Back to Books

 


حـــشّـــور

 

Also in  PDF file

 

أيها القارئ العزيز

 

إنه مولودٌ جديد من جعبة لا تنضب. فالأب منير فتّش وفتّش، وعرف أن يسبر عقول الأولاد والأطفال. وهذا ليس غريباً عنه، فلقد كان الكشّاف والمربي والكاهن، قبل أن تُدركه حِرفة الكتابة والتأليف.

فتح الكاتب عينيه على أمورِ المجتمع المتنوِّعة، وأراد وصفها فلم يجد خيراً من الأمثال القصصيّة وسيلة.

و"حشّور" هذا، هو المثال الصارخ المضخّم لأحلام الطفولة وتصرّفاتها.

وقد يكون "حشّور" طفلاً حقيقياً وقد لا يكون، ولكنه في الحالين يقدّم لنا صورة لحياة الأطفال اليوميّة على بساطتها بالأسرار.

إن طفولتنا، طفولة الأمس، كانت أكثر إلتصاقاً بالطبيعة، بينما طفولة اليوم تضجّ بالمشاهدات والاكتشافات، "فلحام الكهرباء"، وأعياد الميلاد وهداياها، و"القجّة"، وحدائق الحيوان، و"بريز الكهرباء"، والسيّارات، والنظّارات... هي أمور جديدة، يعيشها طفل اليوم ويتصرّف تجاهها بما يزيّن له عقله أن يفعل.

والأب منير إلتقط بنظرٍ ثاقب هذه الصور، وقدّمها للقراء، قي قالبِ أمثالٍ قصصيّة قصيرة، فيها المتعة والمغزى.

وسرّ هذه الأمثلة يكمن في كونها تقلّ وتدلّ، فتبقى في الذاكرة لنتعلّم منها حكمة التصرّف. وقديماً قيل: العلم اكتساب، والحكمة استنساب.

 

فإلى المزيد من العطاء أيها الأب الفاضل، لأن النفوس عطشى والفَعَلة قليلون.

  

نعمة الله مخايل

مجاز في الأدب العربي

 

 

الفضول

 

الفضولي (الحشور)، وهو الذي يتدخّل في ما لا يعنيه، فتصيبه أمورٌ لا تُرضيه.

ولنا في كتاب "الحرب الروحية" عن الفضول، بعض الشروح.

 

عنوان المقال:

"في حراسة العقل، وصونه من الفضول المجنون، ومن كثرة المعرفة غير المفيدة"

 

والفضول (المجنون) يختلف تماماً عن الترقّي في العلوم، والتقدّم في الاكتشافات، والاختراعات.

كما أن شحن العقل بكثرة المعلومات غير اللازمة، قد يؤول إلى تشتيت الذهن، وإلى عدم القدرة على التمييز بين ما هو نافع وغير نافع.

ويتولّد أيضاً من كثرة التساؤل والإستفسار فضولٌ، أو جنوحٌ للتدخّل في خصوصيات الآخرين والوشايات، حيث تكثر في هكذا أجواء الخلافات والمشاكل.

وبهذا يكون الشرير قد ربح في حربه ضدّنا، وعمل على إلهائنا وإضاعة وقتنا وإغراقنا في مشاكل نحن بغنى عنها.

إنتهى المقال

 

وما إشباع الفضول لمعرفة كل ما يدور حولنا، سوى عادة من العادات السيئة. يمكن لها أن تغيّر مجرى حياتنا.

وما تأصّلت هكذا عادات إلا بأفعال (حشرية) متنوّعة.

جرّب، ذُق، حاول، أنظر...إلخ.

 

وأعمال (الحشرية) لا يُفترض لها أن تمرّ بسلام فقد تكون أحياناً قاتلة، أو يمكن لها أن تسبّب لأصحابها المزيد من الآلام والأحزان.

 

وهذه القصص التي سنتطرّق إليها، ليست سوى صورة مبسّطة عن (الحشرية) في مجتمعاتنا.

 

ومع التسلية والفرح الممزوج بالحزن، نكون قد ألقينا الضوء على جانب من الفضول ونتائجه، ونكون في الوقت ذاته، قد حذّرنا القارئ من مساوئه.

 

الكـاتب

الأب منير حاكمة


 حشور وعلب الهدايا

 

 

يريد أن يعرف كل شيء، ويتدخّل في كل شيء، يحبّ أن يجرّب كل شيء، ولا يهتمّ لشيء.

يفتح الخزانة والأدراج، يتلهى بالبرّاد والثلاجة، يستعمل الراديو والتلفزيون، يفلت الشاكوش ويلتقط السكين، يزيح المقعد ويلبط الكرسي، يمسك بهذا الشيء ويترك الآخر، وهكذا دواليك داخل البيت وخارجه، ورغم كل التنبيهات والتحذيرات، فهو مستمر في حشريته، (وولدناته).

إنه مولع بفتح علب الهدايا، منها الهدايا المهداة لأهله، ومنها التي سيهدونها هم بدورهم.

 

وكم من مرة إذا تأخّر الأهل بحمل الهدية، يجدون ولدهم وهو يكشف عما تحويه، فيضطرون لتغليفها من جديد.

وبعد أن استنفد الوالدان الطرق كلها. إتفقا على أن يُحضرا علبةً مغلّفةً ومزيّنةً، ويضعاها على طاولة الصالون.

وما إن خرج الوالدان من البيت حتى دخل حشور إلى الصالون مسرعاً، ليفتح العلبة ويعرف ما في داخلها.

أخذ يفتح العلبة بهدوء، ثم نظر إلى داخلها فلم يجد شيئاً، نظر إليها جيداً، ثم قلبها فوجد ورقةً مكتوباً عليها: إلى ولدي الحبيب، كم تمنّيت لو تغيّر عادتك السيّئة هذه، لكنك تستحق هذا اللقب:

فاسلم لي يا أكبر (حشور)


 

حشور رقم 22

 

ذات يوم، مرّ حشور قرب مستشفى الأمراض العقلية، فسمع من وراء السّور العالي، أصواتاً تتردّد، لم يتمكن من تحديد معناها، ولا من فهم كلماتها.

 

وكان كلّما اقترب من (التصوينة)، كانت هذه الأصوات تتّضح أكثر فأكثر. وعرف أن وراء السور مجموعة من الرجال تُردّد باستمرار: واحد وعشرون، واحد وعشرون.

 

راح يتساءل متعجباً! لماذا هذا الرقم بالذات؟ ولماذا تكراره؟

 

وفيما هو يتطلّع، لاحظ وسط حائط التصوينة قسطَل ماءٍ فارغاً، فدفعته حشريته كي ينظر خلاله علّه يرى ما يجري وراء السور.

 

وما إن وضع عينه على القسطل ليتحقّق من الأمر، حتى سمع نفخةً قويةً من الداخل وبعض الرماد يملأ عينه. إرتدّ بسرعة وأخذ يفركها بيده، وينظفها متألماً مما دخل فيها من رماد.

 

كلّ ذلك كان على وقع ضحكاتٍ عاليةٍ كانت تطنّ في أذنيه، وأصواتٍ تتكرّر كالسابق، ولكن هذه المرة برقمٍ زيادة قائلين: إثنان وعشرون، إثنان وعشرون... .


