back to Books


الغضب والبغض توأمان متلازمان

-        ما أسرع أن يتحوّل الغضب إلى بُغضٍ وحقدٍ وكراهيةٍ وخصام...، الغضوب: هو الذي يحلّ مشاكله بمشاكلَ أخرى، إنه مزاجي الطبع، متقلّب، فاقد السّلام، ضعيف الارادة، عدواني التصرّف. وهو الذي تتدرّج مشاعرُهُ كما في رسالة أفسس4/31. من المرارة إلى السُّخط والسُّباب، والغضب، والصَّخب، وإلى باقي الشرور.

-        ويمكن للغضب أن يُوصِل صاحبه إلى الخصومات والنزاعات والصدامات وربما إلى القتل، كما فعل قايين بأخيه هابيل.

-        يَنْجَرُّ الغضوب إلى قراراتٍ عنيفةٍ، أو خاطئةٍ أحياناً، إنّه بأفعاله هذه يكون قد قضى على المحبّة. (المحبة اللطيفة، الرقيقة، المتواضعة، الحليمة) 1كورنتس13/4

-        إن وراء كلّ غضب متهوّر، روحٌ من الكبرياء، والاعتداد بالنّفس، إنّه غضبٌ يتحكّم بالمشاعر فيُلهبها في حينه وفي غير حينه.

-        يغضب الانسان على غيره، ويسخط أحياناً لأتفه الأمور، أو لخلافٍ في الرأي، أو في السياسة، أو لخسارة ماديّة أومعنوية، أو أثناء الانتظار أو لأي انزعاج يحصل له.

-        وتكون ردّة فعله عنيفةً، سلبيّةً، وعدوانيّة. وبغضبه هذا يكون قد جعل نفسهُ مساوياً لأصحاب الرذائل: كما في، غلاطية5/20 (إن أعمال الجسد ظاهرة وهي: الفجور، العُهرْ، عبادة الأوثان، السِّحر، العداوات، الطّمع والغضب...) وهؤلاء لا يرثون ملكوت الله.

-        ويقول القديس أوغسطينس: الغضب هو شهوة الانتقام. بينما الكتاب المقدّس يمنعنا عنه: لاتنتقموا لأنفسكم، لأنه لي الانتقام. رومانيين12/19 ويقول مار أفرام السرياني: الغضوب مكروه أيّاً كان. والقديس يوحنا الأسيوطي: الغضب سيف ذو حدّين، يُضرّ بصاحبه أكثر مما يُضرّ بغيره. ويُقال أيضاً: صلاة الغضوب ذبيحة مُرَّة.

-        هكذا غَضَبْ، هو غيرُ مرغوبٍ فيه أمام الله، لأن صاحبه ينقاد بروح الشرّ، ليصبح الغضب فيما بعد بُغضاً، ومادّةً جيّدةً في يد الشرّير، يقضي بها كل مقوّمات ملكوت الله، من محبّة وإخاء وتعاون وتسامح وغيرها. وبالغضب أيضاً، يحارب الشرّير أبناء الله ويفكّكهم ويهدم حياتهم الروحيّة، والاجتماعية ويرسخ مكانها، الانقسامات والعداوات. وهكذا يُسلِمُ الغضوبُ ذاته مجّاناً للشرّير ليستخدمه ضد إخوته أبناء الله.

-        فحذار يا اخي من الغضب الذي به تخسر أحبّ النّفوس إليك، وتخسر الأصحاب والرِّفاق وغيرهم، ثم تخسر نفسك.

-        واعلم أنّ الكتاب المقدّس قد تكلّم مُطوّلاً عن الغضب، وذلك لأهميّته وتأثيره على أخلاق المؤمن ومصيره الأبدي.

-        وفي أمثال 15/18: الغضوب يثير النّزاع، بينما طويل البال يُسكّن الخصام. وأيضاً: الجواب الليّن يردّ الغضب. أمثال15/1. والغضب طالما يُضرّ بالمحبّة ويتعدّى عليها بين الاخوة والأهل، ويُحدث جروحاً في النّفس، لأنّه صادر عن قلب غير نقي.

