back to Books

 

هل أنتَ من أنصاره؟

 

شاهدَ أحد المؤمنين شيطاناً يتجوّل في المدينة فسأله: - ما الذي أتى بك إلى هنا أيّها الشيطان؟
- أجابه ساخراً: إني أجول على أنصاري، أتفقّدهم، وأتحرّى عن أوضاعهم.
- وهل لكَ من أتباع يعترفون بك ويماشوك؟
- ليكن معلوماً عندكَ، أنّ لي أتباعاً ومناصرين، أكثر بكثير مما تتصوّر أو تظن.
- هل حقاً ما تقول؟
- ألديك وقت للسّماع؟
- بالطّبع لديّ المزيد منه، فماذا عندكَ لتقول؟
- عليكَ أن تتحلّى بالصبر، لأن اللائحة ستطول، وسأتناول منهم ثلاث فئات.
- الفئة الأولى تتبعني عن سابق تصوّر وتصميم، لقد تركوا الله واختاروني ليعملوا معي ولأجلي، ( مثل السحرة والعرّافين والمنجّمين).
- وأتباعي من الفئة الثانية قد ربحتهم عن طريق الإغراءات، والشهوات، والتمادي في الملذّات.
- أما الفئة الثالثة، فهي تماشيني عن جهل وعمى قلب، وهم يشكلّون الأغلبية الساحقة.
- لماذا دعوتهم جهلة وعميان؟
- لأنهم يجهلون معتقداتهم، غريبون عن إيمانهم، يظنّون أنّهم يعملون الصواب، وهم أبعد ما يكون عنه، لهذا تسهل عليّ قيادتهم وتسخيرهم لحسابي.
- يؤسفني تسلّطك على هؤلاء، ولكن ما العمل طالما لا يفكّرون بخلاصهم، ولا يريدون أن يعرفوا كتبهم المقدّسة (مع أن لهم فيها حياة).
- هل عرفتَ الآن مَنْ هم أنصاري؟
- ماذا لو دخلنا في التفاصيل؟
- لا مانع لديّ، وإليكَ ما تريد:
إنّ أصحاب البدَع والهرطقات، الشّيع والفلسفات، (الخارجة عن العقيدة) هم من أتباعي، أبلبل بهم الإيمان والممارسات الدينية، فتعمّ الفوضى وتكثر المنازعات.
إن الظالمين والمستبدّين، المتكبّرين ومحبّي الفِتَن، من أي جنس أو فئة كانوا، هم من مناصريَّ، أٌلهب بهم الأرض، فأجعلهم يتخاصمون ويتحاربون.
إنّ مروّجي الجنس والمخدّرات، ناشري العُنف وإلإجرام، معلّمي الفلتان والانحلال الخُلقي، هم من مديري معاهدي وجامعاتي، بهم أعلّم الأجيال طرقي ليصيروا تلاميذي.
إنّ الموضة الفاضحة، وجحافل النساء والصبايا، اللواتي يتَّبعنها، إنما أعمل بهنّ لحسابي.
إنّهنَّ يلبسْنَ الشفّاف والقصير، الضيّق والمثير، فيوقِعْنَ بالمزيد من الشبّان والرجال، من الشيوخ والأطفال، وهكذا أجرّهم جميعاً إلى مهالك الجنس والفساد.
- أيها الشرّير، كم أنت ماكر؟
- بل قل لي كم أنت شاطر، إنها الموضة التي أصطاد بها الملايين، وأصيّرهم من أتباعي.
- أية موضة تتكلّم عنها؟ إنها أشبه بالتعرّي!
- هذا هو المطلوب. إني أريد أن أعرّي البشر جميعاً، من القيم والأخلاق، فأستعبدهم وأغريهم بالزنى والدعارة، بالإباحية والفساد، فيعملون لأجلي.
كما وإني بالبطالة والكسل، بالرفاهية المفرطة والإهمال، والإنفلات من الوصايا والقوانين، سأتمكّن من اصطياد المزيد لحسابي.
- غير أن المكرّسين الذين أهملوا نذورهم، وتراخوا في حفظ قوانينهم، واستبدلوا محبّة الله والقريب، بمحبّة المال والذّات، هؤلاء سأجعلهم عاجلاً أم آجلاً من أهم مناصريّ. (لأنهم سيفرّقون ولا يجمعون)
- لا سمح الله
- كما وإنّ طالبي الربح السريع وغير المشروع، والمبني على السّرقة والطمع والاستغلال، سيجرّون العالم إلى أزمات ماليّة وإقتصاديّة، إلى البطالة والركود، فيكثر الإقتتال، وتشتعل الحروب.
- نجّانا الله من الحروب.
- أنتم تخوضون الآن حروباً، أشرسَ من التي تعرفونها.
- كلامك غير واقعي، لكنّه خطير!