 

حشّور (مورَّم)

 

 

إنها العطلة الصيفية، وبمناسبة عيد ميلاد أحد الأصدقا، كان حشّور من بين المدعوين إلى هذه المناسبة.
إن حشوراً من سكان المدينة، لكن قرية صديقه قريبة، فأوصله والده صباحاً مع هدية صغيرة، متمنياً له وقتاً ممتعاً، على أن يعود الوالد ظهراً ويصطحبه.
بيت رفيقه بيت جميل يقع على منحدر في طرف القرية، تحيط به الأشجار المثمرة، والأزهار الفوّاحة. وعلى جانبي المدخل بساط أخضر ساحر. وفيما كان صاحبنا يَعبُر المدخل الطويل، لاحظ وجود صناديق بيضاء في زاوية الحديقة، بعيدة عن بعضها. فأخذ يتساءل: لماذا هذه الصناديق؟ ولماذا وُضعت بهذا الشكل؟ لماذا لم يضعها صاحبها فوق بعضها في القبو مثلاً؟
وبعدما دخل حشور وسلّم على الجميع، وقدّم الهدية، بقي يفكّر، ما عسى تكون هذه الصناديق؟
ثم شارك مع الجميع في قصّ قالب الحلوى، والتهاني بالعيد، وملأ صحنه من أنواع الضيافة، فأكلها على عجل، وانسحب رويداً باتجاه طرف الحديقة.
نظر إلى الصناديق عن قرب، راقبها فرأى فيها ذُبابات كبيرة، في خروج ودخول مستمرّين. إنها أول مرّة يشاهد فيها هكذا صناديق.
فتّش حشور عن قضيب طويل، وراح يُدخله ويُخرجه في الصندوق، المرّة تلوَ الأخرى.
وما إن طال الأمر حتى سمع طنيناً قرب أذنه، ثم شعر بشيء يؤلمه في رقبته وبعدها في وجهه وجبينه. ضرب بكفّه وضرب بكلتا يديه علّه يُبعد هذه الذبابات عنه، لكن اللّسعات كانت تتزايد، عندها استدار وأعطى العنان لساقيه، والنحل يتبعه ويلسعه.
شاهده والد رفيقه، فأسرع وأدخله غرفةً جانبيةً، ومسح له مكان اللّسعات بدواء احتفظ به لهذه الغاية.
وبعد انتهاء حفلة التمريض، أطلّ حشور على رفاقه إطلالة متغايرة، حتى أن أحداً لم يكن ليستطيع أن يعرفه لولا ثيابه.
وعاد الوالد ليسأل عن إبنه، لم يعرفه أولاً، لكنه صُعِقَ من منظره، فحمله وأسرع به إلى المستشفى حيث تمّت معالجته بالأدوية اللازمة، ثم طمأن الطبيب والده بزوال الورم تدريجياً، ونظر إلى حشور ليقول له: كلما أردت أن تكتسب شكلاً جديداً لوجهك، ومجاناً، فافعل هكذا.


حشّور (بطنو كبير)

 

رغم تنبيهات والدته، ورغم تحذيراتها، لم يكن حشور ليسمع الكلمة، ولا ليسلك كما يجب.

إنه يدور في غرفة الطعام، يبحث في البراد، يفتّش عن الأطايب، لا يخفاه شيء، يأكل حصّته وحصة غيره.

وذات يوم، حضَّرت الوالدة قالباً من الحلوى وأعطت إبنها حشوراً قطعة كبيرة وقالت له:

يا بني لا تأكل صحن أخيك فإنه سيفرح به متى عاد من المدرسة، ولا يجوز أن تبقى على حشريتك هذه وأنانيتك، لأنك سوف تصادف الكثير من المشاكل والمتاعب، وستخلق لك المزيد من الأعداء، فضلاً عن ذلك فإنك ستخسر محبّة أخيك، واحترام الآخرين.

 

فما كان منه إلا أن وعدها بأن يكون عند حسن ظنّها.

 

تأملت خيراً، لكن قلبها لم يكن مطمئناً بما فيه الكفاية. فعمدت إلى وضع بعض الفلفل الحرّ في قطعة الحلوى المتبقية، ووضعتها في البرّاد، ثم التفتت إلى ابنها قائلة: أنا ذاهبة إلى بيت الجيران ولن أتأخر كثيراً، فلا تتصرف عكس ما أوصيتك به.

أجابها: سمعاً وطاعةً.

 

ولم تمر لحظات على ذهابها، حتى سمعته يولول ويصرخ، فركضت مسرعة لتجده دامع العينين أحمر الوجنتين يقفز في مكانه بكلتا الرجلين، يفرك لسانه بكّم قميصه، يصرخ ثم ينفخ علّه يرتاح، ولكن دون جدوى. إلى أن أعطته أمه كأسَ ماء بارد ودهنت لسانه ببعض الزيت، فبدأ يهدأ قليلاً.

 

وبعد أن زال أثر الحرّ، بقي حشور صامتاً ولم يتفوّه بأي كلمة.

 

حشور والحلوى

 

كَبُرَ حشور وصار بإمكانه أن يبقى وحده في البيت.

ذات يوم تركه والداه ليسهرا في بيت الجيران القريب، قائلين له: نحن عند بيت الجيران، فاتّصل بنا إذا ما لزم الأمر.

أجاب الابن بنعم، مع الدعاء لهما بسهرة موفقة. وما إن أغلق والداه الباب وراءهما، حتى أسرع حشور إلى المطبخ، فتّش عن كتاب صُنعِ الحلوى التي تستعمله والدته، وفتح على طريقة تحضير (الكريما).

إنه مكتوب بيض حليب ماء سكر ناعم زبدة وملعقة شاي صغيرة من الفانيليا.

واتّبع صاحبنا التعليمات والمقادير بدقّة، وكأنه طبّاخ قديم.

لكن عُنصراً غريباً دخل على هذا النوع من الحلوى، غيّر في طعمها وشكلها.

فكانت الكريما الشهيّة التي صنعها حشور، تختلف عن مثيلاتها بأنها تحتوي على قطع الشاي الأسود، لأنه أضاف إليها ملعقة شاي صغيرة.

لم يأكل حشور من تلك الحلوى بل تركها على طاولة المطبخ، وذهب إلى النوم.

بعد عودة الأهل من سهرتهم، وجدت الأم شيئاً غريباً أمامها، إنها (الكريما)، ولكن لماذا تتخلّلها هذه القطع السوداء.

وفي الغد عندما سألته عن السبب، أجابها قائلاً: لقد عَمِلتها حسب الأصول، وأضفت إليها كما هو مكتوب، ملعقة شاي صغيرة.

إنفجرت الوالدة من الضّحك وعلِمت أنه على سرعته كان قد قرأ: ملعقة شاي صغيرة، ونسي أن يُكمل من (الفانيليا).


حشور والخاتم

 

دخل حشور غرفة نوم أخته في غيابها، وأخذ يفتّش بين الأغراض، غير مستقرٍ على أمر معيّن، فكان يتأمل ويدقِّق في كل ما تقع عينه عليه، إلى أن وصل إلى علبة صغيرة جميلة المنظر، فقال في نفسه: لا بدّ أن في داخلها شيئاً مهماً.

