Back to Books

 

كنيسة القديس ارتيموس شليطا الأثرية

القبيّات "حلسبان"

بقلم الاستاذ سعد قديح

 

 

تقع كنيسة القديس ارتيموس شليطا في القبيات في وادي "حلسبان" الجميل. تحيط هذه الكنيسة الجبال المكللة بأشجار الصنوبر. وإذا وقفت هناك للتأمل تشعر بأنك محاط بقدسية تامة وبأن قديس حلسبانيّ أمامك يدعوك للتنسك معه. لأنه تخلى عن المراكز الرفيعة وعن العصور الملكية ليتعبد لربه. إن قداسة هذا القديس الشهيد فعلاً يفوح عطرها في وادي حلسبان الجميل.

 

حياة القديس الشهيد العظيم "ارتيموس" الروماني الاصل الملقب " بشليطا"

 

القديس "شليطا" اسمه الحقيقي "ارتيموس" وقد لقب بالحاكم والمسلط أي "شليطا" باللغة السريانية  "الآرامية" وقد اعطي رتبة عالية في الجندية "أوغستي" أي مشير وهو لقب كان يعطى لمن تقلد ولاية مصر. ويلقب أيضاً بدوق الاسكندرية. كان "ارتيموس شليطا" من اقرباء الملك قسطنطين وقد ولاه حاكماً على مصر وسوريا. ولما تولى الملك " يوليانوس " الجاحد الملك والسيطرة على سوريا بدأ يضطهد المسيحيين بكل قساوة. وفيما كان "اوجانيوس " و "مكاريوس" الكاهنان يعذبان أمام "يوليانوس" قام ضابط ووقف بين يدي الملك يوليانوس وقال له: "علاما تعذِّب بمثل هذه القسوة رجلين فاضلين، فلا تنسى أنك أنت أيضاً إنسان وقابل لهذا البلاء عينه".  ولما سمع يوليانوس هذا الكلام صاح بغضب شديد قائلاً: " من هو هذا الرجل الكافر الذي تجرأ أن يسمعنا مثل هذا الكلام ونحن على كرسي ملكنا"؟. فأجابه أحد القادة "سيدي انه "دوق الاسكندرية" فان ارتيموس شليطا كان من زمن بعيد مشيراً لمصر وسوريا وقد جاء إلى إنطاكية كقائد لدى يوليانوس، ليقود حملة من الإقليمين لمحاربة الفرس. فأجاب يوليانوس: " انه شرير وقح ليخلع من منصبه وليعاقب على ما نطق به أمامنا".  وفعلاً كان عقابه أنه عري من ثيابه وأخذوا يجلدونه ضرباً بأعصاب النيران لمدة طويلة فبقي "ارتيموس " محافظاً على ابتسامة الشهداء القديسين من قبله حتى قيل عنه هل هو نفسه أم شخص آخر ؟. وتعجب الجميع من شجاعته وقوة تحمله للعذاب.  سحبوه بأذناب الخيل في أرض مصر ومزقوا جسده بأمشاط من حديد. وفي هذه الأثناء اعتنق عدد كبير من الناس الديانة المسيحية عند مشاهدة هذا القديس الشهيد يتحمل كل العذابات بصبر.ثم اقتيد إلى السجن وهو يحمد الله.  ثم استدعي " أرتيموس شليطا"  أمام يوليانوس فقال له الملك : " سأعيد إليك كل الرتب والمراكز الرفيعة إذا سجدت للآلهة " فأجابه "أرتيموس شليطا" لا تتعب نفسك أيها الملك الغبي. إننا لا نعبد ولا نكرم آلهتكم الكاذبة صنع البشر وأني لا أطيل معك الكلام. المسيح هو اله الجميع فهو الذي خلق السماء والأرض ولا ارغب الدخول في الكفر الذي أنت فيه. أريد منك أيها الملك أن تترك هذا الدين الوهمي وترجع إلى المسيح فيقبل توبتك.  