمايل طربا ويصفق بيده ويخالف بين رجليه موقعا رقصه على اصوات المزمار ورنات النقر على الدفوف وقرع الطبول ومن الفرسان من كانوا يتبارون في حلبة سباق الخيل في السهل الواسع المعروف بالميدان حيث يجتمع مئة من الفرسان راكبي الخيول والجياد المطهمة ويعمدون الى اللعب المعروف "بلعب الجريد" الى غير ذلك من دواعي المسرة والطرب المألوفة في أعيادهم الاحتفالية.

 

ثم ينفرط عقد هذا الجمع، بعد أن يأخذ كل منهم لعيله قبضة من التراب الذي حول المذبح وقليلاً من ماء البئر المحفورة بين تلك الآثار حاملين الى ذويهم الذكريات الحلوة والانطباعات عن هذا العيد بل قل المهرجان الوطني العظيم.

 

 

التقليدات المحلية

إن أقدم حادث يتذكره شيوخ بلاد عكار عن حماية سيدة القلعة يرتقي الى أواسط شهر كانون الاول من سنة 1800. وذلك ان رجلاً يدعى حنا صافي، كان يحتطب مع ولد صغير السن في وادي منجز تحت خرائب قلعة فاليس، فهب أعصار شديد يندر مثله على قمة ذلك الرابية ثم عقبه مطر مدرار. فاستند الحطاب على بعض الاشجار متمسكا بها لئلا تتلاعب به الزوبعة. وأما الصبي، فإنه كان قائما على ضفة فاقتلعته من مكانه وجرفه التيار مسرعا. فلما شاهد والده ذلك ارتعدت منه الفرائض لهول المشهد فأخذ يبكي وينتحب ويركض مفتشاً عن فلذة كبده تجرفه المياه الهادرة وقد اصطبغت بلون التراب. مشهد مخيف مرعب. على أنه لما رأى ان كل مساعدة بشرية أصبحت لا تجديه نفعا، وجه أبصاره إلى آثار سيدة القلعة مبتهلاً الى صاحبة تلك الاطلال باكياً مستغيثاً بها لانقاذ ولده وقد سار بعيداً في الانحدارات المخفية حتى غاب عن نظره. وقد نذر على نفسه اكراماً لها اذا تمت الاعجوبة، ان يقوم كل سنة في اليوم الثامن من شهر ايلول، بتقديم الطعام للزائرين على نفقته الخاصة. وما فرغ من نذره، حتى سمع سكان قرية مجاورة قائمة على المنحدر المقابل للنهر الكبير يبشرونه بنجاة ولده بعد ان سارت به المياه بين الصخور مسافة أربعمائة متر وما يزيد. فصعد لساعته حنا المذكور ومعه ولده الى معبد السيدة وجدد هناك نذره ملزما به نفسه ما دام هو وولده على قيد الحياة.

 

وقد قام بوفاء هذا النذر مدة حياته كلها. وعند مماته أوصى ولده ان يستمر على وفائه وبعده كل عام في الثامن من ايلول. فحفظ الصبي وصية ابيه الأخيرة واقتفى آثاره. فكان كل سنة، في اليوم المذكور، يأتي الى سيدة القلعة محرضا الزوار على العبادة لها، محافظا على راحتهم ومسرتهم، قائما بتقديم ما يحتاجون اليه.

 

ومما يروى ثابتا عن شيوخ القرى المجاورين انه في اليوم السابع من شهر ايلول سنة 1828 حيث كان الزوار قد توافدوا من كل صوب حسب العادة وجدوا ان البئر قد نضبت مياهها. فخالج فؤاد إبن حنا صافي من جراء ذلك كدر وغم شديد وأصبح حائراً فيما يفعل ولا يعلم من أين يستقي الماء في يوم غد أعني الثامن من ايلول يوم عيد السيدة والزائرون كثيرون. فبعد ان اجتمع هو والمغفور له المرحوم الخوري يوسف بطرس خادم قرية منجز وتحدثا بهذا الشأن طويلا، ارتأى كلاهما نقل الماء من وادي النهرية المجاورة الى محل الزوار، رغما عما يقتضيه هذا الأمر من المشاق.

 

واذ جن الليل، بينما كان الزوار يترنمون على عادتهم بطلبة العذراء وسط تلك الأخربة البالية، انفرد عنهم حنا صافي المذكور، واتجه نحو البئر الجافة وحدق اليه طويل. ثم هبط اليها فوجدها لم تزل على نضوبها. فصرخ اذ ذاك عن ايمان حار قائلا "اتحرمين، ايتها السيدة، الماء عبيدك هؤلاء الزوار الذين ينشدون الان مدائحك وقد قدموا لحفلة عيدك من اطراف بعيدة جدا". قال هذا وهم بالرجوع اليهم حزينا. ولكن ما عتم ان انقلب كدره الى فرح لأن البئر النابضة امتلأت فورا ماء عذبا زلالا فأخذت الشاب هزة الطرب وجعل يهتف هتاف الحبور والتهليل ويطلق بندقيته في الفضاء طربا وسرورا. فعجب الزوار من ذلك وأشفقوا من ان يكون داهمهم عدو.لكنهم لما عرفوا صحة الخبر، وذاقوا من ماء البئر الذي لم يذوقوا مثيله قط، طار فؤادهم بذلك فرحا وجثوا جميعهم على ركبتهم خاشعين وأخذ ذلك الكاهن الغيور الذي، من فرط سروره لهذا الأمر دمعت عيناه، أخذ يتلو نيابة عن الحضور عبارات الشكر وأفعال الامتنان لهذه السيدة لما جازت به على عبيدها من النعم وأظهرت لهم الانعطاف والرحمة.

