back to Books

 

كونوا رحماء على مثال أبيكم السماوي واقتدوا به كأولاد أحباء

 

 

إن الرب الإله مستعد أن يعطينا كل العطايا الصالحة. يعقوب1/17، (لأن كل عطية، هي من عند أبي الأنوار)، (وأعظم عطية هي إبنه الوحيد). ألسنا أبناؤه وأحبّاؤه، وشعبه وغنم مرعاه؟

 

فلا شك أنه سيعطينا كل العطايا، وعطاياه قادرة أن تقوّي إيماننا، وتقدّس نفوسنا، وتغنينا بحسب كثرة رحمته. (إن كنتم أنتم الأشرار، تعطون العطايا الصالحة لأولادكم، فكم بالأحرى أبوكم السماوي يمنح الروح القدس لمن يسأله)، لوقا11/13 . وبحصولنا على الابن وعلى الروح القدس، نكون قد حصلنا على كل شيء، لأن عطايا الكون كله، لا توازي هذه العطيّة المقدّسة.

 

وبمجرّد قوله لنا: أعطوا، فهو يريدنا أن نكون معطائين، ويمكن القول: إن الروح القدس وحده (روح الرب) قادر أن يحنّن قلوبنا، كي نتمكّن من العطاء، ثم يشجّعنا قائلاً: (تصدّقوا بما لديكم، فيكون لكم كنز في السماء) لوقا 12/33.

 

كما أنه يريدنا ألاّ نتعلّق بالماديات، وألاّ نميل نحو الطمع، ولا إلى حبّ الذات، لأنه سيكون في آخر الأزمنة، (أناس عبيد للأثرة أي حب الذات والطّمع) يكرهون العطاء. 2تيموتاوس3/2، وضمانة لهذا التجرّد المطلوب، أعطانا وعده: (أيها القطيع الصغير، حسن لأبيكم أن يعطيكم الملكوت) لوقا12/32.

 

وكم يريد الله أن نقتدي به، وأن نكون على صورته في عمل الخير والرحمة والعطاء. وفي الوقت ذاته يذكّرنا، ويشجّعنا على هذا الأمر، وكلامه موجّه إلى كل واحد منا: (لقد أُعطيتم مفتاح أسرار ملكوت السماء) مرقس4/11.

 

ومن جملة هذه الأسرار، (سر العطاء وثماره) وكأنه يقول: هيا، قدّموا عطاياكم، واستفيدوا من مواعيدي التي وعدتكم بها.

 

لقد ربط الله الصدقة بالإيمان، وفي غياب هذا الإيمان، تقتصر العطايا والصدقات على المصلحة المتبادلة فقط، لا على الرحمة.

 

وقد خصّ الله فضيلتَي العطاء والصدقة، بكثير من الآيات في العهدين القديم والجديد. آيات تتكلّم بكل وضوح عن مواعيده، التي من خلالها يريد أن يدفّق علينا من كنوزه وخيراته، شرط ان نكون قد وصلنا إلى مرحلة النضوج، لنكون أهلاً للتصرّف بهذه الخيرات، عندها يمكننا أن نطبّق كلام الإنجيل في لوقا3/11: (مَنْ له ثوبان فليعطِ من ليس له، ومن له الطعام فليعطِ أيضاً)، ولهذا رفع الله شأن العطاء حيث قال: (إن العطاء أكثر غبطة من الأخذ) أعمال20/35.

 

وإنه يُلفت إنتباهنا، إلى أن عطاءنا، لا يذهب هدراً، لأننا نكون قد أقرضنا الله، بدل الفقير. أمثال19/17

 

ويذهب الله إلى أبعد من ذلك، لأننا بالعطاء ننال غفران خطايانا. أمثال15/27 (بالصدقات والإيمان تكفّر الخطايا) وبالعطاء أيضاً ننجو من غدرات الزمان، والأيام السوداء، أي من الجوع والفاقة. (من أعطى المعوز لا يدركه الفقر) أمثال28/27، والعطاء من صفات الصديقين والأبرار، (الصديق يرأف ويقرض، وذريّته مباركة) مزمور36/26.

 

وفوق ذلك فإن الصدقات تقاتل الأعداء وتبعدهم عنك، سيراخ29/18.

 

وهي أيضاً عطر طيّب يستنشقه الله،غلاطية4/18، وذبيحة حمد مقبولة لديه، كما أن العطايا تجعل كل شيء لنا طاهراً لوقا11/41

 

ولا يخلو الكتاب المقدس من التشجيع والحث على العطاء، في العديد من آياته.

 

لكن الشرير عدوّنا اللدود، لا يريدنا أن نتبارك بالعطاء، ولا أن نطيع الله، بل يحرّضنا من خلال الطمع والبخل والإشفاق على الذات، كي نتمرّد على الله ونمتنع عن إعطاء الصدقات، ليوقعنا في الدينونة، كما حدث في مَثَل الذي أغلت أرضه غلالاً كثيرة، فهدم القديم، وبنى مخازن أكبر وقال: (كلي يا نفسي وتلذّذي) فسمع كلاماً صعباً: (يا جاهل الليلة تُطلب نفسك، وهذا الذي جمعته لمن يكون؟) ولماذا دُعِيَ – جاهل-؟

دُعيَ بالجاهل لأنه حَصَرَ غلّة الأرض كلّها بنفسه، غلّة تكفيه كما قال: خيرات لسنين عديدة، فحَرَمَ بذلك المعوزين من خيرات الأرض، مُتجاهلاً، أو بالأحرى مُتعامياً عمَّن هم بحاجة إلى اللقمة.

