back to Books


الغضب مرضٌ شيطاني، والصّفح دواءٌ إلهي

 

الغضب لا يعمل برّ الله، يعقوب1/20 وهو باب يسمح للخلافات والأحقاد أن تستفحل، في حال أن الله يقدّم لنا دواءً روحيّاً شافيّاَ (سامحوا) به نداوي القلوب المنكسرة والجراحات الأليمة. ومن أجل هذا فإن الله ربط غفرانه لنا، بغفراننا بعضنا البعض. إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاَ أبوكم السماوي زلاتكم متى614 الله عالمٌ بطُرق الشرّير الذي يريد أن يُنمّي الانقسامات ويولّد الأحقاد، إلى أن يخسر الأخ أخاه والقريب قريبه، وهكذا دواليك: حتى يجد الإنسان نَفْسَهُ وحيداً في مجتمعه منبوذاَ من إخوته.

هدف الشرّير واضح وهو أن يُشرذم (يفرّق) ويهدم شعب الله. ولماذا العجب؟ أليس: إنه رئيس هذا العالم أفسس2/2 ويحاول أن يسرق الخراف (شعب الله) ويذبح ويُهلك يوحنا10/10 وإنه يعمل جاهداَ ليبعدنا عن الهدف الذي خَلقنا الله من أجله، ألا وهو خلاص نفوسنا. أنتم أمّة مقدّسة وشعب مقتنى 1بطرس1/22. لهذا ينصب لنا الشرّير فخاخه ليشغلنا ويلهينا عن واجبنا. إنها فخاخ الخصومات والكبرياء وحبّ المال والدّنس والكسل والإهمال...

ويمرّ العمر ونحن غافلون عن مسيرة خلاصنا. وعلينا أن نَحْذَرَ هذه الفخاخ ونتجنّبها بالصلاة والتواضع والصفح، وأعمال المحبّة...

لكن إن سقطنا في حبائله فإنّه سيذبح ويُهلك، بينما الربّ يسوع يريد لنا الحياة وافرة يوحنا10/10.

لكنّه بامكاننا تفادي هجمات الشرّير إن عملنا بتوجيهات الربّ يسوع كما في الكتاب المقدّس. مثلاً: مَنْ ضربك على خدّك الأيمن، دُرْ له الآخر. لوقا6/29 (دُرْ) أي إقلب الأمور لصالحك، ولا تترك الشرّير يجرّك إلى خلافات لا تُعرف حدودها. في الوقت الذي يمكنك أن تُنهي المشكل في بدايته وبقليل من المحبّة والتواضع والتضحية، إن كنت حقاً ابنٌ لله. وهكذا تكون قد أطفأت الشرّ وغلبت الشرّير، وربحت أخاك قدر الإمكان.

الله يقلب الأمور ولا يحسب تواضعك ضعفاً بل قوةً. وعلى شعب الله أن يحلّ مشاكله بالصفح والمحبّة والقداسة. لأنه إن دَخَلْتَ المشكل وجرّك الشرّير إلى تحت سيطرته، سينفّذ فيك كلّ مآربه، ولن تكون رابحاً ولا مبرّراَ أمام الله.

 والربّ يسوع يقول: إن سامحتم وأحببتم وتجنّبتم المشاكل سيعرف الجميع أنّكم تلاميذي يوحنا13/35. كما وإن على تلميذ المسيح أن يتخلّص من الغضب بأسرع ما يكون. ولا تترك الشمس تغرب على غضبكم افسس4/26.

ولماذا هذه السرعة؟ كي لا تقسو القلوب وتتعقّد الحلول. وللربّ يسوع تعليم واضح بهذا الخصوص: اترك قربانك، وصالح اخاك أولاً متى5/24 فالربّ يريد السلام والمحبّة بين الإخوة.