-        الغضب لا يعمل برّ الله. يعقوب1/20 لأنّه ليس من الله وليس من ثمار الروح القدس، أما ثمر الرّوح فهو: محبّة وسلام وطول أناة ولطف ووداعة وعفاف... وأمثال هذه لا تتناسب مع الغضب، ولا مع البغض.

-        وبما أن الغضوب لا يجمع مع المسيح بسبب تصرفاته السيئة، فإنه حتماً يفرّق بين أبناء الله. (ومَن لا يجمع معي فهو  يُفرّق) متى12/30. فلا يكفي الغضوب قوله أنا مؤمن، وهو لا يعمل أعمال الايمان. لأن من قال لأخيه يا أحمق يستحق نار جهنّم. متى5/22   (هل معقول أن يفعل الله هكذا؟).

-        إعلم يا أخي إنَّ من يغضب على أخيه أو صاحبه، غضباً شريراً، بالصّراخ والشتائم، مخاصماً إيّاه، فاتحاً الباب على كل إحتمالات الزّعل والقتال والانتقام والضرر وغيرها، ويعطي المثل العاطل والشهادة السّيئة عن إيمانه وحياته المسيحيّة ويعرّض نفسه للهلاك، ويُسلّمها للشرّير، ويقتل المحبّة بينه وبين أخيه، (والمحبّة هي الله لأن الله محبّة). ألا يستحق على غضبه عقاباً؟

-        ويقول الكتاب أمراً غايةً في الوضوح: الله سيجازي بالحياة الأبدية الذين صبروا وعملوا الأعمال الصالحة، حباً بالله، وبالغضب والسّخط على الذين هم من أهل المخاصمة، والذين ينقادون لروح الشرّ. رومانيين2/6-8.

-        ومع هذا فإن الله يسمح لنا بنوع من الغضب وهو ما يُسمّى بالغضب المقدّس. فيقول: إغضبوا ولا تخطأوا افسس4/26

-        ويكون هذا الغضب بشكل عتاب أو تأنيب وتوبيخ، لا يعرف الحقد ولا الكراهيّة والانتقام. إنه غضب مُتَّزن ومُحبّ، لا يتلفّظ بالشّتائم وكلام التجريح، بل هو أقرب إلى التّعليم والتّنبيه الصارم، مع الحفاظ على سلام القلب وطهارة اللّسان.1تسالونيكي4/11. ويعبّر هذا الغضب عن عدم الرّضى لسلوك معيّن، وهو بمثابة درسٍ للاقلاع عن نقصٍ أو عيبٍ ما.

-        هو غضب الأبُ على ابنه المذنب أو الخاطئ.

-        لقد غضب يسوع على الباعة، لانتهاكهم حرمة الهيكل. وغضب يسوع أيضاً (بشكل عتاب) على بطرس قائلاً: لماذا شَكَكْتَ يا قليل الايمان؟ ولم يتضايق بطرس من هذا التوبيخ،  بل تقدّم وسجد له مع الجميع. متى14/31-33

-        وغضب موسى (عندما نزل من الجبل) على شعبه، وعلى أخيه هارون، وكسر لوحي الوصايا، وطحن عجل الذّهب وذرّاه في الهواء.

-        ويكون الغضب كلاماً صارماً من أب، أو من مسؤول، أو غيره كي لا تتملّك الميوعة أبناء الله في غياب الحزم. وذلك كما في 2تيموتاوس4/2: حاجج ووبّخ وعظّ، ولكن بكل حكمة، وكل أناة.

-        لا شفاء من الغضب إلا بالغفران، والغفران من كلّ القلب، وبالتواضع وطول البال.

-        فلا يجوز أن نداوي الشرّ (بشرٍ آخر)1تسالونيكي5/15. والمطلوب أن نصلّي ونَغْفِرْ: باركوا لاعنيكم، صلّوا من أجل مضطهديكم. واغفروا، سبعين مرّة سبع مرّات.

