back to Books

 

حرارة الإيمان دمّرت موقع مار شليطا الأثري

كنيسة مار شليطا المبنية بأحجار

 

كانت كنيسة مار شليطا ركاماً في وادي حسبان في منطقة القبيات، إلى أن قررت سيدة مفجوعة بمرض ولدها أن تنذر حياتها لإعادة بناء الكنيسة المبنية على أنقاض معبد روماني. حرارة إيمانها كانت الدافع لتأمين مبالغ الترميم، ولإبعاد رجال الأمن والمطالبين بتطبيق القانون.

 

عكار ــ روبير عبد الله   - جريدة الاخبار  -  الجمعة ٢٦ حزيران ٢٠٠٩


في قلب غابة صنوبرية في خراج القبيات تخترق الأودية أصوات صلوات غربية هادئة لا تعكّر حفيف أوراق الأشجار وأناشيد العصافير بل تمتزج بعضها مع بعض لتكوّن سمفونية تشيع هدوءاً وراحة وطمأنينة. يقترب المرء من مصدر الصوت لينظر في مشهد عمراني متكامل في سياق قعر الوادي المتسلّل بين ضفاف الغابة. يروي المشهد حكايتين: قصّة كنيسة القديس شليطا، وقصّة لوريس قديح. لوريس امرأة تحاكي في آلامها وعذاباتها حياة القدّيسين والشهداء. لوريس قديح نذرت حياتها لترميم كنيسة مار شليطا بعدما أبلغها الأطباء عن مرض ابنها غير القابل للشفاء، وكان ذلك منذ قرابة ربع قرن من الزمان، فما كان منها إلا أن استلهمت من حياة القديس شليطا، ونذرت ترميم كنيسته وبناءها لو عاش ولدها عشر سنوات. وبدأت العمل فوراً. وكان لها ما أرادت، عاش ابنها تلك المدة الزمنية وبقيت هي تعمل في ترميم الدير، حتى بعد وفاته.


قبل عام 1990 كانت كنيسة مار شليطا مجرد ركام من الحجارة، ولكن عندما بدأت لوريس العمل الجديّ استطاعت أن تحصل على موافقة المطران أنطوان جبير، وكان ذلك في السابع من حزيران 1990، ومن هذا التاريخ بدأ شكل الموقع يتغيّر. كانت تذهب في الشتاء مع نفر من المتبرعين لجمع الأموال والصدقات، وفي الصيف كانت تنقّب التراب، وتنقل الحجارة بيديها، يرافقها جمع من المتطوعين. ثم استأجرت لوريس آليات لرفع الحجارة الرومانية الضخمة، فتمكّنت من إعادة بناء الكنيسة بحجارة كبيرة كانت منتشرة في أرجاء الموقع، ثم رفعت فوق سقف الباطون المستحدث قبة للجرس.

 

 

معاصر نبشت من ارض الموقع ووضعت للعرض

 

بعدها، انتقلت لوريس إلى ترتيب محيط الكنيسة، بحيث شيّدت مدخلاً من الحجارة تتخلّله أحواض الزهور، يليه نفق طوله أربعون متراً، يظهر سقفه كأنه امتداد للبستان الذي يعلوه. يصل النفق إلى باحة الكنيسة، حيث أعادت لوريس تصميم المكان. فالحجارة الضخمة التي يبلغ طول الواحد منها مترين وعرضها وسمكها متراً ونيفاً جمعتها بالآليات الكبيرة وصوّنت فيها باحة الكنيسة، ثم استعملت الأحواض الرومانية ومعاصر الزيتون أداةً لتزيّن المكان. بعدئذً انتقلت إلى خلف الكنيسة، حيث استحدثت باحة كبيرة حول سنديانة عتيقة وكبيرة جداً، ومخافةَ سقوط الشجرة قرّرت لوريس تدعيمها بعمود من الباطون المعتّق (ما يشبه جزع شجرة يابسة). هذه الباحة هي اليوم مركز يجتمع فيها الزوار، وخصوصاً الأطفال منهم، فيلعبون ويلهون.


في تفاصيل مشهد كنيسة مار شليطا تتداخل الحجارة الرومانية الضخمة بأحواض الزهور المبنيّة من الحجارة والباطون، فتكوّن المشهد المعتق الذي ابتكرته لوريس بفضل دُربة اكتسبتها لأنها سكنت مدة طويلة في حي بعلبكي قريب من الموقع الأثري والهياكل الرومانية. وهناك كانت لوريس تراقب الفرق الفنية والهندسية وهي تقوم بأعمال الترميم في الموقع الأثري، فقررت أنها اكتسبت تقنية العمل، وهذا ما يسمح لها بترميم الكنيسة.


ودير مار شليطا موقع أثري يعود إلى الفترة الرومانية. وتشير الحجارة الضخمة التي كانت منتشرة في أرضية المكان إلى أن معبداً ضخماً كان مشيّداً في هذه المنطقة، التي يرجّح علماء الآثار أن يكون الإنسان قد سكنها في الفترة الرومانية. وتشهد على ذلك حجارة المعاصر الموزعة في أرجاء الدير والنواويس والقبور المحفورة في الصخر القريب منه. وتؤكد لوريس أنه خلال أعمال التنظيف والحفر التي جرت في الموقع عثرت على جرار وفخّاريات وحجارة وصلبان وقطع نقود تحمل صورة الإمبراطور جوستينيان وزوجته الملكة ثيودوا. وقد عملت على تزيين جدران باحة الدير بصور تلك المكتشفات.


عملُ لوريس على الموقع الروماني لم يلقَ تجاوباً في أوساط المثقفين وأهل الاختصاص. وقد حاول البعض منهم إيقاف أعمال الترميم والتعتيق تلك، فواجهت لوريس اعتراضات كثيرة وكانت في أكثر من مرة تفاجَأ بحضور رجال الأمن حاملين مذكّرات للتوقف عن العمل، لكنها كانت تطلب إليهم الترجل ومساعدتها على النبش وعلى نقل الحجارة، فكانوا يمتثلون لطلبها بشفاعة مار شليطا، فيمضون بعض الوقت في العمل ثم يقفلون راجعين.


أعمال تأهيل مار شليطا شبه منتهية، والدير أصبح اليوم مركزاً للزيارة والرحلات والسياحة العائلية. ومما لا شك فيه أن أعمال إعادة التشيد والترميم حوّلته من موقع مهجور إلى مركز سياحي ديني ولكن السعر كان غالياً جداً. فقرية القبيات خسرت موقعاً أثرياً مهماً وكنيسة أثرية، لو جرى العمل عليهما بطريقة علمية لأدخلا القرية إلى الخريطة السياحية اللبنانية، ولجعلاها مثالاً يحتذى به في عكار ولبنان. فترميم المواقع الأثرية وتأهيلها هو علم بحد ذاته، وله أهل اختصاص ودوائر إدارية مسؤولة عنه. ولكن، غاب الجميع عن الساحة طيلة 15 سنة، وبقيت لوريس وزوجها ومحبّوهما وحدهم يتصوّرون وينفّذون.

 

  back to Books