back to Books

 

الخوري منير حاكمه

Rev. Mounir Hakmeh

 

مقدّمة الكتاب (الكتاب الثاني)

(حفل التوقيع)

كتاب الأب منير حاكمة، "من أجل ولدي" يثير في وجداننا الحنين إلى قيم سامية، بدأنا نفتقدها في سلوك الكثيرين من أبناء جنسنا، كالمحبة والصدق والعطاء وغيرها.

 

وقد شاء أن يكون التفتيش عن هذه القيم الضائعة، والتذكير بها، من خلال حكايات موجّهة مبدئيّاً إلى الأطفال. ولعلّها صرخة أُطلقت بصوتٍ عالٍ إلى الجميع لتقول : "زوّدوا أطفالكم منذ الصِغَر بما يمكّنهم من التغلّب على مصاعب الحياة وإنّ ما تعانون منه أيّها الكبار، ليس إلاّ خللاً في تنشئتكم وحياتكم التي تعيشونها.

 

محتوى الكتاب يضجّ بالحياة، فهو يُنطّق الأشياء، ليُغيّر مفاهيم الناس الخاطئة.

 

فالبوصلة مثلاً، آلةٌ تخضعُ لقانون المغناطيس الكونيّ؛ وبدونه، تصبح مجرّد قطعة من حديد. والإنسان أيضاً كائنٌ كوني، وهو بدون ربع يبقى حفنة من تراب.

 

وقصة الطريق، تطلب من كلّ فردٍ أن يكون متساهلاً، متسامحاً، عطوفاً، يخدم ويُحب الجميع، يمدّ جسور التفاهم مع الجميع؛ فيما حضارة اليوم تُغرق المجتمعات بالحروب والدمار. وفي قصّة العصفور الذي بدّل ريشه بالقمح، نرى أنّ التنازل عن الأمور الجوهريّة، يؤدّي إلى التهلكة.

 

وقد تطرّق الأب منير إلى العديد من نواحي الحياة، وهل أبلغ من حوار الرئتين عند المدخّنين؟

 

أمّا في قصة المرآة، فيعكس ما في داخل الإنسان الغضوب من أحقاد وكراهيّة، وكيف نلاحظها من خلال التصرّفات والأقوال. فليس للإنسان سوى مرآة الإيمان بالله، التي تتطلّب نقداً للذات وتصحيحاً للخطوات.

 

ولم تغب البيئة عن فكر الكاتب، بل بقيت هاجساً كغيرها من المتطلّبات. فعالج مسألة الهواء وضرورةَ الحفاظ عليه من التلوّث. وفي قصة الشاطىء والبحر، مثلٌ فاضح لتعدّي الإنسان على الطبيعة. ويطرح الكتاب أيضاً وظيفة الكلمة، في قصّة الناسك وملعقة الخشب. فالكلمة نستعملها إما للخير إما للشر، للصلاة أو للشتائم، ونتذكّر كلام السيد المسيح العارف الأكيد بقوة الكلمة :(ليكن كلامكم نعم نعم أم لا لا).

 

أمّا أسلوب الأب منير ففريد من نوعه وخارج عن التقليد، يمرّ في حوارات سلسة تضيء جوانب حياتنا المظلمة، فنرى ما في أعماقنا من خلل. إنه نسيجٌ ناعم لطيف، فيه الضحك والنكتة، والرصانة والجدّية، لا يجرح الشعور ولا يمسّ الكرامة. إنّه أسلوب سهل، ناعم، فرح، وقريب من القلب.

 

هذه القصص، سوف تشيع الدفء والحنان، عند الأطفال إذا ما قرأوها أو سمعوها، وسوف تكون الحجر الأساس في بناء شخصيّتهم الفكريّة، وذخيرتهم للحياة.

 

أتمنى أن يكون كتابه "من أجل ولدي" للكبار أولاً، ثم للصغار عن طريق الكبار، ولأجيال عديدة. ونحن في انتظار المولود الثاني للكاتب، كتاباً جديداً ليس لأجلنا، بل لأجل الطفولة عامة. وشكراً.

غادة الجميّل.


المقدّمة (على الكتاب الأول)

 

عرفته منذ صباه مرحاً، حاضر النكتة، ودوداً، ذا خيال، يجيد المقالب الضاحكة، يفاجىء، يحرج، لكن سرعان ما تنقلب الدهشة ارتياحاً، والحرج رضىً.

كل ذلك كان خلال مخيّماتنا الكشفيّة، التي لم يكن فيها أنس، ولا تعرف البهجة إذا ما غاب عنها "الشيف" منير.

أما التصوّر أن هذا الكشاف المرح سيكون يوماً قصّاصاً، فهو ما لم يكن يخطر ببال أو يتنبأ به حدس !

لكن، أليست تلك الصفات، في شخصيّة الأب منير، علامات حيّة في شخصيّة كلّ قصّاص ناجح؟

باكورته الأولى :"من أجل ولدي" مجموعة قصصيّة هادفة، للكبار والصغار على حدّ سواء، ولو أنها موجّهة إلى الصغار، كما يدلّ العنوان. تجمع المتعة إلى الفائدة. أما المتعة فتأتي من طرافة التمثيل، كما في قصص: الزهرة الذابلة، ومقايضة الريش بالحبّ... وسواهما. وكذلك تتحصّل المتعة من الحوار الرشيق، الفكه في أغلب الحوارات...

أما الفائدة فتتجسّد في المضمون، وتتلخّص في الخاتمة : كل الأقاصيص تربويّة، فالكاتب أمين على رسالته، ساهر حكيم، مصباحه مشتعل، موفور زيته.

وهو إنما لجأ إلى الأسلوب القصصي الممتع، حتى لا يثقل على نفوس الناشئة، في زمن قصّر فيه الأهل والرعاة في تعليم الإيمان. وتآمرت وسائل اللهو الحديثة مع مشاغل العصر لتُضعف الإيمان، وتمضي بأهله بعيداً.

أما الأسلوب، فسرد سهل ومباشر، قلّما يعبأ بزخرف، يجري رقراقاً كالسواقي، يشدّ القارىء. وحين تتعقّد الأحداث، يأتي الحلّ طبيعيّاً، يتبعه إرشاد محبّب، لأنه وصل إلى القارىء في لحظة انبساط وسرور.

أنا واثق بأن هذه الباكورة ستلقى رواجاً، وستترك أثراً مفيداً، وهو ما نتمناه، فيشجّع الكاتب، صاحب المخيّلة الخصبة، على أنّ يمدّنا بحصاد وفير بإذن الله.

 

1/1/2002

د. فؤاد سلّوم

 


النار

 

- ألا تريد سماع حكاية اليوم، يا حبيبي ؟

*  بكل سرور. وعمّ ستتكلّمين هذه الليلة يا أمّي؟

- سيفاجئك كلامي هذه المرّة، فأصغِِ إلى النهاية ولا تقاطعني.

*  سمعاً وطاعةً يا أحلى أم.

- أريدُكَ يا ولدي أن تتشبّه بالنار.

* إنّه شيء مُحيّر حقاً ! أتشبّه بالنار، أشتعل، أحترق ثم أنطفىء؟

- ألم أقل لكَ إسمعني أولاً!

عليك أن تتشبّه بالنار وهي ضعيفةٌ خفيفةٌ مكتفية ببضع حطبات وبعضِ الوقود، أن تبعثَ مثلها الدفءَ والإطمئنان في النفوس وتَحميَ من هم حولك من غدرات الزمان، كما تحميهم هي من لسعات البرد والصقيع.

* نعم هذا مطلبٌ جيّد ومعقول.

- كم أودّ، يا بني لو تتشبَّه بالنار التي تُنضجُ الأطعمةَ وتُطيّبَ مذاقَها ونكهتها. هكذا، أنتَ أيضاً، بنضجك طيِّب حديثك وعملَك وتصرّفاتك، فتكونَ ناجحاً في طرقك وشهيّاً ومقبولاً في محيطك.

* أيضاً هذا ما أريد.

- وكما أنّ النار تنقلُ حرارتها إلى الماء فتُسهّلَ عمليّةَ الغسيل والتنظيف، هكذا أنتَ، اغسل عيوبَك وساهم في غسلِ عيوب الاخرين وانقل مشعلَ الحبّ والنورِ كما تنقلُ هي شعلتَها إلى غيرها؛ وأن تقف عند حدودك كما تقفُ النار عند حدود الغابة.

* هذا تشبيهٌ جميل، يا أمي، وماذا بعد ؟

- آه يا ولدي لا ولن أُفضّلَك ناراً مستعرةً مجنونةً تأكلُ الأخضر واليابس، تأكل مالَ الفقير والبائس، لا تُحرّم ولا تحلّل،همةً لا تعرف الشبع، تشتدُّ وتقوى على حساب غيرها، ولا أريدك ناراً تنشرُ الرعبَ والدمار، ناراً أعماها الغرور والإقتدار، لا ترأف بعجوزٍ أو مسكين ولا بمُتعب أو حزين. وبالأخصِّ، أطلبُ من الله وأصلّي ألاّ تشتعل فيك نيرانٌ أخرى غيرُ التي تكلّمنا عليها.

* ماذا تقصدين ؟ وهل توجد أنواع أخرى للنار ؟

- نعم يا حبيب أمك. فهناك نيرانٌ أشدّ فتكاً في الناس وأخطرُ من نارِ الحطبِ التي نستطيع الهروب منها. ولهذا أبتهلُ وأتضرّع إلى الله، الاّ تشتعل فيك نارُ الغيرةِ لئلاّ تقلبَ حياتَك جحيماً، ولا نار الحقد والغضب فتخسر من هم حولك، ولا أن تهبّ فيك نار الشهوة والدنس، فتجعلك حيواناً، وقلّما صمدَ إنسان في وجهها.

* شكراً لك، يا أمي.

- قبل أن تشكرَني تذكّرتُ أن هناك ناراً جنّبك الله إياها، استُبقيَت للذين جحدوا إيمانهم وتركوا طريق الحق، ولو علم الواصلون إليها ما ينتظرهم منها، ولو عرفوا ما هو مصيرهم فيها، لما كانوا تجرأوا على أن يزيحوا عن طريقِ الفضيلة قيد أُنملة ولكانوا استهزأوا بالترهيب والتعذيب ولفضَّلوا الموت على السقوط فيها.

*أعدك أن أعملَ جاهداً كي لا أستحقّها، لأنّها نار جهنّم الدائمة. تصبحين على خير.


قادر على أن تغيّر وجه الأرض

 

-        هل تذهب معي يا ولدي إلى طبيب العيون ؟

-       لماذا تريدين الذهابَ، يا أمي ؟

-       عليّ أن أفحصَ عينيّ دوريّاً، لتكون زجاجاتُ النّظارات التي أضعها مناسبة مع قوّة نظري.

-       أليست كل النظّارات مثلَ بعضها ؟

-       كلا، يا حبيبي، لأنّ لكلّ عينٍ مرضُها الخاص. ربما صدف ذاتُ المرض عند أكثر من واحد؛ لكن لا يجوز استعمالُ نظّاراتِ الغير، أو أيّةِ نظّارة قبل التأكد من تَناسُب قياسها مع عيوننا، لأنها قد تؤذي النظر وتسبّب الأوجاع.

-       الآن فهمت لماذا دارت بي الأرض عندما وضعتُ نظّاراتِ جدّتي أمام عينيّ.

-       إعلم، يا ولدي، أنّ هذه القطعةَ الصغيرة من الزجاج، والتي نضعها أمام عيوننا كي تساعدنا في حياتنا، لا تساوي شيئاً كمجرّدِ زجاجة. لكنّ السرّ هو في صنعها وانحنائها على درجاتٍ معيّنة محدّبة كانت أم مقعّرة.

-       ما معنى محدّبة ومقعّرة ؟

-       أنظر مثلاً إلى قشرة الليمون فهي مقعّرة من الداخل ومحدّبة من الخارج.

-       وما دخلُ انحناء الزجاج في النظر ؟

-       إنّ الزجاجَ الطبّي المنحني على درجةٍ معيّنة، يصحّح مجرى النور ويساعدُ العينَ المريضة على مشاهدة الصورة بوضوحٍ أكبر بدون تعب أو ألم.

-       من أجل هذا نرى الكثيرين يضعون النظّارات الطبّية ؟

-       نعم، يا بني، وأيضاً الأصحّاء يضعون النظّارات الشمسيّة الملوّنة لتخفيف النور، وخاصةًً خلال التزلّج أو في أثناء القيادة وغيرها.

-       واعلم أن هذه الزجاجة كلما انحنت، تمكّنت من مساعدة الضعفاء على تصحيحِ نظرهم. والطبيبُ المختص هو الذي يحدّد قياسات كلِّ زجاجة. وأريد أن تعرف كم وكم خفّفت هذه الزجاجة في انحنائها، أي في حنوّها علينا، وكم خفّفت من آلام وأوجاع على الناس وساعدتهم في حياتهم، ولولا هذه الزجاجة الصغيرة التي نضعُها أمام عيوننا المريضة لبقينا نتألّم عاجزين عن أداءِ الكثير من الوظائف وعن متابعة الدروس، ولتعطّلت جحافلُ من البشريّة بسبب ضعفِ نظرها.

-       كم هي ضروريّةٌ وفعّالةٌ النظّاراتُ يا أمي!

-       بالطبع. فإن كانت مجرّدَ زجاجةٍ مُنحنية قد توصّلت إلى حماية عيونِ الكثيرين ومكّنتهم من الرؤية بوضوح، فكم هو عظيم انحناء الأم وحنوّها على أولادها، وكم هو ضروري حنوّ المقتدرين على البائسينَ، وحنوّ الذين يخدمون الإنسانيّة في جميع مجالاتها الخيريّةِ منها والطبيّة والتربويّة وفي حقوق الإنسان.

ولولا هذا الحنان لما تواصل الخلق، وكان توقّف بفعلِ الأنانيّة والكبرياء، والأجيالُ تزعزعت لقساوة قلوبها، والبشريّة حادت عن أهدافها وعجّلت في نهايتها.

