لا تجعلني شريرة

 

شرب أحدُ الأولاد قنينةَ المرطِّبِ ورمى بها فوق كومةِ الرمل القريبة من منزله وراح يتطلعُ إليها.

خطرت له فكرة، جمع بعضَ الحجارة، وضع القنينةَ في أعلى الكومة، وراح يرميها بالحجارة محاولاً معرفة مدى تركيزه ودقّةَ رميه.

نادته القنينة بأعلى صوتها :

        لا، لا، تمهَّل، ولما توقَّفَ عن رميها سألته بصوتٍ خافتٍ متقطعٍٍ قائلةً :

        لماذا رميتني هنا ؟ أما كان بالإمكانِِ أن تضعَني في سلّة المهملات؟ ليحملَني العمّالُ إلى المصنع، فأعودَ قنينةً جديدة أنعشُ وأرَطّبُ وأفرِّح أمثالَك من الأولاد؟ أليس هذا أفضلَ لي ولك؟

وأكملت لتقول :

        لي رجاء عندك، لا تحاولْ كسري، فإني لا أرغبُ في ذلك .

*لا تهمُّني رغباتُك أيتها القنينةُ البائسة.

        إنكَ إن فعلتَ تكون قد حوَّلتني إلى أداةٍ لا تعرفُ إلا الشر، إنك تجعلني شريرة.

أجابها الصبي :

*كيف تصبحين شريرةً وأنت أنعشتِني بمرطبك؟

        إعلم يا صاحبي أولاً : إن أكثرية بني البشر يردّونَ على الخيرِ بالشر، وهذا ما يسمونه بنكران الجميل.

واعلم ثانيا أنه لفي تغييرِ المهمة،و التصرّفِ، والأهدافِ، تغييرٌ في الجوهر.

*ما معنى كلمة جوهر؟

        الجوهر هو أساسُ تكوين الشيء.(أي طبيعة الشيء)

*لم أفهم ما تقصدين.

        نعم سوف أشرحُ لكَ ربما رجعتَ عن قرارِك(عن غيّك)، فبعد أن كنتُ أحفظُ لكم المرطِّب وأعملُ لراحتكم فأنعشُ وأروي عطشَ الكثيرين، غالباً ما كنت أتعرضُ للكسر. ليتغيرَ شكلي ومهمتي، ودوري، وأصبح غيرَ نافعة، بل شريرةً أجرح وأؤذي من يقترب مني.

وأنتم بَني البشر صورةُ الله ومثاله، إذا ما عَصَيتم شرائعَه وبدَّلتم في مهمتكم وغيّرتم في أهدافكم أصبحتم أشرارا فاسدين. كما يتغيرُ الأمين فيصيرُ خائنا، والصديقُ عدواً، والمؤمنُ جاحداً.

لم يُعِر الصبيُ كلامَ القنينة إنتباهاً بل استخف بها وبكلامها، واستمر يرميها بالحجارة حتى انكسرت.

إنتظر وانتظر كيف ستصبحُ شريرة، إنها لم تأتِ بحركة، تركها وشأنها ومضى.

 

وفي اليوم التالي، عاد يلعبُ ويقفز فوق كومة الرمل ناسياً ما فعله بالأمس. وفيما هو يقفزُ إذا بكعبِ القنينة المكسورة يغرزُ في فخذه ويجرحهُ.

صرخ واستغاث والدم ينـزف، ومن شدّة ألمه غاب عن الوعي. حمله والده سريعاً إلى المستشفى ليتمّ التخديرُ والتقطيب.

ولما استفاق وجد فخذه ملفوفا بالأربطة البيضاء، فراح يلعن القناني والزجاج الشرير، لكنه تذكر كلام القنينة له، أنها ما أصبحت شريرة بدونه، فصمت. آخذاً العهدَ على نفسهِ بألا يعمل الشر.