back to Dr. Salim Daher

 

 

 زيارة البطريرك صفير التاريخية الثانية للقبيات وعكار

"مبارك الآتي باسم الرب" الانجيل المقدّس

 

بقلم الدكتور سليم الضاهر

 

القبيات "منبت الرجال، حماة العلم اللبناني"

البطريرك صفير في خطاب تنصيبه في بكركي،

في 26 نيسان 1986

 

"... فكنتم مثالاً للتضامن وقدوة في العيش المشترك"

البطريرك صفير مخاطباً أبناء عكار، في القبيات،

أثناء زيارته الأولى في 29 آب 1998.

 

تبتهج مدينة القبيات، وشقيقتها بلدة عندقت، وكلّ أخواتها وجاراتها بلدات وقرى عكار، خاصة المارونية منها، أو المختلطة التي يقطن فيها موارنة، بالزيارة التاريخية لرأس الكنيسة المارونية بطريرك انطاكيه وسائر المشرق نيافة الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، للقبيات وعندقت، في السادس عشر من ايار 2010. وهي تبتهج مجدّداً بزيارته هذه الثانية، بعد أن أعربت عن فرحها العارم بزيارته الأولى لمنطقتهم، منذ اثني عشر عاماً، وتحديداً في 29 آب 1998، والتي كانت أول زيارة في التاريخ يقوم بها بطريرك ماروني، لأبنائه الموارنة، واخوانهم ومواطنيهم بقية المسيحيين والمسلمين، في عكار.

 

هذه الزيارة التي كان لنا شرف التفرّد بمواكبتها علمياً، صباح اليوم الذي تمّت فيه، وقبل حصولها بساعات، عبر الدراسة التي وضعناها بالمناسبة، والتي، مع الأسف تولّى أحدهم في "النهار" حذف الجزء المتعلّق بالبطريرك صفير بكامله، من هذه الدراسة، ووضع لها عنواناً لم نكن نريده، قبل نشرها في الصحيفة في 29 آب 1998، على الصفحة 15. ولدى اعتراضنا على ذلك أمام مدير عام "النهار" الأستاذ جبران تويني، الذي كنّا قد التقيناه في منتصف الثمانينات، عندما شاركنا معاً في ندوة جامعية، برزت على محيّاه ابتسامة دافئة، وقال "سننشرها كاملة" وطبعاً وفى الأستاذ جبران بوعده، أو بشكل أدقّ لنقل "لقد شرّف وعده"، كما يقال في بعض دول الغرب. إذ نُشرت الدراسة كاملة في "نهار الشباب"، بالإضافة إلى صور، عن وقائع استقبال البطريرك صفير في القبيات آنذاك، وذلك بتاريخ 22 أيلول 1998، وبدءاً من الصفحة الأولى. فتحيّة التقدير الكبير لروح الشهيد الكبير جبران تويني.

 

واليوم، ونحن نكتب هذه الدراسة، نرى أنّه من الجميل أن نستعيد بعض ما كتبناه عن زيارة البطريرك صفير الأولى للقبيات وعكار، قبل حصولها، ثمّ بعد خروج القيادات السياسية والفعاليات الدينية والثقافية والرسمية والإعلامية والنقابية والإجتماعية والأعداد الغفيرة من الناس في المنطقة، للترحيب بالضيف الكبير.

 

المكانة المرموقة للبطريرك صفير

في الدراسة التي نُشرت صباح يوم 22 أيلول 1998، في "النهار"، كما سبق ذكره، كتبنا "انّ بطريرك انطاكيه وسائر المشرق للموارنة شخصية مرموقة ويتمتّع بتقدير واحترام كبيرين في لبنان ومحيطه العربي ولدى بعض الدول الكبرى في اوروبا والاميركيتين. ففي لبنان يعتبر العديد من الرؤساء والمسؤولين الكبار، الحاليين والسابقين، من جميع الطوائف، أنّ البطريرك صفير مرجعية وطنية وكاثوليكية بارزة ..." وأضفنا "... انّ هذه المكانة المرموقة التي يحتلّها البطريرك صفير تعود لأسباب كثيرة في مقدّمها أنّه رئيس الطائفة المارونية التي اضطلعت بدور اساسي في قيام لبنان، وشخصيته المتميّزة بالكفاءة والإنفتاح والجرأة وسماحة الفكر ورجاحة العقل. وتأكيده أنّ البطريركية المارونية ليست للبطريرك وحده، بل لجميع الموارنة وجميع اللبنانيين ... وحرصه القوي على ترسيخ العلاقات المسيحية الإسلامية في لبنان وبقية الدول العربية والعالم".

 