فتحها فوجد خاتماً ذهبياً صغيراً، هو تقدمة لها من والديها، في عيد ميلادها.

حمل الخاتم ثم أخذ يُجرّبه، فكان يُدخلُهُ في هذا الإصبع وهذا الإصبع، إلى أن استطاع إدخاله في إصبعه الخنصر.

أدخله بصعوبة، وأمعن النظر فيه، ففرح بمنظره، وتمنّى أن يكون له خاتمٌ مثله، على أن يكون أوسع من الذي لأخته.

وفيما هو يفكّر بالخواتم وأشكالها، والأصابع وتعدّد أحجامها، حتى شعر باحتباس الدّم في إصبعه، وأن عليه أن ينزع الخاتم في أسرع ما يكون.

لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة كما كان يظن، فراح يحاول ويحاول، أما إصبعه فكان يتورّم، والخاتم يزيده ضغطاً واحتقاناً، والألم لا يُطاق، فجنّ جنونه، وأسرع راكضاً نحو أمّه، وهو يصرخ بأعلى صوته.

نظرت الأم يد ابنها فعلمت أن في الأمر خطورة على إصبعه، وهي العارفة بالخواتم الضيّقة، وما تسبّبه من متاعب وآلام في نزعها.

اتّصلت الأم بزوجها لتُعلمه بما حدث، ونقلت ابنها إلى المستشفى مسرعةً، فلما شاهده الطبيب، أمر بقصّ الخاتم على الفور.

وبعد عملية دقيقة هدأ روع حشور، لأن الطبيب كان قد صارحه بامكانية قص الإصبع، في حال انحباس الدم عنه لفترة طويلة.

عاد الجميع إلى البيت ولما هدأت أعصاب الأب قال لابنه: أرجو أن يكون الدرس مفيداً لك. كي لا تتدخّل فيما بعد بأمور لا تعنيك.


حشور في محل الألعاب

 

حُكي عن رجل صاحب محلّ للألعاب، إنه كان يتميّز بروح الفكاهة والدعابة، يرغب في الضّحك والترويح عن النفس. في محلّه أنواع وأشكال مختلفة من الألعاب، منها الكهربائي ومنها الآلي، بعضها مُعقّد التركيب وبعضها الآخر سهل الاستعمال.

وكان صاحب المحلّ هذا، يراقب جميع الأولاد الوافدين مع ذويهم إلى دكّانه.

كما كان بامكانه أن يصنّفهم، ويعرف نفسيّة كل واحد منهم، من خلال تصرفاتهم وتعاملهم مع أهلهم. فأحصى منهم: الديناميكي والخجول، الهادئ والرصين، المهذّب والمشاغب، المتطلّب والقنوع، المطيع والعنيد، صاحب القرار والمتردّد.

لذلك تعمّد صاحب المحل أن يضع على إحدى طاولات الألعاب، وجهاً تنكرياً جميل المنظر مُلفتاً للانتباه، لكن هذا الوجه كان مطلياً من الداخل بالحبر الأسود، وتحديداً تحت الأنف. وبشكل، أن الذي يجرّبه سينطبع له حتماً، شاربان سوداوان يُثيران الضّحك.

ودخل أحد الأولاد الحشورين مع والديه ليشتري لعبة.

وأوّل ما فعله هذا الصبي، هو أنّه اتّجه نحو ذلك الوجه التنكّري، ووضعه على وجهه، وأخذ ينظر هنا وهناك مزهواً به وما إن نزعه، حتى أخذ جميع مَن في المحل ينظرون إليه ويضحكون، وهو حائرٌ في أمره لا يعرف السبب.

إلى أن جاءه صاحب المحلّ بمرآة صغيرة، وبعض مناديل الورق، ليزيل ما علق من الحبر عند شفتيه.

ثم قال له: أنظر، هذا ما عملته بنفسك، أيها الحشور.

(تعيش وتأكل غيرها)

 

 

من (ولدنات حشور)

 

مع بدء فصل الصيف اشترت الأم لولديها قبّعتين متشابهتين، وطلبت منهما أن يحافظا عليهما.
وكان للأم من الحكمة، أنها خاطت أول حرف من اسمهما، كل واحد على قبّعته.
ومضت عدة أيام والقبعتان ما تزالان على حالهما، إلى أن جاء وقت، مزّق فيه الابن الأكبر قبعته بعض الشيء. فحملها بهدوء ورماها في الخزانة دون أن يراه أحد.
وفي اليوم التالي علا الصُراخ، وقوي الجدال بين الاخوين، الأول يدّعي أن قبعته هي الجديدة والأصغر يؤكّد أن العكس هو الصحيح، إلى أن تمكّن الأكبر من انتزاع قبّعة أخيه والاحتفاظ بها.
حزن هذا الأخير، ومسح دموعاً انحدرت على خدّه، ثم نادى والدته، إذ ليس له من يحتكم إليه سواها.
حضرت الأم وطيّبت خاطر الصغير، ثم طلبت من كل واحد أن يفتّش عن أوّل حرف من إسمه داخل قبّعته. لأنها كانت قد خاطت هذه الأحرف مسبقاً لهذه الغاية.
اهتم الصغير بالأمر أما الأكبر فلم يشأ أن يفعل.
وبعد قليل سُمع صوت الصغير يقول: أما قلت لك إنها لي، إنها قبّعتي!
عندها اقتربت الأم من ابنها الكبير ولاطفته قائلة: لا أريد أبداً أن تتكرّر حادثة اليوم، ولا بأي شكل، هل هذا مفهوم؟ 

-       نعم مفهوم.

-       والآن قل لي، ما الذي سبّبته بفعلتك هذه لأخيك ولنا جميعاً؟ لكنه بقي صامتاً.

فأكملت الأم لتقول: عدّد معي:

-       أولاً أهملت أغراضك.

-       ثانياً اتّهمت أخاك وأحزنته، وربحت عداوته.

-       ثالثاً كذبت علينا وربما تتعوّد المراوغة والاحتيال.

-       رابعاً كنت سبب إزعاج لنا جميعاً.

 

فلكي تكون مقبولاً، عليك أن تكون صادقاً في أقوالك، ومستقيماً في تصرّفاتك.


 

حشور يحب المرطّبات

 

-       سأل الإبن أمه قائلاً: أمي لماذا كل هذه الأطعمة والفواكه؟ وخاصة قناني المرطّبات هذه (كولا وببسي) ألا تسمحين لي بواحدة منها لأشربها؟

-       إسمع يا بُني، غداً سيزورنا أحد الأصدقاء ومعه عائلته، وسيكونون في ضيافتنا النهار كلّه. وعند الغداء يمكنك أن تشرب ما تريد، لكن الآن، أطلب منك ألاّ تمد يدك على شيء، كي لا يحدث نقص في المائدة، وأنا لا أريد ذلك هل فهمت قصدي؟

-       نعم فهمت

وفي غمرة الانهماك والتحضير، كان هذا الابن جالساً في زاوية إحدى الغُرف، وفي يده واحدة من هذه القناني. كان يتأملها ويتفحّصها، وفي قرارة نفسه يتمنّى لو يشربها حتى آخر نقطة. ولكن تحذير والدته كان يمنعه من ذلك. لم تدُم حيرته طويلاً، إذ حضرت الفكرة التي تمكّنه من شرب ما يريد، وتبقى القنينة سالمة.

