back to Books

من حمّام الماء إلى حمّام الدّم

 

        إنها قصّة الملك داود وبتشابع زوجة أوريّا الحثّي أحد جنوده. وقبل الدخول في التفاصيل نريد أن نعرف مَنْ هو الملك داود في نظر الله؟

        يقول المزمور حلفت لداود عبدي، وبتتُّ معه عهداً. مزمور88/4. وفي آية لاحقة يكمل: وجدت داود عبدي، وبدهن قداستي مسحته.مزمور88/21. ويعلّمنا الكتاب المقدّس بأنه ملك مختار ومحبَّب على قلب الله.

        ويا أيها القارئ العزيز، لم يكن اختيارنا لهذه القصّة إلا لأخذ الدّروس والعِبَرْ، من أجل تجنّبها في حياتنا. لكن يُستحب أن تتصفّح عدّة ورقات من سفر الملوك الثاني الفصل الحادي عشر. (العهد القديم).

        وإليك ما جرى: وكان عند المساء، أنّ داود قام عن سريره وتمشّى على السّطح، فرأى امرأة تستحمّ، وكانت جميلة جداً. فأرسل خدّامه وأحضروها إلى قصره، ثم أعادها إلى بيتها. وأخبرته لاحقاً أنّها حامل. استدعى الملك زوجها أوريّا الموجود على جبهة القتال عند الحدود مع العمّونيين أعدائه، وقَصْدُ الملك أن تضيع قصة الحَبَل، مع عودة الزوج المبكّرة إلى منزله. 2ملوك11/2-15 .

        عاد أوريّا وحصل ما لم يكن في الحسبان، وهو أنه كان قد نذر نذراً، وحَلَفَ أنّه لن يدخل بيته، ما لم يُنقل (تابوت العهد) تابوت الرب من الخيمة الموضوع فيها، إلى بيت يليق به.

        وعجز داود عن إقناعه بالعدول عن قراره، لذلك قرّر أن يتخلّص منه، فأرسل كتاباً إلى قائد الجنود يوآب الموجود على جبهة القتال، يأمره فيها أن يجهّز فِرقة، ويقتحم حصن العمّونيين وأوريّا في المقدّمة.

        وهكذا حصل، وقُتل أوريّا زوج بتشابع، وكلّ الفرقة التي كانت معه. وهذه هي باكورة الذين قُتلوا وسوف يُقتلون، بسبب شهوة الملك التي اشتهاها. لأن: دوار الشهوة يُطيش العقل. سفر الحكمة4/12. وبحسب القديس يعقوب فإنها تتدرّج في قوّتها، ولا تتوقّف إلا بسقوط صاحبها. والشهوة إذا ما حبلت تلد الخطيئة، والخطيئة تُنتج الموت. يعقوب1/15.

        غلطة الملك داود أنّه أمعن (أطال) نظره في مشهد الاستحمام، فتحرّكت شهوته، وحدث ما لم يكن متوقعاً.

لم يكن مسموحاً لداود أن يفعل ذلك، لأن الكتاب يقول: لا تلتفت إلى إغواء المرأة، لأن عاقبتها مرّة. أمثال5/2. وفي العهد الجديد قال الرب يسوع: مَنْ نظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه. متى5/28.

        وهذه الأقوال ما تزال قانوناً لكلّ رجل وشاب، كي لا تجرّهم نظراتهم إلى الخطيئة. أو بمعنى آخر، لا يحقّ لك يا هذا أن تُمعن نظرك في الجنس الآخر، وخاصةً إن كانت المرأة غير محتشمة، والأمر ينطبق على الفتيات أيضاً إن كنّ غير محتشمات.

        وبهذا يكون الله قد حصّن المرأة من تأثير الشهوة الناجمة عند الرجال عن طريق النظرات.

        والعكس أيضاً صحيح، لو أن بتشابع تفقدت مكان استحمامها، وأخذت كامل احتياطاتها، لما كان حصل ما حصل. لكنّها بعدم تحفّظها، تسبّبت لداود بهذه السقطة، والكتاب يقول: الويل لمن تأتي المعاثر عن يده.متى18/7.