"بحر من الناس" يحتفي بالبطريرك صفير في القبيات

وتحت عنوان "البطريرك صفير في زيارتيه إلى عكار وعمان"[1] كتبنا في "النهار" في 3 تشرين الثاني 1998، حول مظاهر الحفاوة والتكريم التي أحيط بها رأس الكنيسة المارونية في عكار، فقلنا "... منذ أن وصل موكب السيد البطريرك والسادة الأساقفة الذين رافقوه، إلى أوّل قرية في قضاء (اليوم محافظة) عكار، إلى أن وطئت قدماه أرض القبيات، أحد معاقل الوطنية والتفاعل الإنساني في لبنان، توالى الترحيب العفوي والحار به، وتوالت استقبالات أبناء عكار لغبطته، في محطّات عدّة، بدءاً من ببنين ثمّ منياره فحلبا، وبعدها التليل. وكان جميلاً جداً أن ترى الجميع رجال الدين والعلمانيين، الكبار والشبّان وحتّى الصغار، الرجال والنساء، والمواطنين العاديين، المسيحيين (موارنة وأرثوذكس وكاثوليك وانجيليين) وإلى جانبهم إخوانهم في الإنسانية والوطن المسلمون، يعبّرون، كلّ على طريقته، عن مشاعر الفرح والترحيب بالبطريرك الماروني إمّا بكتابة اليافطات (عددها كان كبيراً) وإمّا بإقامة أقواس النصر، أو بانتظار البطريرك الماروني على الطريق العام، أو في ساحة البلدة، تحت شمس آب الحارة، للسلام على غبطته والتبرّك، أو بالتحيّة من بعيد، خصوصاً من كان يسير وسط الجماهير المستقبلة في القبيات ولم تتح له فرحة التبرّك، وإمّا بلبس الأزياء التقليدية واعتلاء ظهور الخيل والسير في "عراضات" جميلة أمام السيارة التي أقلّت بطريرك انطاكيه وسائر المشرق للموارنة، والسادة الأساقفة. اختصاراً لقد عبّر المواطنون عن محبّتهم وتقديرهم الكبير للبطريرك الماروني قبل الزيارة وخصوصاً أثناءها، عبر هذه المبادرات وغيرها، في شكل حمل غبطته على الوصول متأخّراً عن الموعد المحدّد لإقامة القداس الإلهي.

 

وكم كان رائعاً منظر وصول السيد البطريرك الكاردينال صفير، يرافقه الأساقفة والكهنة، سيراً على الأقدام، إلى باحة كنيسة سيدة الغسالة في القبيات، حيث أقيم القداس الإلهي، إذ استقبلته الجماهير المحتشدة هناك، أو هذا الـ "بحر من الناس" كما وصفته "النهار"، بالتصفيق الحاد والطويل، وانعكس فرح الناس على وجوههم. وهذا الحشد الكبير من المواطنين الذين تحلّقوا حول البطريرك والأساقفة في القبيات، كان الأول من نوعه في تاريخ عكار ... ووسط الحشود التي كانت تحوط غبطته، ورغم الزحام الكبير، بادر البطريرك الماروني، وهو الإنسان الكبير، بتوجيه الشكر إلى كاتب هذه السطور، على الدراسة المتواضعة التي دبجها عن الزيارة، عربون مشاركتنا في الاحتفاء بغبطته في القبيات وعكار، قائلاً لنا "انّنا نشكرك. لقد وصلتنا بالفاكس ومن خلال صحيفة "النهار هذا الصباح"[2].

 

البطريرك صفير في خطاب تنصيبه في 26 نيسان 1986 القبيات "منبت الرجال، حماة العلم اللبناني"

إنّ حصول الزيارة التاريخية يحملنا على إلقاء الضوء على ما كنّا قد كتبناه قبل اثنا عشر سنة، أي في العام 1986، وتحديداً في 19 ايار 1986، أي بعد شهر واحد على انتخاب المطران نصر الله صفير بطريركاً. إذ في دراسة لنا تشرّفنا بتقديمها لغبطته بهذه المناسبة، وكانت بعنوان "مدخل إلى استراتيجية شاملة لتحرّك البطريركية المارونية داخلياً وإقليمياً ودولياً"، وفي الجزء الثالث منها، وتحديداً في الفقرة 8، والتي عنوانها "علاقة بكركي مع الشعب الماروني والمسيحي"، على الصفحة 19، من هذه الدراسة، كتبنا حرفياً ".. الشعب في لبنان سيكون سعيد جداً إذا رأى بطريركه بين ظهرانيه. انّ زيارة يقوم بها راعي الرعاة في لبنان، بطريرك الموارنة، لأي مدينة أو بلدة أو قرية تضفي الفرح وتثير عواطف الناس الدينية والأخلاقية، وتبلسم جراح الذين آذتهم الحرب، وتشدّ أزر الذين بدأ اليأس يتسرّب إلى قلوبهم. فإذا اقتنعت غبطتك بهذا الاقتراح، أودّ أن أتذكّر معك بعض البلدات التي ذكرتها في خطاب تنصيبك من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال : عين ابل وجزين وزحله والشوف والقبيات وجوارها. انّني أتطلّع بشوق إلى اليوم الذي يمكنني فيه أن أستقبل مع والدتي وأهلي، غبطتكم وسيادة راعي أبرشية طرابلس المطران انطون جبير، ونوّابكم العاملين، في بلدتنا القبيات. وبالمناسبة انّني بإسم كل شاب من القبيات أرفع إليك أسمى معاني الشكر عن اللفتة الكريمة المميّزة التي خصّصت بها بلدة القبيات بقولك عنها "منبت الرجال، حماة العلم اللبناني".

 

تخليد ذكرى الزيارة البطريركية الأولى

وبمناسبة مرور سنة على تاريخ الزيارة البطريركية، أي أثناء شهر آب من العام 1999، تشاورنا مع المؤرّخ الدكتور فؤاد سلوم حول ما يمكننا عمله في هذه المناسبة. واتفقنا على إصدار كتيّب خاص بالزيارة. وقد وضعنا هذا الإتفاق موضع التنفيذ، بالتعاون مع كاهن رعية الحبل بلا دنس في القبيات-الذوق الأب نبيل الزريبي. وهذا الكتيّب يحتوي على نصّ الكلمة الجامعة للبطريرك صفير في القبيات، وسيرة حياته، والكلمة الهامة لراعي أبرشية طرابلس المارونية آنذاك المطران يوحنا فؤاد الحاج، والدراسة التي وضعناها نحن عن الزيارة، ونبذة تاريخية حول "بطريركية انطاكية وسائر المشرق المارونية" للدكتور فؤاد سلوم، وكذلك مختصر عن "عكار والبطريركية المارونية"، بالإضافة إلى جزء وضعناه حول"الصحف اللبنانية والزيارة التاريخية" وأيضاً مقتطفات من أقوال في البطريرك صفير".