-        والأبانا تضعنا أمام تحدٍ لصلاتنا: واغفر لنا ذنوبنا، كما نحن نغفر لمن خطيء إلينا، إن لم نكون قد غفرنا، تكون صلاتنا كاذبة.متى6/14. كما يُطلب من المؤمنين رفع أيدٍ نقيّة وقت الصّلاة.

-        إنّ وصيّة (قدِّس يوم الرّب)، تُلزم المؤمن بحضور القدّاس يوم الأحد، حيث يحصل على نوعين من الغذاء الرّوحي، (كلمة الله والقربان). وعلى الدّاخل إلى الكنيسة أن يتصالح مع الله في كرسي الاعتراف، ومع إخوته عند إعطاء السّلام. فإن كنّا أهل سلام ننال السّلام، وإلا  ننال الدينونة.

-        لكن هل نجد جميع المؤمنين الداخلين إلى بيت الله والذين يقتبلون سرّ الافخارستيا (القربان) هم في سلام مع أنفسهم ومع غيرهم؟ لهذا يرفع الكاهن الأسرار مُسبقاً ويقول: الأقداس للقديسين فقط (وليس للحاقدين).

-        مع أن الوصيّة واضحة، (أترك القدّاس واذهب وصالح أخاك متى5/24) وبالحفاظ على الغضب والحقد، نحن نمنع غفران الله لنا، لأنه قال: وإن لم تغفروا للناس ومن كل قلوبكم، وأبوكم السماوي لن يغفر لكم زلاتكم. وفي القدّاس نقول: لنرفع قلوبنا وعقولنا وأفكارنا إلى العُلى فماذا لو كانت كلّها طمع وغضب وشرور؟

-        وعندما يقول الله لنا: لا تغضبوا، بل تمهّلوا، فإنه يعني ما يقول: لأنه في الأناة والغفران نوعٌ من التنازل عن بعض الحقوق والمكتسبات، ماديّة كانت أن معنويّة. المهمّ عند الله أن تربح أخاك أولاً: ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم وخسر نفسه -ويخسر نفسه إن تسبّب بخسارة أخيه-. إن خسارة نفس عند الله أهم من كل العالم المادي، وعلينا أن نغلب الشرّ بالخير. روما12/21. وأيضاً استأصلوا كل مرارة وغضب. أفسس4/31. ولا تصاحب الغضوب. أمثال22/24.  وفي الغفران أنت تغلب الشرّ وتُرضي الله، وهو سيعوّض عليك، ولن يتركك أكرم منه.

-        يوجد مَنْ هم غير قادرين على التحكّم بمشاعرهم، ولكي لا يخسروا محبّة الله ومحبّة إخوتهم لهم، عليهم أن يتواضعوا أمام الله ويُصلّوا ويصوموا، وبكل انواع التقادم والتقويات كي يشفيهم، ليتخلّصوا من هذا الغضب الذي يلازمهم، ويؤذيهم، بسبب تولّد الأحقاد.

-        يقول بعضهم إني لا أبغض قريبي لكنّي لا أتكلّم معه. إنك بهذا تخدم الشرّير وهو لا يطلب أكثر مما قدّمت له.

-        ويسأل البعض: ماذا لو تمادى هذا القريب في ضرره؟ في هذه الحال علينا بالرجوع إلى إنجيل لوقا: 17/3 وإلى إنجيل متى18/15 قبل أن نتوصّل إلى المحاكم.

وأخيراً عزيزي أقول لك: إن الغضب هو الصورة المبطّنة للانتقام. (حسب القديس أوغسطينس). قديماً، سَمَحَ موسى لليهود بالانتقام. العين بالعين والسنّ بالسّن. وجاء يسوع المسيح بتعليم فائق الطبيعة، روحاني، يقول: لا تجازوا على الشرٍّ، بشرٍ آخر. بل سامحوا يسامحكم أبوكم. ثم جاء الإسلام ليُشرّع من جديد: العين بالعين والسنّ بالسنّ والبادِئ أظلم.

فمن أَتْباعِ أيِّ تعليمٍ تُريدُ أن تكون؟

الخوري منير حاكمه

القبيات، 1 نيسان 2011

 

back to Books

Pere Mounir Hakmeh