 

وبعد مضي يومين على هذا الحادث ومغادرة جمهور الزائرين لهذا المقام السامي عادت مياه البئر فنضبت كما كانت سابقا لتدل العذراء على انها تفعل العجائب متى شاءت.

 

ولم يمض على هذا الحادث اربع سنوات حتى اظهرت البتول الاعجوبة الآتية: بينما كان الزوار نياما بين تلك الآثار الدارسة، في ليلة اليوم الثامن من شهر ايلول سنة 1832 م. ظهرت ليلا على ذلك المذبح الحقير انوار بيضاء شديدة اللمعان. فذعرت جياد الخيل وجعلت تصهل صهيلاً متواصلا. فاستيقظ اذ ذاك الزائرون وعراهم اندهاش شديد حينما شاهدوا تلك الانوار الغريبة. اما النساء والاولاد فاعتراهم خوف شديد وعلا الضجيج والصراخ من كل صوب وناحية، فصاح بهم الكاهن: ان لا تخافوا. فان هذه الانوار ان هي الا السيدة عليها اشرف السلام فلنصل اليها ونلتمس مراحمها العظيمة.

 

ثم أخذت الأنوار تتضام الى بعضها على مرأى من هذا الجمع المندهش حتى صارت كعامود من نار قد استوى قائما على المذبح ينطح السحاب برأسه، ثم اتخذ شكل صليب يتألق لامعا. وما عتم ان صار شاحبا ثم ضرب لونه الى الاصفرار وتوارى عن الانظار عند البلاج الفجر. شهادات لعجائب البتول أداها أجداد أجدادنا بكل بساطة حتى اتصلت الينا بالنقل والتقليد وقد روت عنها كتب "العذراء في لبنان".

 

حاشية: قد روى هذه الحوادث كلها السيد ابراهيم الخوري المدفون قرب معبد السيدة الى الشمال سنة 1902 وذلك في حضرة نسيم الخوري والابوين الفاضلين الخوري مخايل والخوري يوسف خادم رعية منجز وابراهيم المذكور الذي شاهد بنفسه أعجوبة البئر في صباه وكان يومذاك شيخ قرية منجز يجله جميع السكان من مسيحيين ومسلمين ويحسنون الثقة به. وقد أظهر في بناء المعبد الجديد من الهمة والنهضة ما يوجب الشكر له. فإنه كان يأتي كل يوم من منجز الى سيدة القلعة ليشاهد بنفسه أعمال البناء. وكثيراً ما كان يذرف العبارات تأثراً بالعجائب والمعجزات التي أظهرتها البتول في معبدها المقدس.

 

وقد نقش على بلاطة لضريح المغفور له ابراهيم الخوري ما يأتي: "هنا يرقد المرحوم الشيخ ابراهيم الخوري، قد امتاز بتقواه وتفانيه في سبيل المصالح العامة وضم شمل سكان قرية منجز والمحاماة عن حقوقهم وقد سعى وساعد على انشاء دير السيدة وقد بنت له الرهبنة اليسوعية هذا الضريح ذكرا لجميله. صلوا لأجله".

 

 

الترميم الأول

ثم ظهرت في ذلك المعبد من سنة الى اخرى، آيات عظام ومعجزات باهرة حتى كأن البتول قد أرادت بذلك ان تثبت أولئك الزوار في ايمانهم الحار وان تحافظ على عادة هذه الزيارة من الاهمال الى اليوم الذي اندفع فيه رجل من سكان تلك الأديار، فأخذ على نفسه ترميم هذا المعبد وتجديد بنائه على حين لم يكن ليؤمل منه ذلك. على ان الجمع منذ زمن طويل كانوا يرغبون من صميم الفؤاد، القيام بهذا المشروع. بيد ان ضيق ذات اليد عن النفقات اللازمة لانجازه كان يحول بنيهم وبين تحقيق امنيتهم.