وبدأ يحرّك السدّة لتصبح رخوة، يحرّكها يُمنةً ويُسرةً وبشكل خفيف، كي لا ينفصل القسم العلوي عن السفلي، عندها أحضر كوباً، وهز القنينة عدّة مرات وقلبها وأدخلها فيه. فبدأ المرطّب ينساب ما بين القنينة والسِدادة، إلى أن امتلأ الكوب فشربه الصبي، ثم أعاد كل شيء إلى مكانه.

لفت انتباه الأم وجود قنينة ناقصة، فنادت إبنها للحال وسألته غاضبةً: أما قلت لك ألا تفتح قناني المرطبات!؟

-       أجابها على الفور: لقد سمعتُ كلامكِ ولم أفتح أيّة قنينة، وما عليكِ سوى التأكّد من السِدادات.

-       لا يهمّني السِدادات إنما يهمّني النقص في القنينة، فإن قلت لي كيف تمكّنت من فعل ذلك سوف أسامحك.

 

فأخبرها بما فعل ونظرت إليه وهي تهزّ رأسها، ثم مّضَتْ متمتمة وهي تقول: إنه عذر أقبح من ذنب.


 

عرض فريد

نظّمت إحدى الجمعيات النسائية، عرضاً فريداً من نوعه، ودعت إليه جميع الراغبات من الفتيات المتقدّمات في العمر، أي ما فوق الخامسة والثلاثين.

العرض مؤلف من ست غرف متتالية، وبشكل إنه على كل واحدة من المشتركات، دخول الغُرف بدأً من الأولى وحتى السادسة.

كما أنه يحق لمن ترغب أن تُنْهي العرض في الغرفة التي تريد، حيث ترى أن العرض يناسبها لتستفيد منه. وإلا فبامكانها متابعة الدخول إلى الغرف المتبقية، شرط ألا تعود إلى الغرف التي سبق ودخلت إليها.

الغرفة الأولى كُتب عليها، عرض بالزواج من الرجال الذين هم في الستين من العمر.

دخلت المشتركة الغرفة لكنها خرجت مسرعة غير راغبة بما شاهدته من رجال داخل هذه الغرفة.

الغرفة الثانية مكتوب عليها عرض بالزواج من الرجال الذين بلغوا الخامسة والخمسين.

فدخلت المشتركة لترى نوعية هؤلاء الرجال، إلا أنها تراجعت لعدم رضاها عما رأت داخلها.

وانتقلت إلى الغرفة الثالثة وقرأت، إن العرض بالزواج هو من الرجال الذين بعمر خمسين سنة.

فدخلت، لكنها أيضاً سرعان ما خرجت، لتنتقل منها إلى الغرفة الرابعة فوجدت أن عمر الرجال فيها لا يتجاوز الخامسة والأربعين ودخولها لم يدم طويلاً أيضاً هذه المرّة.

فأكملت المشتركة إلى الغرفة الخامسة، وفرحت لأن عمر الرجال فيها لا يتجاوز الأربعين سنة، توقّفت عندها قليلاً، وأطالت النظر في الرجال الموجودين، فبدا لها أن الأمر ممكنٌ وإنه بامكانها استحسان أحدهم. لكنها كانت مترددة وحائرة، فماذا لو أوقفت العرض، وما زالت الفرصة متاحة لها في الغرفة السادسة؟ ما عساها أن تخبيء هذه الغرفة يا ترى ربما تكون فرصة العمر. وازدحمت عليها الأفكار، ودفعتها حشريتها إلى معرفة سر الغرفة المتبقية. ولما وصلت إليها قرأت: العرض بالزواج هو للمراهقين الذين يريدون تأسيس علاقات للمستقبل.

وأبدت رئيسة الجمعية ملاحظتها، أن جميع المشتركات، قد وصلن إلى الغرفة ذاتها.


 

حشّور يتعلّم الحلاقة

 

لقد أصبح شعره طويلاً، وبحاجة إلى تقصير.
إصطحبه والده معه إلى محلّ الحلاقة القريب من البيت، وفي الطريق قال له: إن لم يكن عند الحلاّق زبائن، فسوف لن ننتظر عنده طويلاً.
وما هي إلا دقائق حتى وصلا، وبالفعل كان المحلّ خالياً. فأجلس الحلاق الصبيّ فوراً على الكرسي، وجلب له ما يُسمّى بقميص الحلاقة الذي يحميه من الشعر المتساقط، وربطه له عند عنقه.
ولما اطمأن الوالد على إبنه، أوصى الحلاّق به واستأذنه على أن يعود سريعاً، علّه يتمكّن من شراء بعض الحاجيات من الدكّان المجاور.
أمسك الحلاّق بالمقص والمشط، وسرّح شعر رأس الصغير أولاً، وما إن همّ بقصّه حتى دخل أحد أقرباء الحلاّق يريد مكالمته بأمر هام.
ترك الحلاّق المشط والمقصّ أمام حشور، ووقف مع قريبه عند باب المحلّ يتناقش ويتحادث معه.
وطال الحديث فما كان من صاحبنا إلا أن أمسك بالمقص وأخذ يقصّ به ما أمكن، وهو مسرور بالشعر المتساقط من رأسه، غير آبه لما يحدث.
وأخيراً انتهى حديث الحلاّق، فالتفت إلى الصغير ليتفاجأ بما يجري، فوقف مذهولاً، ها هو رأس حشّور وقد أصبح خرائط خرائط، أربكه الأمر، فماذا يقول لوالده؟ كيف سيبرّر له ما جرى؟
وفيما هو على هذه الحال، إذا بالأب يعود ويشاهد ما لم يكن بالحسبان، تبادل مع الحلاّق نظرات التعجّب والاستغراب، وكأنهما يتساءلان ما العمل؟
عندها قال الوالد للحلاّق: قصّ له شعره، قصّه نهائياً.
وأخيراً عاد حشّور إلى البيت حليق الرأس، وكأنه ولد آخر، مما أثار استغراب والدته، وضحك إخوته.
أحزنه هذا الأمر، واضطّر للإنزواء في غرفته، وكان كلّما أراد الخروج، وضع قبّعته على رأسه، وذلك طوال فترة نمو شعره.

 

حشّور يتفرّج

 

ذات يوم، وفي طريق عودته من المدرسة، مرّ صاحبنا من أمام محلٍّ لصنع الأبواب والنوافذ الحديدية. إنه مشهد جديد لم يألفه من قبل.

توقّف وأخذ يتأمّل عامل الحديد أمامه، كيف يحمل بيدٍ آلة صغيرة يتدلّى منها قضيبٌ أرفع من قلم الرصاص، لكنّه أطول منه بمرتين تقريباً، وباليد الأخرى يمسك بلوح أسود صغير يضعه أمام وجهه من حين إلى حين. العامل يجمع قطع الحديد المتنوّعة، وبلحام الكهرباء يثبتها. لكن ما أدهش حشوراً هو هذا النور الساطع المنبثق من مجرّد ملامسة هذا القلم بالحديد الذي يثبّته أمامه. إنها عمليّة مسليّة تذكّره بنور المفرقعات التي يستعملها في الأعياد والمناسبات.