ولكن إن انحنى الناسُ وحنّوا على بعضهم، لحكم الرؤساء بالعدل، وضحّى الأغنياءُ والمقتدرون ببعض ما لديهم وساعدوا المساكين ولكانت السعادةُ خيّمت على الأرض وعمّ الهناءُ الجميع.

-       إذاً لماذا لا يمارسون الرحمةَ والحنان ؟

-       الرحمة والحنان، يا ولدي، ينبعان من المحبة أي من الله. ومن ترك الله فقدهما. وبقولي لك: عليك أن تنحني على إنسانٍ ما، أعني أن تساعده؛ وإن ساعدته بمحبّةٍ تكون قد أسعدته. لهذا فالمحبة قادرة بحنوّها على أن تغيّر وجه الأرض، وتُسعد الجميع.

-       شكراً وألف شكر لأحلى وأحنّ أمّ. وأعدك ألاّ أنزع الرحمةَ من قلبي.


الإستهتار

-       إسمع يا ولدي قصة المزراب.

-       نعم يا أمي، لقد تعوّدت سماعَ الحكايات.

-       ذات يوم قرّر الطابقُ العلوي إجتماعاً طارئاً، للغرفِ والجدران، للأبواب والنوافذ، لمنشرِ الغسيل (والأنتين) للمطبخ والحمّامات، لجميعِ التمديدات مع السطح وبيتِ الدرج.

عُقد الإجتماع، وطُرح الموضوع : عائلة محترمةٌ ستسكن عندنا، علينا التداولُ بالرفض أو القبول.

س: تدخّل السطح قال : لديّ ملاحظة.

ر : وما هي ؟

س: لقد غيّبتم جاري المزرابَ فهلاّ أناديه ؟

ر : أجاب المسؤول : لا وقت للضياع، سنخبره فيما بعد، فليس هو سوى قسطلٍ خارجي، لا يهمُّ إن حضر أم غاب.

وبعد التداول تمّ الإتّفاق على استقبالِ العائلةِ والعملِ على إسعادها، فالجميع راغبٌ في استضافتها ومعاشرةِ عائلةٍ شريفةٍ مثلها.

ر : وسأل الرئيس : هل من ملاحظات ؟

س: أجابت الجدران : حبّذا لو نُطرَش فنكونُ أهلاً لهذه الضيافة.

ر : تبعتها الأبوابُ والنوافذ : إنّ طلاءَنا قديمٌ نتمنّى لو يتجدّد. أما الحنفيّات ومقابضُ الأبوابِ وبعضُ المصابيحِ فقد طالبت بإصلاح أعطالها. وتقدّم البلاطُ بمشروعِ تنظيفٍ نهائي، فوافق المسؤول، وحدّد المدّة الممكنة للإنتهاء من الأعمال وهي مع نهاية الصيف، فوافق الجميع. وسار العمل بانتظام، وفي الوقت المحدد أُعطي الضوءُ الأخضرُ للعائلة.

-       وما معنى الضوءُ الأخضرُ للعائلة ؟

-       أي بإمكانها الإنتقالُ إلى الشقّةِ لأنّها أصبحت جاهزة. وبالفعل سكنت هذه العائلة في شقّةٍ نظيفةٍ مريحةٍ، فالكل يعمل لإسعادها. ومرّ كلُّ شيءٍ على أحسن ما يكون، وسعدت العائلةُ وتوالت الأفراحُ والعائلةُ تشكر الجميعَ على جهودهم وتعاونهم من أجل تامين راحتها.

-       وهل أخبروا المزرابَ، يا أمي ؟

-       كلا لقد أهملوه واستخفّوا به، فبقي رافضاً محتجاً على تهميشه في أثناء الإجتماع، فهدّد بإظهارِ حقّه، وقرّر الإضراب عن العمل، وعدمَ المساعدة في إسعاد العائلة.

ومرّت الأيام وأطلّ الخريف، نتغيّر أديمُ السماء واسودّت الغيوم، ولمعتِ البروق وقصفت الرعود، ثم انهمر المطر بغزارة والمزراب مُضربٌ عن العمل، لأنهم استخفّوا به وبعمله.

فطاف السطح وتدفّق الماء من كل الجهات، وتسرّب إلى جميع الغرف، وابتلّ السّجاد وأطرافُ البرادي، والأسرّة والخزانات وأكياسُ المونة... ولما فتحت ربّةُ البيت البابَ ورأتِ المشهدَ صُعقت وتبدّلت سعادتُها كآبةً وفرحها حزناً، فاستدعت المسؤول. ولما فتّشوا عن السبب وجدوه في المزراب. أسرع المسؤول والعائلةُ وجميعُ الأعضاءِ يستدعون المزراب ويتملّقونه، مقدّمين له الأعذارَ قاطعين له الوعود والعهود أن، من الآنِ وصاعداً، سوف يكون مكرّماً.

قَبِلَ المزرابُ وعاد عن إضرابه وسمح للماء المتجمّع على السطح بالجري فيه.

وبعد تعبٍ وعناء، وبعد تنظيفٍ وتنشيف، عادت العائلة إلى سعادتها.

-       لماذا لم يوفّروا كلّ هذا عليهم، بدعوتهم المزراب في حينه ؟

-       وفّره أنت، ولا تستخفَّ بالعادات السيئة، والأغلاط التي توصلك إلى الطريق المسدود، فتغيّر حياتك كما غيّر المزراب مجرى مياه السطح.

-       شكراً يا أمّي، سوف لن أستهترَ بأحد، أو بأي أمر مهما كان صغيراً.


 

أقرنوا الأقوال بالأفعال والإيمان بالأعمال

 

 

حمار وكلب متجاوران يعيشان بأمان، ويتحدّثان عن نقل البضائع وحماية البيوت والأملاك، يرويان قصص حياتهما ويمرّ الوقت.

سأل الحمار رفيقه الكلب ذات يوم قال :

ح: لماذا يا صاحبي، أنت إن نبحت أخفتَ الناس وهرّبتهم من أمامك، وأخذوا يحسبون لك ألف حسبان ؟ وأنا أكبر منك بمرّات وعندما أنهق لا أرى أحداً يخافني بل على العكس أجدهم يبتسمون ويزداد ضحك الأولاد عليّ ويسخرون منّي؟

ك: إن الإنسان يا صديقي ذكي ولا يخاف أياً كان إلاّ إذا كان قوياً أو قادراً على أن يشكّل خطراً عليه وعلى حياته.

ح: ألستُ قويّاً بما فيه الكفاية ؟

ك: إنّك قوي تحمل الأحمال والأثقال، صبور على التعب، لكنك لا تخيفهم ما دمت تقدّم خدماتك لهم وتعمل لصالحهم.

ح: ما معنى تعمل لصالحهم ؟

ك: أي أن الجميع يستخدمونك ويستغلّونك ويستغلّون قوّتك لمنفعتهم ولراحتهم.

ح: وهل أنت أقوى مني كي يخافك الكثيرون ؟

ك: بالطبع لا، لكني إن نبحت خافني الكبار والصغار لأنّي أقرن الأقوال بالأفعال.

ح: ولماذا لا يخافون من نهيقي. وهل يُعقل أنهم يخافون صوتاً ولا يرهبون آخر ؟ يخافون الأصوات على مزاجهم ؟

ح: كلاّ، يا صاحبي، إهدأ سوف أشرحُ لك. إنّ الناس لا يخافون النُّباح بل العض الذي يُدميهم ويؤلمهم. مثلما أنهم لا يخافون الحطب بل النار التي تحرقهم، ولا يكترثون للرّعد بل للمطر الذي يغمرهم ويبللهم.

من أجل هذا لا يخافون نهيقك لأنه مجرّد صوت، وأكثر ما يعمل صوتك هو أنه يُزعجهم.

ح: الآن فهمت. لو كنت أعضّ، مع أنّ عضّتي أخطر من عضّتك، ولو كنت ألبطهم وأرميهم أرضاً لخافوني ولحسبوا لي كلَّ حساب.

ك: هذا اكيد، ولكن العضّ خارج عن طبعك.

ح: وما معنى: خارج عن طبعك ؟

ك: لأنّك عوّدت أصحابك على خدمتهم ومساعدتهم، فصرت الخادم المساعد والعامل الصبور، وإن كنت دخلت في خدمتهم فعلى هذا الأساس. ولكن إن غيّرت، أصابك ما لم تكن تتوقعه.

ح: وماذا سيُصيبني ؟

ك: إما أن يردوك قتيلاً، وأمّا أن يُرهقوك بالأشغال القاسية حتى يأتي أجلك، ولا يمكنك خلال هذه الفترة أن تأتي بأي حركة لأنّك بالكاد تستطيع رفع حوافرك لكثرة التعب والجوع. وهكذا تكون قد قضيت على نفسك بنفسك.

ح: وماذا عليّ أن أعمل ؟

ك: وهل أنت مضطر لإخافة الناس ؟

ح: كلا.

ك: نصيحتي لك : إكتفِ بالنهيق ونقل البضائع ولا تفكر في أكثر من ذلك.

أي لا تفكر في كيف تخيف الإنسان لأنك إن صمّمت وقررت أن تخيفه ولا عودة لك عن هذا القرار، ستكتشف أن ما يجب عمله هو أن تخشاه أنت بدل أن يخافك هو.

خاصة إن تعطّل ضميره وكان قد غيّب الله عن حياته، فألف حمار مثلك وألف كلبٍ مثلي ليسوا بالحسبان أمام شرّه وبطشه.

 

فيا صاحبي، مَن سيخاف مَن.

مثل التيس

 

دخل ذات يوم أحد التيوس بيت صاحبه، وأخذ يتجوّل فيه: هنا حصير وبعض الكراسي؛ هنا طاولة عليها طناجر وصحون؛ هنا زاوية فيها سريرٌ قديم وخزانة عتيقة تتوسّطها مرآة كبيرة؛ فتقدّم منها وأخذ يتأمّل. وأوّل ردّة فعل كانت أن هزّ رأسه أمام المرآة مهدّداً متوعّداً : إن معلّمي يخفي عنده تيساً يشبهني وسيجعله مكاني في قيادة القطيع، أما أنا فسوف يبيعني للذبح.

لا لن أتركه يفعل هذا؛ لا لن أترك القيادة لغيري. ثم عاد إلى هزّ رأسه.

وأخذ التيس المقابل يهز رأسه مثله. فتساءل قائلاً : تيس غبيّ يقلّدني ويتحدّاني، فغضب ورفع رأسه متشامخاً، وإذا بالتيس الآخر يرفع رأسه أيضاً. عندها رجع إلى الوراء، ففعل الثاني مثله. ورفع قائمتيه الأماميّتين إلى أعلى، فرأى خصمه يرفع قائمتيه الأماميّتين إلى الأعلى، وهذه علامة القتال عند التيوس. فقال في نفسه : إنّ هذا الخصم يتحدّاني. وأراد أن يتأكد من الأمر، إذ يتوقّف عليه مصيره ومستقبله. فعاود الرجوع إلى الوراء ورفع قائمتيه من جديد فكان المشهد يتكرّر:  تيس أمامه يقوم بالحركة عينها.

 

عندئذ قرّر أن يسبقه إلى الهجوم، فقد يتغلّب عليه. وبرأس عنيد بادره مسرعاً، ووجّه اليه ضربة قويّة أرادها الحاسمة. وإذا بالخزانة تتحطّم وزجاج المرآة يتناثر، وقصّة التيسِ البديل تتبدّد، وعرف أن ما حدث معه لم يكن سوى تخيّلات وأوهام.

 

سمع الراعي صوتاً قوياً تبعه صوت تحطّم زجاج، فأسرع ليرى ما الأمر. أطلّ فرأى مشهداً غريباً، لم يفهم دوافعه لأول وهلة: أمامه خزانة محطّمة، وتيسٌ ينزف دماً، وغرفة يغطّيها الزجاج.

فتساءل قائلاً : ماذا فعل هذا الحيوان بنفسه ؟ كم هو عنيد ؟ كم هو جاهل ؟.

إنّه تيسٌ شقيّ سوف يتألّم كثيراً.

 

وبعد تفكير طويل وتحليل هادىء، قرّر أن يعذُرَ تيسه. وحجّته في ذلك، إن عديداً من الناس كانوا يفعلون ذلك، فلا لوم على هذا الحيوان.

 

وأخذ الراعي يستعرض الناس الذين حطّموا حياتهم وحياة عيالهم بأنفسهم، والذين أضاعوا مستقبلهم ومستقبل أولادهم من جرّاء ميول وانحرافات وقرارات هدّامة، أو خلافات أدّت إلى شرذمتهم وتفريقهم؛ واستعرض الذين حطّموا الآخرين بكبريائهم وعنادهم وظُلمهم وطمعهم وحسدهم.

 

وتذكّر أيضاً الذين حطّموا صحّتهم، وشرفهم وصيتهم وثرواتهم فصاروا أشقى الناس وأتعسهم، ولم ينسَ الذين ندموا على فعلتهم ندامةً شديدةً، إنّهم يستحقون التشجيع، رغم أن الدرس كان قاسياً، فالرجوع عن الخطأ هو فضيلة، مهما جاء متأخّراً.

 

هؤلاء ألا يشبهون بطل قصتنا ؟ أليسوا بالتصنيف مثله ؟

 


اليقظة والوقت الضائع

 

خرج الصيادُ ذات يومٍ باكراً: تنقّل كثيراً؛ طارد العصافير؛ وصل متعباً، وجلس مستنداً إلى عمود الكهرباء وقال :

ص: مرحباً أيها العمود.

ع  : فأجابه : أهلاً بك، أيها الصيادُ النشيط.

ص: كيف عرفت أني نشيط ؟

ع : من نهوضِك باكراً؛ فقد قلّ محبّو هذه العادة، وقلَّ معها رزقُهم. ولكنّي أرى بعض نشاطِك يذهبُ هدراً.

ص: ولماذا ؟

ع  : لأنك تلاحقُ العصافير، خادمةَ الطبيعة، وصديقة المزارع، ومنظّمة البيئة.

ص: إنها رياضة مسليّة.

ع  : لك كلّ الحق في أن تتسلّى من وقت لآخر؛ وأفضل تسلية هي التي تعود بالنفع عليك أو على الآخرين.

