back to Books

 

بِمَنْ تَأْتَمِرْ؟

 

-       هل تعلم يا أخي أنّك أنت في حالة حرب؟ والحرب غير منظورة إذ أنّ مصارعتنا ليست ضدّ الدّم واللّحم، بل ضد أرواح الشر. أفسس6/12. إنها حرب ضدّ الشرّير، والأسلحة المعطاة لنا هي من الله، أسلحة روحيّة. إتّخذوا سلاح الله الكامل. أفسس6/13.

-       وأنت شئت أم أبيت، فإنك وسط الحرب الدائرة رحاها، وعليك أقلّه أن تدافع عن نفسك، وفي الحرب إما أن تكون: جندياً صالحاً للمسيح، تحارب تحت أوامره. 2تيموتاوس2/3. لتـربح حياتك الأبديّة – وإما أن تكون متكاسلاً متخاذلاً، فيأسرك العدو ويسخّرك لأهدافه، ثم يجرّك إلى هلاك نفسك.

ويا أخي هل سألت ذاتك يوماً، إلى أي معسكر تـنتمي؟ أو بقيادة مَنْ تأتمر؟ لأنه يستحيل أن تعمل للطرفين.

-       وكما في كل حرب هناك مُنتصر ومُنكسر، لكن المؤمن الحكيم يمكن بنعمة الله أن يخلّص نفسه. أنتم بالنعمة مخلّصون بواسطة الإيمان، وهنا الخلاص هو من الله. أفسس2/8.

وكما قال القدّيس الحرديني: (الشاطر يخلّص نفسه) وممّا سيخلّصها؟ سيخلّصها من فخاخ الشرّير، ومن الدّنس والسّفاهة، والطّمع والعداوات والقتل والظلم والشهوات وباقي الآفات.

-       وفي الحرب مطلوبٌ إستعمال كلّ الأسلحة، والأسلحة الروحيّة متعدّدة: شدّوا أحقّاءكم بالحق، وتدرّعوا بالإيمان، والغيرة على نشر الإنجيل، واحملوا ترس الإيمان ضدّ سهام الشرّير، والبسوا خوذة الخلاص واحملوا سيف الروح، أي كلمة الله. أفسس6/14.

-       وعليك الاتّكال على الله وحده، كي لا تخسر المعركة. وإن صَدَفَ وسقطْتَ، فَـقُمْ، ولا تَسْتَسْلِم ولا تيأس، ولا تنسى أسلحة الصلاة والصوم. متى17/21 والتي بها نقهر الشرّير، وعليك أن تُعانق المصلوب، وتـتناول القربان المقدّس باستحقاق (نعم باستحقاق) أي أن تكون بحالة النعمة بدون خطايا، لئلا يغلبك الشرّير ويمنعك من عمل خلاصك الأبدي، فتهلك.

-       أين هي ساحة المعركة؟ مبدئياً هي في فكر الانسان. (الانسان يخطأ بالفكر). ولماذا في فكر الانسان؟ لأن الشرّير أول ما يعرض عـلـينا أفكاره ومشوراته، فهو يزيّنها ويُظْهرها شهيّة إلى حين نقبل بها – إنّه ماكر، خدّاع– بينما نجد الرب يسوع صريحاً وواضحاً كل الوضوح: من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني.

-       إن سعادة الشرّير الموعودة إنما هي مؤقّتة وغالباً ماتنقلب علينا حزنا ومرارة وموتاً. بينما مع الرب يسوع تنعكس الأمور: إن حزنكم سينقلب فرحاً.يوحنا16/20.

وفي هذه الحالة كلٌ منّا هو أمام خيارين. إما الرضوخ، أي قبول التجارب والخطايا، إما المقاومة والنّصر. قاوموا إبليس فيهرب منكم.يعقوب4/7. وعندها سـتـنتـقل المعركة من واقع الفكر إلى الواقع المنظور، حيث يستخدم الشرّير البشر ضدّ بعضهم، (نعم جميع البشر) لأنه يستغلّ ضعيف الإيمان والخاطئ في تجاربه، وكلّنا معرّضين.

ولم يسلم من تجارب الشرّير سوى الرب يسوع ومن بعده العذراء مريم.

-       لكن للحروب أهداف وغايات، ومنها السيطرة على مقدّرات الشعوب وممتلكاتهم، وإخضاعهم لسلطة المنتصر.

إن وراء كل إنسان خاطئ، مجرِّب أوقعه في خطيئةٍ ما، لهذا علّمنا الرب يسوع في صلاة الأبانا: لا تُـدخلنا في التجربة، لكن نجّنا من الشرّير، لأننا ضعفاء أمامه إن وُجدنا بلا مساعدة.