إنتبَهَ له عامل الحدادة، فخاطبه قائلاً:

يا حبيبي لا تنظر إلى الضوء، لئلا تؤلمك عيناك فيما بعد، الرجاء أكمل طريقك.

لم يُعطِ حشّور أهميّة لكلام الحدّاد، قائلاً في نفسه، لقد نظرتُ ولم أُصبْ باي ألم، فلماذا لا يريدني هذا العامل أن أتفرّج على عمله؟

وبقي يراقب عمليّة تلحيم الحديد، وهو يتعجب ويقول: كيف يشتعل هذا الحديد؟ ومن أين له هذا النور اللامع؟

وبعد أن ملّ من الأمر، أكمل طريقه نحو البيت، وكل شيء على ما يُرام.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت عينيه حشّور تؤلمانه، وهو يتساءل من أين هذا الرمل داخلهما؟

واشتد الألم، وأخذ يفرك عينيه ويفرك، لكن دون جدوى، عندها انفجر بالبكاء وهو يصرخ ويقول: أريد طبيباً في الحال، أريد دواءً أريد مُسكّناً أريد كلّ أنواع العلاجات، فإن رأسي يكاد ينفجر وعينيّ تكادان تنقلعان.

إستدعى والده الطبيب على عجل، ولما عرف السبب، وصف له قطرة للعيون، وأمره باستعمال الماء البارد من حين إلى حين.

هكذا أمضى حشّور ليلته، دون أن يعرف طعم الراحة أوالنوم، لا هو ولا أهل بيته.

وفي الصباح تمكّن من النظر في المرآة فرأى عينين دامعتين بلون الدم، ووجهاً ممتقعاً فقال: لو كنت سمعت كلام الحدّاد وانصرفت من عنده، لما أصابني هذا كلّه.


 

حشّور يقلّد اللّحام

ذات يوم ذهب حشّور مع والده إلى دكان اللّحام . إنها أوّل مرّة يرى فيها مثل هذه المشاهد.

رأى ذبائح معلّقة، ذبائح قُطعت رؤوسها، إنها جوفاء وبنصف قوائم. تعجّب من منظرها، فهي بأحجام وأوزان مختلفة. منها الذبائح التي تميل إلى الإحمرار ومنها ما يميل إلى اللون الأبيض.

تركت هذه المناظر تساؤلات عديدة عنده، لكنّ والده استدرك الوضع وأخذ يشرح له الأمور، ويفكّ أسرارها قائلاً: إن الذبائح الكبيرة هي من عجول البقر، ولحم البقر يميل في غالبيته إلى اللون الأحمر. أما الذبائح الصغيرة، فهي من الخراف والحملان، ولها طرفٌ من اللحم الأبيض الخالص، يتكوّن اللحم الأبيض من الدهن، والدهن لذيذ الطّعم، لكنّه يسبب السمنة، والزيادة في الوزن، وهذا غير مستحب صحيّاً.

كان حشّور يستمع إلى والده، وفي الوقت ذاته يراقب اللّحام، ويحصي له حركاته.

ها هو يقطع اللّحم ويسحب العظام، وفجأة إذا به يترك كل شيء ويُمسك بيده اليسرى ما يشبه القضيب الحديدي، والسكين ما زالت في يده اليمنى، وبحركة سريعة، كان يمرّر السكّين على هذا القضيب الحديدي القصير، ليعود ويقطع اللّحم من جديد.

سأل والده عن هذه العمليّة السحريّة فأجابه: إن قضيب الحديد ليس إلا مجرّد مبرد ناعم، يَشْحَذُ (يَسِنُّ) اللّحام سكّينه به، فتسهّل عليه عمليّة قطع اللّحم.

وفي طريق العودة، كان تفكير حشّور منحصراً بعملية الشّحذ هذه، يريد أن يكرّرها ويتعلّم مهارتها.

وما إن وصل إلى البيت، حتى دخل المطبخ، وبغفلةٍ عن الجميع، حمل السكّين الكبير، وتوجّه بعدها إلى صندوق العدّة، فوجد مبرداً، لكنّه ليس كالذي استعمله اللّحام.

ثم انزلق إلى الشرفة بعيداً عن الأنظار واستعاد صورة اللّحام، فأمسك المبرد بيده اليسرى، والسكّين بيده اليمنى، وبدأت حفلة التقليد، لكنّ الضربة الأولى كانت كافية لتشقّ إبهام حشّور، فَعَلا الصراخ، وسالَ الدّم، مما استدعى والده أن ينقله إلى المستشفى، حيث اكتفى الطبيب ببضع قطب للجرح، مع الإبر والضمادات والأدوية.

هكذا انتهى مسلسل تمرين حشّور، بتعكير جوّ البيت، والتعطيل عن المدرسة، وتحمّل المزيد من الآلام.


 

هديّة حشّور

 

خطر في بال الأب أن يهدي ابنه بوقاً في عيد ميلاده، علّه يحبّ الموسيقى ويتعلّمها.

وما إن استلم الصغير هديته حتى أخذ ينفخ ببوقه يميناً وشمالاً، ينفخ في الدار وفي غرف النوم، على الشرفة وفي المطبخ، يركض مسروراً وهو يبوّق، إلى أن أصبحت هذه الآلة الموسيقية، مصدراً للازعاج وسبيلاً لتوتّر الأعصاب.

ضجّ الجيران وتذمّروا من هذه الأصوات المتتالية، فأغلق الوالد النوافذ، ولكن عدوى المضايقة لم توفّر الذين هم في الداخل.

تدخّل الأب محاولاً منع إبنه من التمادي في إرهاق السامعين، لكنّ هذا التدخّل سيغيّر عيد الابن من فرحٍ إلى حزن، ومن سعادة إلى اكتئاب. وما العمل؟

عندها طلب حشّور السماح له بالخروج إلى حديقة المنزل، ليلعب ويتسلّى ببوقه كما يحلو له.

لم يوافق والده بادئ الأمر، لأن الطقس بارد والهواء شديد، لكنه سمح له أخيراً فهو عيد ميلاده. نزل الصبي إلى الحديقة وأخذ يركض ويبوّق على هواه.

لم يستمر طويلاً على هذه الحال، لأن العرق بدأ يتصبب منه، والهواء البارد أخذ يضايقه، وشعر كأن صداعاً في الراس سيواجهه.

أحسّ حشور بالتعب، فعاد إلى البيت وارتمى على أوّل مقعد صادفه، ورمى بالبوق جانباً.

نظرت الوالدة إلى ابنها ولمست جبينه، فعرفت أن المرض يتهدّده، فنقلته إلى سريره، قبل أن ترتفع حرارته.

في هذه الأثناء، استلمت أخته الصغيرة البوق وأخذت تبوّق وتنفخ فيه قرب أخيها.

تضايق منها وصرخ بأعلى صوته: أَسْكِتوا هذا البوق اللّعين، فإن رأسي يكاد ينفجر من ضجيجه.

لكنه سمع صوتاً من والده يقول: أظنّكَ تحبّ الأبواق، أليس كذلك؟

فأجابه حشّور بصوت خافت: سامحني يا والدي لقد كنت السبب في كل هذه المتاعب. 


 

حصّة حشور

 

إنه يحبّ نفسه، وغالباً ما يختار الحصّة الكبرى من كل شيء يستطيبه.