ص: بما أنك بدأت الحديثَ معي فلي سؤالٌ أطرحه عليك.

ع  : تفضّل، سَل.

ص: ما بالي أراك واقفاً هنا لا تتحرّك، يطلُعُ عليك النهارُ فلا تأبه؛ يهاجمُك الليلُ فلا تخافُ، تلعبُ بك الرياحُ فتصفّرُ لها؛ تنزل عليك الصواعق فتبدّدها؛ ينهمر عليك المطر فلا تبتل؛ وتحرُقك الشمسُ فلا تتأذّى.

ع : جيّد كلامُك، أيّها الصيّاد. لكن أرجوك ألاّ تُلهيني كثيراً عن عملي، فلا وقت عندي للضياع؛ وإن كنت لا تهتم بالوقت، فأنا أحافظ عليه، لأنه ثمين.

ص: ضحك الصيّاد طويلاً؛ ولما استطاعَ الكلام استفسر قائلاً : وما هو عملك، يا عزيزي العمود وأنت واقفٌ دون حراك ؟

ع  : ردّ العمود مستغرباً : أراك تسخرُ مني ومن عملي ؟

ألا تعلم أني أحمل قوّةً؛ أنقل نوراً، وأرفع أسلاكاً ؟ إنّي أرفعها دائماً ولا يحقّ لي أن أتركها تمسُّ الأرض، لأنها ليست لِما تحت؛ إنما فوقَ الأرضِ عليها أن تكون؛ ولولا عملي، لتعطّل الكثيرون.

ص: كلامك مقنع، لكنّك تحيّرني: ألا تتعب؟ ألا ترتاح؟ ألا تنعس؟ ألا تنام؟

ع  : يا صاحبي : ممنوعٌ عليَّ التعب، ومحظّرٌ عليَّ النوم. النوم بالنسبة إليّ موتٌ ونهايةُ عمر. قوّتي في صمودي وقيمتي في عدمِ حراكي. أنتم البشر تسمحون لأنفسكم بالنوم والراحة، بالترفيه والإستجمام، وتطلبون منّا العمل واليقظةَ والإستعداد. حبّذا لو كنتم مثلَنا متيقّظين ومستعدّين، لتجنّبتم أخطاراً ومشاكل كثيرة! فكونوا متيقّظين ولا تضيّعوا الوقت.

ص: ولماذا تبالغ في تقدير الوقت ؟

ع  : أليس العمر فرصة من الله، وُهبَت لكَ، لتخلّص نفسك وتستعدّ لآخرتك ؟ فإن أضعت عمرك سدىً خسرتَ خسارة لا تقدّر بثمن. ألا توافق معي بأنّ الوقت غالباً ما يكون ثميناً كالذهب؟

توقف الصيّاد عن الكلام، قام وأكمل طريقه مردّداً : تيقّظوا، تيقّظوا، لا وقتَ للضياع؛ فإن ضاع الوقت، ضاع العمر، وضاعت معه فرص النجاح، وربما ضاع الهدف. وما كاد يقترب من بيته، حتى نزع الخرطوشة من بندقيّته متذكّراً اليقظةَ والحذرَ، لأنه ربما لعبَ بها أحد أولاده، فتكون عندها الكارثة، حيث لا ينفع البكاء ولا الندم.

 

 

 

 

إيّاك والسطل

 

 

ذات يوم، أردت التنزّه، فصعدتُ السيارة مع والدي، وسلكنا إحدى الطرق الجبليّة. وفيما كنّا نسير بهدوء، لفت انتباهي منظرٌ، لم أشاهد مثله من قبل. إنه منظرٌ يستدعي الوقوف والتفرّج. فصرخت:

و: صرخت : أبي، تمهّل يا أبي، ما هذا الحيوان العجيب ؟

أ: حقاً يا ولدي، الجسم جسم كلب، والرأس أمره غريب.

و: تأكد معي يا والدي، أليس سطلاً ماعلق في رأس الكلب ؟

أ: صحيح. إنه كلب صيد؛ أنظر إليه. أنظر كيف يركض عشوائيّاً، فهو يتعثّر حيناً ويقع حيناً آخر.

و: إنه أمر مضحك ومبكٍ معاً. إنّه يذكّرني يوم كنا نلعب لعبة الأعمى، إذ كنا نربط العصاب على عيوننا ونلاحق بعضنا. تطلّع يا أبي، إنه يقترب من الحائط، وهو لا يراه، ها هو يصطدم به، وصوت السطل يزيده ركضاً وجنوناً. مسكين ربما كان يفتش عن طعام في هذا السطل الضيّق؛ ولما أدخلَ رأسه علق فيه، ولم يعد باستطاعته التخلّص منه، ولكن من سينزع له السطل عن رأسه ؟

أ: أرى إنه لن يخرج بسهولة.

و: وهل نستطيع الإمساك به ومساعدته.

أ: أمر غير أكيد لنحاول.

و: أتسمح لي أن أجرّب ؟

أ: إعمل ما تريد.

نزلت من السيارة وأخذت أناديه بصوت لطيف. وإذا به يدور دورةً صغيرة، محدّداً مصدر الصوت، قبل أن يقترب مني. فزدت من ملاطفته. ولما لامسني أمسكت به، وبسرعة نزعت السطل عن رأسه.

فرجع إلى الوراء، ونظر إليّ قليلاً، نفض رأسه وهزّ ذنبه، كأنه يقدّم لي شكره وامتنانه. ثم تسمّر في مكانه يلملم أنفاسه بعدما أنهكه التعب.

فضحك والدي كثيراً ثم قال : يجب أن نكمل طريقنا، يا بني.

ولما سارت السيارة، تبعها الكلب لمسافة طويلة: أنا ألوّح له بيدي، وهو يركض في إثرنا، وكأنه يودّعنا إلى حدوده الإقليميّة.

وما إن غاب عن نظرنا حتى سألني أبي قائلاً : ما هو تعليقك يا بني على هذا المشهد ؟


 

حول آلامك إلى فرح وقداسة

 

سأل الجرس يوماً خادم المعبد قال :

ج: لماذا تأمر بضربي وتساهم فيه؟ وممّن أضرب؟ من أقربهم إلى ذاتي، من فلذة كبدي. ولا يكفّ عن قرعي وإيلامي حتى يسمع الجميع صراخي، ويدوّي صوتي في الناحية والجوار؛ إلا أن الأودية القريبة ترثي لحالي وتردّد أنيني. فهل يُعقل هذا الأمر أيها الخادم الوقور؟

خ: لا تكرّر هذا القول ثانية، أيها الجرس الحبيب، فأنتَ في قلوب الجميع، والجميع يحبّونك، والكلّ يشتاقون إلى سماع صوتك الرنّان.

ألا ترى الشبان يتهافتون عليك ؟ ألا تعلم أنه لا يصل إليك غير السواعد القويّة؟ وأنه لا يحق لأحد أن يمسك بك إلا لمن كان كفءاً لك؟

ج: أراهم يتباهون ويتمرّنون، يبدأون  ولا يتوقفون.

خ: إنها حيويّة الشباب، ولكنك في نظرهم رفيع المقام. أنت فوق الجميع فهم يحترمون مواعيدك، يأتمرون بأمرك. إن ناديتهم يأتون؛ وإن حزنت، معك يحزنون؛ كما أنهم لفرحك يفرحون؛ وفي حال الخطر، على دقاتك يسرعون. وماذا تريد أيضاً فأنت كالقائد تأمرهم فيلبّون.

ج: أنت لطيف أيها الخادم وكلامك منطقي.

خ: إنها الحقيقة فصدّق ما أقول. واعلم أنّك مصنوع من مزيج النحاس والفضة. وكلما زادت نسبة فضّتك صفا صوتك، تماماً كالإنسان كلّما زاد إيمانه، صفت أخلاقه.

ج: الآن علمت لماذا أُضرب !

خ: أرجوك، أيها الجرس، لا تعكس حقيقة الأمور.

ج: قل لي، إذا، ما هي الحقيقة، ألستُ أُضربُ من أجل صوتي ؟

خ: سأشرح لك، فهذا من حقّك عليّ.

هناك في العمليّة شدّ وردّ للحبل المعلّق في الزند المركّز عليك، فتتأرجح الضرّابة في داخلك وترتطم بجوانبك، فتُصدر أصواتاً ألِفَها وأحبّها المؤمنون. وتكون أنت المنادي على المختارين لكمال القدسيّات، وخلاص النفوس في كل حين ألا تفرحك وتشرّفك هذه الخدمة ؟

ج: بلى إنها تفرّحني وتشرّفني كثيراً. ولكن، ألا توجد طريقة تريحني من هذا الضرب ؟

خ: توجد عدّة طرق. ولكن إن أردت أن ترتاح توقّفت خدمتك وأصبحت مهملاً منسيّاً. وقد تُصهر لتُصبح معدناً رخيصاً فتدخل في خدمة أقلّ شرفاً.

ج: أرجوك لا أريد أن أتأخّر في خدمتي.

خ: بالطبع، لا أحد يرضى بالألم لمجرّد الألم. فالبعض يتحمّلونه لتحقيق هدف في حياتهم، كالمرضى والرياضيين وأصحاب الحميّة. والبعض الآخر يرضون به، ولكن عن طريق الإيمان، كالصائمين والعاملين في الحقول الإنسانيّة. أمّا هؤلاء المتألّمين المؤمنين لأنّهم سلّموا حياتهم إلى ربّهم واتكلوا عليه، سيتعزّون في هذه الحياة وفي الآخرة سيكافأون.

ويا أيها الجرس المتألم الأكبر، لأنك عرفت كيف تستغل ألمك وتحوّله إلى خدمة وقداسة، فأنت عظيم بمثلك الصالح هذا، وقد أصبحت قدوة للمؤمنين.

ج: شكراً لك أيها الخادم لقد فرّحتني بلقائك وأقنعتني بكلامك.


 

إفتخر، فأنت كلب.

 

كان أحد السياح الأجانب يتجوّل في بلدان إفريقيا، وكانت تستوقفه المناظر الطبيعيّة الجميلة. فنزل ذات مرّة من السيارة ومعه كلبه وأخذ يلتقط الصور. في هذه الأثناء مرّ صبيّ قرب السائح، وأُعجب بمنظر الكلب، فأخذ يتأمّله.

بادره الكلب قال :

ك: أهلاً بك، أيّها الزنجي الأسود.

و: ومَن أنتَ حتى تستقبلني ؟ وهل أسلّم على كلب ؟

ك: لا تكرّر هذا الكلام ثانية، فأنا كلب محترم في محيطي، أعيش مكرّماً مدلّلاً، لي حقوقي وامتيازاتي، والجميع في خدمتي.

و: إنك تعمل من نفسك رئيس قبيلة.

ك: صدّق ما أقوله لك أيّها الولد الطيّب القلب، لأنّ كلامي حقيقة وواقع.

و: ألست من صنف الحيوان ؟ وتفتخر كأنك إبن مليونير ؟

ك: إسمع: لأنك من العالم الثالث تظنّ أنّ الكلاب يجب أن تكون جلداً على عظم، مهملة منبوذة كما في تصوّرك. لكن الأمر يختلف في البلدان المتطوّرة، فمع كوني كلباً، لي الجمعيّات التي تدافع عن حقوقي، ولي المستشفيات والأطباء والممرضين وسيارات الإسعاف وغرف العمليّات، مع الأدوية والأمصال، ولي المدارس والمعلّمين والمدرّين والمروّضين، ولي المطاعم والطبّاخين والحلاّقين والمخازن لكل المشتريات، فيها الأطعمة المتنوّعة وأصناف المعلّبات بأسعارٍ تفوق أسعار معلّبات البشر.

و: أنت، مَن أنتَ حتى تتكلّم على كل هذه الإمتيازات ؟

ك: اتركني أعدّد لك. لي أنواع الصابون، ولي سريري. وإن رغبتُ استلقيتُ على أسرّة أصحابي ولا من يمانع. لي الرحلات وبطاقات السفر على الطائرات النفاثة، ولي الحمام اليومي والنزهات في سيارات فخمة، إنّي أُلقّح دوريّاً، وأُعطى أوراق تُثبتُ حسبي ونسبي. وماذا أعدّد لك أيضاً ؟

و: كفى! كفى! أرى أنك رجل أعمال مهمّ يتوقّف عليك إقتصاد البلد.

ك: أنت حرّ في أن تصدّق أو لا تصدّق. وأيضاً، البعض يقبرون كلابهم في قبر خاص، وبعضهم يصنعون لها تمثالاً بعد موتها، لأن قلوبهم تعلّقت بها. وإنه أسهل على السائقين صدمُ إنسانٍ من دهسِ كلب، فإن صدموا إنساناً يشمتون به لأنه لم يتجنّب السيارات، لكنهم يشتمون السائق الذي يصدم أحدنا لقلّة إدراكه.

و: إن كان صحيحاً ما تقول، إفتخر. إفتخر لأنك كلب في عالمٍ مرفّهٍ، وهنيئاً لك ولأمثالك. وأقولها بصراحة كم أتمنّى لو أكون كلباً في بلادكم على أن أكون إنساناً جائعاً معدماً في هذه البلاد. أما من جهة كلابنا فهي ليست بكلاب، بل هي هياكل عظميّة متحركّة، لم تعرف الشبع يوماً.

ك: لقد نسيت أن أكلّمك على العطور والأزياء والمعارض والسباقات، إنهم ينفقون علينا وينفقون، وأعدادنا في ازدياد.

و: ماذا لو تقاسمنا هذه المبالغ معكم، أيّها الكلاب؟ إنها كافية لإنقاذ حياة الكثيرين من الفقراء والبائسين.

ك: هذا يعود لمجتمعاتنا، إنها مجتمعات مرفّهة مترفةٌ. لقد كانت تربية الكلاب عندهم فيما مضى نزوة عابرة. أما اليوم فقد شملت الجميع، لا لعملٍ نعمله بل إرضاءً لشهواتهم ولانحراف في تنشئتهم.

