ألإشارة الكهربائية

 

 

على أحدِ مفارق الطرق الرئيسيّة في المدينة، وقفتِ الصغيرةُ ممسكةً بيد أمها، نظرت فرأت أضواءً تضيءُ وتطفىء فسألت أمَّها :

        أمي ما هذه الأضواءُ الملوّنة في أعلى العمود ؟

        فقالت الأم : إنها إشارةُ السير الكهربائية .

فكرت الصغيرة هنيهة، ثم دخلت في حوارٍ مباشر مع الإشارة فسألتها قائلةً :

                       ما بالـُك لا تستقرّين على رأي، مترددة محتارة لا تثبتين على ضوء ؟ تارة تضيئين الأخضرَ وطورًا الأصفرَ ثم ترغبين في الأحمر ؟

        أجابتِ الإشارةُ :لا يا صغيرتي، لا تفهميني على غير حقيقتي، ولو عرفتِ مَن أنا، وما أنا صانعةٌ من الخير لأثنيت عليَّ وعلى جهودي وعلى ثباتي، لأن عدم الثباتِ والترددَ هو من شيم البشر.

ضحكت الصغيرة وتنهدت سائلة :

        وأيةُ جهودٍ أثني عليها وأنتِ ثابتة في مكانك ترتفعين على عمود حديدي، لا تتكلّمين ولا تنطقين ببنت شفة، تتلاعبين بالأضواء من دون توقف !

        لا يا أخيتي، أنا هنا في خدمةِ الكثيرين من أترابك، ساهرةٌ على سلامتهم، أرشدُ السائقين، أنجيهم من الصدامات والحوادث، أقللُ من الضحايا والكوارث .

        إنك تزيدين استغرابي، بقولك: جهودٌ وإرشاد، خدماتٌ وتعليمات، من أين لك كل ذلك ؟ أم أنك تسخرين مني لصغر سنـّي وعدم إدراكي!

لم يضقْ صدرُ الإشارة، بل صبرت على الصغيرة، علها تعرفُ الحقيقةَ وتفهم السببَ فيزول العجب، وراحت الإشارةُ تشرح للبنيـّة بإسهابٍ عن عملها قائلة :

        إنّ في تعداد أضوائي لغةٌ يفهمها السائقون والمارة، فيعرفون متى يتوقفون، ومتى ينطلقون، فأنجيهم من الصدامات فيسلمون، أنظم مرورَهم فيربحون الوقتَ ،فلا عرقلةُ سير ولا تأخر أو حرقُ أعصاب، فعندما أضيء الأخضرَ يعني سِر، والأصفرَ: إستعد، أما الأحمرُ فيعني: قف. إني أعملُ من أجلهم ليل نهار.

        وهل الجميعُ يفهمون هذه اللغةَ ويأتمرون بها؟

        للأسف هناك من يستخفُّ بي وبتعليماتي، مسببا لنفسه، وللآخرين، الأخطارَ الجسيمة والحوادثَ المميتة.

        وما ذنب الآخرين؟

        هذه عيشة الفهيم مع ( البهيم ) الغشيم.

فهمتِ الصغيرةُ ما خفي عليها، وعرفتْ سرَّ الإشارة . وإنما وُضعت على المفارقِ لخيرِ السائقين وسلامةِ الركاب والمارة، فنظرت إليها بمحبة وشكرتها على جهودها .

ولما أضاء ضوءُ المشاة الأخضرُ أكملت سيرها مع والدتها .

سألت الأم ابنتها :

        هل أعجبتكِ هذه الإشارة ؟

        ردّت : أمي كم هي ضرورية الإشارةُ الكهربائية، إنها تنظـّم المرورَ وتحافظ على الجميع .

        نعم يا حبيبتي، فكما تحمي الإشارةُ الكهربائية المارة والسائقين، هكذا قوانينُ الدولة تحمي المواطنين، وتسهـّل أعمالهم .

وهكذا أيضًا قانون وصايا الله العشر، ينظـّمُ علاقةَ البشر، وينجـّيهم من مشاكلَ لا تحصى. واعلمي، يا صغيرتي، أن كلَ شيء في الحياة يلزمُه تنظيمٌ كي يصلَ إلى غايته .