 

لكن صاحبة هذا المقام القديرة التي اذ فرغ الخمر في عرس قانا الجليل، لم تأل جهدا ان سعت شافعة لأولئك المدعوين لدى ابنها فقبل شفاعتها وأنعم عليهم بخمرة ما ذاقوا مثلها قط، هي هي لم تخيب آمال عبيدها فحققت ما كانوا يتمنونه من سنين عديدة. فأوصت الى بعض الفقراء المعدومين بأن يقوم بترميم المعبد وتجديد بنائه واليك الخبر:

 

كان رجل من سكان قرية منجز يدعى بولس الخوري سليمان (بولس المريض) قد أصيب سنة 1872 م بمرض عضال حتى أشرف معه على الموت فوهنت قواه وتراخت أعضاؤه حتى صار كسيحا لا يقوى على الحركة، بالرغم عما بذله من الاعتناء للشفاء فذهبت كل أتعابه سدى والداء على ازدياد ينهكه نهكا. فقضى هذا العليل المريض على هذه الحال أعواما عديدة يتقلب على فراش الألم حتى أشرف على الموت واشتهر مرضه عن سكان تلك الديار حتى لم يعرف الا بالمريض " وحتى ايامنا هذه يطلق على عائلته لقب بيت المريض" ولما عرف هذا الرجل ان الطب قد عجز عن شفائه وقد وهن منه العظم وجه ابصاره وآماله نحو سيدة القلعة التي سبق وزارها مرارا وسمع بمعجزاتها وآياتها الباهرة، فوكأ على ذراع أحد أصحابه قاصدا معبدها القديم الذي لم يصله الى بشق النفس. فجثا هنالك ورفع ذراعيه نحو البتول قائلاً لها: "أيتها السيدة الحنونة يا من تمطرين نعمك في هذا المكان المقدس، اني استحلفك بابنك يسوع ان تنعمي علي بالشفاء التام، وتردي لي صحتي المفقودة فإني لا أغادر معبدك هذا قبل ان يغادرني المرض. على أني أعدك إذا استجبت طلبي ومنحتني الشفاء، أن أقضي ايامي مستخدما ما توليني من عافية وقوة في سبيل بناء معبدك هذا".

 

وبعد أن صلّى كثيراً بهذا الايمان الحار ارتمى بالقرب من المذبح ونام "وفي مقالة كتبها المعلم الفاضل السيد ابراهيم عبد الجليل من حمص وكان يتردد الى السيدة ما نصه: نام المريض تحت أنظار البتول التي ظهرت له على شكل ملكة جليلة القدر، بهية المنظر".

 

وإذا فاق من نومه، شعر بأنه قد ابل من مرضه تماما. فقام لساعته وعاد الى قريته مرددا آيات الشكر للبتول التي عطفت عليه وشفته من مرض قاسي مضضه العذراء كانت تشجعه على المضي فيها عزم عليه وتلهم اصحاب الخير الى مساعدته زمانا طويلا. فكان لهذا الحادث شأن عظيم بين سكان بلاد عكار الذين عرفوا "المريض" ومرضه العضال، فكان ذلك سببا آخر لزيادة انتشار العبادة لسيدة القلعة والاعتقاد بقدرتها الفائقة.

 

ثم انه ما عتم "المريض" ان انجز ما وعد. فانه رجع مساء ذلك اليوم الذي فيه حصل على الشفاء، الى تلك الآثار تاركاً قرية منجز، مغادراً زوجته وأولاده الاربعة، مستصحبا ما لا غنى له عنه من الادوات، عازما على قضاء العمر وسط تلك الاطلال البالية واقفا نفسه بتمامها لخدمة هذه السيدة العظيمة. وجعل منذ ذلك الحين يهتم ويعنى بتشييد معبد فخم فوق تلك الآثار. وبادىء بدء ابتنى له كوخا صغيراً يأويه ثم شرع يستنهض الهمم ويستدر اكف ذوي الخير والمحسنين من السكان المجاورين ويجمع ما يجودون به عليه من الدريهمات والحنطة والذرة حتى انه تمكن من الشروع في البناء يوم عيد البشارة الواقع في الخامس والعشرين من شهر آذار عام 1877 م.

 

وقد اعترضه في سبيل هذا المشروع الخير عقبات وصعوبات متتالية غير ان العذراء كانت تشجعه على المضي فيما عزم عليه وتلهم أصحاب الخير الى مساعدته كما تظهر الآيات المنبئة برضاها عن مشروعه الصالح. وروي أنه في تلك الأثناء كان لامرأة تركمانية من فريديس "قرية مجاورة للسيدة" ولد أصيب بمرض عضال عجز الاطباء عن شفائه فلما يئست أمه من شفائه نذرت للسيدة كبشا تقدمه لها ان هي منحته الشفاء. وكان أنه لم يمض ردح من الزمن حتى ابل الولد من مرضه تماما. على ان امه تغافلت عن الوعد فباعت الكبش وفي أحد الأيام فقد الولد وكان عمره سنتين ولما طلبته أمه وجدته بين أطلال السيدة في ساعة متأخرة من الليل. فأدركت ان البتول غير راضية منها لحنثها بالنذر، فأعادته أمه وقامت بوفاء النذر فورا هذا ما يثبته شيوخ القرى المجاورة من المعاصرين.

 

ان بولس المريض بقي عاكفا على بناء المعبد إلى أن قيضت له العناية الإلهية مساعدة لم تكن في الحسبان.