و: غريب أمرهم: يرفّهون الكلاب ولا يهتمّون بالبائسين والجائعين من بني جنسهم؟ نحن هنا لا نضمن لقمة عيشنا، لا نستقرّ على أرض معيّنة بسبب التشريد والتهجير. لا نستبدل ثيابنا لأننا لا نملك غيرها. إن أُصبت بمرض عليك بالنوم وتجديد مسيرة الصوم. لا مَن يسأل إذا انخفضت حرارتك أو إذا قُدّمت لك وجبات الطعام. لا تصلك حبة الأسبرين إلاّ وقد شارفت على الموت، ولا تصلك حبة الأرز إلاّ وقد برزت عظامك.

ك: لقد أحزنتني أيّها الإنسان البائس. هل أنت أكيد من واقعك هذا ؟

و: ستحزن أكثر لو أكملت لك قصتي. حقوقنا ميتة مثل قلوب العديدين: جوع وحروب وقتلى. غالباً ما ندفن في مقابر جماعيّة، لا عن احترام أو تقدير، بل حفاظاً على البيئة، فتحملُنا الجرّافات بأسنانها القاسية إلى الحُفر، وما من يدٍ تمتدُّ إليك، ولا من عينٍ تدمع عليك. ونحن صورة الله مثلهم. وما يؤسَف له أنهم يتغنّون بحقوق الإنسان، وأين نحن منها ؟ فالويل للإنسان في العالم الثالث! الويل له في عالم القحط والحروب والمجاعات! عليه أن ينتحب لسوء طالعه.

ك: لقد أدمعت عينيّ، فما العمل ؟ إن كانت هذه هي إنسانيّة عالم الكلاب!

و: شكراً لك لأنك تضامنت معي، وأسِفتَ لواقعي. الوداع!

 

عندها تقدّم الكلب من الصبي، ولحس بعض قروحه، ثمّ غاب.


 

أيّها المؤتمنون

 

 

·                 سوف نتكلّم اليوم، على الذي أضاع فرصة العمر.

-  وكيف كان ذلك.

·      إسمع يا ولدي : رجل ثري، زاد في غناه كثرة معامله ومؤسساته وتجارته الواسعة، أمواله لا تُحصى، يخاف الله ويعمل الخير، ولكن على طريقته، إذ إنه يحب المفاجآت. كان يخصص المبالغ الطائلة لمساعدة الفقراء، وإنقاذ المحتاجين، وقع اختياره ذات يوم على عامل مستهتر يتصرّف بشكل فوضوي يُلفت الإنتباه.

-       لماذا لم يختر غيره ؟

·      هذا عمل شخصي، لا دخل لنا فيه، وما عليك سوى الإنتظار لتعرف ما جرى.

-       وماذا كان يريد منه ؟

·      أرسل الغني في طلب هذا العامل الشاب، فحضر حالاً، دخل المكتب وسلّم، فأجلسه رئيسه قربه، وبعد المجاملة، قال له : لقد اخترتك كي تتفرّغ لمهمة جديدة، ثم قدّم له خرائط وأموالاً. وتابع حديثه قائلاً : هذه الخرائط، هي تصاميم لبيت صغير، أريد استعماله من وقت لآخر، فعليك الإشراف على هذا المشروع وتنفيذه، ومن ثم تسيمه في أقرب وقت ممكن. وهذا المبلغ يساوي كلفة البناء المقدّرة من المهندسين والمتعهّدين، وفوقها نفقات العمال وثمن المواد وأجرة كافية لجهودك، مع زيادة إضافيّة تحسّباً لبعض التوقّعات، فما رأيك ؟

-       هل قَبِلَ استلام المشروع أم رفض ؟

·      بالعكس لقد قال له : أطال الله عمرك يا سيدي، إنه عرضٌ مدهشٌ فكيف لا أرضى ؟

-       ردّ الغني : إذاً سوف أرسل معك مَن يدلّك على البيت ووجهة بنائه، وسأترك لك اختيار البنّائين والعمّال، وشراء المواد، ولا تعود إليّ إلاّ وقد أتممته.

·      سمعاً وطاعةً، سوف أعمل جهدي لأكون عند حسن ظنّك.

-       ما أسعد حظ العامل !

·      كان حظّه سعيداً لو أحسن التصرّف، لأنه بعد أن تعرّف على قطعة الأرض واختار لها العمّال المناسبين، راح يتلاعب بالتنفيذ ويغيّر في الشروط، كونه المسلّط الوحيد على هذا المشروع.

-       لماذا فعل هذا ؟

·      لقد بدأ يحفر الأساسات ولم يصل إلى العمق المناسب قصد التوفير، وهكذا فعل بالأعمدة، فقلل من الإسمنت والحديد في بنائها، وأيضاً إختصر في مواد السطح وبعدها بنى الجدران بنوعيّة سيّئة، واستمرّت وتيرة الغشّ على هذا النحو حتى النهاية (مواد قليلة، بضاعة رخيصة). وكان ينفق ما يوفّره على الولائم والسهرات ومعاشرة الأردياء. وعاش فترة طويلة يصرف فيها الأموال كأنه أمير عظيم أو رجل أعمال مهم.

-       ألم يتمّ إنجاز المشروع ؟

·      نعم لقد أتمّه، ولكن بشكل عشوائي، ثم عاد إلى مكتب سيّده ليسلّمه مفاتيح البيت، فأجلسه معلّمه قربه من جديد وقال : إني أشكرك على جهودكَ واهتمامكَ، لكنني قرّرت أن يكون هذا المنزل، تقدمة مني لك ولأولادك من بعدك، وسوف أحسم نفقاته من راتبك وتعويضك، إنه مبروك عليك. حزن الموظّف ولم ينطق بأي كلمة، لأن النبأ وقع عليه كالصاعقة، فقد بنى بيته بأرخص الأسعار وأسوأ المواد، فكيف يسكن بيتاً مهدّداً بالتشقق والإنهيار ؟ ولا شيء فيه يدعو للإفتخار.

-       مسكين هذا العامل، لقد ظنّ أنّه سيخدع سيّده، وإذا به يخدع نفسه، ويعرّضها للهلاك.

·      نعم يا حبيبي، يقول الكتاب : في بيت أبي منازل كثيرة، ونوعيّة بيتنا السماوي مرتبطة بسلوكنا ونحن على قيد الحياة. فكم وكم من البشر المؤتمنين على أمور مهمة وكثيرة، تراهم يتلاعبون ويغشّون ويستهترون بما إئتمنوا عليه، ولا يستفيقون إلاّ بعد فوات الأوان ليروا أنفسهم وقد خسروا فرصاً عديدة، وخاصة الذين ائتمنوا على خلاص نفوسهم، تراهم يستهترون بأحكام الله ومواعيده، وكأنهم لن يحاسبون.

-       أعدك أن أعمل بصدق وإخلاص كي لا أكون مثله.


 

لأي جهة تميل

 

 

-       ما رأيك يا ولدي، لو نعمل غداً في الحديقة ؟ إنّ العمل يُنشّطك ويقوّي صحّتك، ويكسبك مهارة وخبرة.

-       حاضر يا أبي، أنا أحب الأرض، والعمل فيها يستهويني.

-       سعادتي بك كبيرة يا حبيبي، لأنك تحبّ أرضك، وتقضي أوقات فراغٍ مشرّفة، تعود عليك بالصحة والنفع العميمين.

-       الفضل، كل الفضل هو في تربيتك لي، لأنك عوّدتني حبّ الطبيعة، وساعدتني على ممارسة أشغالها.

وفي الغد، وفيما كانا يعملان معاً في قلبِ التربة وتحضيرها، سأل الإبن أباه قال :

-       ألا ترى يا أبي أنّ منظر الشجرة المائلة يشوّه الحديقة ؟

-       كلامك صحيح، لأني أهملتها وتركتها تنمو على طبيعتها، فأخذت هذا الشكل المائل، عكس رفيقاتها.

ولقد ذكّرتني هذه الشجرة وللأسف، كيف يعيش الكثير من الأولاد المهمَلين والمتروكين، بعدما فاتتهم العناية والتربية اللازمتين، وحُرموا من طعم المحبة، والعطف، والحنان، فنشأوا على الإنحراف والشذوذ، مائلين نحو الشرّ كما مالت الشجرة التي تحدّثنا عنها.

-       مساكين هؤلاء الأطفال المهمَلين، وما ذنبهم؟ وهل من طريقة تجعلهم يستقيمون ؟

-       نعم يا ولدي إن هذه الفئة هي همّ البشريّة في الوقت الحاضر، لكن إن أهملت أصبحت مرضها العُضال. وعلى الجميع التعاون لحضنِ هؤلاء الأطفال وحمايتهم من الضياع، وذلك على مستوى الجمعيّات، والنوادي، والحكومات، وغيرها من المؤسسات.

-       أمنيتي أن يعيش الجميع حياتهم الطبيعيّة، ويلقَون التربية والحب والحنان، كما أعيش معك ومع أمي يا والدي الحنون.

-       وماذا عن الشجرة التي لفتت انتباهك ؟

-       وهل من قرارٍ بشأنها ؟

-       لا، ولكن هل ستتركها بهذا الشكل غير المألوف ؟

-       ملاحظتك هي دليل ذوق وجمال ولأجلك سوف أقطعها وأغرس واحدة أخرى مكانها، وسأعمل كي تنمو مستقيمة، وبدون اعوجاج.

-       حتى الآن لم أتمكن من مشاهدة كيفيّة قطع الأشجار، فهلاّ أجّلت العمل لحين حضوري ؟

-       بالطبع، لأنّي أرغب أن تكون معي فتساعدني، وتتعلّم مني طرق القطع، ربما احتجتَ يوماً للقيام بهذا العمل، كما أتمنى أن تأخذ العبرة لنفسك من هذه الشجرة.

-       وهل الشجر، يعطي العبر ؟

-       إنما هي مناسبة، لأكلمك عن موضوع هام، يشغل بالي، وهو يخصّك ويتوقّف عليه مصيرك بعد هذه الحياة.

-       وما هو هذا الموضوع المهم ؟

-       ستعرفه خلال حوارنا.

-       وبعد استراحة قصيرة. أحضر الوالد المنشار واختار الجهة والمكان المناسبين، لتفادي وقوع الشجرة عليه. وفيما ينشران الجذع سأل الأب ابنه :

-       برأيك إلى أي جهة ستهوي هذه الشجرة ؟

-       طبعاً حيث تميل.

-       هل يمكن أن تسقط في الإتجاه المعاكس ؟

-       هذا مستحيل.

-       إذاً أنت موافق معي أنّ كل شجرة تسقط حسب جهة ميلانها ؟

-       أنا أكيد من ذلك.

-       هذا ما أردت أن تختبره وتتأكد منه.

-       وأين الأهمية في الأمر ؟

-       الأهمية هي في الربط بين سقوط الشجرة بعد قطعها، وسقوط الإنسان، أي عن مصيره بعد هذه الحياة.

-       أبي هل لك أن تحدّد مصير الإنسان أيضاً ؟

-       بالطبع لا، لأن الإنسان هو الذي يحدّد مصيره من خلال ميوله وعاداته، منها الصالحة التي

 

 تُرضي الله، ومنها السيئة التي تُغضبه. وهكذا يمكن معرفة المصير مسبقاً، والحكم يؤكّده الكتاب المقدس بقوله : الذين عملوا الصالحات، إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة.

-       أبي أما من إمكانيّة عند الإنسان لإصلاح الذات والعيش الفاضل ؟

-       طبعاً إن التوبة الحقيقيّة هي إنجاز ضخم في حياة الإنسان ومسيرته الروحية، ونتيجتها، ارتداد وتغيير في التصرّفات، لأن الذي يميل في كيانه وأعماقه نحو الله والخير، سيكون سقوطه مختلفاً، عن الذي يميل نحو الشر.

-       شكراً لك يا والدي على كل شيء وأعدك أن أكون مستقيماً في حياتي وألاّ أميل إلاّ نحو الرحمة وعمل الخير. 


 

قادته فأذلّته

 

من حكايات الملوك القديمة، أنّ تاجراً يعيش في منطقة جبليّة باردة، تكثر ثلوجها، ويطول شتاؤها. هبّت عليها ذات يوم عاصفة ثلجيّة هوجاء واجتاحت كل نواحيها. أقفل هذا التاجر محلّه باكراً خوفاً من انقطاع الطريق، وأثناء عودته إلى منزله، التقى رجلاً غريباً قابعاً قرب موقد نارٍ، في كوخ صغير على حافة الطريق. كان يئن ويرتجف من شدّة البرد فسأله : من أنتَ وما بك وماذا تفعل هنا ؟

وبصوتٍ خافت متقطّعٍ ردّ قائلاً : لقد ضللت الطريق ونفذ زادي وصرفتُ كل ما كان معي والآن كما تراني، منهوكَ القوى أتضوّر جوعاً، وهذا هو اليوم الثالث الذي لم أذُق فيه الطعام ولا النوم، البردُ يؤلمني، وينخرُ عظامي، أنتظرُ قدري، رُحماك هلاّ ساعدتني ؟

أشفق التاجرُ عليه، وشجّعه قائلاً : سوف آخذك معي إلى بيتي، وستلقى العناية الكافية قبل أن تعود إلى ديارك.

انحنى ذلك البائس أمامه، وراح يقبل يديه ويشكره، ومن فرحه نهض وسار متعثّراً فوق طبقة سميكة من الجليد. يقع حيناً ويقوم حيناً آخر. كان التاجر يسنده ويشجّعه، ويشدّد من عزيمته، إلى أن أوصله إلى بيته بعد تعبٍ وعناءٍ كبيرين.

وأول ما فعله، أن أجلس ضيفة قرب النار، وبدّل له ثيابه، ثم قدّم له الطعام الساخن، ولما شبع عادت روحه إليه، واستعاد نشاطه، ونام تلك الليلة من دون حراك.

واستمرّ سقوط الثلج، فطلب صاحبُ البيت من ضيفه البقاء ريثما يتحسّن الطقس. عاد المسكين إلى شكره وإبداء مشاعره قائلاً : لولا شهامتَك وكرمَك، لكنتُ الآن من عداد الهالكين، إنّ فضلكَ عليّ سيدوم مدى العمر.