 

وهكذا فإنه قد خسر رحمة الله، لأنه لم يعرف الرحمة. واستحق الدينونة سريعاً، وعجّل بأجَلِهِ (أي بساعة موته)، الليلة تٌطلب نفسك منك. كل ذلك لأنه لم يتّكل على الله، ولم يسمع له، بل مال إلى الماديات والدنيويات.

إن إرادة الله أن نساعد بعضنا بعضاً، لنسدّ حاجات الفقراء والمعوزين، وليسود العدل، وتقوى المحبّة، وليتمجّد الله من خلالنا.

 

ولقد قال أعطوا أنتم أولاً، ثم أنا أعطيكم فيما بعد. وبهذا يكون الله قد ترك لنا المبادرة، لتُعرف طاعتنا، ولتظهر رغبتنا في استقبال عطاياه، التي لا يريد أن يقدّمها بشكل عشوائي. ونَهْجُ الله واضح، والآيات تتكرّر على ذات المثال: (اعطوا تُعطوا) (أطلبوا تجدوا) (إقرعوا يفتح لكم) (سامحوا أسمامحكم) (تعالوا إليّ فاريحكم).

 

إنه يريد منا عطاءً مستنداً إلى الإيمان، مثل إيمان الزارع الذي يبذر الحبّ، على أن يحصد فيما بعد، ومثل التاجر الذي يشتري أولاً، ثم يبيع مع ربح وما بين الزرع والحصاد، يمتحن الله إيماننا ويجرّبنا ليعرف مقدار محبتنا وطاعتنا له.

 

وكم يحب الله المعطي الفرحان (المتهلل)، فهذا أجره عظيم، ويختلف كل الإختلاف عن الذي يعطي غصباً عنه، (عن إكراه) لأن العطاء يجب أن ينبع من الداخل. (كما نوى كل واحد في قلبه) 2كورنتس9/6.

 

وما يهم الله، هي الثمار التي نجنيها من العطايا والصدقات، إنها ثمار روحية متعددة، ولكي تتوفّر لنا الأموال اللازمة، من المستحب أن نمارس الفقر الروحي، أي أن نقتصد بمصروفنا لنوفر المزيد- وذلك لنتمكن من قيادة أكبر عدد من النفوس إلى الله بهذا المال المتوفّر، ولأجل أن يكون لنا إخوة وأصدقاء كُثُر للملكوت، وهذا حسب إنجيل لوقا16/9. (إصطنعوا لكم أصدقاء بالمال الظلم، حتى يقبلوكم في المظال الأبديّة).

 

 فالصدقات هي رحمة للفقير، وبركة للمعطي، وتمجيداً لله الآب، وهي أعظم وسيلة لنشر العدل والمساواة والمحبّة بين الإخوة أبناء شعب الله، وباقي الشعوب، وفي إرجاع النفوس إلى الله، وإلى بعضهم البعض.

 

ولا بدّ لنا من التأمل في وصيّة القديس بولس بهذا الخصوص: أوصي أغنياء هذا الدهر أن لا يستكبروا، وأن لا يتوكّلوا على أموال لا ثبات لها، بل ليتوكّلوا على الله الحي، الذي يعطينا كل شيء بوفرة لنتمتع به، وليصنع الجميع الخير، وليغتنوا بالأعمال الصالحة، وليشركوا المحتاجين في خيراتهم، كي يفوزوا بالحياة الأبدية. 1تيموتاوس6/17

 

وأخيراً في شرح الآية 11/41 في لوقا. تصدّقوا بما في وسعكم، وكل شيء يكون لكم طاهراً.

 

نسأل ما علاقة الصَدَقة بالطهارة؟

 

في العودة إلى العهد القديم، كان أمر الله لنا: يوم تخطأ يا إنسان موتاً تموت. لكن رحمة الله، سمحت للخاطئ بأن يكفّر عن خطيئته وهو على قيد الحياة، بأن يقدّم نعجةً للذبح (أحبار 5/6). يذبحها الكاهن ويحرقها بالنار فيتطهّر صاحبها. وهكذا يموت الحيوان بدل الإنسان.

 

ثم شاء الرب أن تُعطى ثمن هذه الذبائح للفقراء، بدل أن تُحرق، هي ذبائح تحوّلت إلى صدقات، يقدّمها الانسان من تعبه، وعرقه، ودمه، ليكون له كل شيء طاهراً أمام الله، على أن تُرافق هذه التقدمات توبة صادقة، وعطاء نابع من القلب.

       

الخوري منير حاكمه

القبيات، تشرين الاول 2009

back to Books