back to Books

 

لو تعلم ما أنت فاعله

 

ألفَي سنة والمسيحيّة تجهد وبكلّ ما أوتيت من نِعَمْ وبركات، لتُرسي أساسات المحبّة، محبّة مقدّسة بين النفوس، وهي تبشّر بالمحبّة على أنها الرّباط المقدّس، الذي سيجمع أبناء الله إلى واحد. "وهي محبة من عند الله، لأن الله محبة" (1يوحنا4/7)


إنها محبة مُميّزة، لأنه على المؤمن أن يحبّ دون مُقابل، وأن يتخطى جميع مشاعره، ليحب أعداءَه، وأن يخدمهم إذا لزم الأمر.


وهكذا يرتفع شأن ملكوت الله، وتتدعّم أساساته بالمحبة، وينمو الشعب ويتقدّس ويتبارك.

 

لكنّ بامكان أي كان، أن يهدم ما بَنَتْهُ المحبة، من خلال تصرّفاته الخاطئة، فأنت بغَضَبكَ وبُغْضِكَ قادر أن تقضي على المحبة التي تجمع بينك وبين غيرك، وأنت بطَمْعكَ وبُخلكَ قادر أن تفرّق بينك وبين أخيك أو جارك أو صديقك. وهكذا فإن الأمور تأت بنتائج عكسيّة إذا ما خلت من المحبة، وإذا ما تحوّلت، إلى خصام وانقسام، إلى صراخ وسباب، وإلى حقد ومرارة واحتقار وانتقام... وغيره.

 

وهكذا نجد أن هذه التصرّفات الشريرة، قادرة أن تهدم كل ما بنته الكنيسة عبر العصور، لتعطّل عمل الرب بين شعبه، ولتهدم ملكوت المحبة، ليحلّ محلّه، ملكوت الخصام والبغض، (ملكوت الشرير).

 

فإن كنت لا تجمع النفوس بالمحبة والرحمة والقداسة، إلى ملكوت الله، فأنت حتماً تفرّق. (وكل من لا يبني ويعمل من أجل الملكوت، فهو يهدم) فأنت بتصرّفاتك قادر أن تبني النفوس، وأيضاً أنت قادر أن تهدم ما بنته المحبة، وما أكثر الذين يهدمون. والمحبة كما يريدها الله، قد تكلّم عنها القديس بولس في (1كور13/4) والكلام سامٍ أقرب إلى الألوهة.


قال: المحبة تتأنّى وترفق، المحبة لا تحسد، المحبة لا تتباهى، ولا تنتفخ ولا تأتي بقباحة، ولا تحتدّ ولا تظن السوء، المحبة تترجّى كلّ شيء وتصبر على كلّ شيء.


والإنسان الذي يتوصّل إلى تحقيق هذه المحبة، يكون قد حقّق صورة الله في حياته، ويُصبح ذلك (الإنسان المؤلّه). وما هذه المحبة سوى ثمرة من ثمار الروح القدس، الذي قبلناه مع العماد، وهو يعمل في تقديسنا وإرشاد خطواتنا.


وتَعْظَمُ محبتنا إن كانت على طريقة الرب يسوع، أي كما هو أحبنا، "أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم". ولخّص يسوع كل الوصايا بوصيّتين: (محبة الله – ومحبة القريب) وصيتان لا تنفصلان، إن سقطت الواحدة، سقطت معها الثانية.


لأنه لا يمكنك أن تحب الله الذي لا تراه، وأنت لا تحب أخاك الذي تراه، كما أنه لا يمكنك أن تحب قريبك كنفسك، إن لم تكن محبة الله فيك. ولهذا شدّد يسوع بقوله (متى5/23) "إذهب وصالح أخاك أولاًً، ثم عد وقدّم قربانك" ويؤكد ذلك أيضاً في (مرقس12/33) "إن محبة الله، ومحبة القريب من كل النفس، هما أفضل من المحرقات والذبائح" والمحبة، جعلها الرب يسوع علامة لاتباعه؛ (يوحنا13/25) "إن كنتم تحبّون بعضكم بعضاً، سيعرف الجميع أنكم تلاميذي"، والمُحِبْ يثبت في النور (ومن هو نور العالم سوى يسوع) وحضور الله في الجماعة، متوقف على التفاهم فيما بينهم. "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فأكون في وسطهم" (متى18/20)، وأخيراً يطلب منا بقوله: "إلبسوا المحبة"، أي كمال المحبة.

 

وإن كانت المحبة تعمل برّ الله ومرضاته، فان الغضب لا يُرضي الله ولا بأي شكل من الأشكال (يعقوب1/20). ولماذا الغضب بالذات؟ لأن الأشرار بتصرفاتهم السيئة، يستحقون غضب الله، وغضب القريب. وهذا الغضب يفتح الباب واسعاً، للخصومات والعداوة والانقسامات، ويكفي أنه يقتل المحبة في النفوس، أي إنه يقتل الله الذي في داخلنا، "لأن الله محبة".

