back to Books

        التطويبات (متى5/1-12)

طوبى للفقراء بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات

طوبى أي: يا لسعادة.

عظة يسوع على الجبل هي خلاصة الانجيل وشريعة العهد الجديد. إنها حكمة الله لأبنائه، يقبلها البسطاء، ويرفضها (المدّعين أنهم) حكماء متى11/25.

نعيش هذه التطويبات بالإيمان، وهي تتضمّن شروط دخول الملكوت. والكلام فيها لا يتطابق مع العقل البشري، لأن يسوع قد قلب المقاييس الأرضية ليجعلها مقاييس سماوية. ولنا مثال على ذلك: مَنْ ارتفع اتّضع، ومَنْ اتّضع ارتفع لوقا14/11. عاش يسوع التطويبات بكل معنى الكلمة، وطلب منا أن نعيشها بدورنا.

إذا كانت الوصايا العشر تنظّم علاقة الإنسان بالله، وبأخيه الإنسان وتضع حداً للجميع، فلا يتعدّى أحد على حقوق غيره. فإن التطويبات تُعطي طَعْماً لحياة هذا الإنسان، وتزيد عيشه حلاوةً وهناءً.

 لقد طوّب يسوع (الفقراء بالروح) قاطعاً بهذه التطويبة طريق التهافت على الغِنى. وما يرافق جمع المال من طمع وغش وكذب وسرقة... لأن حب المال أصل كل الشرور.

وأيضاً لم يستطع يسوع أن يتصوّر يوماً ما، مجتمعاً سعيداً، وقد غابت عنه – الوداعة – والرحمة – ونقاوة القلب – وحبّ السلام – وأعمال التوبة والمغفرة.  ولم يُرِدْ حزناً إلا إذا قاد صاحبه إلى محبّة الله.  وأخيراً لم يستطع يسوع أن يتصوّر إيماناً ينقصُه عطش إلى الأفضل – وثبات في الضيقات.

طوبى للفقراء بالروح

لم يطوّب يسوع جميع الفقراء، إنما فقط الفقراء بالروح. إنها دعوة للمؤمن كي يعيش الاعتدال والبساطة، من دون الدخول في البؤس والحرمان. وذلك عن قناعة ورضى، فيتمكن هذا المؤمن من تجنّب فخاخ الغنى والتعلّق بالدنيويات.

لأنه يصعُب على الغني دخول الملكوت مرقس10/23 وكم هم الذين يبذلون قصارى الجهد، ويقضون العُمر في سبيل جمع الثروات باعتبارها ضمانة لهم ولمستقبلهم، (ولا ضمانة إلا بالله).

إنهم يُحَصِّلون الأموال على حساب حياتهم وصحتهم، وعلى حساب إيمانهم وخلاصهم الأبدي. وماذا ينفع الانسان إن ربح أموال العالم وخسر نفسه؟ متى16/26 وماذا ينفع هذا الغني إذا شرَدَتْ زوجته بغيابه، أو فَسُدَ أحد أولاده بسبب إهمال تربيته، إو إذا خسر إيمانه وخلاص نفسه. إذ ليس في كثرة الأموال حياة الانسان لوقا12/15.

وفي هذه التطويبة دعوة لترتيب الأولويات في حياتنا، فلا نطلب ما هو لأنفسنا أولاً، أي لا يجب أن نعمل لملكوتنا الشخصي، ملكوت المجد والغنى والرفاهية والملذّات، بل علينا طلب ما هو لله قبل كل شيء. أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه متى6/34. وكل مَنْ يُضيّع حياته وجهده في سبيل الغنى، وفي جمع الثروات، مع ما يرافقها من سرقة وغش وقلّة ضمير، فهو عابد وثن. لا تعبدوا ربّين الله والمال متى6/24.

ولأنه كما يتهافت الأغنياء على جمع الثّروات، أيضاً يتهافتون على الرفاهية والملذّات، وأحياناً على المُنكرات.

وقليلون هم الأغنياء الذين يعيشون التجرّد والقناعة، أي (فقراء بالروح) إذ عليهم أن يغتنوا بالله أولاً، كي يمكنهم عيش الفقر بالروح. وتعلّق الأغنياء بالمال أمرٌ لا بدّ منه: لأنه حيث يكون كنزُكَ هناك يكون قلبُكَ متى6/21. لكن لا مانع عند الله من إعطاء الثروة (للفقير بالروح) المترفّع عن حبّ المال، ما دام يُحسن وُجهة استعمال هذه الثروة لخير النفوس، وتمجيداً لعزّته.