ومرّت الأمور على ما يرام، إلى أن حضرَ يوماً أحد التجار ليدفعَ ديونه. راح الضيفُ يراقبُ صاحب البيت وهو يقبض ليرات الذهب، ويضعها في زنارٍ من جلدٍ يشدّه إلى وسطه. تشوّشت أفكارُ صاحبنا، واحتار في أمره، وما إن أوى إلى فراشه، حتى تذكّر مشهدَ الليرات وهي ترنُّ في الزنار، فكثُرت تساؤلاته وتدغدغت أحلامه، فماذا لو حصل عليها، أما كان ودّع الفقر وعاش مرتاحاً باقي العمر ؟.

لم يكن يعلم أنّ تجربةً قويةً تهاجمه، وأنّ وراء كلّ تجربةٍ مُجرّباً يعرف طبيعة الإنسان، يبلبل له أفكاره، ويعمل على نقاطِ ضعفه، فيعمي بصيرته عن الحق، ويحرّك له شهواته لينغمس في أوحالها.

وكثيرون لا يستفيقون إلى أوضاعهم، إلاّ وقد صرعتهم تجاربهم وحطّمتهم. إن قتالها شرس، ومراسها صعب، ولا يفلت منها، غير المدرّب والمسلّح بالإيمان والتقوى.

إنها تجابه، ولا فرق عندها بين كبير أو صغير، تختبر وتُصنّف، هذا مؤمن ممارس، وهذا مؤمن غير ممارس.

السقوط فيها دليل نقصٍ بين كبير أو صغير، تختبر وتُصنّف، هذا مؤمن ممارس، وهذا مؤمن غير ممارس.

السقوط فيها دليلُ نقصٍ في الإيمان وخللٍ في الإلتزام، وإنّ معدن الساقط فيها رخيصٌ، وآخرته تعيسة. إنها قويّة شرسة متلوّنة، تُقدّم حلولها على أنها أكيدة، وثمارها على أنها شهيّة، قادرة على الإغواء والإغراء.

التخلّص منها بطولة، والإفلات منها معقول بادىء الأمر. إنها باب المعاصي، وطريق الشرور، تُغيّر حياةَ من يماشيها، وتقوده نحو الإنفلات.

لقد استبدّت التجربة بضيفنا، وهوّنت عليه خطّته، وأنسته فضل مَن أنقذه. ثم أدخلته في صراعٍ مريرٍ بين واجب ردِّ الجميل، والحفاظ على ماء الوجه من جهةٍ، والغنى والسعادة من جهةٍ أخرى.

لقد غلبتهُ تجربتهُ، وصادرت قراره، ولم يعد يسمع سوى رنين الذهب وصوت ليراته، فاستسلم لها مُرغماً وراح ينفّذ أوامرها.

إنتظرَ حتى تأكّد من رُقاد معلّمه، وانسلّ على مهلٍ، قاصداً الزنار، مدّ يده ليسرقه، شعر التاجر بحركةٍ فصرخ، وما كان من السارق إلا أن سارعه بضربة من كرسيٍ صغيرٍ كادت تقضي عليه، لولا أنه انحنى جانباً.

وبعد عراك طويل وبمساعدة أهل البيت تمكّن التاجر من ربط السارق وتسليمه للحاكم الذي أرسله بدوره إلى الملك ليحكُمَ في أمره.

في القصر المبكي إعترف السارق بخيانته، فحزن الملك وقال : ليُختم على جبينه عقاباً له.

ختمٌ لا يُمّحى والكتابة (ناكر الجميل). ليس العقابُ بكلماته، إنما بالحرم الناتج عنه، والقاضي بمعاقبة كل من يتعاطى مع المختوم به، فيصبح ناكر الجميل منبوذاً، معذّباً، تائهاً، لا قلبَ يرحمه، ولا يدَ تُسعفه، ولا سقف يأويه، فيعيش باقي حياته عيش البهائم غامض المصير.

وقانا الله من التجارب، وأبعد عنا ناكري الجميل، لأن إنكار جميل إنسان هو أمر صعب، فكم يكون الجرم أصعب فيما يخص الله.


 

موكب النظافة

 

·      غالباً ما كانت الوالدة تخاطب إبها لتقول : لقد جاء وقت الإستحمام يا حبيبي، أدخل ونظّف جسمك، فترتاح وتتنشّط.

·      أما هو فكان يتهرّب ويؤجل موعد استحمامه، خالقاً الأعذار والحجج، تارة لا يرغب في وقت اللعب، وطوراً لا يريد ترك التلفزيون. وفي كلتا الحالتين كان يعتبر النداء مُجحفاً بحقّه، لأنه سيحرمه من اللعب والتّسلية.

لذلك كان يتذمّر ويمانع، لكن الوالدة بحكمتها، إستطاعت أن تُقنعه دونما إكراه. لأنها راحت تلامس وجهه بحبٍ وحنانٍ، ممسكةً بيده مشجّعة إياه، قائلة له :

·      إن دخلتَ الحمام، سوف يستقبلك كلّ ما في داخله بالترحاب، وسيكون الجميع رهن أوامرك، وكأنك أمير صغير، فلماذا التأخير؟ ولماذا التردّد ؟

·      رضي الإبن وقرّر الدخول، وما إن وطئت قدماه أرض الحمّام، حتى صاح (المغطس) : أهلاً وسهلاً بك في ضيافتنا، تعال واجلس وإن شئتَ فتمدّد، خذ راحتك وابق قدر ما تشاء طالما أنت مسرور.

·      وقالت (الحنافي) : أهلاً بك، لقد شرّفتنا وها نحن في خدمتك حتى آخر نقطة ماء تسكبها على جسمك.

وانهمر الماء من المرشّة قائلاً : إبن صاحب البيت هنا ؟ تفضّل، إني لأجلك رفعتث حرارتي، ولن ألامسك إلاّ حسبما تريد، أكان ذلك ماءً حاراً، أم فاتراً، أو بين بين ؟

·      وراحت الصابونة تهمس له وتقول : سأنظّفك (برغوتي) وسأطيّبك بعطري، وما عليك سوى أن تأمر لأذوب في سبيلك، ولن أفارق جسمك الغضّ إلاّ وقد زاد نعومةً ورقّةً.

·      وبعدها جاء دور الليفة مُطَمئنةً قائلةً : لا تهتم لحشريتي ولا تحاسبني على خشونتي، وليس وجودي هنا إلاّ للتأكيد على نظافتك وحرصاً على سلامتكَ. فأرجوك اعذرني ولا تتضايق منّي.

·      ثم حضرت المنشفة تعطف عليه وتقول : دعني ألتقط الماء عن جسمك، وما يهمّني هو أن تبقى سالماً ولا يهمّ إن تبلّلتُ في سبيلك.

·      وأخيراً لمعت صفحة المرآة تُلفت انتباهه بصفاوتها، علّه يبادلها النظر فيشاهد فيها احمرار عينيه ويكتشف لذّة الحمّام، وضرورة النظافة.

·      وفي الختام أطلّ المشط وقد ملّ الإنتظار، إنه على أحرّ من الجمر ليصفّف له شعره ويُظهر أناقته.

·      نظر الصبيّ فإذا بموكب آخر راح يتأهّل به ويستقبله، إنه موكب الثياب، الذي وضع بين يديه كلّ إمكاناته الداخليّة والخارجيّة، متسائلاً عن كيفيّة الخدمة المرتقبة، مع شعار ثابت : هو تأمين الراحة والدفء للمستحمّين، فشارك فيه حسب احتياجه.

·      ولما وقف أمام أمّه، قبّلها وشكرها على كلّ ما فعلت من أجله.

·      أما هي فقالت له: جميلة هي نظافتك الخارجية يا حبيبي، ولكن الأجمل هي النظافة الداخليّة، أي طهارة النفس، نظافة الكف، ونقاوة القلب.

·      وإذا ما لطّخت الخطايا نفسَك وأثقلت ضميرَك، فما عليك إلاّ بالتوبة، (التوبة المصحوبة بالصوم والصلاة وعمل الخير) فهي كفيلة بغسل داخلك، وإعادتك إلى صفائك الروحي وهنائك الطبيعي.

وأمنيتي أن تبقى نظيفاًً على صعيدي الجسد والروح.


 

كل واحد

على طريقته

 

 

حُكي أنّ ابن ملكٍ كان يلعبُ في حديقة القصر، فوقع في البئر، شاهده أحد الجنود، رمى بنفسه وراءه وتمكّن من إنقاذه.

فرح الملك فرحاً عظيماً وأراد أن يكافىء حارسه على تفانيه وشجاعته. فأصعده جبلاً مطلاً وقال له : أنظر إلى هذه التلال والسهول الخضراء، وإلى الوديان والسواقي، إنها أرض خصبة ساحرة الجمال، وفيرة المياه يمكنك امتلاك ما تشاء من الأرض، إن دُرت حولها، شرط أن تعود قبل غياب الشمس. هذه هي هديّتي لك، لأنك خلّصت ولدي من الموت. والآن انطلق ولا تُضع الوقت، الساعة الآن حوالي العاشرة صباحاً. نظر الجندي نظرة سريعة إلى مملكته المقبلة، إنها فرصة العمر، عليه أن يضمّ المزيد من الأراضي، ثم انطلق مسرعاً لا ينوي على شيء. كان يسرع، لا يتوقّف إلا ليحدّد مسار طريقه وحدود أرضه الجديدة، وليعود إلى الركض مجدّداً. مرّ بالأشجار المثمرة، بالفواكه الشهيّة، بالمياه الرقراقة المنسابة في سواقيها، لكنه لم يشأ أن يذوق ولا أن يشرب ففي الأمر ضياع للوقت وخسارة في مساحة الملك المرتقب.

إنتصف النهار ولم يعلم أنه ابتعد كثيراً عن القمّة، وأنسته مناظر السهول طريق العودة، فراح يضمّها إلى حصته بكل شغف وبدون اكتفاء. وفي استراحة تعب، إنتبه إلى الشمس، إنها تميل إلى الغياب، تطلّع إلى الجبل، إنه ما زال بعيداً والطريق صارت صعوداً.

حاول أ، يُسرع لكنّ التعب كان قد تمكّن منه وأنهكه، شدّ عزيمته، نسي ما حوله لم تعد الأرض هي هدفه، المهم أن يصل قبل فوات الأوان، سلك أقصر الطرق، ضاعف سرعته، لكن قواه قد خارت وسرعته خفّت. عبثاً حاول الوصول، فكان يتعثّر حيناً ويقع حينً آخر، أجهد نفسه ودق قلبه مرة من التعب ومرة من الخوف.

إقترب من القمّة، شاهد الملك من بعيد، تأمّل خيراً لكن الشمس سبقته، وغابت، فغابت آماله معها : توقّف الجندي، تسمّر في مكانه، ضرب رأسه بيده، عضّ شفّته فأدماها، ارتمى على الأرض وفي عينيه دموع الأسف، لقد ضاعت الفرصة وضاع معها كلّ شيء.

إستدعاه الملك ووبّخه قائلاً :

-       لقد خسرت فرصتك اليوم في امتلاك الأرض، آمل ألا يدعوك طمعَك إلى خسارة ما هو أعظم يوم الحساب أمام الله.

وحُكي أنّ سيدة فاضلة، لها تاريخ حافل في عمل الخير والإحسان، زوجها أمير عظيم، اتسعت أملاكه وكثرت خيراته، لكنه ابتُلي بالبخل والطمع.

حدث أن المرض أقعد هذه السيدة، وأجبرها على ملازمة فراشها، بالكاد تتنقّل داخل بيتها، قواها الخائرة منعتها من مزاولة أعمال الرحمة، لكنّها فكّرت ذات يوم بتخصيص بعض الحقول، يُعطى ريعها للفقراء، تخليداً لها ولأهل بيتها على مرّ السنين.

عرضت الأمر على زوجها، شارحة له وجهة نظرها، فوافق على طلبها، أما العطاء فكان مشروطاً، والشرط شبه مستحيل، إنه يُجبر الزوجة المريضة، بالدوران حول الحقول المنوي تقديمها للفقراء. حزنت الأميرة لأنها تعرف نفسيّة زوجها، وتعلم أنّ العطاء ليس من قناعته، إنما هو مقتنع بالشروط والتعقيدات.

لم تقطع المرأة الفاضلة أملها، فراحت تصلّي، وتصلّي، إتّكلت على ربّها، وقرّرت القيام بهذه المغامرة،تشدّدت ونهضت لتسير متألمةً باكيةً متعثّرةً في مشيتها. كلما سقطت على الرض صرخت وتنهّدت، غير آبهة بآلامها، فالهدف أعظم بكثير، حب الإحسان أنساها وجعها، وتلّقها بالفقراء زادها عزماً وإصراراً في تحقيق رغبتها.

راحت تُكمل دورتها متباطئةً متقطعةً الأنفاس، كانت تقوم وتقعد، ترتاح وتنطلق، تواصل السير رغم الألم والتعب، إلى أن عادت أخيراً إلى مكان إنطلاقها إلى بيتها بعد جهدٍ مضنٍ وألم مبرّح. وهكذا تمكنت من انتزاع مساحةٍ من الأرض لا بأس بها من مُلكِ زوجها، لتقدّمها إلى من لهم نصيب في قلبها.

وما إن استلقت على فراشها حتى أحسّت بالإرتياح، وأنه صار بإمكانها توديع الحياة وهي مطمئنة.


إن لم تمارس

 

·      إسمع يا ولدي هذه القصة.

·      نعم يا حلوتي قصصك تسرّني.

·      ذات يوم، خلال زيارة أحد الأقارب، حصل الصغير على حبّة من الحلوى، نزع غلافها، وبسرعة رماها في فمه وضغط عليها بأضراسه، قاصداً (قرشها) والتلذّذ بها.

·      نادته الحبّة بلهفة قائلة : لا، لا، تمهّل يا عزيزي، من فضلك انتظر قليلاً، عندي شيء أقوله لك قبل أن تفتّتني وتحوّلني إلى نُتفٍ صغيرة.

·      وما هو الشيء المهم الذي تريدين الإفصاح عنه ؟ أسرعي فأنا لا أطيق الإنتظار.

·      أرجوك أصبر عليّ قليلاً، وارفق بحالي، لأني أرغب أن أذوب في فمك رويداً رويداً، وأن تعاملني بلطافة، ولا أريدك أن تطحنني وتقسو عليّ، فهذا يؤلمني ويضايقني.