-       وفي الحرب يأسر الشرّير الكثيرين، ويسيطر على أفكارهم ومشاعرهم ويتحكّم في تصرّفاتهم فنقول إنّه (يربطهم) كما فَعَلَ بالمرأة الحدباء، ربطها الشيطان منذ ثماني عشرة سنة.لوقا13/16.

ومن يربطه الشيطان لا يتمكّن من عمل خلاصه، وهذا هو الهدف من الحرب، فهو يريد ان يُنسينا، ويُلهينا ويُبعدنا عن الله مصدرنا وخالقنا ومخلّصنا. فإبليس هو عدوّكم، يزأر كأسد ملتمساً مَنْ يبتلعه (من يربطه).1بطرس5/8.

يريد الشرّير أن نهلك ونكون معه في الجحيم.

-       وهل تطول الحرب؟ إنّها تبقى العمر كلّه. والنصرة من عند الله لأننا نغلب بالذي أحبّنا .رومية8/37.

وبإمكان المؤمن التصدّي لكلّ قوى الشرّ. فنهدم له كلّ حصونه.2كورنتس10/4.

وهل من هدنة في الحرب؟ لا مهادنة مع الشرّير ولا تراخي، بل أمانة والتزام لا يعرفان الملل. ومن يغلب يأكل من شجرة الحياة (أي يدخل الملكوت) رؤيا2/7.

-       ما هي أسلحة المحارب؟ أسلحته: الكتاب المقدّس، (كلمة الله سيف ذو حدّين)، والقربان (طعامنا السماوي) لمغفرة الخطايا والحياة الأبديّة، ثم الأعمال الصالحة، والتواضع والتسامح والقناعة والأمانة والصبر والعطاء...

-       في الحرب كرٌّ وفرّ وفخاخ وكمائن، ولا مجال لإحصاء خطط الشيطان لكثرتها، وإننا لَنذكر بعضها على سبيل المثال:

إنه يزرع روح الغضب داخل الانسان، فماذا يحدث؟ إنه يجعله يثور لإتفه الأسباب، وكلمة يثور من (ثور) ويجعله يفقد صوابه فيتصرّف كالمجنون، ويصوّره كالثور الهائج، فيتجنّبه ويكرهه الجميع، وما تَعامُلهم معه إلا من باب الحاجة والاضّطرار.

وهكذا أيضاً يفعل بالمتكبّر، فيعاملونه كأنه مريض مضروبٌ بالبرص، فهو مَرفوض ومَكروه ومُحتقر عند الآخرين. لأن المتكبّر بدوره ينظر إلى غيره نظرةً متعاليةً، ونظرة إحتقار. أما السارق فيفضحه ويجعله مُهاناً ليُصبح صغير النفس قليل الأمانة غير موثوق به عند الغير. وبالنسبة للزاني: فإنه يتفنّن في إذلاله وتلطيخ سمعته، ويجرحه في صميمه جرحاً لا يُمَّحى، فمهما تكتّم الزّاني وبَرَعَ في إخفاء سرّه، فإن القَويّ (الشرّير) سيفضحه ويُشوّه صيته: (لأنه لا خفيٌّ إلا سيُعلَم) متى10/26. فيا أيها المتعامل مع الشرّير، إعلم أنّك لن تسلم من شرّه، ولن يتركك إلا محطّماً مهشّماً ذليلاً منبوذاً، فاحذر العاقبة وما يترتّب عليها من ضَرَرٍ لحياتك ومستقبلك ومركزك وخلاصك.

-       بقي لنا أن نقول كيف أنه يُشجّع الأنظمة الاستهلاكية أي العقليّة الشرائيّة، فإنه يُزيّن للجميع أن سعادتهم لا تكتمل إلا بشراء هذا الأمر أو ذاك – وأن كثرة الممتلكات ووفرة الماديّات ستؤمّن الرّاحة واللّذة والرّفاهية، وهنا يكمن (الفخ)، فخ إهمال حياتنا الروحيّة من أجل إعلاء حياتنا الجسديّة، والرَّب يسوع قال بهذا الخصوص: "من أوجد نفسه أهلكها، ومن خسر نفسه من أجلي ربحها".لوقا9/24.

