الـتـدخــيـن إلـى أيـن؟

 

 

قالت الرئة لزميلتها:

٭  كيف حالـُك، يا أختاه، في هذه الأيام؟

٭  عن أي حالٍ تسألينني؟ فإني أعاني الأمرّين، فما أكاد أُلملمُ أنفاسي من حريقٍ حتى يندلعَ حريقٌ آخرُ ليدخلَ دخانُه إلى أعماقي، وكأني في بلد الحرائق. وأنتِ كيف حالكِ؟

٭  إني على أسوأ ما يكون. فإني أعيش أجواءً عابقة خانقة، وكأن معاملَ الدنيا تجمّعت في هذه المنطقة لتنفثَ دخانَها عليّ من حين إلى حين.

٭  ردّت الأولى: غالباً ما أشعرُ بتعبٍ أو كسلٍ لا أستطيعُ معه القيامَ بعملي كالواجب.

٭  وأنا أيضاً أشعرُ بضيقِ نفسي إذ تدخلني موجاتُ دخانٍ كثيفة. فأسأل محتارةً: هل تبدّل الهواء أم نَفَذْ؟

٭  نريد معرفةَ السبب.

أما يكفينا دخان إحتراقِ الأوكسيجين داخلَ الجسم حتى يأتينا مكثفاً من الخارج؟ تعالي نسألِ الدمَ الذي أُوكلنا الحفاظَ عليه والعنايةَ به.

٭  نعم لنسأل.

٭  كيف حالـُك يا ناقلَ الحياة؟

٭   آه! لو بقيتُ على هذه الحال سوفَ أُعدم الحياة. إني أتحمّلُ وأعاني. لقد دخلت حياتي موادُ سامّةٌ لم أعهدْها من قبل.

٭   موادُ سامّةٌ؟ ما إسمُها؟

٭   إنها النيكوتين. فقد قلبَ نظامَ حياتي ورفع ضغطي فرحتُ أتخبّطُ في خللٍ لا أعرف كيف أتخلّصُ منه.

٭   هل النيكوتين يعمل كلَّ هذا؟

٭   وأكثر. إنه يلازمُني ويتلاعبُ بمشاعري حتى أصبحَ يأمرُني بالمزيد منه فأرضخ.

٭    تقول إنك ترضخ؟ ألا تستطيعُ أن ترفض؟

٭    لا، لأنه أقوى مني فقد استعبدني وفرّق بيني وبين الشرايين، فراحت تقسو عليّ وتضيّق مروري. وتمكن هذا السمُّ من نقلِ الخلافِ إلى القلبِ، فغضبَ مني وراح يُسرعُ في دقاتِه معبّراً عن إستيائه.

٭    في هكذا حالٍ ألا يحقُّ لنا الإحتجاجُ على صاحبنا الذي رمانا في هذا المأزق؟

٭    لا نفعَ للإحتجاج مع من استُعبدوا، فالديمقراطيةُ إنعدمت معهم، وليس لنا سوى الإنتقام.

٭    ومتى سيكون ذلك؟

٭    سوف يأتي اليومُ المناسبُ وهو آتٍ بقساوة لينـتقمَ لنا وحبّذا لو خلّصَ صاحبُنا نفسَه من هذا السمّ، وإلاّ كما قالوا: عليّ وعلى أعدائي. يومها سترفعان صوتكما عالياً بالسعالِ الحادِّ وأنا سأرفعُ ضغطي مهدداً حياته. والشرايينُ تتصلّب ولا تعودُ تعرفُ اللين معه أبداً. أما القلبُ فله الدورُ الحاسم قائلاً له: إن لم تتوقفْ عن التدخين سوف أتوقفُ بدلاً عنك. ولكن الطامةَ الكبرى إن حلّ المرضُ الذي لا أريد ذكرَ إسمِه فسيندمُ على ساعة ولد فيها.