back to Books

 

الوادي المقدّس

 

تتوصل عَ قنوبين، بدّك تطلع طلوع وتنزل نزول وتغرق بوادي وملاّ وادي، شي مش معقول! وبتقول يا الله شو جابك لهون، قلة وديان بهالكون؟
الصدى بيردّد: هيدا الوادي شكل عن الوديان، لأنو بالقداسة مليان، بيكفيك النساك والرهبان، كلّو مذابح، أهلو ذبائح، ما بيشبعوا صوم وصلاة، هيك عبادة، بتوصّل عَ السعادة.
ولمن بترجع من شرودك بتلاقي حالك بعالم من الضباب وما عاد بتعرف حالك إنتَ وين. وبتصير بدِني غير دِني وبياخدك الخَيال لبعيد، وبتشوف يلي ما قدرت تشوفو وإنت مفتّح عينيك.

هونيك بالوادي، المَي كأنها دموع صافية أصفى من الصفا. والهوا بينسّم والشجر بيلوح وسكون ما بعدو سكون، لولا زقزقة هوني عصفور وتغريدة كم حسّون.
وبتحس برهبة صخر، واقف متل المارد، معلّق بالهوا، وشو هالهوى؟ يلّي خلاّ جدودنا ينحتو الصخر، ويعملو منو مناسك وأديار، ويعيشوا معلّقين بالفضا (كل هيدا كان عن حبّ ورضى).
شي مش معقول! إمّا هنّي قدّيسين! وإمّا بلا عقول! ليش قولك وصلوا لهون؟ ليش لهيدا المطرح؟
لأنّو ما بيطيقو الاستعباد، وما بدّن قهر من حدا. همّن عبادة الله وإنّن يعيشوا عَ هدا. شو هنّي نسور؟
نسيت إنو جوانح الإيمان أشدّ من جوانح الطير، وهيك بيسْلَمو من الغدر، ومن أذى الغير!
مين زعل؟ زعل منّن النسر، يمكن غيرة، يمكن حسد. قالولو: ليش العرين بيكون لغير الأسد؟ نعم صار الوادي عرين.
والوادي بيحكي من دون حكي، والحكي ما إلو لزوم، طالما الآثار عم بتدوم، وما دام النقش متلاّ الصخر، وهيدا إلهُمْ فخر، هيدا أصلك، هيك كان جدودك، هيك كان شعبك، والشعب انطحن وطحن معو العمر، حتى اخضرّ الوعر، وانفتّ الصخر، شعب تقدّس وقدّس الوادي معو، حدودو النسك، حدودو الصلا والصلا ما إلها حدود.
وبعلمك الوادي بيكون آخدك نزول تيعرّفك عَ ماضيك، ويقلّك إِنتَ مين، بتصير ترفَع براسَك طلوع وتفتخر بأصلك وتعتزّ. لأنو تاريخك باصبع الله انكتب.

لكن أوعا تفكّر، إنّك أحسن من غيرك، إلا بالقداسة، ويوم يلّي بتضيّعها، بتضيّع هويتك معا، وبتصير غريب بأرضك، ويا حيف عليك.
والوادي ما بقاتو وادي لأنّو صار قمّة متل باقي القمم. كيف هيدا؟
الوادي بقداستو اشتهر، ومتل ما بيقولو: صار أشهر من نار عَ علم (يعني عَ تلة). والحبيس شلش سنديان، راسخ بالإيمان، وشلح أرز، طالع صوب المدى، عَ مطلَع الشمس، وهونيك الجبل شايب (من التلج)، الجبل يلّي فوق، وبحضنو (أرز الربّ) والربّ من عندو عم يتطلّع عَ هاللوحه يلّي بإيدو راسما، لوحة غير شكل، وبدون ما تشعر، بدّو فكرك بيسرح وقلبك يفرح، ولسانك يمدح: (يتمجّد ربّ السما).
والوادي لوحة من جنّة عدن، عملها كرمالنا، تيقلّنا إنّو من هلّق فيكن تعيشو الجنّة معي.
وهيك صار، وياما الوادي، موصّل ناس عَ السّما.

وألله، بعدو عم يتطلّع وعينو عَ سكّان الوادي، لأنّو هوّي جابن، هوّي وصّلن لهون، هوّي حطّن بهيك مطرح. لا تسألني ليش.
لكن يلّي أنا بعرفو، إنو ألله عندو (شويّة أرز) عَ إسمو(أرز الرب)، بيعزّو عليه. وبدّو مين ينطرن، بدّو الأرز يتلّي الجبل، ومين غير سكّان الوادي خرج لهيك عمل؟
والناطور ما بيصير ناطور، إلاّ إذا تمرّن بالوادي وغَرَفْ منّو عزم، عزم بيشقلو لفوق، وبيعمل منّو ناطور (عند الربّ). وهيك كان الأرز (الشعب) مرتاح، نواطيرو ملاح، مطمّن بالو، وشايف حالو.
واليوم لا تسألني شو يلّي صار، شو تبدّل وشو تغيّر؟ شي بيعصر القلب، شي بيوجّع الراس.

ليش كلّ هيدا؟
لإنّو قلّ الضمير، وضعف الإحساس، وفاتوا بمتاهة السياسة، والسيّاس، ومشيوا طريق الزعل وانقسموا!!!
انقسموا عَ بعضن، يا ألله ما بقى يعقلوا هالناس؟ ما تعلّموا من يلّي صار؟ ما كفاهم شرب من هيداك الكاس؟ (كاس التقاتل)
ليش هالعناد؟ ليش خفّة هالعقل؟ أكتر من هيك ما شفت، شي ما بينطاق، ولا بينحمل.
حبّ الذات، حبّ المال، أصل الشرور وعلّة العلل. وبرأيك شو لازم ينعمل؟
عليّن يعرفوا وين النقص، ويصلّحوا الخلل، وإلا بدّو يسيب الأرز، والوادي بينهمل، والهجرة بتعمّ وبيفضى الجبل، وهيك بتتسكّر البيوت، وبتتشلّع العيل.
يا خيّ، هيدي شغلة بدّا صوم، بدّا صلا، حتّى الله يفرجا، ويرجّع الأمل.

 

الخوري منير حاكمه

القبيات

24 شباط 2009

back to Books