back to Books

 

أيّ إلهٍ تعـبد؟

 

-       لقد زرع الله في قلب كلّ إنسان شعوراً وحاجةً إلى العبادة، والهدف هو التوصُّل إلى العبادة الحقيقية، عبادتُه هو الله القدّوس، كما أظهر لنا ذلك، بالأنبياء ومن ثم بابنه يسوع.

-       ومنذُ البدء أخذ الإنسان يتـلمّس جميع أنواع العبادات، إلى أن تبلورت هذه العبادة فيما بعد وبصورة نهائيّة، مع بشارة الربّ يسوع الخلاصيّة. فالعابدون الحقـيقـيون، يعبدون الله بالرّوح والحقّ. يوحنا4/23.

-       ولقد رافقت نشأة الإنسان رغبة العبادة، فأقام علاقات مع قوىً خارجيّة كثيرة، إعتقد أنّها قادرة أن تحميه وتضمن له السعادة والبقاء، وإنها قادرة على مساعدته في حلّ مشاكله وصعوباته التي لم يستطع إيجاد الحلول لها، ولا الإجابة عن أسبابها.

-       فقدّم لها الذبائح والتّقادم علّها تُــبْعِدْ عنه الشّرور والأضرار التي لم يكن يقدر أن يحمي نفسه منها.

 والميل إلى العبادة بدأ مع قايين وهابيل، فقدّما الذبائح (مقتديان بوالديهما آدم وحواء). (تكوين4/3)، ثم مع نوح (تكوين8/20) ومع إبراهيم الخليل وابنه إسحق، وموسى وهارون الكاهن والأنبياء وكهنة العهد القديم وصولاً إلى العشاء الفصحي. (لوقا22/19). لتليه (تـتـبعه) ذبيحة الصّليب قمّة الذبائح، حيث قدّم يسوع ذاته ذبيحة فداء عن البشريّة جمعاء. (خذوا كلوا هذا هو جسدي، خذزا اشربوا هذا هو دمي).

-       وذبيحة الصليب تتكرّر بشكل غير دموي على مذابح الكنائس في العالم أجمع. وذلك بناءً على طلب يسوع، بعد أن أمر رسله (كهنة العهد الجديد) بذلك. إصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي. لوقا22/19.

-       العبادة نوعان: العبادة الطبيعية، والعبادة بالرّوح والحق.

العبادة الطبيعية تقوم على طقوس وذبائح يقوم بها الإنسان للوصول إلى هذا المعبود (القوي) واستمالته لتأمين مصالحه وحمايته الشخصيّة، أي حماية نفسه من الأمراض والكوارث والضيقات، وخاصة من الموت. فتكون تقادم هذا المتعبّد ثمناً لاحتياجاته. وهذه العبادة هي محض تجاريّة، إذ  تقوم على عقدٍ يُبرمه (يقوم به) الإنسان مع مَنْ يعبُده، عقدٌ يرتّب على الإنسان القيام بالصلوات والتقدمات، ويرتّب على هذا الإله حقوق وواجبات. عبادة قائمة على المبادلة. (عبادات مقابل مُكتسبات).

-       ونستـنتج أنّ الإنسان في عبادته الطبيعيّة، أنّه هو مَنْ يقرِّر، أو يحدّد الطلبات، ويُحدِّد الخير والشرّ، وما هي سعادته. فتكون الصلاة في هذه الحالة، موجّهة كلياً نحو الطلبات التي يرغبها هذا المتعبّد، حتى إذا قدَّم ما يترتَّب عليه من واجبات، صار بامكانه أن يُلزم هذا الإله بتنفيذ تعهّداته.

وفي إتّجاه آخر يظنّ المتعبّد الطبيعي أنه إذا ما قام بواجبه من شعائر وفروض، يصبح طليقاً، حرّ التصرّف بعيداً عن أي رادع أو رقيب، فيعمل حتى المُنكرات والأعمال القبيحة، وتستمرّ المعادلة، فيـزيد من الصلوات لتغطية المخالفات، والتخلّص من العقوبات. فيكون أنّ هذا المتعبّد الطبيعي (أو الوثني)، أنّه يعيش حياتين منفصلتين، واحدة لإرضاء الله، وواحدة لإرضاء ذاته، مع كل ما فيهما من تناقضات، وانقسام في الشخصيّة والأيمان.

-       أما العبادة بالرّوح فهي مختـلفة تماماً، لأن المتعبّد المؤمن بالله، لا يسعى إلى تحقيق ذاته عن طريـق إشباع شهواته، بل إلى خلاص نفسه، وعلى يد الذي يعبده. لأن الإيمان هو أن نثق بما نرجو، ونتأكّد من وجود الأمور التي لا نراها. عبرانيين11/1.