        ولدى صدور الكتيّب حوالي منتصف آب 1999، إعتبر العديدون أنّه كانت للمؤلّفين الجرأة المعنوية لنشره في تلك الفترة بالذات، في ظلّ الظروف التي كانت سائدة آنذاك. وشاءت الصدف يومها أن يترأس المطران فؤاد الحاج وفداً من موارنة القبيات وعكار، لزيارة البطريرك صفير بهذه المناسبة. فشاركنا نحن والدكتور سلوم في هذه الزيارة للمقرّ الصيفي للبطريركية في الديمان في 4 ايلول 1999. وجلسنا العماد المتقاعد ابراهيم طنوس ونحن، إلى جانب المطران الحاج، الذي كان يجلس بدوره إلى يمين البطريرك صفير. وجلس الدكتور سلوم إلى جهة اليسار، وإلى جانبه الراهب الكرملي الأب ادمون ديب، وآخرون. وبعد كلمة المطران الحاج، ارتجلنا نحن كلمة أمام البطريرك والحضور، قلنا فيها : "في حضرة من أعطي له مجد لبنان، يغبطنا نحن أبناء القبيات وعكار، أن نتذكّر ونذكر بالزيارة الفائقة الأهمّية التي قام بها صاحب الغبطة لعكار... وشعوراً منّا بالمسؤولية تجاه معاصرينا وتجاه الأجيال المقبلة في الكنيسة ولبنان، نحن أبناء عكار الأمناء على تراث سلفكم العظيم البطريرك موسى سعادة العكاري، وإسهاماً منّا في تخليد ذكرى هذه الزيارة، رأينا كمجموعة من الشباب في عكار، كهنة وعلمانيين، يتقدّمهم الأب الفاضل نبيل الزريبي والدكتور فؤاد سلوم، وبرعاية واهتمام صاحب السيادة المطران الحاج، أن ننشر هذا الكتيّب الخاص بالزيارة، والذي كان لنا شرف تقديمه، بإسم كلّ من عملوا على اصداره، إلى صاحب الغبطة" بعدها تقدّمنا والدكتور سلوم من البطريرك صفير، حيث قدّم له الأخير مجموعة نسخ عن الكتيّب. وفي كلمته في ختام الزيارة، أعرب البطريرك صفير عن شكره للمطران الحاج، ولجميع الحاضرين. وبعد خروجنا من الصالون الكبير في الديمان، حيث كنّا مع غبطته، توجّه المطران الحاج بالكلام إلينا قائلاً "لماذا لا تكتب شيئاً في سجل التشريفات ؟" فأجبت سيادته فوراً "أنا حاضر يا سيدنا" وتقدّمنا من السجل، وحاولنا أن نتذكّر العبارات التي أوردناها في كلمتنا السابقة الذكر. وقد وفّقنا الله فتذكّرنا معظمها، وسجلّناها. وقد تلطّف يومها أحد الإعلاميين العاملين في الديمان، وقام بتصوير نسخة عن كلمتنا هذه، عن سجل التشريفات مباشرة. وفي مرحلة لاحقة، وأثناء زيارة لنا لغبطته، قال لنا أنّ هذا الكتيّب هو الأول عنه، في لبنان.

 

هذا كان من الأمس القريب، الجميل والمفيد جداً، في آن معاً. والبطريرك صفير يذكر في مجالسه الخاصة بأهمّية التعلّم من دروس الماضي، ويعتبر ذلك ميزة الشخص العاقل، إذ يقول "العاقل هو الذي يتعلّم أولاً من تجربة سواه، ثمّ من تجربته .. والذي لا يتعلّم لا من هذه ولا من تلك يكون ...".

 

ماذا الآن عن زيارة غبطته الثانية إلى القبيات وعندقت ؟

توقيت الزيارة أهمّية دينية ووطنية

يمتاز توقيت الزيارة البطريركية، في رأينا، ببُعدين بارزين ديني ووطني، بشكل عام. وهو يفرح قلوب أبناء عكار، مسيحيين ومسلمين، وخاصة الذين منهم يمحضون السيدة العذراء مريم حباً كبيراً، بوصفها أم السيد المسيح، الإله الذي تجسّد لأجل خلاص البشرية. فشهر ايار هو الشهر المريمي المكرّس لتكريم العذراء مريم، عند المسيحيين. وما يزيد فرحة اللبنانيين هذه السنة اتخاذ الحكومة اللبنانية الحالية قراراً، بتاريخ 18 شباط 2010، يقضي باعتبار عيد بشارة العذراء مريم عيداً وطنياً[3]، أي للمسيحيين والمسلمين معاً، بعد أن كان المسيحيون ينفردون بالاحتفال بهذا العيد.

والقدّاس الإلهي الذي سيقيمه البطريرك صفير في 16 ايار 2010، أثناء زيارته الثانية، في القبيات، سيكون على مذبح الكنيسة التي تحمل اسم السيدة مريم العذراء، والمعروفة لدى الناس بإسم سيدة الغسالة. وهي الكنيسة نفسها التي أقام فيها غبطته القداس أثناء الزيارة في العام 1998. والسيدة العذراء هي شفيعة القبيات، وبلدات وقرى مسيحية عديدة  في عكار.

