back to Books

 

كي يباركك الرب إلهك في جميع أعمال يديك

 

إن الله هو خالقنا، ومدبرنا، ومنظم حياتنا وكل أمورنا، بحسب غنى حكمته وعظمة مجده. لهذا نجد أنه قد اهتمّ بتنظيم أيام العمل، وأيام العطل، واهتمّ بتقسيم الغلال والأموال بيننا وبينه، واحتفظ لذاته بالبواكير وبالبكور من الناس والحيوان، وحدّد سنين للزراعة ويوبيلاً للشعب، يُعاد كل خمسين سنة.

 

وفرَضَ العشور والتقادم والذبائح، وأمور غيرها، كما حَسُن في عينيه. "لأن للرب الأرض وملؤها، والساكنون فيها" (مزمور) . وهدف شريعة العشور مقدّس بعين الرب، "لأن جميع أعشار الأرض هي قدسٌ للرب". (أحبار27/30). وأحبّ الله أن توزّع أرض الميعاد، على أبناء يعقوب، رؤساء أسباط إسرائيل (البالغ عددهم اثني عشر سبطاً)، إلى أحد عشر قسماً فقط، وأبقى سبط لاوي (خدّّام الهيكل) من دون ميراث.

 

وقال الرب لهارون الكاهن (شقيق النبي موسى، وهو من سبط لاوي)،: "لا ترث، فأنا نصيبك وميراثك، وقد جعلت لك كلّ عشر في إسرائيل"(سفر العدد18/20)، لكي يتفرّغ اللاويون لخدمة الهيكل، ولإتمام الذبائح، والقيام باهتمامات بني إسرائيل الروحية، فيما يهتم باقي الأسباط باهتمامات إخوتهم اللاويين الدنيوية.

 

فتسود المحبة بين أبناء شعب الله المختار، ويكون الاحترام المتبادل هو سيّد الموقف، ويتمجّد الله من الجميع. على أن يدفع اللاويون بدورهم عشر ما أصابهم من إخوتهم، فيكون ما يدفعونه، لسد إحتياجات الهيكل، ولإطعام الأرامل واليتامى والغرباء. "كي يباركك الرب إلهك في جميع ما تعمل من أعمال يديك- وذلك إذا دفعت عشورك" (تثنية14/29)، "ولكي تتعلّم كيف تتّقي الرب كل أيام حياتك" (تثنية14/23)".

 

وهكذا تكون العشور مصدر بركة وقداسة للذين يدفعونها، ومعها يتحقق هدف الله، بأن نساعد مدبّرينا الروحيّين خدمة الهيكل، وبأن نُداوم على عمل الخير والرحمة للفقراء، فنتبارك وننمو في المحبة والقداسة.

وعلينا تقديم العشور بأمانة وفرح قلب، من أجل أن نحافظ على بركات الله، ولنستمر في حال التقوى، والشكر وعرفان الجميل. وفي تقادمنا نكون قد قدّمنا الإكرام لله:"أكرم الرب من مالك ومن أوائل غلالك" ولا يخطر في بالنا أن نقول، إن العشور التي ندفعها هي من مالنا الخاص، لأنها قدسٌ للرب، أَمَرَنا بدفعها وأفاضها علينا زيادة على مواسمنا، وذلك من كرمه علينا.

 

"إن أعشاركم وتقادمكم، وبكور بقركم وغنمكم، هي مما بارككم فيه الرب" (تثنية12/6)، وإن امتنعنا عن تقديم العشور، نصبح سارقين في عينه.

"أيسلب البشر الله؟ إنكم سلبتموني العشور، إنها قدسٌ لي" (ملاخي3/8)، ويعود فيحاجج الشعب والرؤساء: "هاتوا جميع العشور، ليكون في بيتي طعاماً"، (أي في هيكلي طعاماً) ويجيب: "ألا أفتح لكم كوى السماء، وأفيض الخيرات؟" (ملاخي3/10). وتجاه هذا الإعلان الإلهي، ما علينا سوى دفع العشور، والتحفّظ من كل طمع، (روما11/36).

 

وبما أن العشر هو نصيب خدام الهيكل (اللاويين) ولاحتياجات إطعام الأرامل واليتامى والغرباء، فلا يجوز التلاعب بقيمة العشور ولا الاحتفاظ بها لنفسك، أو أنك ستخسر جميع ما تُعطى من بركات. ولا يُقْدِم على فعل هذه الأمور إلا الطمّاع، أو مَنْ سقط في حبائل الشرير، الذي يريد أن يمنع الجميع من نيل البركات، ومن دخول الملكوت.

 

وربّ قائل: لماذا لم يأمر يسوع في العهد الجديد، بدفع العشور؟  والجواب :

أولاًً: لقد كان الأمر في العهد القديم: "هاتوا العشور كي أفتح لكم كوى السماء وأفيض الخيرات". وفي العهد الجديد كرّر نفس الأمر ولكن دون ذكر كلمة عشور، "أعطوا، تُعطَوا في أحضانكم كيلاً ملبداً مهزوزاً "، ويلتقي معنى (أفيض الخيرات) مع معنى (كيلاً ملبداً) والكيل الملبّد أليس خيراً ؟.

وثانيا: من الطبيعي أن لا نجد كلمة عشور، لأن الرب يسوع قال: "جئت لأكمّل" (متى5/17). مما يعني أن يسوع قد أعطى شريعةً أكمَل وأشمَل. ولم يكتفِ بهذه النسبة (عشر) إنه قال: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السماء" (متى5/20)، أي إن لم تدفعوا أكثر من العهد القديم لن أكون راضياً.

