إحــفــظ نـفـســـك


 
لفَّت صاحبةُ البيتِ قطعةَ اللحم المتبقيةَ عن حاجتها ووضعتْها في ثلاجةِ البرّاد.
وما هي إلا دقائقُ حتى راحت ترتجفُ من شدة البرد، وفيما يلسعُها الصقيعُ نظرت حولها، فرأت سمكاً منظفاً ودجاجاً مقطعاً وأطعمةً متنوّعة وبعض الخضارِ وقوالب الثلج، فراحت تتساءلُ وتقول :
=    لماذا هذا التجمّع؟ لماذا حُشرنا في هكذا أجواء؟ أرى أنّه عالمٌ متغاير له طبيعتهُ الخاصة، وكأننا نعيشُ في مناخات قطبية.
أجاب الثلجُ، أخو الماء ،قديمُ الخبرة قال :
-     نحن مثل كلِ الأشياءِ ولسنا هنا كباقي الأشياء، نحن نعيش في العالم ولكننا لا نعيش كباقي العالم.
=     لقد حيّرتني، ما معنى كلامك نحن مثل العالم ولسنا كباقي العالم.
-     إنّه سؤالٌ معقولٌ وفي محلّه. لنفرض مثلاً أنا الثلج، ألستُ من الماء؟
=     بالطبع.
-     هل أبدو كالماء؟
=     كلا.
-     ألم يتغيّر شكلي ودواعي استعمالي عن الماء.
=     هذا أكيد.
-     ألم يدخلْ احتياجي في تلطيف طعام الإنسان وشرابه وحلوياته أيامَ الحرّ واللهيب؟
=     بلى.
-     ألم أُكلَّفْ بالحفاظ على مأكولاتِه ولحومِه وخضارِه خوفاً من تأثيرِ السخونة عليها؟
=     صحيح.
-     لهذا إن لم تُحفظ الأطعمةُ في أجواء باردةٍ لا تدوم، وعندها لا يبقى السمك سمكاً يؤكل، ولا اللحم لحماً ولا الخضار خضاراً لأن الفسادَ يدبُّ فيها والهريانَ يقضي عليها ويتلفُها.
=     أودّ طرحَ هذا السؤال : لماذا ليونتُنا أصبحت قساوة، وطراوتُنا تحجُّراً.
-     لا عليكَ أيها اللحمُ فأنت في الحفظِ والصون من الفسادِ والضياع، ما دمتَ تعيش معنا في جوٍّ مغايرٍ ومناسب يختلف عن الأجواء الأخرى. وسوف تعودُ لك خصائصُك وليونتك وطعمك ولونك متى تشاء.
=     لقد أقنعتني أيها الثلج. من أين لك هذه المعلوماتُ المتقدّمة؟
-     هذه المعلوماتُ حصلتُ عليها بالخبرة. تعلّمتها من الإنسان ومعتقداته.
=     كيف ذلك؟
-     لأن دينَ الإنسان ومعتقداتِه تؤمّنُ له جواً من العيش قادراً أن يحفظَه من مُغريات هذا العالم.
=     هلا وضّحتَ لي زيادة.
-     بكل ترحاب. لأنّ المؤمن الذي يعيش مع غيرِ المؤمنين في هذا العالم هو مثل أيٍ كان في العالم. وما يميّزه، هي حياته المغايرة والتي تتطابق مع إيمانه وتعاليمه التي تحفظه من ضلالِ وشهواتِ هذا العالم. فيما الآخرون يعيشون حياةً متحرّرةً من كل الضوابطِ والمُثـُل الأخلاقية، التي ربما تجرفهم إلى المجهول واللامعقول.
شكراً على اهتمامكَ بي أيها الثلج. لقد علِمْتُ أنه حتى الإنسان يجب أن يحفظَ نفسَه من الأجواء والمؤثراتِ القادرةِ أن تغيّرَه وتـُفسِدَ عليه حياتَه في الدنيا والآخرة.