·      لماذا كثرة الشروط وأنتِ تحتَ رحمتي ؟

·      إن حققتَ مطلبي، قدّمت لك نصيحةً مهمةً، تحمي بها أسنانك، من الإصابة بالتسوّس، وتُجنّبك الألم فيما بعد.

·      لقد نفذ صبري، أريد التلذّذ بطعمك، فما هي نصيحتك ؟

·      لا تكن (لجوجاً) أصغِ جيداً لما أقول : إن دخلتُ فمك واختبأت بين أسنانك،  لن أتركها إلا وقد تسوّست واسودّت، عندها  تبدأ مرحلة الألم وسوف يكون بمقدار ما ضايقتني وآلمتني.

·      حبّة حلوٍ صغيرة في فمي تهدّدني، وتتحدّاني، هذا غير معقول ؟

·      إن كنت لطيفاً معي، خلّصتك بكلّ سهولة.

·      وكيف سيكون هذا الخلاص يا حلوتي ؟

·      مع أنك تهزأ بي، فإنّ وقايتك أكيدة، ونجاتك مضمونة، إذا غسلتَ فمكَ بالماء جيداً، بعد تمتّعكَ بمضغ حبات الحلوى، يمكنك أن تحفظ أسنانك سليمة.

·      هذا ليس بجديد، فأنا أعرف ذلك لكنّي لا أمارسه.

·      وما هي قيمة المعرفة، إن لم تمارسها وتستفِد منها ؟

·      أمي ما معني هذا الكلام ؟

·      نعم يا حبيبي سأشرح لك : لا يكفي أن نعرف بل علينا أن نستغلّ معرفتنا في عمل نافع، يعود بالخير علينا أو على الآخرين.

·      من فضلكِ، أريد المزيد من الإيضاح.

·      إليك بعض التساؤلات، كمثلٍ على ذلك :   السائق الذي يعرف أخطار السرعة ولا يتمهّل هل يسلم ؟

·      لا.

·      التلميذ الذي يعلمَ أنّ الدرس والإجتهاد هما طريق التقدّم ولا يفعل، هل ينجح ؟

·      أيضاً لا.

·      والمؤمن الذي يعتقد بوصايا الله وتعاليمه، ولا يطبّقها في حياته هل يخلُص ؟

·      طبعاً لا.

·      ولكن يا أمي أريد أن أعرف هل كسر الصبيُّ حبّة الحلو أم لا ؟

·      أجابت الأم ضاحكةً ليست الأهميّة في ما فعل صاحبنا الصغير إنما المطلوب هو أنت، وما عليك سوى أن تخفّف من حشريّتك لأنها مرض العصر.

·      نعم بكل تأكيد ولكِ مني ألف شكر على هذه القصص المشوّقة. كما أعدك أن أمارس كلّ ما أراه نافعاً لحياتي.


 

نقطة الضعف

 

·      أمي ألا تحكين لي حكاية ؟

·      بكل سرور يا حبيبي، إليك هذه الحكاية من حكايات الملوك القديمة :

قيل أنّ مملكتين جارتين متخاصمتين، لا تكفّان عن القتال.

ذات يوم شعر ملك منهما باحتمال هجوم عليه، يقوم به خصمه في المملكة الأخرى. فقرّر إرسال من يستطلع الأمر، ليقوم بالإستعدادات اللازمة قبل أن يؤخذ قلى حين غرّة. إختار الملك لهذه المهمة، قائداً بطلاً مجرّباً على الأيام، يمتاز حصانه بالسرعة والليونة المطلوبتين، تعوّد الحصان على فارسه، وفارسه تعوّد عليه.

الأوامر تقضي أن يصل إلى حدود مملكة العدو، قبل بزوغ الفجر، كي لا يُكتشف أمره، فقرّر القائد الإنطلاق مع انتصاف الليل. راح الفارس يجهّزُ نفسه ويحضّر سلاحه، ثم بدأ يتفقّد الحصان، تأكّد من اللحام، والسرج، والحزام، والعَليق في المخلاة (طعام الحصان) وأخيراً تفحّص النضوات (نعل من حديد يحفظ الحافر) فوجدها سليمة، ما عدا نضوة واحدة ينقصها مسمار.

فكّر في نفسه وقال : إنّه مسمار صغير، لا يستدعي تأخير العمل وإضاعة الوقت في استبدال الحصان وتجهيزه، كما إن فكرة استحضار بيطارٍ في آخر الليل، ليدقّ مسماراً مكانه، هي غير واردة، يجب أن أخلد للنوم فالمهمة صعبة والطريق شاقة.

وبعد استراحة قليلة راح القائد، وتحت جناح الليل، يقطع التلال والوديان في اتّجاه مملكة العدو.

وصل في الوقت المناسب، ربط حصانه في مكانٍ مخفيٍّ وبدأ يراقب تحرّكات الجيش من وراء جذع شجرة كبيرة.

·      ألم يره أحد ؟

·      إليك ما جرى : مرّت الساعات وهو يراقب، وإذا بدوريّة خيّالة تقترب منه، وكاد كل شيء يمضي بسلام، لولا صهيل حصانه الذي كشف عن مكان وجوده (الخيل تشعر بوجود بعضها). لكنّ الجاسوس استبق الأمور وامتطى جواده، وأطلق له العنان، يسابق به الريح طالباً النجاة. شاهده قائد الدوريّة فلحق به، الطريق طويلٌ، وصعبٌ، كثير الحصى، بقيت المسافة بينهما بعيدة لفترة طويلة، إلى أن أخذ الحصان يتباطأ في سيره، على غير عادته. نزل صاحبه عنه ليستطلع الأمر، نظر إلى الحافر فعرف السبب، لقد ضَعُفت باقي المسامير، إلى أن انفصلت النضوة عن حافر الحصان ومنعته من مواصلة سيره.

تمكّّن جنود الدورية من إلقاء القبضِ عليه وأسره واستجوابه.

المعلومات خطيرة، إطّلع عليها قائد الجيش، وتداول بشأنها مع الملك، فقرّرا بدء الهجوم فوراً، قبل إتمام الإستعدادات في المملكة الأخرى.

وفيما كان الملك ينتظر عودة رسوله، إذا به يُفاجأ بالقتال، فانهزم شرّ هزيمة، وسقطت المملكة بعد مقتل ملكها وقائد جيشها وعددٍ كبيرٍ من الجنود والحراس. ضمّ الملك المنتصر جميع أجزاء المملكة المنهزمة إلى مملكته، وعيّن عليها قائداً من قِبَله يحكٌُمها وينظّمها.

·      شيء غريب ومحيّر ؟ مملكة طويلة عريضة، ضاعت مع ملكها وجنودها بسبب مسمار ؟

·      ملاحظتك دقيقة يا ولدي، ألا تعلم أنّ أكبر الغابات تحترق بعود ثقاب واحد، وأنّ أكبر خزّان ماء يُفرغه ثقبٌ صغير.

·      كلامكِ مقنع، ولكن كنت أتمنى لو عاد الجاسوس وأخبر الملك.

·      لقد كانت عودته أكيدة، لولا استخفافه وإهماله نقطة الضعف في حافر الحصان. والأهمّ في نظري أن تتخلّص منها بجميع الوسائل، كي لا تتحكّم بك، ولئلا تتحوّل فيما بعد إلى عيوب ظاهرة تُعكّرُ صفوَ حياتك فلا تكن مهملاً كي لا تواجه الأزمات ولا مستهتراً كي لا تعترضك الصعوبات. وما يؤسف له في هذه الأيام، أنّ الإهمال تضاعف في حياة الصغار والكبار وحياة الكثيرين فغيّرها، وتغيّرت معها العادات والقناعات.

·      أعدك يا حبيبتي ألاّ أدع الإهمال يغيّر حياتي، ولا يؤثّر على واجباتي.


 

تذكّر علبته، فنسي صلاته

 

عامل مسكين يعمل طوال النهار، ليؤمّن عيشاً كريماً لع ولعائلته، مطبّقاً قول الشريعة :( تأكل خبزك بعرق جبينك ) شعاره في حياته، أن يناسب بين إمكاناته وحاجاته، فلا يصرف كل ما يحصل عليه، بل يترك قرشه الأبيض ليومه الأسود.

كان يجمع ما يوفّره في علبة صغيرة، ولما صار المبلغ معقولاً، خاف عليه وخبّأه في مكان آمن.

بعد فترةٍ نسيَ العامل مكان علبتِه، حاول التذكّر فلم يستطع، تعب من استعراض الأمكنة المحتملة أن تكون مخبأً، ولكن دون جدوى، فتّش فتّش، أقام البيت واقعده وما من نتيجة.

ساورته الظنون بأهل بيته، لم يجرؤ، فالإتّهام صعب، إرتمى على أحد المقاعد وقد خانته ذاكرته، عبثاً حاول لكن جهوده ذهبت أدراج الرياح.أحسّ بضيقٍ في صدره، وتشوّشٍ في فكره، إنه لن يرتاح إلا إذا وجد علبته.

عاود التفتيش، حار بأمره، وإذا به يحسُّ بالدّوار، لم يستسلم، بل قصد الناسكَ القريب، قائلاً في نفسه، إنه رجل الله، نذر نفسه للصلاة والعبادة، وهو قادر أن يساعدني لأنّ الله يستجيب له.

ولما التقاه استعطفه قائلاً : سيّدي لقد خبأت أموالي في علبة، ولم أعد أتذكر أين وضعتها، فهلاّ ساعدتني وأرشدتني إليها ؟

وبكل ثقة وهدوء، أجابه الناسك قال : الصلاة، الصلاة، الصادرة عن قلبٍ نقيٍ، وحدها تُستجاب أمام الله، صلِّ، تجد علبتك، ووتنحل أمورك.

شكره العامل وعاد مسرعاً إلى بيته، وما إن نباشر بالصلاة، حتى تذكّر الموضع، قصده للحال فوجد العلبة.

فرح فرحاً عظيماً، إنها مشورة صالحة من رجلٍ صالح، وبدون تأخير عاد إليه ليُخبره، وما إن أطلّ حتى استبقه الناسك بقوله : وجدت علبتك أليس كذلك ؟ لقد عرفت من تقاسيم وجهك، فهل صلّيت ؟

·      أجابه العامل بالنفي.

·      تنهّد الناسك متمتماً بصوتٍ خافت : إنه الشرير، إنها طرقه، فهو لا يهتم بالمال، همّه الأكبر هي نفوس الناس، يريد منعها من الصلاة، كي لا تلتقي الله. ثم التفت إلى العامل موجّهاً إليه الكلام، إسمع يا ولدي : لقد شغلك الشرير بالتفتيش عن أموالك وضيّع وقتك، فلم تصلِّ.

·      نعم، لقد منعني.

·      ثم بلبل أفكارك وعطّل عقلك فمنعك ثانية من الصلاة.

·      غريبة هي حيَله.

·      ولما صمّمت أن تُصلّي، فوّتَ عليك الصلاة بعد أن ذكّرك بالمكان المطلوب، ويكون في جميع الأحوال قد عطّل لقاءك مع ربّك، وحرمك من الإستنارة والقداسة.

·      صحيح كلامك، لقد فاتتني هذه المعرفة فإنّ طرقه ملتوية وخبيثة.

·      سأكشف لك ما كان سيفعله بك.

·      نعم أخبرني كي أحذرَه، ولا أقع في حبائله.

·      هدفه أن تبقى بدون صلاة، ليحرمك من لقاءك مع الله، وبالتكرار، يضعف إيمانك وتخفُّ قداستك، إلى أن يتمكّن منك ويغلبك. وفي المرحلة الثانية، يبعدك نهائياً عن الهدف، أي عن طريق خلاصك، فتصبح رهينته، يسخرُ بك ويُسخّرك في عمل الشر.

·      أنا مدينٌ لك أيها الرجل الصالح، لأنك كشفتَ لي أمراً هاماً يتوقّفُ عليه مصيري.

·      كن متيقّظاً يا ولدي، وداوم على الصلاة وعمل الخير، فلا تُصيبك ألاعيبه.

·      شكراً على اهتمامك بي، أعدك أن أعمل بنصيحتك، ولن أكون يوماً رهينته، فأبقى أميناً لربي وآمناً من الشرير وطرقه.


 

أفضل ضرورة

 

 

سوف أحكي لك حكاية جديدة.

نعم يا حبيبي إني أنتظرها بفارغ الصبر.

ذات يوم وفي طقسٍ حارٍ ولاهب، توغّل بعض الصيادين في غابات إفريقيا، فضّلوا الطريق، وبعد فترة نَفِذَ الماء معهم وراح العطش يهدّدهم.

من أجل ذلك تركوا الصيد واهتموا بالتفتيش عن الماء علّهم يجدوه فيرووا عطشهم، ويعودوا سالمين، لكنهم لم يستطيعوا إليه سبيلاً بسبب تشابك الأغصان وكثافة الأشجار. حاولوا مجدّداً فما أمكنهم ، لأنّ التعب أنهكهم، وقلّ الأمل في العثور حتى عن البديل من ثمار أو خضار، حاروا في أمرهم وخارت قواهم، فراحوا يجرّون أنفسهم جراً.

·      ماذا يحل بهم في هذه الحال ؟

·      سوف يجفّ الماء رويداً رويداً في أجسامهم، ويُغمى عليهم، ويكون ذلك بداية موتٍ محتّم.

·      وهل انتهت حياتهم على هذا النحو ؟

·      كلا، فلولا حكمة أحدهم لأصبحوا في عالم الذكريات.

·      كيف نجوا إذاً ؟

·      بعدما قطعوا الأمل، إرتموا على الأرض استند كل واحد إلى جذع شجرة يُصلّي ويطلب الخلاص من الله، منتظراً قدره، ثم تاهت أفكارهم في دنيا التساؤلات، لأنه ليس من حلٍّ لديهم، وكلُّ شيء ينذر بالشؤم. وفيما هم على هذه الحال، أحسّ أحدهم بحركةٍ في الشجرة التي يستند إليها، نظر فرأى قرداً في أعلاها. ناداه الصيّاد فلم ينزل بل راح يصرخ ويقفز من غصنٍ إلى آخر، عندها خطرت له فكرة، فكرة خلّصتهم جميعاً وروت غليلهم.

