back to Books

 

نسوان الفرن: حكم مسبق ظالم

في القبيات، أعاد طوني أنطون تداول خبز التنور بعدما كانت صناعته قد بدأت تختفي من المنازل. أمّن فرن التنور الذي افتتحه فرص عمل، ولو مضنية، لبعض السكان. هنا إضاءة على هذه المبادرة وجهد العاملين بها.

 

القبيات ـــ روبير عبد الله   - جريدة الاخبار  - الجمعة ٤ أيلول ٢٠٠٩

 

عندما سافر إلى العراق بحثاً عن العمل، لم يكن طوني يعرف أنه سيقع في قبضة إحدى العصابات، وأنه سيلقى به في إحدى الصحاري العراقية حيث كاد يضيع وهو يسير على قدميه وحيداً إلى أن بلغ صدفة طريقاً معبّدة. رجع إلى لبنان، وباع مزرعة الأبقار التي كان يملكها لتسديد الديون المستحقة عليه. وبما أنه لم يتقبل فكرة العمل المأجور تحت إيدين الناس، وهو على مشارف الأربعين، قرّر أن ينشئ تنوراً من حجارة وطين داخل غرفة مسقوفة بالصفيح لا تتجاوز كلفة إنشائه الأربعمئة دولار. هكذا بدأ تنور طوني بالعمل في أيلول من عام 2006. استقدم امرأتين من إحدى القرى المجاورة لبلدة القبيات، حيث كانت صناعة الخبز على التنور ما زالت رائجة. واستمر الأمر على هذه الحال سنة كاملة. اقتنع طوني بجدوى العمل، علماً بأن المردود لم يكن يتجاوز مصاريف الأسرة. لذلك قرر توسيع العمل وتطوير التنور ليصبح مطعماً قروياً يقدم أصناف المعجنات والحلويات كلّها، بالاعتماد على مصادر أولية من إنتاج الضيعة. أطلق على مطعمه اسم حطبة ونار بالاستناد إلى ما حدث معه في العراق، إذ كان قد اكتشف بعدما أفلته خاطفوه في الصحراء، أن الحياة بدأت عندما كان الإنسان يعتمد على نار الحطب للتدفئة والإنارة وطهو الطعام وطرد الوحوش.


وكي لا نقع في المبالغة، يلفت طوني إلى أن كلفة بناء المطعم لم يوفرها من أرباح التنور. فقد باع قطعة أرض له، وشرع في عملية التوسيع. أضاف فرناً يعمل على الحطب طابونة، استطاع أن يخبز فيه الكعكة الطرابلسية القديمة التي يسميها الخباز محمود رشيد الحسن مغطوطة، وهي عبارة عن مزيج من العجين والسمن والسكر ومواد منكّهة أخرى لم يشأ الخباز توضيحها، إذ لعلها من أسرار الصنعة. كما صار بالإمكان بواسطة الطابونة إنتاج الكنافة والفطائر والبيتزا وجميع أنواع المعجنات.


أما عن تأمين الحطب، فإن طوني لا يخجل من تقديم نفسه باعتباره يقوم بـتعزيل بساتين الناس من السَيكون أي بقايا الأشجار بعد تشحيلها. وقد قام، بترخيص من وزارة الزراعة، بتشحيل مساحة عشرة دونمات من أحراج القبيات، جعلته يوفّر كمية كبيرة من الحطب والسيكون من ناحية، بينما حاز من ناحية أخرى تقدير مراجع في وزارتي الزراعة والبيئة بسبب طريقته في التشحيل، وما وفرته من حماية ضد الحرائق لتلك المساحة الحرجية.


ثمة عجقة زبائن أمام تنور طوني، الزعلان منهم أكثر من الراضي، كما يشرح، لأن التنور لا يلحّق على الطلبيات، فهذا يريد كيساً من الخبز من المرقوق، وذاك كمية من الطلامي أي الخبز السميك، وغيره يحب المناقيش. وهناك، في غرفة إلى جانب التنور، مجموعة أو أسرة تتناول وجبة غذاء قروية، تحتوي خبزاً وزعتراً وكعكاً وكنافة والشنكليش المعتق.


مشهد رومانسي. لكنه الظاهر فقط. ففي خلفيته هناك تفاصيل حياة العمال مثل أم نعمة، وأم محمد، وأبو شادي من الذين يحرقون أصابعهم يومياً، وتلفح النار وجوههم وتملأ الأدخنة صدورهم، قبل أن يسعد الآخرون بعبق الأيام الخوالي. لنا نحن الزبائن والزوار رائحة التنور ومعه كل الحنين وذكريات الماضي، ولهم بضعة آلاف من الليرات بعد نهار جهنمي يكاد لا ينتهي إلا بطلوع الروح. هكذا تخبر أم محمد الشيخ من مراح العليق في أكروم رحلة عذابها وشقائها لكي تساعد زوجها في إطعام أولادهما العشرة. فالزوج يعمل (مياوماً) في بلدية سن الفيل بأجر يومي مقداره عشرون ألف ليرة. وهو غير منتسب للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا يحصل على معونة مدرسية (لأنه مياوم). مضى على وظيفة أم محمد في الفرن سنة وتسعة أشهر عملت خلالها من السابعة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر حتى صار أجرها عشرين ألف ليرة يومياً، تسدد منه أجرة النقل يومياً لمسافة عشرين كيلومتراً من منزلها إلى الفرن. فما بالك بأكثر من سنة قضتها بأجر يساوي 13 ألف ليرة لبنانية؟


أما أبو شادي فهو عامل سوري. وأم نعمة من قرية هيتلا العكارية إضافة إلى أم محمد من أكروم، وغيرهم من العمال، جميعهم من قرى تمثّل أسماؤها شهادات منشأ لشتى أنواع الفقر والمآسي والضيق والحرمان.


نسوان التنور نأخذهن ظلماً مثالاً لتوصيف الأشخاص الذين يحبون الثرثرة. لكن، في الواقع، رحم الله يوماً كان اللت والعجن ينتج خبزاً صحياً، وفيه ما فيه من الوفرة المادية. ورحم الله يوماً كان العمل على التنور جزءاً من بنية اقتصاد منزلي وقروي متكامل، دمرته آلة العصر الحديثة.

 

  back to Books