back to Books

 

::  لا يطيق الوصايا  ::

 

 

 سأل أحد علماء الناموس يسوع: ما هي أعظم الوصايا؟ فأجاب يسوع: أحبب الرب إلهك بكل قلبك، وأحبب قريبك كنفسك (متى22/36) وهكذا يكون يسوع قد لخّص الناموس والأنبياء بوصيّتين.

وبعد هاتين الوصيّتين أوضح قائلاً: من أحبب نفسه فإنه يهلكها، ومن أبغض نفسه في هذا العالم فإنه يحفظها للأبد. (يو12/25).

أي من أحب نفسه (جسده) ليقضي شهواتها، سيهلك، لأن هذه الشهوات ستجرّ صاحبها إلى الخطيئة، وأجرة الخطيئة الموت(رومانيين6/23) أما المؤمن الذي يغلب هذه الشهوات بالقداسة والسيرة الحسنة، وسماع صوت الروح القدس، ليمتنع عن فعلها، فإنه ينال الحياة الأبدية.

لكن الانسان تمكّن من التوصّل إلى خلاصة الخلاصة، وجسّد الوصايا في وصيّة واحدة، ألا وهي: أحبب نفسك فوق كل شيء.

إنها وصيّة الانسان الذي يسلك بحسب الجسد. ونجد ذلك في الرسالة إلى أهل غلاطية. يقول القديس بولس: أسلكوا بالروح فلا تقضوا شهوات الجسد (غلاطية5/16) ونستنتج أن أهل غلاطية منقسمين إلى قسمين، لذلك فالقديس بولس يشجّع الذين يسلكون بالجسد إلى السلوك بالروح.

لأن السلوك بالجسد( يقوم على إرضاء الذات)، كما يوضح هذا القديس، وهو اتّباع الزنى والفجور، والعداوة والطمع والغضب والحسد والسكر... (غلاطية5/19) أما السلوك بالروح (ويقوم على إرضاء الله)، فهو عيش المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف والصلاح والوداعة والعفاف... (غلاطية5/22)

والفرق بين السلوكين هو الفرق بين الحياة والموت.

وللأسف نجد أن الاتجاه في هذه الأيام، يميل إلى السلوك بالجسد لا بالروح، والانسان السالك في الجسد، هو بطبعه أناني محبّ لذاته، ولا يستطيع أن يحب قريبه، وبالتالي لا يستطيع أن يحبّ الله أيضاً. لأنه: من لا يحب أخاه وهو يراه، لا يستطيع أن يحب الله وهو لا يراه (1يوحنا4/20)

وبانعدام المحبّة تتغيّر نظرة الانسان إلى أخيه الانسان، ليعتبره كأداة للاستعمال والاستثمار، ولا يجامله إلا لمنفعته الخاصة. وذلك حسب رسالة يهوذا: إنهم يتملّقون الناس، في سبيل مصالحهم (يهوذا 1/16)، وكي لا ينحرف الانسان ويضيع، ويضيّع من حوله، إذا بالرب يشدّد على حفظ الوصايا، الوصايا التي تُدخلنا معه في عهد وتُصيّرنا شعبه، نعبده ونحبّه . تقوم المحبّة بأن نسلك حسب وصاياه (2يوحنا1/6).

وأيضاً هذه الوصايا قادرة (إن عملنا بموجبها) أن تُجنّبنا الشرور والانحرافات، وخاصّة إنها تُجنّبنا عيش الخطيئة، وأيضاً في الوقت ذاته، تُمكّننا من الإبقاء على العلاقات الجيّدة، بيننا نحن شعب الله وأبناؤه.

كما نجد أن محبة الذات (مشكلة المشاكل)، التي يعيشها الكثيرون، لا تلتزم بالوصايا ولا يهمّها عيش المحبّة، لأنها تقوم على عبادة اللّذة والجنس والمال والرفاهيّة والشراهة والقوة إلى ما هنالك. وإن ادّعى (فاعلي هذه الأعمال) الإيمان، فإننا نقول: أي إيمان هذا؟ لذلك يطرح يسوع هذا السؤال: متى جاء ابن البشر فهل يجد الإيمان على الأرض؟ (لوقا18/8)

إنه ليس بإيمان، إنما هو قناع يلبسه أحدهم، ممارساً بعض الشعائر الدينية، لتصبّ في مصلحته، وللحصول على رغباته.

والذي راح يكسر الوصايا، متحدّياً واضعها، قد جعل من ذاته (محوراً) ليُشرّع لنفسه ما يناسبه، وكأنه وصل إلى مرتبة الألوهة، كما قالت الحيّة لحوّاء، (وتصيران آلهة) يوم تأكلان من شجرة معرفة الخير والشر.

وهكذا صار الانسان يعبد إلهاً لا يحترمه، ولا يهابه، يعبد إلهاً يريد أن يسخّرة لأغراضه، إنه يقوم ببعض العبادات تجاهه وعلى هذا الإله أن يفي بالتزاماته، ويلبّي جميع المطالب.

لم يعد هذا إيماناً، بل هو نوع من التديّن، أو الايمان الفارغ. لأن المؤمن الحقيقي يقبل بكل ما يريده الله له، وسعادته متوقفة على علاقته بالله وطاعته له.