 

كان في قرية العيون الواقعة على ضفة النهر الكبير والتابعة للجمهورية العربية السورية امرأة تدعى خزما البركات. وكانت تفكر منذ زمن طويل في تخصص ذاتها لعبادة الله في بعض الأديرة.

 

ولما علمت بمشروع "المريض" أنست من نفسها ميلا الى الانقطاع لخدمة سيدة القلعة. فحضرت في سنة 1878م، إلى فناء هذا المعبد ووضعت تحت تصرف البتول أعمال يديها وكلما تملكه من دراهم وعقار وشرعت منذ ذلك الوقت تجوب بنفسها النواحي المجاورة وتجمع ما تبرع به المحسنون لبناء معبد سيدة القلعة. وعلى الرغم من ضيق ذات اليد كان كل انسان مؤمنا كان او غير مؤمن، يجود بما تمكنه منه حالته المادية مرتاحا الى ما كانت تقصه عليه العابدة خزما، من معجزات السيدة وآياتها الباهرة.

 

وكانت البتول، عليها السلام، ترعى خادمتها النشيطة وتحفظها من الأخطار ودواهي الحدثان. وعلى ذلك كانت هذه المرأة تظهر من الجرأة والإقدام ما يذهل العقول إذ كانت تسري ليلا في تلك الديار وتنتقل من مكان إلى آخر فتجمع الصدقات معرضة بنفسها لأنواع المهالك وضروب الأخطار.

 

وإذ كانت يوما في 23 تشرين الأول سنة 1894، عائدة من قرية التليل الواقعة على مسافة ساعتين من سيدة القلعة وقد جن الظلام، شاهدت لصين كامنين لها في قعر واد موحش قاصدين الايقاع بها وسلبها ما كانت قد جمعته من دراهم بشق النفس. فعراها خوف شديد وكادت تفقد الرشد على انها صرخت مستغيثة بالبتول صاحبة السيدة ومرت بجرأة وقوة بين هذين اللصين اللذين التصقت أجسامهما بالحضيض حتى أصبحا لا يقويان على ان يبديا حراكاً. وبعد ان ابتعدت عنهما بعض خطوات، خاطبها أحدهما بقوله وهو ما زال مسمرا في الأرض.

"علامك يا بنيه علامش بالله عليك ايشو دينك علامش

سحارة والا مكاره علامش كنك سحاره تفكينا

والا خربت بيوتنا على حسابك".

 

فأجابتهما خزما "قد أخطأتما، فإني لست سحارة ولا مكارة. ولكني خادمة سيدة القلعة" فقال لها "عهد الله وميثاق الله لا نأتي صوبك ونوصي ولدنا ولد صوب الولي ما يأتي".

ثم ان هذه العابدة لم تكن لتقتصر من خدمتها على السعي في جميع الصدقات لبناء المعبد فقط بل كثيراً ما كانت تعنى بخدمة الزائرين ومساعدة البنائين. دون ان تنقطع هي والمريض عن الصلاة حتى في اوقات الشغل والعمل مستمطرين معا غيوث النعم الالهية والبركات السماوية. وكانا يصوما يوميا للسيدة اكراماً ويقتصران نهار السبت على اليسير من الخبز والماء. حقا ان الايمان يصنع العجائب ويبدل الانسان في شبه ملاك.

 

بعد ان تحملا كثيراً من التعب والمخاطر ولقيا من المصاعب امرها، تمكنا في غرة نيسان 1878 م. من انجاز بناء هذا المعبد الحقير من حجارة منتظمة بعضها فوق بعض لا يتخللها كلس وطين كما هي الهندسة اليوم ومع ذلك قد سر بتشييده سكان تلك الديار وطابت به نفوسهم وقلوبهم، إذ لم يكن حتى ذلك العهد معبد خليق بعبادة الله وبتكرم العذراء مريم.

 

اعلم: ان المريض وخزما، بنيا هذا المعبد من الحجارة الكبيرة التي كانت مبنية منها قلعة "فاليكي" فاليكس لفظة لاتينية معناها "السعيد" وأطلق عليها هذا الاسم لجمال موقعها الاخاذ بمشاهده، من جملة هذه الحجارة عتبتان كان محفورا عليهما الصليب المقدس للدلالة على ان هذه القلعة لا يرقى الشك الى كونها كانت من قلاع الصليبيين.

 

بعد الفراغ من البناء الجديد، جعل الزوار يتقاطرون من كل صوب الى معبد البتول الذي قام حديثا فوق تلك الأطلال البالية، وهم ينظرون اليه بعيون يملأها الفرح والسرور ويحنون اليه بقلوب ترقص ابتهاجا وقد كثر عددهم حتى اضطر المريض ورفيقته ان يلحقا بالمعبد المذكور منزلا حقيرا قسماه الى ثلاث غرف يأوي اليها الزائرون القادمون من اطراف بعيدة. ثم جعل "المريض" يسعى لايجاد كاهن يقيم هنالك الذبيحة الالهية ويسمع الاعترافات ويناول خبز الحياة للزوار في اي وقت ارادوا ذلك. فوجد كاهنا من الرهبنة اللبنانية المارونية التي لي أنا كاتب هذه اللمحة التاريخية شرف الانتساب اليها، عهد اليه هذه الخدمة موقتاً. فتضاعفت بإقامته هناك أعمال البر والتقوى وكثر عدد المقربين الى مائدة الخلاص. ان الحصاد كثير حتى اليوم والفعلة قليلون.