وفي هذه التطويبة أيضاً، تذكير بوجوب التجرّد، كشرط لاتّباع يسوع. "إذهب وبعْ كلّ ما لك، وزّعه على الفقراء، ثم تعال واتبعني" مرقس10/21. فالقناعة وبساطة العيش هما الجوّ المثالي للعبادة ونمو الإيمان، وللإنفتاح على الحُبّ الإلهي وحبّ القريب، ولعيش الكمال الروحي. وهكذا يكون الفقير بالروح، المحتاج إلى نعمة ربّه ورحمته، قد ابتعد عن حبّ المال، بملء إرادته.لأن حب المال، أصل كلّ الشرور 1 تيموتاوس6/10. ويكون قد تمكّن أيضاً من الانصراف لعمل الخير (وحسب إمكانه).

وهكذا ينال تطويبة الرحماء بعد أن استحقّ تطويبة الفقراء بالروح، وربما غيرها من التطويبات. وبهذا يضع يسوع حداً للتهافت على الغنى المادي، وما ينتج عن تحصيله وإنفاقه من سُبُلٍ للهلاك كما في قصّة لعازر والغني لوقا16/19.

والفقير بالروح هو أيضاً مَنْ يجوع إلى كلمة الله (الإنجيل) وإذا طلبها، فإن الله سيعطيه تواضع العقل والايمان لقبول هذه الكلمة، القادرة أن تُغنيه روحياً وتُغيّر له حياته، وتسمو به من عالم المادّة إلى عالم الروح.

وحسب ما ورد في الإنجيل نجد أن الغِنَى والفقر هما على أنواع.

-        هناك من هو فقير مثل لعازر لوقا16/19 الذي كان مطروحاً عند باب الغني، ويقول الإنجيل لأنه قبل بلاياه على الأرض دون تذمّر – فهو الآن يتعزّى -

-        هناك فقراء يعيشون الخطيئة، ويعملون الشر للحصول على المال

-        وهناك فقراء لو استطاعوا لعاشوا عيش الملوك

-        وهناك أغنياء افتقروا من أجل المسيح مثل متى الانجيلي، الذي كا غنياً، (كان جابي ضرائب)، ترك كل شيء وتبع يسوع. وزكا العشار كان رئيس العشارين – غني جداً- الذي وزّع نصف ثروته على الفقراء، ثم ردَّ ما سرقه مضاعفاً،  وذلك بعدما دخل يسوع حياته. وأيضاً طابيتا الغنيّة بالأعمال الصالحة والصدقات أعمال9/36 . أما الغني الذي أغلّت أرضه وهدم مخازنه القديمة وبنى أكبر منها، فإنه قد وضع كل رجائه في مواسمه، وليس على الله لوقا12/21

لم يطوّب يسوع الفقر، ولم يرذل الغنى. فالخلل ليس في المادة، بل في الإنسان وتفكيره. أما الفقر والتّعاسة فلهما أسباب عديدة، وما علينا إلا محاربتها وتخفيفها بأعمال الخير والرحمة، عندها يتمجّد الله بالفقراء، ويتبارك بالأغنياء. (فاعلي الخير).

وحسب الأم تريزا دي كالكوتا – راهبة الهند - فإن الأشدّ فقراً، ليس مّنْ تَنْقُصُه أسباب المعيشة، إنما هو مَنْ ليس في قلبه محبّة الله.

(إقرأ  1تيموتاوس 6/17-19 ؛  يعقوب 5/1-5)

طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض

          إنهم يرثون أرض الميعاد السماوية أي (أرض الأحياء) مزمور141/6

          طوبى للودعاء، والوداعة هي صفة لا يرضى بها إلا كلُ مؤمن عاقل، لأن روح العالم يرفض كل ما هو هادئ وساكن ومُحبّ، ويُفضّل العُنف والقوّة والشراسة، وشريعة العين بالعين والسنّ بالسنّ.