فينكبّ واحدنا على العمل بكلّ طاقته، مستهلكاً عُمره وصحّته وقوّته وفكره  لتحقيق شهواته الدنيويّة. فضلاً عن إمكانيّة استعمال كل أساليب الغش والسّرقة لتحصيل المزيد من المال لأجل هذه الغاية. ويغرقنا الشرّيـر في دوّامة لا نستطيع الافلات منها، مع أن المطلوب هو خلاص النّفوس، وليس رفاهيّة الأجساد. إنها خططه، لأنه الماكر والمخادع، فإنه باسم رفع مستوى العائلة، وباسم تأمين المستقبل، وتحسين الظروف، يوُقعنا تحت وطأة الإدمان على العمل، فننسى عبادة الله لنتحوّل إلى عبادة المال.

وباسم الإشفاق على الذّات والاهتمام بهذا الجسد المُنتج والذي يكدح ويتعب، يصوّر لنا أنه يحقّ لهذا الجسد بالمزيد من الرّاحة واللّذة للتعويض عن متاعبه، فيكون أن الشرّير قد جعلنا نقضي مُعظم أوقاتنا بالعمل، ثم أنه يجعلنا نقضي ما تبقّى من الوقت على اللّذة والرّفاهية، وهكذا لا يترك لنا ولا بأي شكل من الأشكال، المجال الضروري لحياتـنا الروحيّة، وتضيع منّا فُرص الصلاة والعبادة ويضيع العمر ويضيع معه الملكوت. في الوقت الذي يجب أن نكون فيه حكماء ونعطي لكل أمرٍ حقّه.

-       إن العقلية الاستهلاكية، تُبرمج العقل على تحصيل المال، بكلّ الوسائل، وعلى كثرة المشتريات، وما قيمة العقل إن تبرمج على هذه وترك باقي القيم؟

وهكذا يصبح الانسان محور ذاته (يعبدُ ذاته)، بِخِدْعَةٍ من الشرّير، ويُكثر من الاهتمام بنفسه، ويقلب الأنظمة الإلهيّة، ليتحوّل من السعي لنيل السعادة الأبديّة، إلى التفتيش عن سعادة دنيويّة حسيّة زائلة، وهكذا يكون الشرّير قد استطاع أن يحوّل أنظارنا عن طلب الملكوت، للاهتمام بأمور ربّما ليست أساسيّة في حياتنا، أو أنّه يمكن تأجيلها. هدفه الأوحد هو أن يسلُبنا الملكوت، لأن ملكوت الله يُغتصب . متى11/12.

وكردِّ فعلٍ للعقلية الاستهلاكية علينا الرجوع إلى تعليم الانجيل، ولكن إنسان اليوم يرى أن هذه التعاليم تصلح لكوكب آخر، لأنها أصبحت غريبة عن واقعه وقناعاته، فهو غارق في حضارة بعيدة عن الإيمان، وكلمة الله لا تعني له الكثير.

فإذا ما سمعنا القديس بولس يقول: إن الزّمان قصير فالذين لهم نساء، كأنهم بلا نساء، والمشترون كأنهم لا يملكون.1كورنتس7/29 . فماذا يكون ردّ فعلنا؟مع أنه يقول: أن أعطوا الأبديّة إهتمامكم الأكبر. وإذا قال أيضاً: إن التقوى لتجارة عظيمة، على أن تــقـتـرن بالقناعة.1تيموتاوس6/6. أو أنه يكفينا القوت والكسوة فلنـقـتــنع بهما، أو إلزموا التعقّل والقناعة للتفرّغ للصلاة والعبادة. 1بطرس4/7. فهل نجد من يقتـنع بهذا الكلام؟

-       هنا نجد الكثير من الساخرين والمنـتـقدين، لأن الكتاب يقلّل من الاهتمام المُفرط بالجسد وهذا ما يتعارض مع نظرتهم للأمور التي تقضي بإرضاء أنفسهم وتـتميم رغباتهم.

لكن المؤمن والرّاغب في خلاص نفسه، إذا ما سمع كلام الله فإنه سيجعله دستوراً لحياته.

وأخطر ما في الأمر هو أن البعض يظنّون أنفسهم مخلّدين على هذه الأرض – يعملون ويجهدون على هذا الأساس، أي على إرضاء شهواتهم الجسديّة، فيقـعون ضحيّة قرارهم، ويخسرون أغلى ما وهبهم الله إيّاه، إنّهم يخسرون حياتهم الأبديّة.

في الوقت الذي نحن فيه مدعوّين لعمل ما هو أهمّ، ألا وهو عمل خلاصنا: إعملوا لخلاصكم في خوفٍ ورِعدة. فيليبي2/12.

-       فيا أخي مَنْ ستصدّق وبمَنْ ستـلتـزم؟

 

الخوري منير حاكمه

القبيات، 25 شباط 2011

 

back to Books