لم يجب " يوليانوس " بشيء وأمر أن تنقب أضلاعه بمخارز محماة وينقب ظهره بالمسامير ثم يجر على ظهره.  بقي هذا التعذيب عدة ساعات وكان يوليانوس يشاهد ذلك.  وبالرغم من كل شدة التعذيب بقي أرتيموس شليطا فرحاً رافعاً صوته بالصلاة لله. وكان أثناء ذلك يزداد عدد الذين دخلوا الى دين أرتيموس شليطا القويم. وخاصة عندما رأى الناس انه قد شفي من جروحه ولم يبق في جسمه من أثر. ثم أمر " يوليانوس" أن يطرحوه في السجن دون طعام أو ماء . بقي الشهيد "ارتيموس" على هذه الحال خمسة أيام دون طعام ولا ماء.  ولما أخرجوه من السجن وجدوه في صحة جيدة. صرخ الشعب الذي شاهده بصوت واحد : "المسيح الذي يعبده أرتيموس شليطا سنعبده نحن فهو الإله الحقيقي.  ففي هذه الأثناء اشتعل هيكل "ابولون" بالنار واحترق وتحطم تمثاله. فسخط "يوليانوس" فأمر بإحضار "أرتيموس شليطا" مرة أخرى أمامه مجهداً بكل الأساليب والطرق لكي يسجد أرتيموس شليطا للآلهة فأجابه " أرتيموس" بكل شجاعة: " لا تتعب نفسك أيها الملك الأحمق بأحاديث لا فائدة منها. افعل بي ما تشأ إنني سوف لا أسجد للآلهة الكاذبة ولا أطيع أوامرك ". أمر "يوليانوس" الجاحد بأن يضعوا أرتيموس على صخرة وفوق جسده صخرة أخرى. وعندما وضعت فوقه الصخرة سمعت قرقعة عظامه التي انسحقت وتخلعت فأمر " يوليانوس" ان ترفع عنه الصخرة بعد مرور أربع وعشرين ساعة لاعتقاده أن الشهيد قد مات.  ولما رفعت الصخرة قام القديس أرتيموس شليطا يمشي ويتكلم والمتفرجون يمجدون اله شليطا.  حاول "يوليانوس" أن يغريه ولكنه فشل في جميع محاولاته. فأمر بقطع عنقه. وفيما كان الجنود يقودونه الح عليهم طالباً الأذن للصلاة فأذنوا له ان يصلي لله. فشكر الله على ما أتاه من نعمة التعذيب لمجد اسمه وابتهل إليه أن يرأف بكنيسته التي كان "يوليانوس" يضطهدها بأشد المحن.  جثا القديس أرتيموس على ركبتيه ثلاث مرات قائلاً " استجب يا رب لخادمك الذليل الحقير واقبل نفسي بسلام. وفيما كان يصلي فإذا بصوت يقول له من السماء " لقد استجبت صلاتك يا أرتيموس ان " يوليانوس " الملك سيهلك في بلاد الفرس ويخلعه ملك مسيحي حر. أما الوثنية ستسقط ولا تعود ".  ولما سمع الشهيد ارتيموس شليطا هذا الكلام السماوي امتلأ قلبه فرحاً وقدم رأسه للجند وكان ذلك يوم الجمعة في العشرين من تشرين الأوّل 363 ميلادية. طلبت جسده الطاهر امرأة مسيحية تدعى "أريستا" فحفظته أرسلته ضمن صندوق محكم الإغلاق إلى القسطنطينية. وقد حدث كل ذلك في إنطاكية في أيام الملك يوليانوس الجاحد.