          ونجد أن يسوع يُشجّعنا لعيش الوداعة، فهي بنظره فضيلة ضرورية ومقدّسة في هذه الحياة، لأنها تؤمّن لنا الراحة الأبديّة، وتبعدنا عن صخب المشاكل ضمن الجماعة. لهذا قال: تعلّموا مني أني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم متى11/29. والوداعة أيضاً هي صفة ملازمة للخلاص وذلك حسب سفر المزامير: إن الرب يجمّل الودعاء بخلاصه مزمور149/4  أما حسب سفر يعقوب في الإنجيل، فالوداعة تساعد المؤمن لقبول كلمة الله: إقبلوا بوداعة كلمة الله التي غُرست فيكم، إن في وسعها أن تخلّص نفوسكم يعقوب1/21 وأيضاً الرسول بولس ينصح بعيش الوداعة بقوله: وأنت يا رجل الله فاهرب من الشرور واتّبع العدل والتقوى والإيمان والمحبة... ومع هذه كلها الوداعة لتفوز بالخلاص 1تيموتاوس6/11. وللقديس بطرس في رسائله نصائح بخصوص الوداعة: وأنتنّ أيتها النساء، إذ يلاحظ رجالكنّ أنكنّ تسلكنَ بالعَفاف والوداعة، لا تكن زينتكنَّ بالذهب والثياب الفاخرة، بل بزينة الوداعة، الكثيرة الإعتبار عند الله. 1بطرس3/3.

          والوديع هو الإنسان الهادئ الذي لا يؤذي ولا يُخيف، هو الإنسان المُسالم والمُطيع للشرائع والقوانين (هو كالحمل) لا يعرف العدائيّة ولا يلجأ إلى العنف ولا يرغب في الانتقام – باختصار إنه لا يتوافق مع الشرّ لأن على المؤمن أن يغلب الشرّ بالخير. روما12/21  والوديع لا يهاجم أحداً ولا يوبّخ ولا يصيح، لأنه يضبط نفسه أمام الإنفعالات – ولأن من يضبط نفسه هو أهم من الذي يحكم المدينة – أمثال16/32  والوديع يواجه المشاكل والصعوبات، باتّزان ورويّة، متكلاً بذلك على الله، فتخفّ حدّتها، ويهون وَقْعُها، ومع الرب يسوع تهدأ العاصفة ويحلّ السلام.

لقد شجّعنا الرب يسوع للتحلّي بالوداعة، لأنها ثمرة من ثمار الروح القدس – ثمرة تقدّسنا – غلاطية5/23. إنها ثمرة تُعطى للمؤمنين ليتعالوا بها عن الشرّ والخطيئة وليحافظوا على سلامهم الداخلي، وعلى الاستمرار في بناء الملكوت. بينما الذي لا وداعة لديهم (شرسوا الأخلاق) نجدهم ينفجرون حقداً وغضباً وصراخاً لأقل الأسباب. إن الشرير يتحكّم بهم، وبتصرّفاتهم، وهم يسيئون كثيراً إلى المحبّة والتعاون. وايضاً الوداعة ليست سذاجة ولا ضعفاً ولا خنوعاً، إنما هي قوّة، لا يستطيع أيٍ كان أن يتحلّى بها. ستنالون قوّة من الروح القدس أعمال1/8

          وهي دعوة لبناء الملكوت، وجمع شمل أبنائه بالتعاون والمحبّة والغفران، وهي دعوة لنكون قدوة مقدّسة لردّ الكثيرين إلى الإيمان.  أسلكوا بالدعوة التي دعيتم إليها، بكل تواضع وصبر ووداعة أفسس4/1، دعوة للبشارة، ولنمو المؤمنين وثباتهم ولتجنّب شرور كثيرة، ولعيش السلام والاطمئنان في الوقت ذاته.

          فالطوبى لمن يستطيع أن يكون وديعاً مالكاً أعصابه متحكماً (بقوة الروح القدس) بما يدور حوله، يؤثر بغيره، ولا يتأثّر، لأنه إنسان قوي بالروح.

أما الإنسان الروحي فإنه يحكم في كل شيء، ولا أحد يحكم فيه. 1كورنتس2/15.

 

طوبى للباكين ( أو للحزانى) فإنهم يُعَزَّون

          كل حزنٍ يقود إلى الله فهو مطوّب.