وعيد انتقال السيدة العذراء، الذي يحتفل به في 15 آب من كلّ سنة، هو العيد الكبير، إذا جاز لنا التعبير، على الصعيد الإجتماعي، بالنسبة لأبناء القبيات. وهكذا تكون الزيارة الأولى لغبطته إلى القبيات وعكار في 29 آب 1998، قد تمّت بعد أسبوعين على حلول عيد السيدة العذراء. وتاريخياً كان زعماء ووجهاء من آل المرعبي وآل الدندشي وآل الأسعد (اغوات عكار العتيقه) يشاركون في الإحتفالات التي كانت تقام في هذه المناسبة الجميلة.

 

برنامج زيارة البطريرك صفير حافل

يشمل البرنامج الموضوع للزيارة إقامة القداس الإلهي، وتدشين شركة صنع برامج كومبيوتر ووضع حجر الأساس لأبرشية طرابلس المارونية وزيارة دير مار ضومط للآباء الكرمليين في القبيات، وكذلك زيارة بيت الراحة للمسنّين وكنيسة مار مارون في بلدة عندقت، الجارة الأحبّ والأقرب إلى قلوب أبناء القبيات.

إنّنا لا ندّعي معرفة بالشؤون الروحية والدينية يتيح الكتابة عنها. لذلك سنحصر اهتمامنا بالجوانب الاجتماعية الانسانية لزيارة البطريرك صفير هذه.

 

تدشين شركة كومبيوتر ... فرص عمل وتمتين أواصر المودّة بين القبيات وبشري

إنّنا نعتبر أنّ تدشين البطريرك صفير لشركة Soft Solutions لتصنيع برامج كومبيوتر يرتدي أهمّية كبيرة. فمباركة غبطته لبدء هذه الشركة عملها هي طبعاً إيجابية جداً، على أكثر من صعيد. ومبادرة صاحب الشركة السيد نعمه طوق، رجل الأعمال المعروف، المتحدّر من مدينة بشري، تستحقّ منّا، التقدير والثناء. إذ ستتيح فرص عمل للعشرات (حسب علمنا) من أبناء القبيات، وبالتالي مصدر رزق للعديد منهم. إنّنا نتمنّى في هذا الإطار أن ينسج العديد من رجال الأعمال على منوال السيد نعمه طوق، فيعمدوا إلى استثمار بعض أموالهم في مشاريع تكون مفيدة لهم، ولأبناء المناطق اللبنانية البعيدة عن العاصمة، سواء كان ذلك في الشمال أو الجنوب أو البقاع. وهذا الجانب الإقتصادي يشكّل بُعداً إضافياً في مسيرة العلاقات الودّية بين القبيات وبشري. وهذا العمل يساهم في تمتين أواصر المودّة القديمة بين أهالي المدينتين. وهذه العلاقات كان للآباء الكرمليين الذين يتحدّرون من القبيات، دور كبير في تنميتها، عبر تأديتهم رسالتهم الكرملية، في رعاية النفوس وخدمتها، وتربية التلاميذ في بشري. ونذكر في مقدّمة هؤلاء من الراحلين الآباء جبرايل قسطون وانطون ضاهر ورافايل ضاهر ودنيس حنا والبير ضاهر وغسطين الشدياق. ومن الأحياء نذكر الآباء ادمون ديب وريمون عبدو، الرئيس العام الإقليمي للرهبنة، وميشال عبود رئيس دير القبيات، وجان عبدو. والشيء نفسه يذكر عن الآباء الكرمليين الذين يتحدّرون من بشري، وفي مقدّمتهم الأب نيلو جعجع وجوزف رحمه، والذين خدموا إمّا في ديرهم في القبيات، أو في معهد مار الياس في طرابلس، حيث عملوا على امداد تلامذة القبيات هناك بالعلم والقيم الدينية والإنسانية. وعلى سبيل المثال نذكر أنّه، نتيجة مشاعر التقدير التي كان يكنّها المغفور له والدنا للآباء الكرمليين، وبعضهم كانوا أصدقاء مقرّبين منه، فقد أتيحت لنا شخصياً ولأشقائنا جوزف والمغفور له منير، فرصة أن نكون من تلامذة الآباء الكرمليين في معهد مار الياس السابق الذكر. وهناك كان عدد من رفاقنا على مقاعد الدراسة من بشري، وينتمون إلى عائلات بشراوية عدّة طوق ورحمه وجعجع وكيروز وفخري وشدياق. وبعضهم اليوم يشغلون مواقع معروفة في المؤسّسات التربوية والثقافية القائمة في بشري. ولا تزال تربطنا ببعضهم علاقات مودّة وتعاون.

 

زيارة البطريرك صفير لدير الآباء الكرمليين تكريس صداقة قديمة جداً، ومباركة دور راعوي وتربوي

المودّة التي جمعت بين الموارنة والآباء الكرمليين قديمة العهد. إذ ترقى إلى القرن السابع عشر، وتحديداً للعام 1639، عندما دعاهم البطريرك الماروني آنذاك جرجس عميره، للإقامة في الوادي المقدّس في قنوبين، كما يقول المؤرّخ والأستاذ الجامعي الدكتور نافذ الأحمر، في كتاب له صدر في آذار 2010، "وقدّم (البطريرك عميره) لهم محبسة محفورة في الصخر تعرف بإسم محبسة مار اليشع"[4] وهذه العلاقة كانت تعكس رغبة الطرفين في مد جسور الصداقة بينهما.