ورغم التوصيات والملاحظات المتكرّرة من والديه، فهو ما يزال على عادته، تراه يتمهّل أثناء الضيافة، ويدقق ويُمعِن النظر، ليحصل على أكبر تفاحة أو ليمونة أو موزة، وهكذا يفعل أيضاً بالحلوى وقِطع الدّجاج أو اللّحم.

لم تنفع معه كل الملاحظات ولا التوصيات، لأن أنانيته وشراهته لا تسمحان له بالاكتفاء ولا بالاقتناع.

وذات يوم، اشترى الوالد شاحنة من الرمل، يريد توزيعها في أرجاء الحديقة، فطلب المساعدة من ولديه، حشور وأخيه الكبير.

أحضر الأب لنقل الرمل وعائين، أحدهما أكبر من الآخر، وأعطى الوعاء الكبير لحشور، قائلاً له: أنت دائماً تحبّ الأشياء الكبيرة أليس كذلك؟ ثم أعطى الوعاء الصغير للأخ الأكبر.

لم يُجب حشّور، ولم يحتجّ على ذلك، لأنه يعرف أنه على خطأ.

بدأ العمل والأب يملأ الوعائين بالرمل، والولدان ينقلانه إلى آخر الحديقة، وكان يستحثّهما كي يسرعا لينهيا العمل باكراً.

لم تدم وتيرة العمل على هذه الحال طويلاً، لأن التعب والإعياء جعلا حشوراً يرتمي على الأرض منهوك القوى.

في هذه الأثناء أحضرت الوالدة أكوابَ الشراب للزوج والولدين، كوباً ملآنَ، وكوباً ناقصاً بعض الشيء، وكوباً فيه القليل. وابتدأت بالضيافة من ولدها حشور.

فما كان منه إلا أن اختار الكوب القليل شرابه، عندها دُهشت الأم لما فعل إبنها، لكنّها سرّت في الوقت ذاته، لأن أمثولة الوعاء الكبير أعطت ثمارها.


 

حشور يدوخ

 

طالما حاول أن يجرّب نظّارات جدّته، ولكنه لم يتمكّن، لأنها كانت تمنعه من ذلك قائلة له: يا ولدي إنك بهذا العمل ستؤذي عينيك، وتضرّ نفسك.

لم يعبأ بتحذيرات جدّته، لأنه يريد أن يقلّدها، ويضع النظّارات كما تضعها هي على رأس أنفها، وكيف كانت ترفع حاجبيها وتخفض رأسها عندما تكلّم الآخرين.

وذات يوم دخل الصبي غرفة جدّته، فوجدها تغطّ في نوم عميق، ونظّاراتها على الطاولة بجانبها. مشى بهدوء ورفع النظّارات على مهل، ووضعها على عينيه، ثم انتقل إلى الغرفة المجاورة يتأمّل في منظره أمام مرآة كبيرة. سرّه المنظر، وبَدَت الفرحة على وجهه، لأنه حقّق حُلُماً طالما انتظره.

في هذه الأثناء اكتشف حشّور سِرّ النظّارات وطريقة عملها. وكيف أن الحروف والكلمات تصبح أكبر مما هي عليه، إنه اكتشاف عظيم بالنسبة له.

 

لم يمضِ وقت طويل حتى شعر بدوار في رأسه وألم في عينيه. أخذ الألم يشتدّ، وحشّور يتلوى ذات اليمين وذات اليسار. يئنُّ حيناً ويدمع حيناً آخر، ألمٌ لم يحدث له من قبل. ولمّا لم يعد بمقدوره الاحتمال، أسرع إلى أمّه باكياً. عرفت والدته السبب، وهزّت برأسها طويلاً، ثم اتّصلت بالطبيب الذي نصحها بإعطائه بعض المسكّن العادي المتوفّر لديها.

شرب صاحبنا الدواء وبظنّه أن الألم سيزول بسحر ساحر.

وبقي على حاله يتألّم لفترة غير بسيطة من الوقت، إلى أن بدأ وجعه يخفّ تدريجياً حتى زواله.

ندم حشّور على ما فعل وسأل والدته: لماذا جدّتي لا يصيبها ما أصابني؟

أجابته: يا ولدي إن الأصحاء ليسوا بحاجة إلى النظّارات الطبيّة، لكن مرضى العيون هم الذين يحتاجونها لأنها تصحّح لهم نظرهم، وتخفّف عنهم الآلام.


 

من الألعاب ما يجلب الأتعاب

في طريقه إلى المدرسة، وجد حشور مسماراً على الأرض فالتقطه ووضعه في جيب (مريوله).

ومن حين إلى حين، كان يمدّ يده إلى جيبه يتحسّس المسمار، يسحبه وينظر إليه ثم يردّه إلى مكانه، وفي فترة تبادل المعلمين للصفوف، كان صاحبنا يُخرج مسماره، ليحفر ويرسم ما يحلو له على طاولة الدراسة.

أما في طريق العودة إلى البيت، فكان يحمله بيده ويمرّره على السيّارات المتوقفة، تاركاً خطوطه عليها. وفي البيت كانت خطوط مسماره ترتسم على الحائط والأبواب، وإذا ما جلس كان يرمي به عالياً ثم يلتقطه، لا شغل ولا شاغل له سوى هذا المسمار.

 

وأثناء لهوه وقع مسماره قرب الحائط تحت (بريز الكهرباء)، فأعجبه المنظر. ثُقبان صغيران متجاوران، وحَضَرت الفكرة، وتوالت التساؤلات والاحتمالات، هل يَدْخُل هذا المسمار في أحد هذين الثقبين؟ وهل هذان الثقبان عميقان؟

 

وقبل أن يختم على أفكاره، ويحسم أمر قراره، كانت يده تمتدّ وتُدخِل المسمار في الثقب. وبأسرع ما يكون، اختلطت الأمور على حشّور، بين ارتجاف وصراخ، وألام وصياح، وأصابع تحترق، من مسمار بها قد عَلِقْ. وتساءل ما الذي يشدّني يا ترى؟ من أين كل هذه القوّة؟

لم يعلم أنها قوّة الكهرباء، حاول الإفلات فلم يستطع للوهلة الأولى، لكنّه استعاد كلّ قوّته هذه المرّة، وتمكّن من الأفلات ليقع أرضاً مغمياً عليه.

بعد فترةٍ، استفاق صاحبنا على مشهد غريب، وكأنه في مركبة فضاء، فقيل له أنك في غرفة العمليات في المستشفى. لقد داوى الطبيب أصابعك المشوّهة وضمّدها جيداً.

 

نظر حشور إلى يده فتذكّر مسماره وما عَمِلَ هو بالمسمار، وما عمل المسمار به.

ولما شفي، بقيت آثار جروح على أصابعه لتقول له: من الألعاب ما يجلب الأتعاب.

 

 

سيّارة رفيقه

 

أكمل حشور سنّ الرّشد، واتّفق مع والده على أن تكون مكافأته هذه المرّة، شهادة سوق سيّارات، وذلك في حال نجاحه وحصوله على علامات جيّدة، في امتحانات آخر السنة.

 

واهتم صاحبنا بدروسه بشكل يفوق المعتاد، فأمّن نجاحه. هنأه والده ووفى بوعده، إذ سمح له بإجراء إمتحان قيادة سيارات، ودفع كل التكاليف. وها هو الآن يحمل رخصة سوق باسمه.