·      وما هي هذه الفكرة ؟

·      لقد فتح الصيّاد (زوادته)، رش عليها الملح وأكل منها على مرأى من القرد، ثم ابتعد مع رفاقه قليلاً ليراقب ما سيحل بهذا الحيوان.

·      هل أكل الطعام المالح ؟

·      نعم لقد فعل كما خطّط له الصيّاد، وبسرعة التهم (الزوادة) بكاملها، ولم يشعر بالملح إلا وهو يحرق له جوفه.

·      وماذا حلّ به ؟

·      راح يركض والصيّادون يتبعونه إلى أن وصل إلى مكانٍ ركدت فيه المياه، مكان يصعب اكتشافه، ولمّا وصلوا بعده، رموا بأنفسهم في الماء يشربون منه ويرشونه على بعضهم علامة الفرح والنجاة، ثم تمدّدوا على الأرض حتى استعادوا نشاطهم.

·      أما كانوا هلكوا لولا ذكاء ذلك الصيّاد ؟

·      نعم يا ولدي إنّ الله جلّ جلاله، قد أعطى الإنسان الحكمة والفهم ليتدبّر أموره، ويحلّ مشاكله بطرقٍ مشرّفة وشرعيّة، وليحبّه ويطيعه ويعيش برضاه. وإن كانت الحكمة ضرورية لتدبير أمور هذه الحياة، فإنّ أفضل ضرورة هي في تأمين خلاصنا الأبدي .

·      شكراً بكِ يا أعزّ أم، وأعدكِ أن أستعمل حكمتي لخلاص نفسي وخير الآخرين.

 


 

لو لم يرحمه

 

كانت حيوانات الغابة تعيش بأمان، كل واحد يفتّش عن رزقه راضياً بنصيبه، رزقُ بعضهم على بعضهم الآخر، والله يقوت الجميع.

ذات يوم اشتعلت الغابة، وأخذت النار تشتدّ وتشتدّ لتأكل الأخضر واليابس، وتحرق في طريقها كلّ ذي حياة.

أحسّ الأرنب بالخطر، فقفز مسرعاً، تاركاً ما وراءه طالباً النجاة، لأنّ النار لا ترحم، ولهبها لا يعرف الشبع.

وفيما هو مسرعٌ، شاهده من بعيد عنكبوت صغير، لا حيلة ولا قوة له، فراح ينتظره بفارغ الصبر، وكانت عيناه على تقدّم النار، وفكره مشغول بكيفيّة الفرار.

وما إن اقترب الأرنب منه حتى ناداه مستنجداً :

·      يا صديقي خذني معك، رحماك خلّصني من هذا الجحيم القادم، أرجوك خلّصني، فتنال أجراً.

استهزأ الأرنب بادىء الأمر قائلاً :

·      مَن يظنّ نفسه هذا الحيوان الصغير، كي يستوقفني، ويؤخرني عن النجاة في هذه الظروف؟

لكنه ما إن ابتعد قليلاً، حتى توقّف، وعاد نحوه متمتماً : هيا أسرع، طالما إني قادر على مساعدتك.

لم يصدّق العنكبوت أذنيه، ومن دون تردّد أصبح على ظهر صديقه متمسّكاً بكلّ قواه. ولما استرجع أنفاسه، راح يقدّم له تعابير الشكر والإمتنان. واستمرّ الحديث على الطريق، فمازحه الأرنب بقوله :

·      ماذا لو كنت تركتك في الغابة، تنتظر مصيرك المشؤوم ؟

·      إعلم يا عزيزي، إن الذي خلقني، يستطيع أن يدبّرني، ولكن لأنك كنت قادراً على مساعدتي، فلو لم تفعل، كنت ستحاسب وتدان.

·      ومَن هو الذي سيحاسبني ؟

·      سيحاسبك رب الأكوان، هو القائل في تعليمه : مَن استطاع أن يفعلَ الخير ولم يعمله فهو ملام.

·      لماذا التشديد على هذه الناحية ؟

·      لأني بهذا آمنت، وعى عمل الخير تدرّبت، ومنع الخير عن المحتاج إليه فيه ضررٌ، وهو في نظر الله شرٌّ، لن يسكت عنه ولا يرضى به، فهل اقتنعت بكلامي ؟

·      كلام معقول، معك كلّ الحق.

وفيما الحوار مستمرّ، شاهد العنكبوت صيادين يراقبان أطراف الغابة، فهمس في أذن رفيقه بصوتٍ متقطّعٍ قال : أنظر، أنظر أمامك ثمّ تصرّف.

ما إن شاهد البنادق المصوّبة نحوه حتى غيّر اتجاهه في أسرع من البرق، مبتعداً عن الخطر، شاكراً ربه على وجود رفيق حذّره من نار جديدة، كان وقع فيها.

لحقه الصيادان، فعاوده الخوف وسأل : هل من وجودٍ للكلاب ؟

طمأنه صديقه، فارتاح باله، وزاد أمله بالنجاة. وطالت المطاردة، وهدّد التعب حياة الأرنب، لكنّه لم يستسلم، بل تابع طريقه، إلى أن وصل إلى وكرٍ على جانب الطريق، كان لا بدّ له من الدخول فيه، فليس في المنطقة مخبأ سواه. وفيما هو يعبر المدخل، قفز العنكبوت عن ظهره، وراح بسرعة ينسج شبكته على باب الوكر.

كان الصيادان يقتربان، وهما ينظران ذات اليمين وذات الشمال، علّهما يعثران على أثرٍ لطريدتهما. ولما وصلا إلى باب الوكر قال الأول :

·      حتماً قد دخل صاحبنا إلى هذا الوكر، وإلاّ كيف تفسّر لي سبب اختفائه ؟

أجاب الثاني :

·      أليس في وجهك نظر ؟ لم يمضِ على تواريه سوى لحظاتٍ قليلة، ولو أنه دخل الوكر أما كان مزق الشبكة المنسوجة على بابه ؟

·      معك حق، عمره طويل، لقد هرب، هيا نمضي.

تنفّس الأرنب الصعداء، ولما غاب وقع أقدام الصيادين، راح يشكر الله الذي حرّك له قلبه، فرحم صديقه العنكبوت، متسائلاً في الوقت ذاته، ماذا لو كنت تركته في الغابة ؟

ثم خرج من الوكر ردّداً بأعلى صوته : الرحمة الرحمة، طوبى للرحماء فإنهم يرحمون.


 

بعدما ذاق طعم الجوع

 

·      ألا تحكين لي حكاية يا أمي ؟

·      سأظلّ أحكي لك الحكايات إلى أن أراك شاباً يا حبيبي.

·      وما هي حكاية اليوم ؟

·      سنتكلّم عن الطرق التي كان الملوك يتّبعونها في تسليم المُلك إلى أولادهم.

قيل أنّ ملكاً عظيماً طعن في السنّ، أراد تنصيب ابنه مكانه، فاستدعاه وعرض عليه الأمر. أدّى الإبن استعداده لتذليل كلّ الصعوبات والقبول بالمزيد من التضحيات في سبيل المملكة. شعر الملك بالإرتياح، لأنّ الحكم سينتقل إلى يدٍ أمينة، وأنّ ابنه سيكون على مستوى المسؤوليّة، فيدوم ملكه.

وتابع الملك كلامه قال : سوف أسلّمك الملك يا ولدي، شرط أن تدفع لي ثلاث ليرات ذهبيّة من تعب يديك وعرق جبينك.

·      حاضر يا مولاي، سوف لن أخيّب ظنّك.

·      إذهب الآن، وبعد أن تعود ومعك المبلغ المطلوب، سأسلّمك الملك والمملكة.

·      وهل كان والده بحاجة إلى المال ؟

·      بالطبع لا. لكنها حكمة منه، ليربح ابنه ويدرّبه، وسوف تعرف عنها لاحقاً.

·      ودّع الإبن أباه الملك، وذهب ليقابل والدته ويعرض عليها ما جرى. قالت له الأم :

·      لا عليك يا ولدي خذ هذا الكيس، فيه ما يكفيك من الذهب، إصرف واستجم واعمل ما تريد واترك الباقي لتقدّمه إلى والدك.

غادر ولي العهد القصر، وسافر بعيداً، عائشاً على هواه، ممتّعاً النفس، متنقّلاً في أرجاء المملكة، إلى أن نفذ ماله، فعاد من سفره وقدّم الليرات إلى والده. أخذها منه أبوه وقذفها من على شرفة القصر قائلاً : أريد مالاً من تعبك.

·      وماذا فعل الإبن ؟

·      عاد إلى أمه ثانية راوياً ما حدث معه، سائلاً عن الحل ؟

·      فأعطته الوالدة المزيد من الذهب ، مكرّرة عليه الكلام ذاته : إسعد يا بني وخُذ وقتك ثم عُد.

·      غاب الأمير فترة طويلة، حضر بعدها وقدّم الذهب كما في المرّة السابقة، لكنّه فوجىء بأبيه يرمي بالليرات مجدّداً من على الشرفة وهو يتمتم : قلت لك أريد مالاً من تعبك أنت، من تعبِ كفّيك، لماذا تتلاعب معي ؟

·      حقاً يا أمي كيف كان الملك يعرفُ ذلك ؟

·      سوف تعلم يا ولدي فيما بعد.

·      ولماذا كانت والدته تساعده ؟

·      السؤال مهم، والعمل في غير محلّه، والملكة خفي عنها هدف زوجها. ولما تأكد الإبن من جدّية الأمر، حضّر ذاته، وسافر بعيداً يفتش عن عمل يُكسبه المال، ليدفعه إلى أبيه ويستلم الملك.

وأثناء تفتيشه كان أصحاب المصالح يسألونه عن خبرته، ومهاراته، فيبقى صامتاً، لعدم ممارسته أي عمل.

راح يسأل، ويسأل ولكن دون جدوى، إلى أن ألتحق براعي غنمٍ يعمل معه بلقمة بطنه، يعمل من الصباح حتى المساء محتملاً الحرّ والبرد والجوع.

 

·      وكيف يجمع المال في هذه الأحوال ؟

·      بعد قترة ترك الراعي وعمل عند فلاحٍ بمعاشٍ زهيد، كان يتعب كثيراً، فهو غير معتاد على الشقاء.

·      وما طالت به المدّة، حتى انتقل إلى محلّ حداد في المدينة، بمعاشٍ أفضل وبدوام أقل، كان يطرق الحديد طوال النهار، ليعود مساء، أسود البشرة لكثرة الدخان المتصاعد من الموقد.

ثم تعرّف إلى نجار فتحسّنت ظروف عمله، وكان كلّما وجد عملاً مناسباً إنتقل إليه. لقد عمل خياطاًً، ثم طباخاً، إلى أن اختاره أحد الأمراء مُربيّاً لأولاده.

·      ألم يجمع بعد المبلغ المطلوب ؟

·      لقد تمكّن من جمعه بعد أشهر عديدة، ليعود إلى القصر، أسمر البشرة، خشن الكفّين، رث الثياب. وقدّم هذه المرة ليراته بكل فخر واعتزاز. أخذها والده ورماها كالسابق، فشهق الإبن شهقة، كادت روحه تخرج معها.

عندها قام الملك وغمر ابنه وهنأه قائلاً : الآن وقد صرتَ مختبراً، وعرفت قيمة التعب والجوع، في سبيل جمع القليل، صار بإمكانك استلام الكثير، لأنك ستشفق حتماً على العمال والفقراء، وستحسب ألف حساب قبل التصرّف بالخزينة (مال الشعب ). بإمكاني الآن تسليمك الملك، وأنا مطمئن عليك وعلى المملكة. لأنّ المال الذي لا تتعب عليه الأيدي، لا تشفق عليه القلوب.

·      أرأيت يا ولدي كم هي عظيمة حكمة الملك ؟ لأنه لا النصائح، ولا التعاليم، كانت كافية لجعل الإبن يعرف قيمة التعب والجوع، ويقدّر العمل والعمال، ويحنو على الفقراء والبائسين، لو لم يختبر ذلك بنفسه.

·      وهل لاحظت كيف نجح في ترسيخ قناعة ابنه ؟ خلال قساوة المحبة، والتي تغلّبت على عواطفه الأبوية.

نعم يا حبيبي، كان على الملك الجديد أن يكون مجرّباً، ليستطيع أن يحكم رعيّته بالعدل والإنصاف.

·      والآن لكِ مني ألف شكر على هذه القصة المشوّقة.


 

الشبيهان

 

-       مرحباً أيها المغنطيس، كيف حالك ؟

-       أهلاً بك ايّها الإيمان العظيم صانع المعجزات، هل من خدمة ؟

-       إنه مجرّد سؤال، أردت طرحه عليك.

-       تفضّل وبكل سرور.

-       هل صحيح، أنك تحمل قوّة خفيّة تستعملها في خدمة بني البشر ؟

-       نعم يا سيدي، فإنّ ميزتي هي في هذه القوّة الملموسة وغير المنظورة، وبدونها لكنت مجرّد معدنٍ كباقي المعادن.

-       إني أعلم أنّك لا تجذب بقوّتك هذه، سوى معادن معيّنة، فهل تتعمّد اختيارها، أم أنك تتركها للصدفة ؟

-       سؤال وجيه وموزون، فكما أنك أيّها الإيمان الحي، لا تتواجد ولا تنمو إلاّ في نفوس المختارين الأنقياء والأتقياء، هكذا أنا أختار المعدن الذي يناسبني وينسجم مع طبيعتي.

-       أرى أنك صنّفت المعادن وقسّمتها إلى قسمين ؟ ألا توافق على كلامي ؟

-       لقد أصبت، فواقع المعادن أصبح ظاهراً، قسم معي وقسم ضدي.

-       كيف تعرف المعدن المتعاطف معك ؟

-       أعرفه من انجذابه نحوي والتصاقه بي، وثباته معي. وأنتَ كيف تميّز المؤمن من غيره ؟

-       هذا أمر بسيط، أعرفه من تصرفاته ومن أعماله، أعرفه من غيرته على عمل الخير ومن محبته للآخرين، وخاصة أعرفه في أيام التجارب والمحن.