ولمن ليس في داخله سلام، كيف لك أن تأخذ قربانك وقلبك مملؤ شراً؟ وكيف تُدخِل يسوع إلى مثل هكذا قلب؟ ألا تعلم أنّك تهين جسد الرب، وإنك ستتحمّل دينونة عملك؟

ومن البدع المُتفشيّة أنّ واحدهم يقول: إني لستُ حاقداً، أنا سامحتُ قريبي، لكني لا أكلّمه ولا أتعامل معه. أمرٌ عجيب، وماذا اخترعت يا ترى؟ أليست رغبة الشرّير هي في مقاطعة قريبك؟

إنك تساعد مشروع الشرّير وتظنّ نفسك أنّك ابنٌ للّه. إنها بدعة فلا تُوخذ بها.

ويُكمل يسوع القول: إذهب إلى أخيك سراً. ولماذا سراً؟ وذلك قبل أن تُفضح الأمور وتصدر الإدانات وكلام التشهير. لأنها كلّها أعمال عدائيّة توسّع الخلافات وتُفسد العلاقات.

إذهب إلى أخيك سراً بعد أن تكون قد صلّيت له وسامحته من كل قلبك، ونويت له الخير وتمالكت أعصابك، وأصبح بامكانك إقامة الحوار معه.

وبالعتاب الهادي والاعتذار والتواضع تخمد الخلافات وتربح أخاك. ويكون أنكما قد تساعدتما على دحر الشرّير (التغلّب عليه) الذي يريد أن يوقِع فيما بينكما، مستعملاً الطرف الأول ليجرّ الطرف الثاني إلى الخلاف ومن ثم إلى الخطيئة، وهكذا يسلب سلامكما وتكونان غير مبرّرين أمام الله فلا تتركوا لإبليس مجالاً أفسس4/26

ولا تتركوا إبليس يتلاعب بمشاعركم لأنها متقلّبة، ولربما تؤدي الدور المغلوط، وتجرّكم إلى ما لا يُحمد عقباه.

وإن لم يتصالح معك أخاك خذ شاهدين ثم خذ الكاهن وإلا فليكن عندك كالوثني والعشّار متى18/21.

وأول ما يتبادر للذهن أنه عليك أن ترذله وتتجنّبه كأنّه عدوّ لك. لكن لنرى يسوع كيف عامل زكا العشّار عندما دخل بيته وربحه للإيمان. وكيف حاور الإمرأة الكنعاية الوثنيّة ثم شفى ابنتها وعظّم إيمانها.

وإن لم يسمع لك أخاك في كل هذه المحاولات، فيكون أنّ صليباً جديداً عليك احتماله وهنا قداستك.

عليك أن تحبّه وتريد له الخير وتتحمّله، إلى أن يأمر الله ويصالحك به مجدداً. فهذا خير من أن يبقى خصماً لك ويهلك، أو أن تهلكا معاً. لأن الشرّير عدو كل برّ أعمال13/10

وعليك أن تتّفق مع الجميع حتى مع أخصامك. اتّفق مع خصمك لوقا12/58 لأن الخلاف بنظر الربّ شرٌ عظيم يقضي على المحبّة.

ولا تُبقي الحقد في قلبك لأن الله يأمرك: سامح متى6/15

وإن رفضت أن تسامح فتكون قد تعاليت على أوامر ربّك – ومَنْ تكون أنت يا تُرى لتملي رغبتك على المسيح أو أن تعانده؟

وما الذي أنت فاعله بنفسك إن لم تسامح؟ فهو أيضاً لن يسامحك ومصيرك الهلاك. كل هذا لأجل حقد لا تريد التخلّص منه؟

فأنت مُطالب بالقداسة والمحبّة. ولا معنى لحياتك وصلاتك إن لم تسامح. إن قمتم للصلاة فاغفروا مرقس11/25 أي صلاة هذه التي تصلّيها وهي مبنيّة على الضّغينة؟

هكذا تطوّر حسد قايين على أخيه هابيل من الحسد إلى المرارة والسّخط والغضب ثم إلى السباب والشجار وشهوة القتل أفسس4/31

تذكّر أنّك إن لم تسامح أخاك فأنت ديّان له.

وإن تمسّكت بحقدك فإنّه سيسهل سقوطك في الخطيئة، فلا تدع الشرّير يعثّر علاقتك بالله أو بالقريب كي لا تخسر نفسك.

                                               

الخوري منير حاكمه

القبيات، ايلول 2010

 

back to Books