back to Books

 

ها أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب

 

أليس هو الراعي الصالح، يعرف خرافه وخرافه تعرفه؟ (يوحنا10/14). ألا يحقّ له أن يرسل تلاميذه المؤمنين به، ليردّ بهم باقي الشعوب إلى عبادة الله، أي باقي الخراف إلى حظيرته؟ ولي أيضاً خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة (يوحنا10/16).

 

وللخروف صفات  تميّزه عن غيره من الحيوانات، فهو وديع بطبعه، مسالم، غير مؤذٍ، لا يخيف، قنوع، يتّكل كلياً على راعيه. توكلوا على الله يا جميع الشعوب. إذا ضاع يُصبح عرضةً للهلاك، لا يعيش إلا ضمن مجموعات، كالمؤمنين في رعاياهم. إنه حيوان مبارك، فإعداده بازياد، رغم الخراف التي تُذبح باستمرار.

       

لهذا لا يمكن للخروف أن يصبح ذئباً، حتى ولو هاجمته الذئاب، ولا أن يصبح كلباً، وإن نبحت عليه الكلاب لتعضّه. لأن الخروف بطبعه، لا يستطيع أن يعضّ، ولا أن يفترس، ولا أن يكون شرساً مخيفاً، مثل باقي الذئاب.

 

والخروف أيضاً لا يمكنه أن يحمل الصفتين معاً، خروف وذئب، أو خروف وكلب.

 

أنت تلميذ المسيح، عليك أن تحافظ على هويتك الصالحة، حتى لو هاجمك أحد الأشرار، وشتمك وأهانك، فلا يمكنك أن تصبح ذئباً مثله لتردّ عليه، (يوجد عدة طرق للدفاع عن النفس) ويكفيك أنك بعهدة الراعي (يسوع) فهو سينجيك. الا تصلي له دائماً نجّنا من الشرير.

 

لكن هذا الخروف (تلميذ المسيح) إذا أراد، بامكانه أن يترك معلمه وأن ينفصل عنه، ليصير ذئباً خاطفاً يعيش حياة تختلف كل الاختلاف عما سبق. وهذا ما أشار إليه القديس بولس: بعضهم سيرتدّون عن الإيمان، ليتبعوا أرواحاُ مضلّة، وتعاليم شيطانيّة (1تيموتاوس4/1) . هكذا، بفقدان الإيمان والجحود، يتحوّل الانسان من صالح إلى شرّير. والله خلقنا لنعمل كل عمل صالح، على مثاله، فالفقير والغني، الأمّي والمتعلّم ليسوا مَعفيّين من عمل الصالحات، لأن مشيئة الله أن تُفحِموا بأعمالكم الصالحة، جهالة القوم الأغبياء (1بطرس2/15) أيضاً إن الله سيدين الجميع على أعمالهم. الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة.

 

ولمّا أراد الرب يسوع أن يرسل تلاميذه، لم يُخفِ عنهم ما سيتعرّضون له من إضطهاد، وقال لهم بكل صراحة: سوف يضطهدونكم لكن، الطوبى لكم إذا اضطهدوكم وقالوا عنكم كل سؤ، فإن أجركم عظيم في السماء (متى5/11).

 

إن الذئب لا يُسالم الحمل مهما كلّف الأمر. قيل أن أحد الرعيان وجد (جرو) ذئبٍ صغير في قلب الغابة، فحمله وعاد به إلى حظيرة الخراف، نبحت عليه الكلاب وكأنها تقول له: ألا تعلم ما الذي بين يديك، لكن الراعي طمأن كلابه، بأن هذا الذئب الصغير لا يعرف الشر. وقبلت الكلاب على مضض. وكبر جرو الذئب، يأكل مع الكلاب ويسرح بين الخراف إلى أن جاء يوم، نهض فيه الراعي ليجد بعضاً من الخراف ممدداً على الأرض، ولا أثر لجرو الذئب في حظيرته. عندها قال الراعي، لقد كانت الكلاب على حق، لأن الجرو الصغير الطيّب، قد عاد إلى أصله، لقد عاد شرساً قتالاً.

 

وربّ سائل يقول لماذا على المرسل أن يلقى الاضطهاد؟ يا أخي، أنت خروف المسيح، لكنك مرسل بين ذئاب، أي وسط عالم له إيمان غير إيمانك، وثقافة غير ثقافتك، وعادات غير عاداتك، إنه عالم يحكمه المال والعنف والقتل والطمع واللذة وما شابه. وأنت تريد أن تغيّر هذا العالم حاملاً رسالة المسيح وأفكاره، هدفك خلاص النفوس وحياتهم الأبديّة، وذلك عن طريق هَدْيِهم إلى حياة الفضيلة والمحبّة. لأن الله لا يريد أن يهلك أحد، بل أن يُقبِل الجميع إلى التوبة (2بطرس3/9) وأيضاً يريد الله أنّ الجميع يخلصون.

 

والمرسل سيعمل على توجيه الآخرين وإقناعهم ليتقبّلوا مبادئه وتعاليمه، ولينقلهم من عالم الشر، إلى عمل كل ما يرضي الله. ومن الطبيعي أن يتولّد الصراع، وتنشأ الحروب. والحرب التي يقوم بها المرسل، ليست موجّهة ضدّ دول، أو أشخاص، أو طائفة معيّنة، إنما هدف المرسل هو محاربة الخطيئة، والفساد وكل أنواع الشرور.