وبالنسبة للآباء الكرمليين في القبيات، فإنّهم باختصار كلّي، ومنذ قدومهم إليها حوالي العام 1840، فقد اضطلعوا بدور كبير، على الصعد الدينية والاجتماعية والحياتية فيها، بشكل خاص، وفي المنطقة المحيطة بها بشكل عام. إذ قاموا، على الصعيد الروحي، برعاية النفوس وخدمتها، وفتحوا المدارس لتعليم الأطفال. كما شاركوا الأهالي الإهتمام بشؤون حياتهم اليومية. وكثيراً ما عقدت الإجتماعات الهامة لأبناء القبيات في صالون الدير. من هذه الإجتماعات نذكر ما أخبرنا المغفور له والدنا الشيخ انطونيوس ضاهر، عن اجتماع شارك فيه، إلى جانب الزعيم سليمان بك فرنجيه (رئيس الجمهورية لاحقاً) وزعماء القبيات الآخرين، في فترة الأربعينات من القرن الماضي. هذا الدور البارز والإيجابي يتابع الآباء الكرمليون الإضطلاع به في القبيات وجوارها، بشكل يستحقّ من الأهالي التقدير والثناء.

وما هو جدير بالذكر أيضاً أنّ دير الآباء الكرمليين كان قد افتتح في آذار 1998، متحفاً علمياً للفراشات والطيور، عمل كلّ من الأب الراحل فرنسوا طنب والأب ايوب يعقوب على تأسيسه، وإنمائه. وقد أثنى كثيرون على المستوى العلمي لهذا المتحف، ومنهم مدير كلّية العلوم الأسبق في الجامعة اللبنانية فرع طرابلس الدكتور فؤاد درزي، إلى جانب أساتذة زملاء له في الكلّية، أثناء الزيارة التي كان لنا شرف تنظيمها في العام 1999، وبالتعاون مع بعض الآباء الكرمليين، ومنهم رئيس الدير آنذاك الأب ريمون عبدو، وبمعرفة الرئيس العام الإقليمي آنذاك الأب كرمللو فنينانوس، بقصد إقامة التعاون العلمي بين كلّية العلوم والمتحف. والمتحف هذا أدرجته وزارة السياحة على لائحة المتاحف في لبنان، والتي تصدرها الوزارة في كتيّب خاص (brochure).

 

زيارة البطريرك لبيت الراحة للمسنّين في عندقت "لأنّي جعت فأطعمتموني ... ومرضت فعدتموني .. (الإنجيل المقدّس متى 25/35-36

هذه الزيارة البطريركية الهامة لبيت الراحة للمسنين، الذي أنشأته رابطة كاريتاس لبنان، تأتي، في رأينا، تجسيداً جميلاً لأقوال الربّ الإله يسوع المسيح في انجيله المقدّس، وخاصة قوله "لأنّي جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، واغتربت فآيتموني وعريت فكسوتموني ومرضت فعدتموني، وسجنت فزرتموني"[5] والعلاقة بين القبيات وعندقت من جهة، ورابطة كاريتاس من جهة أخرى، قديمة. إذ ترقى إلى فترة السبعينات من القرن الماضي، وتحديداً العام 1976، أي قبل تأسيس رابطة كاريتاس لبنان. ويومها، وأثناء فترة حرب السنتين، كان الحصار مفروضاً على القبيات وعندقت، فبادرنا إلى الإتصال بالأخ ايلي معماري رئيس كاريتاس لبنان الجنوبي صيدا، لطلب المساعدة لأهلنا المحاصرين. وقد تعاونا في ذلك مع العقيد ابراهيم ضاهر والرائد موريس ابو رعد، وشقيقنا الأكبر جوزف، وطبعاً بدعم كامل من راعي الأبرشية آنذاك المطران انطوان جبير. وقد لبّت كاريتاس لبنان الجنوبي دعوتنا مشكورة. بعدها قمنا بتأمين وصول المساعدات الغذائية والمؤن إلى أهلنا أبناء القبيات وعندقت، متجاوزين الصعوبات التي كانت قائمة آنذاك. وسيكون لنا عودة إلى هذا الموضوع فيما بعد، بالإستناد إلى الوثائق الخطّية التي نحرص على الاحتفاظ بها. اثر ذلك كلّف المطران جبير شقيقنا جوزف أن يكون ممثّل أبرشية طرابلس المارونية في مجلس رابطة كاريتاس لبنان (بعد تأسيسها) في بيروت، أثناء الفترة الواقعة ما بين 1976 و1990. ويذكر شقيقنا جوزف باعتزاز أنّ المطران (البطريرك فيما بعد) صفير كان يومها مشرفاً على رابطة كاريتاس لبنان، بتكليف من مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان.

 

وفي العام 1990، تلطّف المطران جبير وكلّفنا نحن بهذه المهمّة، بعد انتهاء المهل القانونية لعضوية شقيقنا جوزف، الذي لا يزال يتعاون حتى اليوم مع رابطة كاريتاس، بصفة عضو منتسب.