 

لذلك قال الكتاب: إغضبوا ولا تخطأوا. أي ليكن غضبكم مقدساً، فيه غيرة على ملكوت الله، غضب ليس فيه خطيئة. وما عدا ذلك فهو غضب نابع من الشرير، لأنه يهدم ولا يبني، وكل ما ينتج عنه لا يمجّد الله، بحيث أن الغضب لا يستقرّ إلا في صدور الجهّال، أما الحكماء فيُحسنون التصرّف لأنهم يسلكون بمحبة.

 

وعندما تغضب تكون قد سلّمت مشاعرك للشرير، فيتصرّف على هواه، موقعاً إيّاك في الكثير من الخطايا والشرور. "فلا تترك للشرير مكانا" (أفسس 4/27).

 

إن الغضب والبغض والحسد والحقد والانتقام والطمع والبخل، والشتائم والصراخ والنميمة والاغتياب وكل تصرّف أو إهانة بحقّ القريب، أو كل انتقاص من حقوقه وكرامته، أمور لا تبني المحبة، ولا تُحافظ على العلاقات بين الإخوة والأقارب وغيرهم، أمور تهدم ملكوت الله، وتفرّق بين أبنائه، لذلك هي مكروهة عند الله، وكل مَنْ يعمل هذه الآفات لا تُقبَل له صلاة، ولا ذبائح، لأنه يُعتبر من الأشرار. "لأن ذبيحة الأشرار مكروهة عند الرب" (أمثال15/8). وكل مسبّب للغضب والبغض، هو مستقرّ في الموت، لأنه لا يعرف المحبة، أي أنه لا يعرف الله، لأن "الله محبة" (1يوحنا4/8).

 

وأيضاً يريد الرب يسوع، وقبل أي صلاة، أن نطهّر قلوبنا من كل حقد ومرارة، ومن كل غضب وبغض، من كل دينونة وحكم مسبق، وهذا تحدٍّ لكل مَنْ يريد أن يصلي. "إن قُمتُُم للصلاة فاغفروا" (مرقس11/25).


ونفس التحدّي نجده في صلاة الأبانا. "إغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر" هذه الصلاة إما أن تجعلنا صادقين إن غفرنا، إما أن تُبقينا كاذبين إن لم نََغفر.

 

وما التشديد على الغفران إلا لأنه من الأدوية النفسية الشافية بعين الرب، لذلك أمرنا بغفران مستمر. (70مرة 7 مرّات).


والله لا يريد أن نُبقي الحقد والمرارة في داخلنا، ولا بأي شكل، لأنها مشاعر تنهَشْ قلب الانسان فتغيّره وتبعده عن محبة القريب. ولهذا قال: "إطرحوا عنكم كل غضب وحسد ومرارة" (أفسس4/31).

 

وكم كنت أتعجّب لقول الرب يسوع في (متى4/21): "من قال لأخيه (عن غضب) يا أحمق، فإنه يستحق نار جهنم"، أليس في هذا الحكم إجحاف؟


لكني علمت أن الغضب يسبّب الخلافات والخصومات، والانقسامات التي تهدم ولا تبني المحبة، ولا تبني ملكوت الله. وكل من لا يبني أياً كان، فهو ليس مع الرب يسوع، بل ضدّه، والذين هم ضدّه، هم أعداؤه، فهم يهدمون بينما هو يبني، ولهذا لا يستحقّون الملكوت، لأن أعمالهم شريرة، بل يستحقّون جهنّم.

 

فبعد كل هذا لا يجب أن يستقر الشرّ في صدورنا وإلا كنّا من الجهّال.

 

لذلك نحن مُطالبين في تعاملنا، وعلاقاتنا أن نتعامل باللّطف واللين "لتكن أموركم كلها بمحبة" لأن روح الله الساكن في أخيك، قد يَحزَن، وقد لا يحتمل الإهانة والشرّ، فيخرج من قلب أخيك ليحلّ محلّه الانتقام، أي "روح الشر" الهادم للمحبة والعلاقات، فيتعطّل عمل الرب، عمل الملكوت، وتكون أنت السبب، وتكون بتصرفاتك غير المستحبّة قد فرّقت بينك وبين أخيك، وكل من يفرّق، هو حتماً ضدّ الرب يسوع، وليس معه، ومن هنا الحكم بالمحفل وبجهنّم، هو حكم غير قاسٍ، يصدر بحقّ معطّلي ملكوت الله، ملكوت المحبة.

 

الخوري منير حاكمه

القبيات، آب 2009

back to Books