وثالثاً: نجد إشارة في وصايا الكنيسة فيما بعد: "أوفِ البركة أي العشر".

 

وبالرغم من أنه لم يأمر بالعشور، أي نسبة عشرة في المئة، لكننا نجد أنه قد شجّع على دفعها في أكثر من مناسبة: لقد أمر بطرس بدفع عشور الهيكل (متى17/24)، ومدح الأرملة التي دفعت تقادمها في خزانة الهيكل (لوقا21/4)، وفي جداله مع اليهود بشأن الضرائب قال: "ردّوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" وكلمة ردّوا أي أعيدوا مال الله "الذي بارككم فيه" ردّوه إلى إخوتكم خدّام الهيكل وإلى الغرباء والفقراء. كما أنه وبّخ الذين يدفعون عشور النعنع والبقول ويتركون أهلهم (لوقا20/25)، وأعاد تصحيح معتقدهم قائلاً: "إلتزموا بوالديكم ولا تهملوا العشور" (متى15/5؛ لوقا11/42).

 

فنرى أن يسوع راضٍ في العهد الجديد عن العشور، مع أنه أراد التخلّص من حرفية بعض الشرائع ليعطيها مدلولها الروحي العميق (متى فصل5و6). وكمال العشور عند الرب يسوع هو في العطاء، عطاء الذات "ما من حب أعظم من أن يعطي الإنسان نفسه فداء عن أحبائه" ومن يتوصّل أن يعطي نفسه، كيف يمتنع عن إعطاء الماديات إلى أخيه المحتاج، (أي خيور الدنيا)؟.

 

وهكذا فهمت الكنيسة الأولى (المسيحيون الأولون) ما عناه وأراده الرب يسوع منهم، بشأن التقادم والعطايا والعشور. "فكان أنهم جعلوا كل شيء مشتركاً فيما بينهم" (أعمال2/44). "ولم يكن فيهما محتاجاً" (أعمال4/34) أي حدثت المساواة فيما بينهم. وكانوا يؤدّون بقوّة عظيمة الشهادة، ويزداد عدد المؤمنين. لقد أعطوا في هذه الحالة مئة في المئة، أي أعطوا كل ذواتهم للرب وللقريب، لقد أعطوا قلبهم مع مالهم.

 

 ذا هو كمال العشور، وكمال العطاء، وكانوا يتباركون، وكانت باقي الشعوب تنظر وتقول: كم يحبّون بعضهم بعضاً، وكانوا يتركون دياناتهم اليهودية والوثنية لينضمّوا إلى المسيحية. وهكذا يكون هدف الله قد تحقّق، ومخطّط العطاء أصبح باباً لعبور الآخرين إلى الكنيسة. ويسوع هنا لا يهتمّ بنِسَبْ وأرقام، بل يريد أن يقدّم كل واحد منا للجماعة، قدر إمكاناته، ويأخذ حسب إحتياجاته، (بروح تقوى وقناعة)، ضمن الحياة المشتركة.

 

ويمكن أن نقول أنّ غاية العشور (معيشة خدّام الهيكل والفقراء والغرباء والأرامل) قد التقت مع توجيهات الإنجيل: "كنت فقيراً فأطعمتموني، كنت غريباً فآويتموني" (متى5/35)، وفي السياق ذاته يقول القديس يعقوب: "إن الديانة الطاهرة، هي في افتقاد اليتامى والأرامل والغرباء" (يعقوب1/27). وأيضاً كلام الآباء القديسين يقول: "أعطوا الطعام لمن يموت جوعاً، وإلا تكونوا قد ساهمتم في قتله".

 

ونجد أن الغاية والوسيلة تتكرران في العهد القديم والجديد. أي إن العشور أخذت لها عدّة معاني جديدة، مثل الخدمة، العطاء، والحياة المشتركة، والاهتمام بالمعوزين وكان كل واحد يعطي حسب ما نوى في قلبه، ويسدّون إحتياجات بعضهم البعض. لكن مع تراجع الإيمان والقداسة والمحبّة، قد بدأ مشروع الله الأخوي، القاضي بسد إحتياجات بعضنا البعض بالتراجع. لأن الله يريد أن يعطي بواسطتنا المعوزين والمقهورين والبؤساء، وكان أنه بامتناعنا عن دفع العشور والتقادم، قد خسرنا بركات الله علينا، وخسر الفقراء مساندتنا لهم.

 

لا شك أن العديد من المؤمنين لهم الأيادي البيضاء في العطاء، لكننا نجد في الوقت ذاته مَن امتنع كلياً عن العطاء. ومنهم من بدّل العشور ببعض صدقات تُعطى مباشرة للفقراء، أو إلى الجمعيات الخيرية. ومنهم ما يعطي "حسنة قدّاس" للكاهن. ومنهم من تقلّصت عشورهم إلى ألف ليرة تُدفع في صينية الأحد، لو أعطيتها لولدٍ صغير لرفض أن يأخذها.

 

والمطلوب هو توحيد وتنظيم هذه العشور أو بعضها، وضبطها، وتوظيفها بكل أمانة، في سبيل النهوض بأبناء الكنيسة، ولصمودهم أمام التحديات المادية، تفاديأً للهجرة وتماشياً مع نمو عائلاتنا وزيادة عدد أفرادها.

 

 "وإن لم يزد برّكم على الكتبة والفريسيّين لن تدخلوا الملكوت".

 

الخوري منير حاكمه

القبيات، تشرين الاول 2009

back to Books