        وبهذا يتوجّب على كل امرأة وفتاة، أن تحتشم وتتيقّظ، كي لا تجعل من جسدها فَخاً للجنس الآخر، ولا من تصرّفاتها مَصْيَدة لهم، وكي لا تتحمّل نتائج أفعالهم.

        وبهذا يكون الله أيضاً قد حمى الرجال من تأثير الإغراء والأغواء عند الجنس اللّطيف، ونجّاهم من هذه التبعات.

        وتكمّل القصّة وتقول: إن بتشابع سمعت بموت زوجها، فناحت، وبكت عليه، ولما أتمّت ايّام حزنها، استدعاها الملك داود وضمّها إلى نسائه، وولدت له ابناً.

        لكن ما فعله داود قد ساء في عيني الرب. ملوك الثاني11/27. وأرسل إليه النبي ناتان ليقول له: أيّها الملك كان في مملكتك رجلان أحدهما غني عنده الكثير من البقر والغنم، والرجل الآخر فقير ليس له سوى نعجة واحدة، فنزل بالغني ضيف، فما كا منه إلا أن استولى على نعجة الفقير وذبحها لضيفه.

        غضب الملك داود وحلف قائلاً: حيّ الرب إلهي إنّ الرجل الذي صنع هذه الفاحشة، يستوجب الموت. ملوك الثاني12/1-5.

        وعلى الغني أن يردّ عوض النّعجة أربعاً. فكانت كلمة الله بفم النبي ناتان إذ قال: أنت هو الرجل الذي فعل ذلك، قد قتلت أوريّا بالسيف، وأخذت زوجته، والآن لا يفارق السيف بيتك لأنّك احتقرتني، وإني مُثير عليك الشرّ من داخل بيتك. ملوك الثاني 12/10. والابن الذي يولد لك يموت.

        وبالفعل مرض المولود من بتشابع وكان داود متعلقاً به، لكنه مات.

        أخي، مهمٌ جداً أن نتعلّم ونتّعظ من قول الله على لسان النبي ناتان. لأنّك زنيت وقتلتَ، فإن السيف لن يفارق بيتك، وعليك أن تردّ أربعة بدل الواحدة، وهذا ما حصل، لقد مات الطفل وقُتل لداود ثلاثة أُخر من أولاده وتكون الحصيلة أربعة أولاد بدل أوريّا.

        وكثر الشر في بيت داود وطال الجميع، الملك نفسه، وأولاده وجنوده وأهل مملكته. وكان أن أمنون ابن الملك داود، قد أحبّ تامار أخت أبشالوم أخيه من أمٍ ثانية. ولأنه فعل معها القبيح، أن أبشالوم حقد على أخيه أمنون، ودعاه فيما بعد إلى إحدى الولائم وقتله ثم هرب، لأنه خاف من بطش أبيه داود.

        وبعد أن تصالح مع أبيه الملك، فكّر أبشالوم بالاستيلاء على المُلك، وأخذ يخطّط لهذا الأمر ويتحبّب (يتودّد) بالشعب، واستطاع أن يتسميل قلوبهم.

        وكان شعب المملكة ينحاز إلى أبشالوم يوماً بعد يوم إلى أن تعاظم العدد. ولما أصبح أبشالوم صاحب نفوذ قوي، سار ومَنْ معه إلى قصر أبيه الملك داود.

        هرب الملك وحاشيته مسرعاً. وصَعِدَ جبل الزيتون باكياً، ورأسه مُغطّى وهو يمشي حافي القدمين، وكلّ الشّعب الذين معه. ملوك الثاني15/30.

        وكان لا بدّ من المواجهة بين الاثنين، إلى أن دار القتال في غابة أفرائيم. انكسر فيها أنصار أبشالوم، وقُتِلَ فيها هذا الأخير، وانتهت المعركة لصالح الملك داود. ويقول الكتاب إنها كانت معركة عظيمة، قتل فيها حوالي عشرين ألفاً، كما أنه هلك في الغابة من الشعب بسبب الوحوش وغيرها أكثر مما سقط بحدّ السيف. ملوك الثاني18/7.