 

التطوّرات الهامة بين زيارتي البطريرك صفير، لعكار

ثمّة تطوّرات هامة استجدّت في الفترة الواقعة بين العام 1998 و2010، في عكار. وهي عديدة ومتنوّعة دينية وطنية، وإدارية إنمائية، ودينية تنظيمية، وأمنية ثقافية، وغيرها، نذكر منها :

 

ـ قرار الحكومة اللبنانية اعتبار عيد بشارة العذراء مريم عيداً وطنياً، للمسيحيين والمسلمين. لقد سبق وتناولنا هذا التطوّر الهام جداً، في هذه الدراسة.

 

ـ صدور قرار تاريخي عن الكنيسة المارونية في 2005، بتعيين نائب أسقفي لموارنة عكار.

بتاريخ 20 ايلول 2005، أصدر مجمع المطارنة الموارنة، برئاسة البطريرك صفير، وبمشاركة حوالي ثلاثين مطراناً من لبنان ودول الإنتشار، وبالإجماع، قراراً تاريخياً قضى بتعيين نائب أسقفي للموارنة في عكار، يكون "مقيماً في منطقة عكار مع الصلاحيات اللازمة لتأمين حضور راعوي وكنسي يلبّي رغبة أبناء المنطقة" كما نصّ هذا القرار التاريخي حرفياً، في الجزء الثاني منه.

ويشرّفنا، نحن وغيرنا، أن نؤكّد اليوم أيضاً التقدير البنوي الكبيرالذي أعربنا عنه مراراً، لأب الطائفة المارونية ورأس الكنيسة البطريرك صفير، والسادة المطارنة على اتخاذهم هذا القرار، الذي نرى أنّه يحقّق كما أكّدوه هم في نصّ القرار نفسه رغبة أبناء عكار، ويلبّي حاجاتهم، خاصة على الصعيدين الروحي والاجتماعي.

لقد أعاد هذا القرار، من جهة أخرى، ولأوّل مرّة بعد مجمع اللويزة في العام 1736، وضع موارنة عكار على خريطة المشاركة في إدارة الشؤون العامة لطائفتهم وكنيستهم، بعد أن تمّ إلغاء أبرشية عرقا (عكار) المارونية، في ذلك المجمع. والحمد لله لا يزال لقب "أسقف عرقا شرفاً" حياً بيننا، إذ يحمل هذا اللقب بنبل انجيلي وكفاءة عالية رجل الله المطران رولان ابو جوده، النائب البطريركي العام. وقد أشار غبطته إلى هذا الجانب في كلمته في القبيات في العام 1998، إذ قال "... وفي منطقتكم كنائس ومعابد وأسماء كانت مقراً لمطرانيات ذهبت وبقي الإسم يتوارثه السادة المطارنة في كنيستنا من مثل عرقه وجبله وما شابه".

وكانت قد تألّفت في ربيع العام 2005، لجنة تضمّ موارنة من جميع رعايا عكار المارونية وهذا يحدث لأوّل مرّة في تاريخ المنطقة للدفاع عن هذا المطلب. وقد دبجت هذه اللجنة الرسائل والدراسات، وتشرّفت بتقديمها للسيد البطريرك صفير والسادة المطارنة، قبل انعقاد مجمّع 2005. كما قدّمت مجموعة أخرى من موارنة عكار، دراسة حول هذا الموضوع، حسب ما علمنا.

واليوم نودّ التأكيد أنّه يشرّفنا أن نعرب عن التمنّي أن يحظى تنفيذ هذا القرار التاريخي برعاية البطريرك والسادة المطارنة. ومن الطبيعي القول أنّهم لو يقتنعوا بعدالة المطلب وحقيقة حاجات موارنة عكار، لما كانوا قد أصدروا هذا القرار. ونحن جميعنا إيماننا كبير بالربّ يسوع، وشفاعة والدته السيدة مريم العذراء.

 

ـ عكار أصبحت محافظة الآن

بموجب القانون رقم 522 تاريخ 16 تموز 2003، أصبحت عكار محافظة مستقلّة. وقد صدر المرسوم التطبيقي رقم 11861 تاريخ 11 شباط 2004، والذي تناول تفاصيل تطبيق أحكام القانون المشار إليه.

 

ـ تكليف الشيخ الدكتور اسامه الرفاعي مفتياً لعكار

أصدر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني قراراً كلّف بموجبه القاضي الشرعي الشيخ الدكتور اسامه الرفاعي أن يكون مفتياً لعكار.

 

ـ أحداث مخيّم نهر البارد

في ايار 2007 إندلعت الأحداث الإرهابية في مخيّم نهر البارد، ضدّ الجيش اللبناني. واستشهد في المواجهات الدامية عدد كبير من جنود الجيش ورتبائه وضبّاطه البواسل، من جميع المناطق اللبنانية، خاصة من أبناء عكار. وقد سالت دماء الشهداء من مختلف الطوائف والأديان، على أرض هذا المخيّم. وكان في مقدّمة هؤلاء الشهيد الملازم أول جورج ميشال فهد، من القبيات. وتروي مصادر إعلامية وأمنية من ناحية أخرى، أنّ المسؤولين في تنظيم "فتح الإسلام" الذي فجّر المواجهات الدامية مع الجيش، كانوا يخطّطون لإنشاء إمارة إسلامية في طرابلس. ترى ماذا كان سيحلّ بأهل عكار خصوصاً، والشمال عموماً، لو تحقّقت أهداف "فتح الإسلام" هذه ؟

 

ـ العيش المشترك بين البطريرك صفير وأبناء عكار

من الطبيعي أن يحمل الحديث عن زيارة البطريرك الكاردينال صفير إلى عكار، على الكلام على العيش الوطني الواحد في هذه المحافظة.