 

ومن جهة ثانية يعمل على تقويم السلوك، وتقوية الإيمان، وزرع الأخلاق الحميدة، ليربح النفوس من أبناء هذا العالم إلى أبناء الملكوت. وهكذا يستطيع المرسل من خلال البشارة وأعمال المحبّة والرحمة، أن يُرجِع الذئاب أي الضالين إلى حظيرة الخراف. وهذا العمل يعتبره الآخرون تدخّلاً في حياتهم وشؤونهم الخاصّة، فيتولّد الاضطهاد. لهذا قال يسوع لتلاميذه مُسبقاً: سيُبغضكم الجميع من أجل اسمي (مرقس13/13).

 

إنّ المرسل يبشّر بالمحبة، بالرحمة والعدل، وبأعمال الخير، ونشر كلمة الله. وفي المقابل نجد، أنه يُواجَه بالعنف والظلم والقتل، وكل أسباب التعذيب والترهيب، إلى أن تأخذ المواجهة طابع الإلغاء بالحديد والنار. وللشرير أيضاً يد في هذا الاضطهاد لأن مملكته ستضعف متى انتشر عمل الخير والصلاح. لهذا فانه يُعيق المرسَلين ويُحارب أعمالهم.

 

 وبهذا الاتجاه قال بولس الرسول: لقد أعاقني الشيطان ومنعني من القدوم إليكم (1تسلو2/18) وكما كان الرب يسوع صريحاً مع رسله من ناحية الاضطهاد، كان أيضاً واضحاً كل الوضوح بما سينالونه لقاء عملهم إذ قال: لا تخف أيها القطيع الصغير، لقد حَسُنَ لأبيكم أن يعطيكم الملكوت وأنّ ما لم تره عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر، ما أعدّه الله للذين يحبّونه.، وحيث ما أكون أن، يكون خادميوإن آلام هذا الدهر، لا توازي المجد المزمع أن نناله. والكثير من الوعود والمكافآت التي هي بانتظار مَنْ يعملون في سبيل الله.

 

إنها ضمانات مشجّعة، وما على المرسل، سوى السير على خطى معلّمه، ومحاربة الضلال والشر، وهداية البشريّة الحاضرة الغارقة في الوثنية الجديدة، وعبادة أصنامها كالمال واللّذة والجنس والحقد والعنف والقتل والأنانية وغيرها.

 

فلا تظنَنّ نفسك أيها الخروف، أنت تلميذ المسيح، أنك حقاً تخُصَّه، إن كنت تعيش الوثنية المعاصرة، أي أنك لا تحب سوى نفسك، متعلّق بالمال أو اللذة أو الجنس، أو الطمع أو الكراهية وسواها. فأنت في هذه الحال لست سوى ذئب خاطف في داخلك، لكنك ترتدي جلد خروف فقط. وكثير من الذئاب هم الذين يرتدون ثياب الحملان. عليهم ظاهر التقوى، وقد أنكروا عملها في حياتهم (2تيموتاوس3/5)، وأيضاً كثيرون يسلكون كأعداء صليب المسيح (فيليبي3/18)

 

أيها الخروف المرسل باسم المسيح لا تتقاعس لتُرضي ذاتك، وإلا خسرت حياتك. فإني آتيك وأزيل منارتك (رؤيا2/5) أما الذي يحفظ أعمالي، فأعطيه سلطاناً على الأمم (رؤيا2/26).

والمرسل الأمين، إذا قال يا رب، يا رب سيسمع الصوت القائل: أدخل فرح سيّدك أما غير الأمين وإن قال يا رب، يا رب، سوف يسمع: ليس كل من يقول لي يا رب، يا رب، يدخل ملكوت السماء، إذهبوا عني يا فاعلي الإثم (متى4/23).

 

ويقول البعض أن المسيحية صعبة، فيها عذاب واضطهاد وتجرّد وتواضع، نعم ستواجه هذا كلّه لأنك إن كنت مجتهداً سيضطهدك الخاطئون، وإن كنت متكاسلاً سيحاسبك الرب من قدسه،

فما العمل؟

 

يقولون نريد أن نترك هذه الديانة.

 

وفعلاً منهم من تركوا المسيحية ليعيشوا حياة الأرض، لكن لا خلاص لهم بغير المسيح. ومنهم من ينكرون دينهم أثناء الاضطهاد والصعوبات، لكن المسيح لن يتعرّف على الجاحدين (2تيموتاوس2/12) وأيضاً الذين عرفوا الله، ثم جحدوا إيمانهم فلن يُغفر لهم (عب6/4-6).  إن هذه الأفكار ليست من الله، بل هي تجارب وضُعُفات، وإن تخاذلتَ خسرتَ خلاصَكَ وهلكت. لأن الله صالح، وقد خلقك على صورته  لتعمل كل عمل صالح (أفسس2/10). فهل تظن أنك تَخْلُص إن غيّرت معتقداتك، وعملت بغير إرادة الله لك.

 

فيا أخي، لم يبقَ لك من خيار في هذه الحياة، سوى طريق واحد هو الطريق الضيّق. الطريق المؤدّي إلى الخلاص. فإما أن تضع ذاتك بين يدي راعي الجميع، وتجاهد لتنتصر، وتستحق الإكليل، لأن ملكوت الله يُغتَصَب، وإما أن تتراخى وتخسر إكليلك والخسارة عظيمة.

 

الخوري منير حاكمه

القبيات

تشرين الاول 2009

back to Books