 

ثم ان المريض ابتاع على مقربة من المعبد قطعة ارض دفع ثمنها مما جمعه من تبرعات ومما اكتسبه بعمل يديه وأخذ يعنى على قدر الامكان بإصلاح هذه الأرض وتحسين تربتها. ولم يكتف بذلك، بل كان يعنى أيضا بتربية النحل وبرعاية قطيع الماعز يربضه في تلك الأرض المشتراة ملكا للسيدة. هذا كل ما كانت تملكه ولم يكن أحد يجسر على ايذاء هذا العقار او ما تملكه السيدة مع ان تلك الاصقاع يسكنها قبائل شتى متباينة المذاهب والاخلاق وكانت عادة السلب والنهب وشن الفارة ليلا مألوفة عند البعض من سكان تلك النواحي ويعدونها من الاعمال البطولية. على ان السيدة ابت الا ان تحافظ على املاكها أشد المحافظة وان تعاقب من يتجاسر على مسها بضرر ما. فلم يحدث قط أي حادث سرقة هنالك. وسكان تلك الديار يعزون ذلك الى عناية السيدة واحترامها ويتخذونه دليلاً قاطعاً على مقدرتها. ويروى حوادث عديدة نكتفي منها ذكر ما يأتي: وهو ان رجلين من التركمان، يدعي أحدهما عباس حريك والاخر عمر بن حسن، قدما ذات يوم لمشاهدة معبد السيدة الحديث وللتفرج عليه. فوقعت عين أحدهما عباس على حبل ومنجل في احدى زوايا المعبد، فدفعه الطمع الى سرقتهما. ثم هم بالخروج ولكن سرعان ما غشى عينيه ظلام دامس وبقي على ذلك بضع دقائق ورفيقه يدعوه من الخارج، وهو يلتمس في الظلام دون ان يقوى على الافلات من يد تلك السيدة القوية. فاستولى عليه الهلع والرعب ولم تفتح عيناه للنور الا بعد ان القى المنجل والحبل أرضاً. فبان له حينذاك باب الكنيسة فهرب منه مسرعا لا يلوي على شيء. والذي روى هذا الحادث رفيقه عمر وهو يقصه على مسامع من اراد. ولما بوشر في تجديد البناء اشتغل مع الفعلة اكراماً للسيدة العجائبية.

 

وقد شاع هذا الخبر عن السيدة حتى ان اهل تلك البلاد على اختلاف اديانهم يعتقدون ان في بسطة هذه الرابية مكانا مقدسا، وينظرون اليه بعين الاجلال والاكرام موقنين ان السيدة نفسها تعاقب عقابا صارما من يجرأ على ايذاء معبدها واملاكها.

 

ولم تزل العذراء تظهر لخادمها الامين المسرة من اعماله ومساعيه الخيرة. فكان يزداد رغبة وشجاعة ويتوق دائما الى ان يبني ايضا للسيدة معبدا اوسع واشرف مما قد بناه لها، يزدحم فيه الزوار ازدحاما. ومجمل القول انه كان يريد ان تصبح سيدة القلعة كنجم شديد التألق واللمعان ينير بضيائه كل بلاد عكار. وأخذ من ثم يضاعف طلباته وصلواته اليها في هذا الشأن وبحرارة قلب ملتهب جداً لهذه الام الخطيرة. دون ان يأخذه فتور او ملل او يخالجه اليأس والفشل حتى استجابة السيدة طلبه وحققت امانيه العائدة لمجد الله وخير البلاد.

 

 

الترميم الثاني

وفيما يتألق نجم السيدة في سماء عكار وتنتشر أخبار عجائبها في تلك المنطقة النائية سمع الآباء اليسوعيون المقيمون في مدينة حمص بأخبار سيدة القلعة وآياتها الباهرة اذ كانوا يتجولون في بلاد عكار لمزاولة أعمال البر والرسالة شغف أحدهم وهو المثلث الرحمات الاب يوسف برنيه، بحب هذا المكان منزل العذراء من قديم الزمان وراق له حسن موقعه وجمال مناظره واتزاله عن جلبة الناس وضوضائهم.