        وحدث بعدها في المملكة جوع لمدّة ثلاث سنين فالتمس داود وجه الرب. ملوك الثاني21/1.

        وأحسّ داود بثقل خطيئته وفظاعتها، فصرخ قائلاً: إرحمني يا الله بحسب رحمتك.. فأني عارف بمعاصيّ وخطيئتي أمامي في كل حين، من الدماء أنقذني يا الله... وكانت ندامته هذه، هي المزمور الخمسون رمزاً لكلّ تائب. وبكى داود وتذلّل أما الرب فغَفَر له.

        ويا أخي الحبيب، ماذا لو أن بتشابع أحكمت إغلاق غرفتها، أما كانت وفّرت على نفسها، خسارة زوجها، وطفلها من داود وحزنها، وما أصابها من مصائب وأتعاب؟

        لأنه بسببها دخلت الشهوة قلب داود وأوصلته إلى هذه الحالة. فالشهوة: تنسلّ إلى داخل النفس خِلسةً، وتتغلغلْ إلى أعماق القلب، فيظلمُ العقل، ولا يعود واحدنا يفكّر بالله، ولا بكرامته، أو بشرفه، أو بمنصبه، ولا بمَنْ هم حوله، ولا بعذاب الجحيم، فيتهاون مع شهوته إلى أن يخضع لها بِكامله ويعمل الخطيئة.

        وأيضاً أما كان على الملك داود ان يُشيح بنظره (يُبعد نَظَره) عن مشهد المرأة؟ ولو أنه فعل، لكان وفّر على نفسه وعلى الكثيرين مِمّن سقطوا ضحية غلطته، ولما كان السيف لعب في بيته وفي مملكته، ولما حصلت تلك الويلات والشّرورـ التي كانت أكثر من حمّام دم.

        سؤال: هل للملك داود الحقّ في أن يتّهم الله بأنه أرسل عليه السيف والشرور؟ نقول معاذ الله، إن الله صالح ورحمته إلى الأبد، لقد أحبّ الله داود ورَحِمه وغفر له، لكن داود هو مَنْ خزل الله وازدراه (ملوك الثاني12/10). ونقول أنّ (داود حصد ما قد زرع) غلاطية6/7. وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم. متى7/2.

        لقد زنى داود وقَتَلَ، وبسببه قُتِلَ الكثيرون، كان الثمن باهظاَ، وفي ردّه على النبي ناتان قال: على الغني أن يردّ عوض النّعجة أربعاً، جزاء أنه فعل هذا الأمر ولم يُشفق. الملوك الثاني12/6. فكان أنه هو الذي خسر أربعةً من أولاده، وهُم: طفله الصغير من بتشابع، أمنون، أبشالوم ومن ثم أدونيا الذي قتله الملك سليمان.

        فيا أيّها الأحبّاء إذا ما فَحَصَ واحدنا ضميره (رجل كان أم امرأة) ألا يكتشف انه اشتهى الموت لكثيرين من الذين يقفون في طريقه، إن كان بسبب شهوة السُّلطة، أو بسبب المال، أو الغيرة، وغيرها من الأمور، بقصد إخلاء الساحة لنفسه؟ والاستئثار بالأمور على ذوقه؟

        ألا يعترف كلٌ منا بأنّه اشتهى وأراد فعل الزنى، رغم عدم تمكّنه من تحقيق رغباته؟

        أخي ألا تُقِرّ معي أنّ داخل كل واحدٍ منا (داود) يشتهي الزّنى أو القتل؟ من حين إلى آخر.

        فلنرجع إلى قول الانجيل: أسلكوا حسب روح الله القدوس، ولا تقضوا شهوات الجسد. غلاطية5/16.

        وبهذا يمكننا أن نتخلّص من تبعات الشهوة وشرورها.

 

ملاحظة: بعض الترجمات تعتمد صموئيل الثاني بدل ملوك الثاني

                                                                      

الخوري منير حاكمه

القبيات، تشرين الثاني 2010

 

back to Books