ويكون أنّ الإيمان بعد نضوجه، يصبح علاقةً شخصيّةً بين الإنسان وخالقه. فيختبر المؤمن أنّ الله هو أبٌ حنون ومحبّ، فتتحوّل العلاقة إلى بنـوّة صادقة. عندها تصبح صلاتـنا وتقادمنا تعبيراً عن محبّتـنا وإكرامنا لهذا الأب السماوي. ومع المحبّة الحقيقيّة هناك تسليم كلّي لمشيئة هذا الأب وبثـقةٍ لا حدَّ لها.

فيكون بهذه العبادة أنّ الله هو مَنْ يقرِّر، ومَنْ يأخذ المبادرة. لماذا؟ لأنّه إلهٌ محبّ وقدّوس، ولا يريد سوى خلاصنا وسعادتنا. هكذا أحبَّ الله العالم حتى أنّه بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ مَنْ يؤمن به. يوحنا3/16.

ومَنْ يدخل في هذه العلاقة، أو هذه العبادة، لم تَعُدْ الوصايا والتّعاليم مجرّد حواجز وممنوعات بالنّسبة له، بل تكون دليل محبّة وطُرُقْ سعادة تقوده نحو خيره الأسمى، أي الملكوت.

ولماذا العجب؟ ألم يقل أنا هو الـطريق والحقّ والحياة. يوحنا14/6.

ونجد أنّ المؤمن الحقيقي يسعى لتحقيق إرادة الله في حياته، عن رضى وقبول وتسليم، ولا يتعامل معه على طريقة مكيالٍ بمكيال.

وإن تألّم المؤمن والعابد الحقيقي فهو كباقي النّاس، ويكون له في هذه الآلام، نوعاً من الاختبار، إختبار يحدّد ردّة فعلِهِ وطريقة حمل صليبهِ، فتُعرَف نوعيّة عبادته.

وإذا ما صرخ ففي صراخه رجاء، بأنّ هذا الصّليب سيكون لقداسته، وجِسْرِهِ إلى الخلاص. كما أنّ في الآلام مناسبة لنموّه الرّوحي، وللتضامن مع إخوته المعذّبين.

واخيراً إنّ العابد الطبيعي، أو العابد الحقيقي، كلاهما إنسان يصلّي ويقدّم القرابين، فما الفرق يا ترى بين هذا وذاك؟ الفرق ليس في الصلاة إنّما في العقليّة المبنيّة عليها هذه الصلوات، صلوات هي، إما للمصلحة الشخصيّة، أو محبّةً وإكراماً لإلهٍ قدير.

فالعابد الطبيعي لا يريد سوى منفعته الخاصّة، مع وجود هوّة بين علاقته بربّه، وبين تصرّفاته وحياته العمليّة. أما المؤمن الناضج، فإنّه يعيش حسب إيمانه في كل لحظات حياته، لأنّه يؤمن أنّ حياته هي في يد الـرّب.

إن حيينا فللرّب نحيا، وإنْ متـنا فللرّب نموت. رومانيين14/8. أو كي لا يحيا الأحياء لأنفسهم، بل للذي مات وقام لأجلهم. 2كورنتس5/15.

-       أحياناً نسمع مَنْ يعترض ويقول: إني أصلّي وأعمل الخير ولا أضرّ بالآخرين، فلماذا يلاحقني الله بالمصائب والأمراض؟ بينما هناك الكثير من الذين لا يتّـقون الله وهم بألف خير.

-       أخي إن كنت مؤمناً طبيعياً فهذا السؤال هو من حقِّك.

ولكن إن كنت مؤمناً حقيقياً فلا يحق لك به، لأنّك سلَّمتَ حياتكَ لربّك، فهو الذي يقودك ويدبّر أمورك، وهو ذلك الأب الحنون، ليس لك أن تعتـرض على طُرقِهِ، طالما أنّه يحبّك ويريد خيرك، وإليك إحدى صلوات المتوحّدين:

        أبتي إنّي أسلّم لكَ ذاتي، فافعل بي ما تشاء، ومهما فعلت بيّ فأنا شاكرٌ لكَ.

فيا أخي أيُّ إلهٍ تعبُد؟

هل تعبُد إلهاً تُملي عليه شروطك؟ أم إلهاً تتـركُهُ يقودك؟

وأيّ حياةٍ تعيش؟ هلّ لكَ إله تعيشُ لأجله؟

 أم أنّ لكَ إله تُسخّره لأجلكَ؟

                                                                   

الخوري منير حاكمه

القبيات، شباط 2011

 

back to Books