من هم الذين يخلصون

 

·        إليك يا ولدي قصّةَ العاملِ الذي احتُجِزَ (بقي) في البرّاد.

·        وهل البرادُ يمكنُه أن يتسعَ لرجلٍ كبيرِ الجسم؟

·        إنه برادٌ واسعٌ يموّن السوقَ ويكفي المدينة. هو عبارةٌ عن بناءٍ ضخمٍ مؤلفٍ من عدة طبقات، وفيه الغرفُ العديدةُ والأدراج والمصاعد والممرات، له أبوابٌ سميكةٌ لعزل البرودة وليس له شرفاتٌ ولا نوافذ، إنه أشبهُ بالسجن.

تأخر أحدُ العمال سهواً، نظرَ إلى ساعته، إنها الرابعةُ موعدُ الإقفال، فتركَ كل شيء وأسرع راكضاً، لكنّ البابَ الرئيسيَ كان قد أُقفل، إنه بابٌ ضخمٌ، دقّه ودقّه حتى آلمته يدُه وما من مجيب، ثم صرخ وطالَ صُراخُه وبُحّ صوتُهُ وما من سميع، ضرَبَ الأرض برجلِه وفركَ يديه ثم نظرَ حوله وتساءل عن طالعِه (حظّه) السيء، فكّرَ ولكن تفكيرَه معطّلٌ، أيبكي؟ وما نفعُ البكاء.

إنه معزولٌ عن العالمِ يواجهُ الصقيعَ ولن يُفتحَ له إلا عندَ الصباح، صباحِ اليوم التالي موعدِ متابعةِ العمل. فكّرَ بإشعالِ صناديقِ الخشب يتدفأُ عليها، لكن من أين يأتي بالكبريت.

·        وهل أمضى ليلتـَه في البرادِ كما تقولين؟

·        نعم، والأكثرُ من هذا فإن أهلَه لا يعرفونَ عن مكانِ وجوده شيئا،ً ظنّوه تأخرَ عند الأصحاب فراحوا يتّصلون بهم وما من خبر.

·        وماذا حلّ به؟

·        راح يستعرضُ صُوَراً ومشاهدَ عن نهايةٍ محتّمةٍ ومصيرٍ مشؤوم، فقد سُدَّ كلُّ شيءٍ في وجهه. عَصَرَ رأسَه بكفّه وضاعتْ نظراتُه؛ وأمام هذا الواقعِ لم يبق له سوى الصلاة، راح يُسلّمُ ذاتَه تسليماً كلياً، وقدّم توبتَه غارقاً في تأملٍ عميق.  لأنه لَم يكن قادرًا على التفكيرِ إلا بالتخلصِ من وضعه. حتى أن كنوزَ العالمِ تعجزُ عن تغيير رأيه ليبقى في البراد.

وما كاد ينهي صلاتَه حتى خطرتْ له فكرةٌ ربما تساعدهُ على البقاءِ حياً. لقد فكّرَ في نقلِ الصناديقِ من أولِ البراد إلى آخرِه ومن آخره إلى أوله, لأن الحركةَ تمنعُ تجمّدَ الدم في عروقه, لم يُضِع الوقتَ ولم يعرفِ التعبَ لأن في الأمر موتاً أوحياة.

كان ليلاً طويلاً يدفعُه الرجاء، وبالفعلِ صمدَ حتى موعدِ فتحِ الباب مجدداً.

كانت لحظةً حاسمةً ومؤثرةً عندما رآه زملاؤه حياً فأسعفوه وأعلنوا البشرى لأهله وتركوه يخلدُ للراحة.

·        الشكرُ لله على نجاته يا أمي.

·        لقد نجا يا حبيبي بفضلِ حكمته ورجائه وإرادته. ولكن يا ولدي أقولُها بأسفٍ إن كثيرين يحجزون أنفسهم طوعاً في برادِ خصالهم الفاسدة.

·        وكيف يكون هذا؟

·        إن الذين يتعلّقون طوعاً بعاداتٍ وخصالٍ مضرةٍ وغيرِ مرغوبٍ فيها قد يجرّون لأنفسهم شروراً ومهالكَ لا تُحصى.

·        ألا يوجدُ من يخلّصهم منها؟

·        المحاولاتُ مستمرة، لكن الذين يجاهدون ويرغبون في التخلّصِ من عاداتِهم كما فعل عاملُ البراد هم قليلون, ومع الباقين تذهبُ سدىً لأنهم لا يريدون. وكم أودُ لو أنّ الجميعَ يفكّرون بخلاصهم. ويعملون لآخرتهم كما فَعل العامل. حتى إذا ما فتحت لهم الحياةُ الأخرى أبوابها، تجدُهم أهلا للعيش فيها فيستمرّون.

·       شكرا على هذه القصّة المشوقة والمفيدة. وأعاهدُك أن أعملَ جاداً من أجل خلاصي.