وكان السيد البطريرك في كلمته في القبيات في العام 1998 قد خصّص حيّزاً لا بأس به منها، للحديث عن العيش المشترك في هذه المنطقة. وقد أعرب عن تهانيه لأبناء عكار، على تساندهم، للتغلّب على المحنة أثناء الحروب المتتالية والأيام السوداء التي مرّت على لبنان. وهذا ما جنّبهم اجمالاً، مآسي الحرب من تهجير وتدمير، قائلاً لهم "وقد أثبتم ذلك في الأيام السوداء، أيام الحروب المتتالية، التي مرّت علينا، فكنتم تتساندون للتغلّب على المحنة، لعلمكم أنّ المعاناة واحدة، والمصير واحد. وأن لا خلاص لأخ دون أخيه. فكنتم مثالاً للتضامن وقدوة في العيش المشترك. وهذا ما جنّب بلداتكم وقراكم. على وجه الإجمال، ما أصاب سواها من تهجير وتدمير. وهذا ما نريد أن نهنئكم عليه وندعوكم إلى المضيّ فيه وتمتين أواصره."

 

والدور البارز الذي يضطلع به البطريرك صفير في تعزيز العيش الواحد، أشاد به مسؤولون عرب وأجانب وموظّفون دوليون، تابعون لمنظّمة الأمم المتحدة. ومن الأقوال التي صدرت مؤخّراً حول دوره هذا، ما أدلى به المنسّق الخاص للأمم المتحدة، وممثّل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان السيد مايكل وليامز. وكما هو معلوم، فإنّ الأمين العام للأمم المتحدة هو أعلى موظّف دولي في العالم. إذ ربط بقاء لبنان مثالاً لما تطمح إليه الأمم المتحدة في المحيط، بوجود قادة روحيين من أمثال البطريرك قائلاً حرفياً : "ما دام هناك قادة روحيون مثل البطريرك صفير، فسيبقى لبنان مثالاً لما نصبو إليه في محيطنا".[6]

وهذا الموقف من المسؤول الأممي يذكّرنا بما قاله سابقاً الرئيس الجزائري السابق احمد بن بللا، بعد زيارة البطريرك صفير في الديمان في تموز 1997، إذ قال "... نحن نلتقي مع غبطة البطريرك على هذا المفهوم بالتضامن العربي وعلى الوحدة بين اللبنانيين ... والبطريرك صفير ركن أساس من أركان تعزيز هذه الوحدة لضمان المستقبل."

والبطريرك صفير كرأس للكنيسة المارونية، وكرئيس لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، شارك في أكثر من قمّة روحية عالمية، بين الأديان، أبرزها القمّة الروحية التي عُقدت في مدينة اسيزي في ايطاليا بدعوة من البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، في 24 كانون الثاني 2002، والتي شارك فيها نحو 220 من زعماء الأديان في العالم، ينتمون إلى 30 ديناً. وهذه القمّة الروحية خصّصت أصلاً للدعوة إلى وضع حد للإرهاب والحروب، والتأكيد أنّ الدين يجب ألاّ يستخدم يوماً لتبرير اللجوء إلى العنف.

 

ودور البطريرك صفير في هذا الإطار، يشمل جوانب عديدة، نختار منها، على سبيل المثال، ما يقوله بشكل شبه يومي حول أهمّية العيش الواحد، في عالم اليوم، وبالتالي التعاون والمودّة بين المسيحيين والمسلمين، من أجل لبنان، وكذلك رعايته لمبادرات تقوم بها مؤسّسات كنسية يشرف عليها، أو يشجّع بعض أبنائه الموارنة في مواقعهم العلمية أو الإجتماعية على اتخاذ مبادرات تهدف إلى تعزيز العلاقات بين المواطنين المسلمين والمسيحيين. نذكر على سبيل المثال رعايته ومشاركته كرئيس لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، في المحاضرات حول العيش المشترك التي نظّمها المجلس في كانون الأول من العام 2001. ومن بين المحاضرين يومها المطران سليم بسترس والدكتور محمد المجذوب رئيس الجامعة اللبنانية الأسبق والأب الدكتور انطوان ضو.

 

وأبناء عكار بشكل عام الذي يقدّرون العيش الواحد، تقوم مجموعات أو شخصيات من بينهم، بأعمال تستحقّ التوقّف عندها، ولو بسرعة، نظراً لأنّ المجال هنا لا يتّسع للإستفاضة ... نذكر من بين النماذج التي يمكن اختيارها، تلبية مجموعة كبيرة منهم الدعوة الكريمة التي وجّهها إليهم الأب جوزف دكاش، رئيس دير جنين (عكار) السابق، إلى إفطار أقامه تكريماً لأصدقائه المسلمين من عكار، في دير معاد للرهبنة اللبنانية. وقد شاركت في الإفطار شخصيات سياسية ودينية وعلمية واجتماعية من عكار، ومنطقة جبيل. ومبادرة الأستاذة الجامعية الدكتورة مها راجي فاخوري إلى تنظيم سهرة رمضانية في منزلها في منياره، لصديقاتها ولأصدقائها المسلمين والمسيحيين.

وكذلك مبادرة مواطنين موارنة من القبيات إلى استضافة افطارات في منازلهم التي هي خارج المنطقة، تكريماً لأصدقاء مسلمين، وبمشاركة أصدقاء مسحيين في مقدّمتهم شخصيات علمية ومسؤولي وأساتذة جامعات.