كان فرحه عظيماً، لكنه لن يكتمل إلا إذا قاد سيارة بمفرده. ومن أين له السيّارة ووالده لا يملكها. حاول عدّة مرات، لكنه لم يوفّق، وكانت جهوده تبوء بالفشل.

لكنه أخيراً وُفّقَ بصديقه وطلب منه سيارته لأمر بسيط، على أن يعودُ بها للحال، فوافق الصديق، مع أنه لم يكن مقتنعاً تمام الاقتناع بما حصل، وخاصّة أن صاحبنا لا يُعتبر سائقاً محترفاً حسب الأصول. وأدار حشّور محرّك السيارة وانطلق مسرعاً ثم غاب، وطال غيابه. انشغلت أفكار صديقه، وكثرت التساؤلات واستعراض كل الاحتمالات. إلى أن أخذ أخيراً هاتفه الخلوي واتّصل بحشور قائلاً:

-       آلو أنا صديقك أين أنت؟

-       أنا هنا، هنا على الطريق الدولية.

-       ماذا تقول؟ كيف وصلت إلى عندك؟ عد حالاً.

-       آلو قبل أن أعود، لك عندي خبر هام.

-       وما هو الخبر الهام في هذا الوقت؟

-       أريد ان أقول لك أن كيس الهواء (airbag) في سيارتك...!

-       وما به كيس الهواء؟

-       إنه يعمل على أكمل وجه. 

  

حشور يلتقط الدجاج

 

إستحسن الأب فكرة تربية بضع دجاجات في الحديقة القريبة من البيت، فهي واسعة والمكان مهيأ، وأسوة بالجيران الذين يربّون الحيوانات والطيور في حدائقهم.

لا سيما أن البيت يحتاج إلى البيض الطازج، فهو غذاء جيّد للصغار والكبار على السواء. ولا يجوز الاعتماد على ما يقدّمه الجيران الطيّبون، من وقت لآخر، مما تبيضه دجاجاتهم. فاشترى الوالد لهذه الغاية أربع دجاجات وديكاً واحداً، ووضع الجميع في (كرتونة) كبيرة، وربطها بأحكام وثقبها عدّة ثقوب من أجل التهوئة.

وأرسل الآب الدجاج إلى المنزل مع أحد سائقي الأجرة من أبناء القرية. ولما وصل السائق إلى البيت، أنزل الدجاج من السيارة وطرق الباب فردّ عليه حشور مستقبلاً إياه بالترحاب.

قال السائق للصبي: هذا الصندوق من والدك، عليك الإهتمام به، ثم غادره منصرفاً إلى عمله.

لم تمرّ لحظات قليلة حتى كان الصندوق مشرّعاً والدجاج يطير في كل الاتّجاهات. تفاجأ حشور من المنظر فنادى والدته مرتعباً ثم قال: ما إن فتحت (الكرتونة) لأعرف ما في داخلها حتى طار الدجاج واستقرّ عند الجيران، فماذا يجب علي أن أعمل قبل مجيء والدي؟

أجابته: ما عليك سوى التقاطها ووضعِها في صندوقها، فأسرع حشور والتقط ما التقط من الدجاج، ورجع إلى البيت منهوك القوى.

 

وبعد أن عاد الأب من عمله، سأل عن الصندوق، فأخبرته الزوجة قائلة: لقد أفلتت الدجاجات وطارت إلى حدائق الجيران، ولم نعثر إلا على سبعٍ منها وديكين فقط، وما زالت الدجاجات الباقيات متواريات عن الأنظار.

صعق الأب من الخبر، كيف أن ابنه جمع أكثر مما يلزم، مما اضطّره أن ينادي جيرانه ليتعرّف كل واحد على دجاجاته.


 

 

كادت يده تطير

 

إنها الرّحلة المدرسية السنويّة، التي تقيمها الإدارة لطلابها، بقصد الترويح عن النفس، وللتعرّف على معالم الوطن وآثاره.

البرنامج يقضي بزيارة مدينة جبيل، ومنها إلى متحف العاصمة بيروت، إنتهاء بمدينة الملاهي. وها هو يوم الرّحلة، إنه يومٌ مُشرق وجميل، انطلقت فيه الحافلة بالتلاميذ، وحشور أحد أفرادها.

في الطريق طلب ناظر المدرسة من الجميع الإصغاء لتعليماته فقال: لا يجرّب أحد أن يترك رفاقه لئلا يضيع، ولا أن يأتي بعملٍ غير مشكور.

في قلعة جبيل، عليكم أخذ الحذر من خطر الانزلاق أو السقوط، وفي المتاحف يجب المحافظة على الهدوء، والاكتفاء بالنظر والاستماع إلى شرح الدليل.

أما في مدينة الملاهي، حيث الألعاب الكهربائية، وغير الكهربائية، فعليكم المحافظة على القوانين والتعليمات المطلوبة في تشغيلها.

يبقى أن لمدينة الملاهي مُلحقاً، يُعرَض فيه بعض الحيوانات المفترسة، ضمن أقفاصٍ حديدية، وقد تؤذي كل من يتعرّض لها.

ولا تنسوا فوق كلّ هذا، أن تحافظوا على النظافة وأن تتصرّفوا كأبناء مهذّبين.

لكنّ حشوراً لا يهمّه تنبيه، ولا يتأثر بكلام، بل يعمل على هواه.

مرّت باقي الزيارات على خير، إلا أنه في مدينة الملاهي، اقترب أكثر مما يلزم من أقفاص الدّببة، ومدّ يده خلال الشريط الحديدي، الذي يفصله عن هذه الحيوانات والتي يجهل نوعها وطباعها، وما الخطر الذي بامكانها أن تُلحقه به، وربّما ظنّ أنها من أنواع الكلاب، فأراد مداعبتها، رفع الدب صوته، ومال برأسه نحو يد حشور، الذي كان أسرع منه، وسحبها.

إرتعب صاحبنا وابتعد عن القفص، وإذا بمروّض هذه الحيوانات، يحضر مهرولاً ليتأكد من أن أيّ مكروه لم يحدث للصبي، وبعد أن نظر إليه ملياً، حذّره قائلاً: يا حبيبي، إن اللّعب مع الدّببة لخطير جداً، فلو لم تسرع إلى سحب يدك، لكنت الآن في المستشفى، من عداد الذين بُترت أيديهم من معاصمها.


 

حشور يقطع عهداً

 

تعوّدت إحدى الأمهات أن تعمل المفاجآت السّارة لأولادها. فكانت تنتظر الأعياد والمناسبات، لتشتري لهم الهدايا والألعاب التي يحبّونها، وتحرص على إخفائها، إما داخل المنزل، أو في الحديقة. ثم تطلب من كل واحد أن يفتّش عن أغراضه، ففي ذلك لذّة مضاعفة، خاصّة بعد أن يعثر واحدهم على هديّته، المكتوب اسمه عليها.

ولكنّ حشوراً الأخ الأكبر، كان إذا ما وجد في طريقه هديّةً تخصّ أخاه الأصغر، كان يخفيها مجدّداً في مكانٍ يَصْعُب إيجاده.

