أيها الهواء، ما بك ؟

 

راحت أشجار الغابة تسألُ عن الأمرِ وتقول :

• ما بكَ أيها النسيمُ العليل؟ أين أنت أيها الهواء؟ إنك على غير عادتِك لم تُطِلَّ علينا هذا النهار؟ ففي غيابك، ما تحركتْ لنا غصون ولا تمايلت لنا جذوع، فهل أصابك من مكروه؟ نفخَ الهواء قليلا ثم قال :

• إني حزينٌ إني حيرانُ وسببُ حزني هو الإنسان.

• ماذا عملَ الإنسانُ حتى أحزنَك؟

• لقد سئِمَتـْهُ نفسي لكثرة ما يقذفُني به من أنواع الدخان والغازات، من الروائحِ والغبار، لقد كرهتُ معامله ومصانعه ونفاياتِه، لقد شوهتني قنابلُه وضايقني البارود، وما زلتُ أعاني من محركات سياراتِه ومخلّفاتِ آلياته. لم أعد أشعر أنني ذلك الهواءُ النقي الذي كان يدغدغُ أنوفَ الناس بنسماته، ولا الذي يدخلُ صدورَهم فينعشُها، لقد كان لي مع كل إنسانٍ قصة، ومع كل رئةٍ ذكريات. لا أفارقُ الواحدةَ إلا لأدخلَ الأخرى، ولا أترُك مستنشقاً إلا وأعودُ إليه. لقد إتحدتُ بالإنسانِ اتحاداً جوهرياً، دخلتُ كيانَه فصار يُدعى باسمي، صارَ نسمة، فيقولون : سكان هذا البلد كذا مليون نسمة وسكان العالم كذا مليار نسمة. ردّدت الشجرات :

• صحيح قولكَ أيها الهواء اللطيف، مع أنك تهددُنا أحياناً بعواصفِك، فلو امتنعتَ عن دخولِ صدر أحدهم لدقائقَ معدودةٍ ألا يصبحُ هذا المتجبّرُ في عالم الذكريات؟

• بصراحة، لم أعد أشعرُ بدفء العلاقةِ مع هذا المخلوقِ العجيب.

• لماذا هذا التغيير؟

• لقد كنتُ أداعبُه وأمازحه، فإن جئتُه بارداً أثقلتـُه بالثياب، وإن قدِمتُ إليه حاراً ذكّرتـُه بجدّه آدم. أما اليوم فلا أعلمُ ماذا دهاه، وأتساءلُ لماذا راح يلوّثني؟ ألا يعلمُ أنه سيستنشقني؟ ألا يعرف أنه يُفسدُ نفسَه عندما يفسدني؟ والأعجبُ من هذا أنه راحَ يُسخّرني في عجلاتِ سياراته، ويحشرني في ( الكومبرسورات) لحفرِ الطرقات ونقبِ الصخور، كما أرغمني على دخولِ آلاته لتبريده صيفاً وتدفئته شتاءً، وتمادى في تحدّياتِه فأكثَرَ من طائراتِه ومظلاّتِه ومراوحِه عدا عن أشرعة سفنه وغيرِها، كل ذلك على حسابي، واكتشفتُ أنه يُمرِّر الملايينَ من موجاتِ اللاسلكي بين طياتي. ولكنّ الذي لا أسمح به هو الإشعاعاتُ الذريةُ القاتلة التي تَسَرّبت إليّ بسببِ إهماله والتي سترتدُّ على الجميع بدون استثناء. قالت أشجارُ الغابة :

• إلى متى ستظلُّ أيها الهواءُ العظيمُ صابراً على الإنسانِ وتصرفاتِه الشاذة؟

• إني حذّرتُه مراراً وأنذرته بالعواصفِ والإعصارات، لكنه غالبا ما يستهترُ بي.

• لقد استخفّ بنفسِه، وبمصيره، حتى بخالقه. ألا يستخفُّ بك وبنا؟ كم من المراتِ أشعلَ النار؟ وكاد يقضي علينا نحن الأشجار.

• الأمر يدعو إلى القلق، غريبٌ هذا الإنسان، لا يلزمُ حدودَ المعقول، إنه يضيّقُ على ذاته وعلى أنفاسِ أولادهِ من بعده، ولا يحترم مقدّساتِه، وإن تمادى، سيصبحُ حتماً على كل فردٍ، كي يستطيع التنفّس، أن يحملَ على ظهره قنينة أوكسيجين.

• ما أسوأ هذه الآخرة !

• إنها نصيب من إستخفّ بالقيم.

• لكَ الشكر و التحيات.