والمتديّن يسعى لتأمين سعادته بنفسه، ويظنّ أنها تقوم على بعض الأمور التي يراها مناسبة له، فاذا به يفتّش عن اللذة والرفاهية مستبيحاً القيم والأخلاق، ساعياً وراء غرائزه لاشباع شهواته، جاعلاً من ذاته مركز الاهتمام (إنه يعبد نفسه)، وما عبادة الذات إلا الأنانية نفسها.

وهكذا بدأت العلاقات تتبدّل بين أبناء الرعية الواحدة، وبين الأقارب، بين الأهل الأصحاب، وتغيّرت نظرة الناس إلى الخطيئة، الذين شرّعوا لها الوصايا التي تناسبهم، فشملت الكثيرين، واستباح الناس كل أنواع الخطايا، كالقتل والعنف والجنس والخلاعة والظلم والسرقة والرياء... وغيرها. ولكثرة الخطايا بردت المحبة في النفوس، (متى12/24) لكثرة الاثم، تبرد المحبّة. وإنه لأمر طبيعي ألا تلتقي المحبّة التي من الله، مع الخطيئة التي من الشرير.

ومع جفاف المحبّة، ضاع السلام من النفوس، واشتدّت العدائية واللامبالاة، وزادت مآسي البشر، وعمّ البؤس أنحاء العالم، وتفشّت الأمراض، لأنه ما من مداوي، ولا من راحم، وانتشرت المخدّرات وهدّد الجوع البلدان الفقيرة، وغيّرت الحروب والكوارث حياة البشر، فهجّرتهم من أرضهم ومن بيوتهم، بعد أن فقدوا كل ما يملكون، عدا عن المشاكل الاجتماعية، كالطّلاق وتشرّد الأطفال والمعاقين، والذين ابتلوا بأمراض مميتة، وغيرهم.

فهؤلاء من يرحمهم؟ ومن يساعدهم في غياب المحبة؟

ويبقى نداء الله يتردّد، قايين، قايين، ماذا فعلت بأخيك؟ إنه نداء موجّه إلى كل قلب قاسٍ، وضمير متحجّر، وموجّه إلى كل أناني.

يا أيها الأناني، إنك تقتل إنساناً بمجرّد أن ترمي رغيف خبز في القمامة، أو تُنفق على كلبٍ تتسلّى به، مفضّلاً إياه على طفل يتلوى جوعاً، أو عندما تبذّر أموالاً في غير محلّها.

إنك فقدت إنسانيتك، ولكن من يدري؟ ربما تدور الأيام (حروب كوارث أوبئة) ويأتي دورك، بان تفقد كلّ ما عندك، وتُصبح حياتك متوقّفة عل رغيف خبز، أو حبّة دواء تنالها من فاعل خير، وإلا فالموت سيكون حتماً من نصيبك.

والرب يسوع يخاطبنا بلغة الأمر: أحبب قريبك كنفسك، ومحبة النفس عند يسوع هي الاهتمام بخلاص نفسك الأبدي، فما عليك سوى خلاص نفسك بالدرجة الأولى، لأن الخلاص أهم من الرفاهية، ومن إشباع الشهوات، وحياة الأبد أهم من حياة الأرض.

ومن ثم عليك أن تخلّص غيرك، فيرتدّ خلاص غيرك عليك. يرتدّ هذا الخلاص بقوة المحبّة وبركة الله.

وإليك الدليل: فإن رحمت إنساناً في أيام ضيقه، سيرحمك الله بدوره طوبى للرحماء فانهم يرحمون أو إنه يُرسل لك من يرحمك أو إنه يرحمك في اليوم الأخير.

ولكن إن امتنعت عن مساعدة هذا البائس، فإنك ستقتله، وتكون قد ساهمت في قتل ذاتك في يوم الدين. إن من لا يرحم أخاه، من لا يحبّ أخاه فهو قاتل (ايوحنا3/15) والقاتل يُقتّل.

وفي المحبّة يشدّد أيضاً القديس بطرس بقوله: كونوا مشفقين بعضكم عل بعض (1بطرس3/1) وأحبّوا بعضكم محبّة شديدة (1بطرس4/8) وهذه الأمور لا يعملها من يحب ذاته.

 

فيا أخي، إن كنت حقاً صاحب إيمان فعّال، فلا مجال لك لتعيش الأنانية، الأنانية البغيضة التي ابتدعت لها وصيّة خاصةً بها.

فالأنانية تقود عالمنا الحاضر إلى الهلاك، إلى دمار نفسه ونهايته الحتميّة، وهذه هي خطة الشرّير للبشر، يريد هلاكهم.

وهنا يسأل القديس يعقوب في رسالته، عن وضع البشريّة: من أين فيكم الحروب، ومن أين الخصومات؟ أليس من أنانيّتكم؟ (يعقوب4/1)

لكن الدواء موجود، والخلاص مؤمّن، ولا خوف على المصير، مع الرب يسوع. وما على البشريّة الغارقة في أنانيتها وأطماعها وشرورها، سوى التوبة، والرجوع إلى المحبّة، وإلى مصدر كل محبّة، إلى الرب والمخلّص،  القادر بنعمته على شفائها وتجديدها.

 

الخوري منير حاكمه

القبيات، كانون الثاني 2010

 

back to Books