ولكن أيها المغنطيس قل لي، هل صحيح أنك أحدثت ثورة عظيمة في عالم الكهرباء والتكنولوجيا ؟

·      نعم حقاً ما تقول.

·      وهل صحيح أنك كنت الرائد في الكثير من الإختراعات ومجالات التطوّر، وخاصة في حقل المولّدات والمحرّكات الكهربائية ؟

·      هذا أكيد، ولكن الثورة الدائمة هي ما تقوم به، أيها الإيمان من تغيير في النفوس، وتصويبها نحو خالقها، ودفعها نحو الخدمة وعمل الخير.

·      مَن أخبرك بهذا ؟

·      أنا أعرف أنك في جهادٍ مستمر، لزيادة عدد محبّيك، لأنه مكتوب :بدون الإيمان، لا يستطيع أحد أن يرضي الله.

·      شكراً لك يا صاحبي على هذا الإطراء، ولكن هلاّ أخبرتني كيف تتم عمليّة تحويل دفع الماء إلى كهرباء ؟

·      بكل سرور : إعلم أنه في كل قطعة من قطعي قوّتان متعاكستان، وقد تمكّن العلماء من تركيب هذه القطع بشكلٍ فنّي ومدروس، والماء المتساقط عليها، يديرها بسرعة، فتتولّد الكهرباء، وتنقلها الأسلاك إلى البيوت والمعامل.

·      حقا إنه عمل رائع !

·      وأنت أيها الإيمان المحبوب، كيف تحوّل النفوس من طريق الهلاك إلى طريق الخلاص ؟

·      هذه العمليّة تتم بتطابق إرادة الإنسان وتفكيره، مع تعاليم الله ووصاياه، فتتحوّل حياته إلى حياة متجدّدة تختلف كثيراً عن حياة غير المؤمن.

·      شكراً لك على هذا التوضيح.

·      يقولون يا صاحبي أنّك تتّصف بالمرونة وتعدّد المهمات، فإنك تارةً تحوّل قوّة الطبيعة إلى كهرباء، وتارةً تحوّل الكهرباء إلى حركة ودوران، فهل صحيح ما أقول ؟

·      مرونتي لا تُقاس مع نعومتك ولطفك، فأنت تدخل قلوب محبّيك، وتحوّلها إلى ما هو أنقى وأقدس.

·      شكراً لك أيّها المغنطيس على هذه المجاملة.

·      بقي لي سؤال أخير أطرحه عليك.

·      تفضّل لكَ ما تريد.

·      هلاّ أخبرتني يا إيمان الآباء والجداد عن مهمتك الأساسيّة ؟

·      يا صديقي، الإيمان هو هبة الله للذين يحبّونه، ويعطيهم منه قدر ما يطيقون ويحتملون، والإيمان ينمو أو يضعف أو يموت متأثّراً بحياة صاحبه وتصرّفاته. والإيمان متى دخل حياة الإنسان، يرفعه من عالم المادة إلى عالم الروح، وينمو مع نموّه الروحي، ويكشف له عن الحقائق السماوية، ويُذيقه طعمها، فيتغيّر داخله، وتتغيّر أفكاره وأشواقه إلى ما هو أسمى وأقدس، وتأتي أعماله خلاّقة وعظيمة النفع.

·      ومن المؤمنين، مَن دخلوا التاريخ، لما قدّموه من نفعٍ للإنسانيّة، وخلاصٍ للنفوس، ولِما أحدثوه من ثورة في أعمال الخير والرحمة، أعمال أهم بكثير من الكهرباء وعلومها. هؤلاء هم عمالقة الإيمان، هؤلاء هم القديسون.

·      أيّها الإيمان لقد فرّحتني بكلامك، وشرّفتني بلقائك، فلك منّي الشكر.


 

المتيقّظون

 

·      إليك يا ولدي هذه القصة.

·      وما هي يا أغلى أم في الدنيا.

·      إنها حكاية سفينة تحمل المزيد من الركاب، وراحت تشقُّ طريقها بأمان وسلام، البحر هادىء وخفيف الموج، وكان كل شيء يسير على أحسن ما يرام.

·      بعد فترةٍ تغيّر الطقس، وهطل المطر بغزارة، وهبّت الرياح متسارعة في عرض البحر، فأخذت الأمواج تتلاعب بالسفينة، ترفعها معها حين ترتفع، وتهبط بها عندما تهبط. أحسّ القبطان بالخطر، وخاف على سفينته من سوء المصير.

·      وماذا يفعل القبطان في هذه الأحوال ؟

·      عليه أن يأخذ جميع إحتياطاته، لذلك جمع البّحارة وباقي الركّاب، وأمر أن توزّع عليهم ألبسة النجاة ثم قال : على كلّ واحد منكم ارتداء سترة نجاته هذه، ولا يجوز التخلّي عنها، لأنها تنجّيكم من الغرق، وهي خلاصكم الوحيد بعد الله.

·      كيف تكون هذه الألبسة يا أمي ؟

·      إنها أثواب مطاطيّة مليئة بالهواء وتمكّن لابسيها من البقاء (العوم) على وجه الماء.

·      وهل ستغرق السفينة ؟

·      ربّما يحدث ذلك، لأن القبطان صارحهم بقوله : نحن في خطر، ولا أمل لنا بالنجاة إن لم تمر العاصفة، ويتحسّن الطقس، فالسيطرة على القيادة معدومة، ونحن تحت رحمة الله، وما عليكم سوى تنفيذ التعليمات بحذافيرها، وتحمّل المصاعب بصبر، علّكم تخلصون.

·      وبمَ تقضي تعليمات القبطان ؟

·      إنها تطلب من الجميع، ارتداء أثواب النجاة، والبقاء على سطح الباخرة، مهما كلّف الأمر، لأن حوادث السفن غالباً ما تكون خاطفة، ومأساويّة.

·      هل هذا معقول ؟ هل يمكنهم البقاء في هذا الطقس الرديء، منتظرين في العراء ؟

·      الخلاص له ثمنه يا ولدي، وخاصّة إن كان يتعلّق بالحياة، فأيّهما تفضّل ؟

·      طبعاً، تحمّل المطر والبرد، ولا الغرق.

·      أجبتَ بالصواب.

·      وكيف تصرّف الركابُ بعد سماع الإنذار ؟

·      لقد تعدّدت ردّات فعلهم، فمنهم من بقي على أتمّ استعداد محتملاً قساوة الطبيعة، ومنهم من رمى بسترة نجاته جانباً، مردّداً في نفسه : أستعملها عند الحاجة، ومنهم من نزل إلى غرف نوم السفينة، غير مهتمٍ بما سيحدث.

·      وماذا جرى بعد ذلك ؟

·      لم يخب ظنّ القبطان، وحدث ما كان متوقّعاً، فراحت الأمواج تسوق السفينة نحو الشاطىء، لتصدمها بإحدى الصخور، فانشطرت إلى شطرين. كانت صدمة قويّة، رمت بالذين على سطح الباخرة فوق الماء، فحملتهم الأمواج إلى شاطىء الأمان ونجوا. أما غير المستعدّين فقد غرقوا مع حطام باخرتهم.

·      إنها قصّة حزينة، ولكن ماذا بشأن الذين أبقوا ألبسة نجاتهم جانباً ؟

·      إنّ هؤلاء يا بُني، قد التزموا مبدئيّاً، وامتنعوا عن التنفيذ عمليّاً، فينطبق عليهم مثَل نصف تلميذ، أو نصف مؤمن، لأن التلميذ الذي يعمل نصف واجباته، ألا يلاقي نفس نتيجة التلميذ الكسول ؟

·      بالطبع، فأمر هؤلاء الركاب غريب، ألم تكن حياتهم في خطر ؟

·      إنه الطبع البشري يا ولدي، كل واحد يتصرّف حسب قناعاته وعاداته.

·      الآن تأكدت وعرفت كيف أنّ العادات تتغلّب على أصحابها وتجرّهم وراءها.

·      من أجل ذلك تروّى في تكوين قناعاتك، ولتكن مباركة وخيّرة، كي لا تضيّعك معها، وتغيّر لك مجرى حياتك.

·      أعدك أن أكون عند حسن ظنّك يا حبيبتي.

·      وعدك هذا فرّح قلبي، وطمأنني، وكم أتمنى لو تكون قد استفدت من هذه العبرة.

·      نعم لقد عرفتُ أنّ الناس في هذه الحياة يشبهون ركاب السفينة في تصرّفاتهم.

·      جيد تحليلك وصحيح، لأن منهم الذين يطيعون كلام الله (ربان هذه السفينة) فيخلصون، ومنهم الذين يهتمّون بإرضاء شهواتهم، وميولهم، وإذا برياح التجارب والخطايا تعصف بهم فيهلكون.

·      شكراً وألف شكر على قصتك هذه يا أحب أم.


 

رفقة الطائش وعشرة الغضوب.

 

·                 أمي لقد جاء وقت الحكاية.

·                 إسمع إذاً يا حبيبي :

·                 ذات يوم، أراد أحد الأولاد القيام بزيارة لصديقه، فسأل أمه عما يجب أن يرتديه، إتّجهت نحو الخزانة، وأحضرت له قميصاً نظيفاً، أعطته إياه، ثم قالت بنبرة حادة تخفي وراءها تهديداً ووعيداً، إسمعني جيداً :

أنا لا أرضى عن هذه الحالة.

·                 عن أية حالة تتكلّمين ؟

·                 إني أنبّهك، قميص متّسخ، قميصان كل يوم، هذا أمر مرفوض، عليك الإنتباه وإلا عاقبتك عقاباً صارماً.

·                 سمعاً وطاعةً يا سيّدتي، سوف أبذل جهدي كي لا أخالف أمرك.

·                 وفي الطريق سأل الصبي القميص : أرى أن التهديد جدي، والأمر لا يحتمل الإستخفاف، لهذا أرجوك حافظ على نظافتي.

·                 ما بالك ترتجف هكذا ؟

·                 سيّدي، إن رفقتك جرّت عليّ المتاعب والويلات، وأذاقني مر العذاب، فمن فضلكن إشفق على حالي وتيقّظ قليلاً، فأبقى نظيفاً وأكون أكثر إطمئناناً.

·                 ومَن تحسب ذاتك كي تحصي لي حركاتي، وتتدخل في شؤوني ؟

·                 عذراً ا صاحبي، فما قصدت ذلك.

·                 لم يمضِ وقت طويل حتى وصل الإبن إلى بيت صاحبه، وفيما هو يشرب شراب التوت على عجل، سقط بعض منه على القميص، وحدث ما كان متوقّعاً.

·                 تساءل القميص محتاراً : ما الذي سيحل بي يا ترى ؟ وماذا ينتظرني ؟ كيف ستتصرّف معي ربة البيت ؟

·                 لماذا خاف القميص يا أمي ؟

·                 لأن الأيام علمته، لقد قاسى الكثير من العذاب، وإليك ما جاء على لسانه :

·                 ما إن عاد الإبن إلى البيت، حتى سمعت صراخاً وتأنيباً لا أرغب في تكراره مرفقاً بالتأنيب والكلام الجارح، فخفق قلبي، ثم جرّت إبنها إلى غرفة النوم ونزعتني عن جسمه، ورمتني في قفص بلاستيكي كأنه قفص إتهام، ريثما يصدر الحكم وتتقرّر العقوبات. نظرت فوجدت صاحبي راكعاً وراء الباب وعلى أذنه أثر احمرار.

وفي الغد، جاء دوري، حملتني ورمتني في غرفة مستديرة وأغلقت عليّ.

راحت الغرفة تدور وتدور فيّ، ثم قزفتني بمسحوق رائحته طيّبة لكن طعمه كريه.

وبعد قليل، جاءني الماء الساخن يحرقني ويفكك أوصالي (عظامي) وطال الدوران وأنا لا أعرف طعم الراحة إلا من وقت لآخر، وما أكاد أشعر بالفرج، وألملم أنفاسي، حتى أعود من جديد إلى الدوران ذات اليمين وذات الشمال.

فقدت الأمل وأصبت بالدوار، إستنجدت وما من مغيث، طالبت بالرحمة، بالعدالة، وما من جواب، سلّمت أمري لخالقي، وبعد قليل إذا بالدوران يتوقف، وأحسست بالماء البارد ينعش لهيبي، وكأن عفواً صدر بحقي، فتوقّعت الفرج.

لكن الغرفة المستديرة عادت إلى الدوران، عندها حاولت التمسك، فلم أقدر، حاولت الإفلات، لم أستطع، وإذا بالدوران يزداد، فأغمي علي، ولم أشعر إلاّ وأنا معلّق على حبل طويل، وكأني على جبل مشنقة، وبقربي سراويل ومناشف وشراشف، فرجعت روحي إليّ.

·                 وهل انتهى عذابه ؟

·                 كلا، مسكين سوف يتعذّب ما فيه الكفاية، وأكمل القميص قال :

وبعد فترة حملتني صاحبة البيت، ومدّدتني على طاولة خشبيّة، وراحت تحرقني ذهاباً وإياباً، ومن أعلى إلى أسفل، حتى ضيقت أنفاسي، وطبقت ضلوعي، ولما أنهت إنتقامها، عادت فكرّرت التهديد ذاته، تملكني الخوف ولم أنبت ببنت شفة.

·                 مسكين هذا القميص لقد وقع ضحية الطيش والغضب.

·                 نعم يا حبيبي، متعبة هي رفقة الطائش وعشرة الغضوب.

·                 وما هو دواء الطيش يا أمي ؟

·                 دواؤه الإنتباه، والنضوج، والتفكير الهادىء والجدّية في التصرّّّف.

·                 وماذا عن الغضب ؟

·                 لا أريد أن أدخل في التفاصيل يا بني، فالغضب أساسه سوء تربية، وطبع ممقوت، وكما يقال أنّ فيه بعضاً من الجنون.

·                 شكراً لك يا أحلى أم، إني أعدك ألاّ أكون طائشاً ولا غضوباً، فلا أتعذّب ولا أعذّب الآخرين.

 

back to Books