back to Books

 

)خوش بوش)

 

        يعيش البعض في هذه الأيام، حياتهم مع الله (خوش بوش) أي أنهم رفعوا الكلفة بينه وبينهم، وكأنّ لهم دالّة على هذا الإله الذي يعبدونه، والذين يعتبرونه واحداً من الأصحاب أو (الشلّة)، فيسمحون لأنفسهم أن يتصرّفوا كما يحلو لهم وبكلّ حريّة.

        يتساءلون ألا يحقّ لنا التصرّف هكذا؟ ونحن الذين نقدّم الخدمات والتضحيات على الصعيدين الروحي والزمني، من أجل هذا الإله.

قائلين: أنا أخدم في وقف الكنيسة، وانا في الجوقة، وأنا في الأخويّة، وأنا مع الأولاد، أما انا فأهتم بنظافة الكنيسة وزينتها، وأنا أفتح صندوق النذور، وأنا وأنا..

والبعض الآخر يقول: أنا أعطي الفقراء، أنا أجمع المساعدات للمعوزين، أنا أزور المرضى، أنا قدمت للكنيسة شخصاً كبيراً لمريم العذراء، أنا في المجلس الرعوي، أنا أغسل أغطية المذبح  وبدلة الكاهن، أنا أصلّي كل يوم ثلاث مرّات أبانا وثلاث مرات السلام، أنا أركع أمام صورة يسوع، انا عملت مزاراً لمار شربل، وأنا وأنا...

وبحجّة هذه الأعمال والخدمات، يريدون التصرّف (خوش بوش) وبكل داليّة، ظانين أنّهم قد اشتروا سكوت هذا الإله، وضمنوا رضاه. فسمحوا لأنفسهم بالخروج عن المألوف، ولوكان فيه كسراً لبعض الوصايا. كيف لا وعندهم إلهٌ طيّوب لا يدقّق في تصرفاتهم، ولا ينظر إلى أغلاطهم.

من جهة أنّ إلهنا طيّوب، فهو أكثر من طيّوب بكثير، (أنظروا ما أطيب الرب) مزمور33/9 إنه طيّب مع محبّيه وخائفي وصاياه، لكنّه عادل وصارم مع الأشرار والذين يعصون كلمته.

أما البعض من هؤلاء الذين لهم دالّة على إلههم، يختلقون الأعذار ليبرّروا أعمالهم ونواقصهم، أمثال الذين يحتجّون بدوام عملهم فيتركون العبادة وممارسة الأسرار، أو الذين يحتجّون بغضبهم قائلين: أنا مسيحي لكنّي (نرفوز) فلا تتركوا أحداً يُزعجني كي لا تسمعوا ما لا يحلو لكم، وتروا ما لا يسرّكم.

فيا أخي: أياً كان موقعك، مكرساً أم علمانياً، كبيراً أم صغيراً، ومهما كَثُرت تقدماتك وتعدّدت خدماتك، فأنت غير مَعْفيّ من تقديم المحبّة والإكرام، والطّاعة لإلهك الذي تعبده. فعليك أن تزيد الخدمات، وتتمسّك بالعبادات في الوقت ذاته، وليس لك أي دالّة، إلا بتقواك وقداستك ومحبّتك، أما الاتّكال فلا يكون على الأعمال التي تعملها، إنما الاتّكال يكون على الله ومحبّته والإيمان به، لأن: (من اتّكل على نفسه بدون الله هو جاهل). أمثال28/26


 
ويقول المزمور45/11: (كُفّوا واعلموا إني أنا الرب). أي إهدأ يا هذا (روق) ولا تحسب أنّك ملكت الدنيا ببعض أعمال عَمِلْتَها. إهدأ فأنت تتعامل مع إله قدير، له السماء والأرض. أليس هو مَنْ (زجر البحر فهدأ، والرّياح فسكنت) لوقا 8/24 . فلا تتصرّف بدون مهابة وإلا فإنك تقلّل من شأن هذا الإله العظيم، واعلم: (أن الله لا يُستهزأ به) غلاطية 6 /7.

وأنتَ مَنْ أنتَ؟ هل أنت أعظم من موسى كليم الله ونبيّه العظيم، قائد شعبه المختار؟ موسى الذي صرّح بذاته قائلاً: (إني خائف إني مرتعد) عبرانيين 12/21. قالها موسى عند أسفل جبل سيناء وهو يلاقي الرب، (والجبل كلّه مدخّن لأن الرب هبط عليه). وأيضاً فإن موسى ذاته عندما ناداه الله من العلّيقة الملتهبة: فإنه خاف ولم يجرؤ أن ينظر إلى الله. (ستر موسى وجهه، إذ خاف أن ينظر إل الله ) سفر الخروج 3/6 .

فكيف تجرؤ أن تستخفّ بإلهك، وأن تعمل ما لا يرضيه؟ وإن فعلتَ، فأنتَ مِمّنْ يحتقرون السيادة. 2بطرس2/10.

وهل تعلم أن تلاميذ يسوع في التجلّي سقطوا على وجوههم، لدى سماعهم صوت الله. متى17/6. وهل تعلم أن الملائكة لا تجرؤ أن تنظر إلى الله. السرافون (هم ملائكة) يسترون عيونهم وأيديهم وأرجلهم ولا ينظرون إلى الرب الإله. أشعيا6/2.

وفي صلاة فرض الكاهن نقرأ: (يخاف الملائكة رمي الألوهة باللّحظ رميا) أي إنّهم يخافون النظر إلى الله ولو للحظة واحدة.