- كلامي واقعيّ، وإليكَ نموذجاً من حروبي.
- هاتِ أخبرنا عن نموذجك هذا.
- لقد سخّرت التلفزيون، والإنترنت، في سبيل هدم قِيَمكم وحضاراتكم، وسأبني مكانها حضارتي وقيَمي أنا - وبهذين السلاحين، سأُحْكِم قبضتي على العالم.
لقد جنّدت لهذه الغاية، أفضل الممثّلين والممثّلات، أشهر المخرجين والمخرجات، أجمل الراقصين والراقصات...مع القنوات والفضائيات. فأتقنوا عملي، وجذبوا المشاهدين وتعلّقوا ببرامجي ومنوّعاتي وأصبحوا ينكبّون عليها بلذّة حيوانيّة. وهذه علامة من علامات انتصاري.
- ستغوي الكثيرين على هذه الحال؟
- إنها برامجي المدروسة، إنها ستعوّدهم، بل ستعلّمهم كلّ ما أريدهم أن يفعلوه. سأغسل أدمغتهم، سأجعلهم كالدمى بين يديّ، عندها يفتك بهم الطلاق وتكثر الخيانات ويتشرّد الأولاد.
سأشرّع المساكنة والإجهاض (تٌجرى حوالي 30 مليون عملية إجهاض يومياً في العالم) أي ما يعادل قتلى الحرب العالمية الثانية.
سأغرّقهم بالسحر والعرافة، بالتنجيم والتبصير والشعوذات، سأرسلهم جماعات جماعات، إلى محلاّت السكر والخلاعة، إلى الرقص الهستيري والمٌجون.
- كم أنت خبيث، كم أنت ظالم!
- سأبلبل أفكارهم، سأغيّرهم، فيجحدون إيمانهم، ويحتقرون رموزهم ومقدّساتهم، ويكرهون الصّوم والصلاة، وكل أنواع العبادات.
سأغريهم بالجنس والمخدّرات، سأجعلهم يٌهلوسون ويضيعون، سأشجّعهم على الإنتحار وارتكاب الجرائم، على الإغتصاب والشذوذ، على السّرقة والابتزاز، سأدفعهم إلى المراهنات ولعب (القمار) الميسر. وسيكونون جميعهم من مناصريّ.
- من يسمعك يظنّ أنك ربحت الحرب، مع أن بيوت العبادة، ما زالت تغصّ بالمصلّين!
- عن أي مصلّين تتكلّم؟ فأنا الذي يدفع بالكثيرين منهم، فأوقِع بهم ويٌدانون لأجل خطاياهم.
- وكيف يتمّ ذلك؟
- إنهم يصلّون وأفكارهم مشوّشة، وأجسادهم وأيديهم ملطّخة بالقتل بالسّرقة والدّعارة.
وألسنتهم ملتهبة بالنّميمة والشتائم والتجاديف. وقلوبهم مليئة بالحقد والموبقات، إني أقودهم قطعاناً إلى المناولة، بلا ندامة، بلا توبة وبلا إعتراف، فهم ذئاب خاطفة في داخلهم – إنهم في حالة فوضى روحيّة.
وهكذا يتمادون في إهانة من يٌصلّون له، إنهم يعبدونه بشفاههم أما قلوبهم فهي معي أنا – إنهم يرفضون هذا الإله.
- كم أنت ذكيّ أيها الشرّير!
- إني مستمرّ في حربي ضد مَنْ خلقهم على صورته. سأحطّم كل أثر لصورة الخالق فيهم، سأجعلهم على صورتي، والذي لا يطاوعني، سأتدبّر أمره، ولكنّ الذين يحتمون بهذا المعلّق على الصليب، وحدهم هؤلاء يٌفلتون من يدي. والباقون سأجعلهم يسلكون كأعداء للصليب (كولوسي 3/17).
- هل عرفت مَنْ هم أنصاري؟
- لا لا خسئت أيها الشرّير، لن أكون من أنصارك، إن الذي تتحدّاه قد غلبك وإلى الأبد، لأنه الخالق وأنت المخلوق، وهو أقوى منك بما لا يُقاس.
ولما ابتعد هذا المؤمن أحسّ ببعض الخوف، لكنّه تذكر، أن الخوف والرّعدة هما أمران ضروريان للخلاص، وكما هو مكتوب:
" إعملوا لخلاصكم بخوف ورعدة "
وخوفنا من الشرير، يجعلنا أكثر نشاطاً وقداسةً،
وهكذا نتجنب طرقه، ونؤمِّن خلاصنا الأبدي، ولا يَغْتصِب منّا الملكوت.
وإن كان علينا أن نحذَر الشيطان، علينا أيضاً أن نطمئن لأن اللله معنا، فهو سلامنا، إننا نحبّه.

وان كان الله معنا فمن هو ضدّنا

 

الخوري منير حاكمه

القبيات

06 أيار 2009

back to Books