 

ويطول تفتيش الصغير، وينفد صبره، فيستسلم للبكاء ويتحوّل فرحه حزناً، وابتهاجه غماًً. كانت الأم تأسف لما يحدث بين الإخوة، وهي التي تريد أن تترسّخ المحبة والألفة فيما بينهم، وبدلاً من أن تكون مبادرة الأهل هذه، مدعاة للفرح والابتهاج، فقد تحوّلت إلى جو إكتئاب وخصام. وتخشى الأم من فقدان المحبّة بين أولادها، إذا ما استمرّ الأمر على حاله.

تناقش الوالدان في ما جرى، وقررا فعل الأمر ذاته مع ابنهما الأكبر، عسى الدرس يعطي ثماره. فأخفت الوالدة لعبة الشطرنج في مكان يصعب الوصول إليه. وعند المساء سأل الأب ابنه، إن كان يريد أن يتسلّى بهذه اللعبة. ضحك الابن الكبير متفاخراً وهو يقول: هل تريد أن أغلبك كما فعلت بالأمس؟

 

أجاب الوالد : إن غلبتني هذه المرّة سوف أشتري لك درّاجة جديدة، وكَبُرَ التحدّي، وزاد الحماس، وأسرع الابن إلى لعبة الشطرنج ليجلبها من مكانها كالمعتاد فلم يجدها.

 

فتّش هنا وهناك، فتّش الخزانة والأدراج، وتحت الأسرّة ولكن دون جدوى. سأل والدته عنها، فقلبت شفتيها. أخذ ينتقل من غرفة إلى غرفة، ووالده يستعجله ويهدّده بالامتناع عن اللّّعب في حال التأخير. طال تفتيشه ولم يصل إلى نتيجة، عندها ألغى الوالد التحدّي، مما يعني إلغاء صفقة الدراجة الجديدة.

فوجيء الابن الأكبر بالنبأ، فخزن واحمرّت وجنتاه ثم أجهش بالبكاء.

إقتربت الأم من ابنها وضمّته إلى صدرها قائلة: أنا أخفيت لك لعبة الشطرنج هذه، لتعرف مدى الإزعاج الذي كنت تتسبّب به لأخيك. وها بعد أن اختبرت الآلام نفسها، أرجو ألا تعود وتتصرّف مع أخيك كالسابق.

تأثر الابن الأكبر بكلام أمّه واعتذر لها واعداً إياها ألا يعود إلى إزعاج أخيه فيما بعد.


 

لن يطول ذهابي

 

إنها على موعد مع جارتها، فلكلّ عددٍ من النساء في الحي، حلقة تَنْعقدُ مع عصر كّل يوم، في بيت إحداهنّ، ويتمّ ذلك مداورة، فيتناولن القهوة والمرطّبات وغيرها من أنواع الضيافة.

كما يُتاح لهنّ تبادل الأحاديث والأخبار، وخاصةً أخبار الحيّ والموضة والمستجدّات.

لقد أطعمت طفلها باكراً قبل وقت اللقاء، وألبسته وهيأته للنوم، ووضعته في سريره وأخذت تهزّ وتغني له، علّه ينام، فلا يفوتها من اللقاء أي أمر. لكن الصغير بقي يتململ ويُطلقُ الصرخات من حين إلى آخر.

وفيما هي تهزّ سرير ابنها كانت تشاهد النساء يتوافدن ويدخلن بيت جارتها، فكان هذا يزيدها تحرّقاً، وترغب لو ينام طفلُها للحال.

ولأنها مستعجلة، راحت الأمور تجري بخلاف ما أرادت، زِدْ على ذلك الضّحكات والقهقهات التي كانت تسمعها، والأصوات التي اختلط عليها فَهمُها، فقرّرت الالتحاق (بالديوا)9 مهما كلّف الأمر، فهي تريد أن تقف على حقيقة ما يجري، لأنه كلما زاد تأخيرها، فاتها الكثير، ولا مجال للتعويض.

وما إن بدأ الطفل يهدأ قليلاً، حتى عهدت به إلى زوجها الذي كان يقرأ جريدته فقالت: الصبي نائم في غرفته، وأنا ذاهبة إلى بيت الجيران وذهابي لن يطول أكثر من عشر دقائق، على أن تتفقّده كل حوالي ربع ساعة. ثابر على ذلك إلى أن أعود، وشكراً لك يا زوجي العزيز.

 

 

(قجّة) حشور
 

 من العادات المستحبة، التي تساعد الأولاد على تحمّل المسؤولية، هي تعليمهم وتشجيعهم لتوفير بعض المال الذي يحصلون عليه، كمصروف شخصي لهم.
والمبلغ الذي يوفّرونه، سيمكنهم من تحقيق رغباتهم وإنفاق ما يريدون، وذلك في سبيل الرحلات والنشاطات وغيرها من أمور التسلية والترفيه، غير محمّلين ذويهم أعباء ومصاريف إضافية.
حشور الابن الأكبر وأخوه، شخصان مختلفان قلباً وقالباً.
جلب لهما والدهما (قجّتين) واحدة حمراء للكبير، وواحدة صفراء للصغير، وأعطى كل واحد قجّته، بهدف تعلّم الإدّخار وتحمّل المسؤولية، وعدم الإنفاق بطريقة إعتباطية.
ثم أعطى الأب المبلغ ذاته لكل منهما، كبداية وبركة لمشروعهما. على أن يتمّ فيما بعد إحصاء المال الذي تمّ توفيره، فينال عندها واحدهما مبلغاً إضافياً يساوي قدر المال المدّخر. وهكذا تتضاعف القيمة، لتصبح ذات أهمية وفعالية.
كان الصغير يجتهد في الادّخار، ويحصر نفقاته، مصمماً على جمع ما أمكن، لتغطية مصاريف الرحلات التي يحبّها. في حين كان حشور يصرف ما تصل إليه يده ويضع في القجّة الأوراق والمسامير.
ولم يمضِ وقت طويل، حتى أشرفت المدارس على الإنتهاء، وحدّدت الإدارة مواعيد الرحلات وأوقات النشاطات.
وجاء الوقت الذي طلب فيه الأب من كل واحد إحضار قجّته لإحصاء ما فيها.
أسرع الصغير مسروراً ليعرف ما قد جمع، فكان أنه حصل على مبلغ مقبول، فهنأه والده وأعطاه مبلغاً مماثلاً. والتفت إلى حشور ليسأله عن قجّته، فأجاب مرتبكاً: أنا لا أريد فتح قجّتي الآن. لكن تشديد الوالد على الأمر جعله يفتحها. ويا للمفاجأة. إنها ملأى بالأوراق والمسامير.
نظر الوالد مستغرباً ثم قال:
ما الذي أرى؟ لماذا أنت ضعيف الإرادة إلى هذا الحدّ. أين التزامك؟ أين مسؤوليتك؟ أين أمانتك؟
 
وغاب الأب قليلاً ليعود ويُكمّل: بما أنك جمعت المسامير لنزهاتك فخذ (هذا الشاكوش وهذه الخشبة) لتتسلى بدق مساميرك ريثما يعود أخوك من رحلته.
(القجّة: علبة لتوفير المال عند الصغار)

 

 

Also in  PDF file

 

Back to Books

Ref: Mounir Hakmeh, الأب منير حاكمة