وإذا ما تناولنا هيكل الله الكنيسة، في هذه الأيّام كيف يتصرّف الكثيرون فيها. نجد أن اللامبالاة هي سيّدة الموقف، وأن الاستخفاف يتزايد باستمرار.

إن كان من جهة الأزياء والاحتشام، أو من جهة الأحاديث والتعليقات ورصد الموديلات، ناهيك عن الطيش والتشتّت وباقي الحركات.

يشاركون الذبيحة من قبيل العادة أو على سبيل الواجب، وهكذا يبقى الخاطئ على حاله، ومن كان سارقاً يستمرّ في سرقته والزاني في زناه والحاقد في حقده... شأنه شأن مَنْ يدخل المطعم وقت الطّعام، ويخرج منه جائعاً.

والسؤال : هل غيّرتك الذبيحة التي شاركتَ فيها؟ أما كان من المفروض أن تقدّم توبتك، وتكمّلها باعترافك، وتأخذ مقصدك بعدم الرجوع إلى الخطيئة، فتتقدّس؟ لأننا نسمّي الذبيحة (القدّاس). ومن ثم تقترب من مناولة القربان وأنت في حال النّقاوة الداخليّة، فتكون الكنيسة هي مكان قداستك. وإلا ما الفائدة من تناولك القربان المقدّس وأنتَ في حال الخطيئة؟ أما تعلم أنَّ ذبيحة المنافقين هي رجسٌ عند الرب. أمثال15/8.

وأيضاً ألا تعلم ما قاله القدّيس بولس في هذا الأمر؟ 1كورنتس11/28 (فليختبر الانسان نفسه) أي ليفحص كل واحد ضميره. (لأن من يتناول بدون استحقاق، إنما يأخذ دينونة لنفسه) لأنه لم يميّز جسد الرب من الخبز العادي.

واعلم يا أخي أن في القدّاس مجال لتوبتك الكاملة، وفرصة للحصول على نوعين من الغذاء الروحي، أولاً: (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله) لذلك فإن الرسالة والإنجيل والوعظ يشكّلون غذاءك الفكري – ثم في المناولة (خذوا كلوا هذا هو جسدي) فيكون جسد الرب غذاؤك الروحي لمغفرة الخطايا وللحياة الأبديّة. ويعطيك الرب يسوع جسدَه دواءً لعدم الموت وعربوناً للحياة الأبديّة.

والآن : أما زلت مصمماً على عدم المشاركة في ذبيحة الرب يسوع؟ أي أما زلت مصمماً على حرمان ذاتك غذاءَك الرّوحي؟ لأنّك بعدم تناولك القربان، أنت تمنع نفسك من حياتها الأبديّة (مَنْ أكَلَ جسدي له حياة أبديّة، ومَنْ لا يأكل جسدي لا حياة أبديّة له). وإن تناولتَ، فتناول باستحقاق، وأكرّر باستحقاق، لأنّك أيضاً بتناولك وأنت غير مستحق تكون قد (أخذت دينونة لنفسك)، ولعبت لعبة الموت مع هذا الإله الذي لم تحترمه. 1كورنتس11/28. وإنّك بتناولك جسد المسيح ودمه، فأنت تتّحد بالله لتنال الحياة الأبديّة. فكيف لك أن تتّحد بإله طاهر وأنت نجس؟

لكن بالتوبة الصادقة والاعتراف عند الكاهن، (حسب إرادة يسوع) حيث قال لتلاميذه (خذوا الروح القدس واغفروا الخطايا باسمي. يوحنا20/23 وبأخذ المقصد (الوعد) بعدم الرجوع إلى الخطيئة، وبالعمل على سماع كلمة الله، تكون قد أتممت استعدادك وصرت مستحقاً.

وربّ قائل: ماذا لو عدت إلى الخطيئة ذاتها؟ يكفي أن يكون اتّجاه قلبك صادقاً، وليس لك أن تحكم على المستقبل، بل عليك أن تترك نعمة ربّنا تعمل في حياتك.

واعلم يا أخي انّه سابقاً كان للكنيسة مسؤول يُدعى البوّاب. يُغلِق الأبواب مع بدء ذبيحة القدّاس ولا يفتحها إلا عند الانتهاء، فماذا لو رجعنا إلى هذه العادة؟ ألا يبقى معظم الوافدين خارجاً، ألا يتململ بعض الموجودين من الانتظار؟

لأن الوصول والخروج إلى القدّاس في هذه الأيّام هو أكثر من (خوش بوش) فإنّك تجد أحياناً مِنَ الذين يُنهون قدّاسهم بعد الكلام الجوهري، وهم يلتقون بمَنْ يَصِلون قُبيل أخذ البركة بقليل. ناهيك عن الذين هم خارجاً عن السَّمَع والانتباه أثناء القدّاس، فلو أمكنك إحصاؤهم لأذهَلَكَ عددهم، أو الذين يبقون خارج الكنيسة يُدخّنون ويضجّون.

فيا أخي: أرجوك ألا تتمادى باستخفافك، لأن الله قال: (إعملوا لخلاصكم بخوف ورعدة) فيليبي2/12. وما أناتَهُ أي (صبره) إلا لتخلّص نفسك. (إنما الله يطيل أناته، كي لا يهلك أحد).  بطرس الثانية 3/9.

                                                                      

الخوري منير حاكمه

القبيات، تشرين الثاني 2010

 

back to Books