 

ولما كانت سنة 1892 م. جمع الأب المذكور كهنة القرى المجاورة قرب معبد السيدة وأقام لهم رياضة روحية وبعد انتهائها تقدم الى "المريض" وأعيان تلك الناحية ونذكر منهم المرحومين: ابراهيم الخوري شيخ منجز وسعد الموراني شيخ الدبابية وسليمان الياس طعمه من عزير سوريا وأحد كبار آل جمعه من منجز وغيرهم من الذين رقدوا بالرب ممن لا تحضرنا أسماءهم فقد تقدم هؤلاء من الأب يوسف برنيه ومعهم العديد من الوجهاء والمريض ايضا وطلبوا منه ان يعير هذا المعبد جانب الالتفات وأن يعنى بإدارته وإصلاح شؤونه وجعله مقاما لأعمال الرسالة في بلاد عكار تشرق منه بحلى أهالي تلك الإنحناء أنوار ساطعة تنير عقولهم وتثير من أفئدتهم عواطف الايمان. الا أنه لم يقرر شيئا في ذلك الحين بل مد إليهم يد المساعدة ليبنوا للكهنة محلاً واسعاً للنوم والاكل أثناء الرياضة ومحلا آخر للإستقبال.

 

على ان المريض عاد ملحا في الطلب مكرراً له بحرارة ونشاط حتى أجيب ملتمسه، فقدم الى المزار حضرة الأب بطرس رولو رئيس عام الرسالة اليسوعية في سوريا فأعجبه موقع معبد البتول العريق في القدم حتى جعل يلح على الأب برنيه لانجاز العمل الخطير. فلبي الأب المذكور عن طيبة خاطر أمر رئيسه وعين لخدمة سيدة القلعة كاهنا مارونيا(؟) يقيم دائما هناك لإقامة ذبيحة القداس كل يوم. وعلى مقربة من المعبد مدرسة لتعليم الاحداث من قرية منجز وعزير والدبابية وكفرنون وغيرها من القرى المجاورة أصابت عندهم اقبالا عظيما فتقاطروا اليها بقلوب تطفح بشرا وسرورا وأهلت تلك الرابية بعد ان كانت مقفرة ينعب فيها البوم وتنعق على أطلالها الغربان.

 

وبقي حضرة الأب برنيه يواصل جادا معتنيا بعمران هذا المكان للخير العام، بهمة لا تعرف الملل. فوسع نطاق مدرسته وابتنى مسكنا ثالثا وعين مدرسا للغة الفرنسية. ثم بنى مدرسة داخلية صغيرة لتهذيب وتثقيف من وقفوا ذواتهم لتعليم الاحداث وكانت البتول تنظر إلى أعماله بعين الرضى والارتياح مكللة مساعيه وممهدة في وجهه سبل المصاعب وازدهرت المدرسة فأصبحت كالشمس المنيرة في سماء تلك البلاد علماً دأدبا وتقاطر اليها لارتشاف العلم من ينابيعه الصافية العدد الكبير من تلك البلاد ومن لبنان وبلاد صافيتا وأبناء كبار عندقت والقبيات ومرميتا فكان منهم الكاتب او الشاعر والمترجم والطبيب وما زال حتى الان بعض منهم احياء يرزقون.

 

وكانت المعجزات تزداد يوما بعد يوم حتى اجتاز ذكر هذه السيدة العجائبية جبال عكار وطار صيتها بعيدا إلى كل الأقطار الى ان اقام في مكان المعبد الذي بناه المريض" معبدا فسيح الارجاء متسع الجوانب حسن الهندسة متقن البنيان مزدان من الداخل بألوان ونقوش جميلة والواجهة تتجه شرقا فتحت منها ثلاثة ابواب قام فوق الباب الوسط تمثال بديع لمريم العذراء تحتضن ابنها الذي يبارك بيده اليمنى بيت والدته الجديد وبلاد عكار كلها، فقرت بذلك أعين السكان فحجوا اليه وما زالوا يحجون من مسيحيين ومسلمين مستشفعين السيدة بأيمن واحترام.

 

والحق يقال ان هذا المعهد المشيد على الطرز المعروف بالطرز الروماني، يعد الان في تلك الديار من أبهج المعابد وأجملها صنعا وبناء ويشهد لبانيه بطول الباع في الأمور الهندسية بالرغم عما اعترضه من العقبات والمصاعب في سبيل بنائه من حيث بعد المكان ووعورة الطرق المؤدية اليه وخاصة صعوبة نقل مواد البناء. فهو مبني على أعلى حافة الخندق الفاصل بينه وبين القلعة القديمة وقد مرّ الكلام عليه. يعلو هامته صليب مرتفع حسن الشكل وفي داخله نوافذ مزدوجة ذات زجاج متعدد الألوان عليه تصاوير ورسوم تتضمن تاريخ حياة العذراء الطاهرة عليها السلام. وإذا ما اخترقتها أشعة الشمس تلونت في الداخل بألوان زجاجها وفوق كل نافذة نقوش بديعة تمثل ضروبا من الازهار وأنواعا من الرياحين.

 

أما جدرانه فهي مطلية بدهان ذي لون قاتم يضرب الى الغبرة مع تموج تخاله اذا تفرست فيه ألوانا شتى مختلفة. والى تلك الجدران أعمدة ضاربة الى السقف المحدب كأنه قبلة شاهقة حيث تنعطف الى بعضها فيتألف من انعطافها اقواس بديعة المنظر تملك العيون. وقد انيط الى تلك الجدران صور مراحل درب الصليب.