 

 

تعريف المزار الحالي

 

قبل 7 حزيران 1990 لم يكن هناك في كنيسة القديس ارتيموس شليطا "حلسبان" سوى ركام من الحجارة تخفي الخورس المهدم في هذا الدير. بقوة الإيمان نهضت السيدة لوريس هلال إلى العمل وبموافقة سيادة المطران انطوان جبير في 7 حزيران 1990 بدأت بالعمل جدياً . وكانت هي التي نزلت تعمل بيديها وتحمل على كتفيها الحجارة والتراب . ولما شاهد الناس هذا الأيمان القوي لامرأة تقوم بهذا العمل الشاق بالرغم من المعاكسات التي كانت تعترضها أثناء العمل وكم بللت الدموع تلك الحجارة التي كانت تحملها. هب المؤمنون بشكل "عونات " لمساعدتها لرفع الأنقاض. كنت ترى اكثر من عشرين متطوعاً يومياً للعمل معها.  احتاجت إلى عمال حفريات وآليات لرفع الحجارة الرومانية الضخمة . وعمال بناء ومعلمين لنحت الحجارة . استأجرت ونش ضخم لرفع الحجارة الرومانية الضخمة وكميات كبيرة من الأسمنت " الباطون" والحديد لدعم جدران الكنيسة من الداخل وهناك السطيحة "التراس" والجدران التي تحيط بالمعصرة والأدراج وساحة الكنيسة وإنجازات كثيرة في هذا الدير وكل هذه الأعمال تكلف مبلغاً كبيراً من المال.  اضطرت لوريس هلال أن تقوم بجولات برفقة سيدات فاضلات تطوعن لهذه المهمات لجمع تبرعات في كل أنحاء لبنان والحمد لله كان العطاء سخياً. فبقوة إيمان هذه السيدة وبمساعدة القديس الشهيد العظيم " ارتيموس شليطا" بالرغم من المعاكسات والصعوبات التي اعترضتها بارك الرب هذا العمل الجبار. وها هي الكنيسة تنتفض من تحت الأنقاض ومعها التراث المسيحي القديم بدءاً من القرن الرابع بعد الميلاد تحمل الأيمان وصورة حقيقية عن قداسة أجدادنا. عندما تدخل لأول وهلة إلى الكنيسة تشعر بأنك انتقلت إلى القرون الأولى المسيحية فتحس بأن إيمانك يتجدد ومسحة القداسة تغلفك.  وقد أراد الرب أن يكتمل هذا العمل وعن يد امرأة مؤمنة وبمساعدة المؤمنين الذين يغدون لمشاهدة هذا المكان المقدس. والمكافأة الروحية لكل الذين شاركوا بالعمل والتقدمة.

 

قطع أثرية

 

أثناء الحفريات عثرنا على بعض القطع الأثرية من حجارة وصلبان من حديد أو نحاس وقطع نقود يرجع عهدها إلى القرن الرابع الميلادي وسوف تعرض في متحف خاص يقام في الكنيسة .وكل هذه القطع الأثرية تدل على أن هذا البناء استعمله المسيحيون وخاصة الرهبان النساك الذين كانوا يسكنون في هذا الدير. والهياكل العظيمة المدفونة في هذا المكان ومعها الصلبان التي كانوا يحملونها.  وقد شيدنا مدفن خاص تكريماً وتقديساً لرفات أولئك القديسين. والكنيسة تعتبر ثلاث كنائس الواحدة شيدت على أنقاض الأخرى وقد علمنا ذلك بواسطة خبراء أخصائيين ومن طبقات الأرض من الكلس والرمال الممزوجة ومن رصف أرضية المكان. البناء أصلا روماني الحجارة الضخمة رومانية الشكل عثرنا على مدفنين رومانيين ملاصقين للجدار الجنوبي وهياكل عظيمة في داخل المدفنين وقطع نقود تحمل صورة الامبراطور جوستينيان وزوجته الملكة " ثيودورا" يتوسط هذا النقش صليب بيزنطي ثم صليب روماني لاتيني.  ثم صليب " سرياني" على أطرافه شكل حرف 7 وصليب من عهد " الصليبيين".

 

الاستاذ سعد قديح

 

Back to Books