من بين مبادرات الأخوة المسلمين في عكار، يمكن الاختيار من ضمن النماذج العديدة حول العيش المشترك، مبادرة الأستاذ احمد بك اليوسف المرعبي وزوجته الدكتورة نزيها، إلى تنظيم سهرة فصحية في منزلهم في حلبا، شاركت فيها مجموعة كبيرة من الصديقات والأصدقاء المسيحيين والمسلمين.

ويوم قام مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني بزيارته الأخيرة إلى عكار، ألقى القاضي الشرعي السابق في عكار، الشيخ احمد الرفاعي، كلمة في دائرة الأوقاف في حلبا، أمام الحشد الكبير من المستقبلين. سمعناه يرحّب فيها أولاً بالمفتي قباني، ويشير إلى مبادرة المسيحيين في عدّة قرى في المنطقة، إلى المشاركة في استقبال المفتي قباني. وذكر بمشاركة المسلمين في استقبال البطريرك صفير، أثناء زيارته المنطقة في العام 1998.

 

ويوم تلطّفت الرهبنة الكرملية في لبنان مشكورة في عهد الرئيس العام الإقليمي السابق القاضي مخول فرحه، ورئيس دير القبيات آنذاك، والرئيس العام الإقليمي الأسبق الأب بنوا ريشا، ومدير المدرسة الأب سيزار الموراني، بدعوتنا إلى إلقاء محاضرة في اليوبيل المئة والخمسين سنة لتأسيس دير مار ضومط في القبيات، في العام 2003، واخترنا، بموافقة الرهبنة، أن يكون موضوعها "دور مدينة القبيات الثقافي المستقبلي"، سعدنا أن يكون قد شارك فيها، إلى جانب ممثل البطريرك صفير المونسنيور يوسف سويف (حالياً مطران قبرص للموارنة) نواب وشخصيات وفعاليات من المسلمين، إلى جانب المسيحيين من أبناء القبيات وعكار بشكل عام. ونحن نتحدّث عن الثقافة نرى من المهمّ جداً أن نذكر أنّ البطريرك صفير يوليها الأهمّية التي تستحقّ، في بناء الأوطان، ورقيها. ويلفت المراقب استشهاد غبطته، بأقوال بارزة للبابا يوحنا بولس الثاني، وهو يتحدّث عن بلده بولونيا "الثقافة قوّة أكبر من جميع القوى الأخرى. الثقافة أعني اللغة والتاريخ والفنّ والأدب دونما شكّ لكن أعمق من ذلك جذور شعب وأصله ومشروعه الحضاري الذي تكوّن عبر القرون وفكرته عن الوطن والأمّة والدفاع عنهما ..." [7]

 

"لستم بعيدين عن القلب" البطريرك صفير مخاطباً أبناء عكار في القبيات أثناء زيارته الأولى. 

خاطب البطريرك صفير أبناءه الموارنة والمسيحيين من أبناء الكنائس الشقيقة والاخوة المسلمين، في القبيات، قائلاً لهم "هناك مثل فرنسي يقول : "البعيد عن العين، بعيد عن القلب" ولكنّه مثل لا يصحّ علينا وعليكم. أجل إنّكم بعيدون نسبياً عن العين، ولكنّكم لستم بعيدين عن القلب. والأب يشتدّ حنينه إلى من بعد عنه من أبنائه، فيصبح البعيد منهم عن العين أقرب إلى القلب. وهذا ما نريد أن نؤكّده لكم ..."

 

واليوم وبعد مرور اثني عشر عاماً على لقائه الجماهير المحتشدة أمام مذبح كنيسة سيدة الغسالة في القبيات، أثناء زيارته الأولى، بإمكاننا القول أنّ حنين البطريرك كأب، إلى أولاده البعيدين، يحمله على زيارتهم مرّة أخرى يوم الأحد في 16 ايار 2010، وفق ما تسمح به مسؤولياته الكبرى ومشاغله البطريركية الكثيرة. ونحن إذ نعرب مجدّداً عن تقديرنا الكبير لمحبّته الأبوية، وطبعاً يفرحنا جداً أن نبادله إياها، بمحبّتنا كأبناء له، نقول مجدّداً ما قلناه في 4 أيلول 1999، عندما زرناه في الديمان لتقديم نسخ الكتيّب الخاص بزيارته الأولى"، يشرّفنا تأكيد تعلّقنا بالكرسي البطريركي الأنطاكي الماروني، وبالقيم الدينية والوطنية والإنسانية التي بشرت بها، ورعتها منذ تأسيسها، وعبر العصور. ونحن نحمل مسؤولياتنا، ونتابع مسيرة أجدادنا وآبائنا، ونعمل على نقل هذا التراث المشرق، الذي ينبثق من بهاء المسيح الإله وتعاليم انجيله المقدّس، إلى أولادنا.

 

[1] "النهار" نهار الشباب، 22 ايلول 1998.

[2] "النهار" "نهار الشباب"، 3 تشرين الثاني 1998، ص 41.

[3] الصحف اللبنانية، في 19 شباط 2010.

[4] د. نافذ الأحمر، "نواحي لبنان الشمالي في العهد العثماني 1666-1880"، الجزء الأول، بيروت، منشورات المؤلّف، آذار 2010، ص 221-222.

[5] إنجيل متى / 25 / 35-36.

[6] الصحف اللبنانية، 13 نيسان 2010.

[7] الصحف اللبنانية، ومنها "النهار"، 16 تشرين الأول 2000، ص 3.

 

 

back to Dr. Salim Daher

References: Patriarch Sfeir, البطريرك مار نصرالله صفير, Dr. Salim Daher