 

وفوق المذبح الكبير، نصب تمثال سيدة لورد، دقيق الصنعة بارع المنظر وهو قام هناك داخل كوة حضنت بأبراج صغيرة رمزا الى سيدة القلعة.

 

هذا ما رأينا ذكره بوجيز الكلام عن تاريخ هذا المعبد الجليل ولنا دائما الامل الوطيد انه سيكون في مستقبل الزمال على جبال عكار كمنار يرس على الناس أنوارا سماوية وعلمية تسدد خطاهم الى الحق والهدى وترشدهم الى ينابيع التقى والأخلاق الكريمة بشفاعة تلك البتول التي ارتضت لها مقاما في قلعة قديمة دلالة على قدرتها وسلطانها السامي عند الله فتخذل من ثم كل قوات الجحيم وتسحق رأس الحية الجهنمية وتبذر في قلوب المؤمنين بذوراً صالحة تأتي في أوانها بأثمار الخلاص.

 

ولنا ضمين عن ذلك ما نراه من عدد الزوار من مسيحيين وغيرهم، يهرعون الى هذا المكان المقدس ليستمطروا من فيض مراحم سيدة القلعة غيوث البركات والنعم فينالوا شفاء من أمراضهم وتعزية في أحزانهم وهداية في ريبهم. وكم رأينا وما زلنا نرى منهم إذا عادوا إلى قراهم يحملون بأيديهم زجاجات صغيرة ملأوها من ماء البئر ليسقوا منه المرضى وذوي العاهات فيشفون. ومنهم من يأخذون حفنة من تراب المزار يعلقونها في بيوتهم كحرز حريز حتى اذا المت بهم النكبة، خطوا من هذا التراب شيئا في مائهم تخفيفا لأوجاعهم. ان الإيمان يفعل العجائب.

 

 

الرهبنة اللبنانية تتسلم السيدة

سنة 1895، شرف نيافة القاصد الرسولي في سوريا ولبنان لحفلة تدشين الكنيسة الجديدة ممتطيا فرسا يرافقه بعض الآباء اليسوعيين فهرع لملاقاته جمع غفير من كهنة وأعيان تلك القرى وجمع كبير من الناس من جميع أنحاء عكار يتقدمهم رئيس الدير والمدرسة الأب برنيه اليسوعي وحوله عدد من المشايخ والوجوه كالشيخ ابراهيم الخوري (المدفون قرب المعبد) ووجه آل جمعه من منجز وسعيد الموراني وسليمان الياس طعمه ومن عندقت والقبيات مشايخ آل ضاهر وعبدو ومسعود وفخر حتى غصت باحات سيدة القلعة على رحبها بالجماهير المحتشدة فقرعت الأجراس ودقة الطبول جريا على عادة أهل البلاد وما ان اطل نيافة الضيف الكبير حتى اطلقت العيارات النارية وعلت اصوات المرحبين والمرتلين تشق عنان السماء فترجل وصافح كبار القوم وبارك الجموع ثم دخل الكنيسة باللباس الحبري بين جوقة من المرتلين وبعد أن ادى صلاة الشكر خرج الى قاعة الاستقبال حيث القيت الخطب ترحيبا بممثل قداسة امام الاحبار الجالس على السدة الرومانية. وأثناء حفلة التدشين قرر نيافته فتح معهد للتعليم في سيدة القلعة فانضوى اليه عدد كبير من طلاب العلم اذ اصبح المعهد هذا فريدا في تلك الاصقاع فتخرج منه رجال من مرمريتا وصافيتا وشمالي لبنان وعكار وقاموا بأجمل الخدمات لأوطانهم وكان لي الحظ انا محرر هذه النبذة ان اكون احد طلبته. وقد ازدهر ازدهارا نشيطا باللغتين العربية والفرنسة والحساب والرياضيات والتاريخ والجغرافيا والاداب السليمة. وظل في إدارة الاباء اليسوعيين المحترمين حتى عام 1924 حيث تسلمته الرهبنة اللبنانية فتعاقبت عليه الرؤساء وكان المعهد احيانا ينشط وحينا يتقهقر تبعا للرئيس الذي يتولى ادارته على انه بلغ حظا كبيرا من التقدم في السنوات التي فيها تسلم إدارته المرحوم الأب جبرائيل مجلي السر علي والأب نعمة الله طعمه ومن بعدهما اختفى عن مسرح التعليم نهائيا حتى يومنا هذا. حبذا لو تعير الرهبنة هذا المعهد اهتمامها فتجدد الماضي من عزه وازدهاره وتواصل الرسالة الانسانية والروحية والعلمية في تلك الأصقاع. انتهى.

 

 

عجائب السيدة

اثباتاً لقدسية هذا المكان رأيت لزاما سرد بعض عجائبه التي أخبرنا عنها بعض من الاحياء حتى الان. امرأة من زغرتا أصيبت بمرض مزمن أعجز الأطباء فنالت الشفاء التام بعد ان قضت ليلة بقرب مذبح السيدة.