          نحن نعلم أن الحزن غالباً ما يقود إلى البكاء، وعلينا أن نسأل أي نوع من الباكين، وأي نوع من الحزانى؟

فاللذين يقودهم حزنهم (بسبب خطاياهم) إلى التوبة، أي إلى العيش برضى الله، فإن الله سيعزّيهم بفيض من الإيمان والنعمة والمحبّة، ليتمكّنوا من الثبات في حياتهم الروحيّة ولإعطاء ثمار الأعمال الصالحة.     

أما الحزن الدنيوي فلا ينشئ إلا القهر والموت، وذلك بحسب القديس بولس: لأن الحزن بحسب الله يُنشئ توبة للخلاص 2كورنتس7/10 والحزن من أجل أمور الدنيا فينشئ الموت.

          والحزن على أمور الدنيا، أي من أجل خسارة، أو شعور بالإهانة، أو لجرح في الكبرياء، أو بسبب الاكتئاب واليأس والانطواء على الذات فإنه حزن غير مقدّس. وعلينا خاصةً ألا نحزن كالوثنيين على فقد موتانا أو على أمور أخرى.

ومن مراحم إلهنا، أن الروح القدس يبكّتنا على خطايانا يوحنا16/8. أي أنه يوبّخنا ليقودنا إلى الحزن والبكاء ثم إلى الندامة والتوبة على ما فعلنا من خطايا، وعلى إهانتنا لله.

والروح القدس يقود البعض أيضاً إلى ممارسة الصوم والصلاة وعمل الخير، للتعويض عن خطاياهم وخطايا غيرهم.

لقد بكى النبي داوود خطيئته، وكان يبلّل فراشه بدموعه مزمور6/7 لقد زرف الدموع لكنه نال التعزية، لأن الله باركه وسانده فيما بعد. فالبكاء والحزن على الخطايا هما مرغوبان ومقبولان عند الله، وسيعقبهما فرح التخلّص من الخطيئة التي تدين صاحبها.

والنبي أشعيا كان قد أشار إلى هذا النوع من أنواع التعزية في العهد القديم أشعيا61/3 إني أُعطي نائحي صهيون دُهن الفرح بدل النَّوح .

والرب يسوع يؤكّد لنا أن فرح الخطيئة، والحزن المقدَّس، سيتغيّران ويتبدّلان.

-        لأن الضاحكين سيبكون، والباكين سيضحكون لوقا6/21. إن الضحك على أمور غير مقدّسة سينقلب بكاءً، أما البكاء من أجل الأمور المقدّسة سينقلب فرحاً.

-        أناس كثيرون لا يتأثرون ولا يشعرون بالمآسي التي تدور حولهم لكن بالمقابل هناك من المؤمنين الذين يفرحون مع الفرحين،  ويبكون مع الباكين.

-        إنهم يمارسون الأصوام ويقدّمون الصلوات من أجل إنهاء الحروب والانقسامات والاضطهادات والمظالم الحاصلة في عالمنا، ومن أجل تدخّل العدل الإلهي وإحلال رحمته.

وهناك من يحزنون لضياع إخوة لهم، فيصلّون من أجل مَنْ جَحَدوا وفقدوا إيمانهم، ومن أجل الفاترين روحياً. فالطوبى لمثل هؤلاء المؤمنين فإن أكبر تعزية لهم هي، عودة العديد من هؤلاء الخطأة إلى التوبة، ومن الجحود إلى الإيمان.

والحزانى الذين تحرّكت قلوبهم من أجل إخوتهم، فقد يمسحون دموع كثيرة ويخفّفون آلام البائسين والموجوعين ويردّون الخاطئين وينشرون الرحمة والعدل.

وطالما حرّكَ الحزن القلوب، وألَّهَم أصحاب النفوس السخيّة، فأقدموا على بناء المستشفيات والمياتم، ودُور العجزة والمؤسسات الخيرية على أنواعها.

ولنا مثال على التعزية: القديسة (مونيك) والدة القديس أوغسطينس، فيلسوف الكنيسة.

وبعدما عاد عن ضلاله واهتدى، قال: لقد ولدتني أمي مرّتين: مرّة من أحشائها، ومرّة من دموعها.

لأنها بكت وصلَّت السنين الطوال من أجل اهتدائه.

 

الخوري منير حاكمه

القبيات، ايار 2010

 

back to Books