 

حدث للشيخ سعد الموراني في آذار سنة 1898 اذ اندلع لسان اللهيب مهددا التهام غلاته كلها فصرخ الى السيدة متوجها اليها بكل ثقة وايمان واعدا بتقديم مبلغ من المال لمقامها ان دفعت عن حقوله هذه الآفة. فخمدت النار فجأة على مرأى من الجمع الذي حضر لإخماد النيران.

 

عثرنا فيما بين أضابير ابن عمنا المرحوم سليما الياس طعمه بعد وفاته وقد عاش 94 عاما، عثرنا على ورقة كتب فيها ما ننقله بالحرف: "كلمة للتاريخ: في الرابع عشر من كانون الاول سنة 1890 تفشى الهواء الاصفر فجأة في قرية حالات سوريا) وذلك نهار الجمعة وأهلك نيفا وسبعين نفسا من رجال ونساء وقضى على سكان قرية عش الشوحة فتوجه أهالي عزيز ومنجز والجوار الى السيدة مسترحمين حمايتها فلم يصب منهم أحد بأذى".

 

مشاهدون عيان حتى اليوم احياء يرزقون.

في اليوم العاشر من شهر تشرين الاول عام 1915، فاضت مياه النهر الكبير فجأة فيضانا هائلا مريعا حتى جرفت الاراضي والبساتين والاشجار والغلال والمواشي القائمة حوله. وصادف ان كان شاب يدعى "البدوي" ابن خوري مطانيوس، كاهن قرية العيون اتفق ان كان في اعلى شجرة توت يمشق الورق وما شعر الا والمياه قد غمرت التوتة وجعلت تتلاعب بها كريشة في مهب الريح. فأتاع الولد وكان عمره ست عشرة سنة وجعل ينادي السيدة ويستغيث بها وهي قائمة قبالته في أعالي الحرج. ولما وصل الخبر الى الخوري مطانيوس خرج حاملا بيده صورة السيدة وتبعه أهالي قرية العيون من رجال ونساء يبكون ويصرخون ويستغيثون بمريم العذراء لانقاذ الشاب الذي بات على حالة من الإغماء. فرفع الكاهن نظره الى السيدة باكيا طالبا نجدتها وقد أوشك تيار الماء ان يجترف ابنه الى البحر وبقي الحال هكذا حتى الصباح اذ غاضت المياه والشجرة قائمة بين ثلاث من الصخور الكبيرة التي كان النهر جرفها وكان يدا قديرة قد أحكمت وضعها حول هذه الشجرة الضعيفة فحفظتها من الانجراف وسلم الشاب من الكارثة وكل من كان مشاهداً آمن واعترف بأن البتول مريم مدت يدها وأجابت طلب ابنائها فاحتفلوا بزياح حافل في القرية لصورة العذراء مرددين آيات الشكر لهذه الأم الحنون.

 

ابان الحرب العالمية الأولى عام 1914، أقدم المدعو محمد جميل من البيرة ومعه جماعة من اتباعه، على نهب السيدة، فسلبوا كل ما فيها من أثاث ومنقول بعد ان عذبوا وأهانوا الرهبان اليسوعيين المقيمين فيها وكان منهم الاب بافرا اليسوي وهو هولندي الجنسية والاخ شميط الالماني قد هربا الى دير جنين ومنه الى طرابلس بواسطة المرحوم الأب يوسف الاسمر رئيس الدير آنذاك.

 

ولما مر محمد جميل وعصابته في قرية منجز يستاقون البغال محملة بموجودات السيدة جعل الأهالي يبكون لما حدث على يد هؤلاء القوم من الظلم بحق السيدة أمهم وجارتهم.

 

في تلك الأثناء كانت امرأة تقية من قرية منجز تدعى مورا زوجة ملحم طنوس تقتلع الهندباء في ارض الوطا، شاهدت ما حدث في السيدة فأخذت تبكي وتنادي العذراء أين أنت يا مريم وكيف سمحت لهؤلاء الرجال بخراب بيتك وتدنيس مقامك. وهي لكذلك إذا بحمامة بيضاء تحوم فوقها وكان زمن الصوم الكبير وقد حان وقت الغداء ظهرا فركعت أرضا تصلي قبل تناول الطعام كعادة النساء المتعبدات لمريم. والحمامة ما زالت تحوم في الجو فوقها وتقترب منها رويداً رويداً فحاولت امساكها وأخذها الى حفيدها الصغير ملحم واذا بتلك الحمامة تستحيل الى سيدة جميلة المنظر ترتدي ثوبا ازرق وشرعت تتحدث الى مورا المذكورة فقالت "يا ابنتي لا تبكوا على ما حدث في مقامي من نهب وإهانة واصبروا على احكام الله وأنا قديرة على استرجاع كرامتي واسترداد مسلوباتي".

 

وبعد هذا الكلام عادت السيدة فاستحالة الى حمامة على مشهد من تلك المرأة الفاضلة وطارت متجهة الى الغرب نحو السيدة حيث غابت عن بصرها.

 

الأب نعمة الله طعمه اللبناني

 

back to Saydet el Kalaa