back to Books

 

 

::  طال خلافهما، فصالحهما الجحش  ::

         

-قصّة حقيقيّة عاشتها إحدى قُرانا، يومَ لم تَكُنْ بعد دوائر المساحة، قد أثبتت المُلكيّات لأصحابها في أوراق وقيود.

 

أخوان حبيبان راشدان ومتزوّجان، لهما العديد من الأولاد. والبيتان متجاوران، والأرض كذلك، يعيشان بهناء وسلام، وكل شيء على ما يرام.

إلى أن جاء يوم اختلفا فيه على مٌلكيّة الحائط  الفاصل بين أرضهما، وأصرَّ كلّ واحد على موقفه، دون تنازل. وتمادى الخلاف وعَلَتْ نَبْرَةُ الأصوات، وانهالت الإتّهامات والشتائم، وكثُرَت التهديدات، فوقعت القطيعة، وتكرَّس الزعل بين الأخوين.

 

وانتقلت الخلافات إلى الزوجتين، ومن ثم إلى الأولاد، فقاطع أولاد العمّ بعضهما البعض، ولم يعد للحبّ مكان في القلوب، ولا لِلَّعِبِ محلّ بين البيوت. وهكذا راحا يعيشان البُعد رغم تجاورهما، والغُربة رغم قرابتهما. لا سلام ولا كلام يجمعهما، فصار الحائط (موضوع الخلاف) سداً يفصلهما عن بعضهما، وحاجزاً يمنعهما من التواصل فيما بينهما.

 

وعبثاً حاول رجال الدين، والأصحاب والأقارب التدخّل فيما بينهما، ولكن دون جدوى. حاول من بعدها أكثر من مُحبٍّ، ومِمَّنْ لهم نفوذ أو داليّة، ولكن أيضاً لم يتوصّلوا إلى أي نتيجة، لأن القلوب قد تقسَّت، والعداوة قد تأصّلت ولم يعد من مجال، للتعايش ولا للمصالحة. حتى أصبحا في القرية مضربَ مَثَلٍ بالكُرهِ والعداوة، ويا لتعاسة هاتين العائلتين.

 

إلى أن حدث ذات يوم، أنّ حمار ابن عمّهما، (القوي البُنيَة) قد أفلت من رَسَنِهِ، وأسرَعَ راكضاً وهو (ينهَقُ بأعلى صوته)، إلى بغل أحد الأخوين المربوط في الدار، وتمكّن من عضّه في رَقَبتِهِ، ودار العِراك بينهما، وصاحبةُ البيت وحدها تصرخ في غياب زوجها، لا تعرف كيف تتصرّف، إلى أن شاهدت البغل يقع أرضاً، مستسلماً لهذا الجحش الشّرس فما كان منها إلا أن استنجدت بسِلفِها (أخ زوجها) مناديَةً بأعلى صوتها: (دخيلك يا سلفي – مات البغل، عجّل دخيلك).

 

أسرع سِلفِها بعصاه الغليظة وتمكّن من إبعاد الجحش: فَسَلِمَ البغل. شكرته زوجة أخيه وأثنت على مرؤته. وعندما عاد زوجها مساءً أخبرته بكل ما حصل، ثم وقفت أمامه وبلهجةٍ واثقةٍ، طلبت منه أن يرافقها إلى بيت أخيه ليشكره ويصالحه، إذ لولاه لمات البغل.

 

قام الزوج للحال متّجهاً نحو بيت أخيه، ومن الخارج ناداه قائلاً: (يا أخي، تقبر الزعل، جاي قلّك بلكي مننسى الماضي، أنا ممنونك، لولاك مات البغل وخسرت الشغل). فسارع إليه أخوه وتمّت المصالحة بأن تصافحا وتعانقا، وعادت المياه إلى مجاريها، بعد قطيعة دامت طويلاً.

 

جيّد أنهما تصالحا. لكن هناك عدة أسئلة تَطْرَحُ نفسها:

-  هل تصالحا حباً بالله؟ (سامحوا يسامحكم أبوكم)

-  لماذا كل هذه الفترة الطويلة من الخلاف، رغم وساطة الكثيرين؟

-  لماذا حدثت المصالحة بهذه السرعة، وبدون أي وسيط؟

 

نلاحظ أن الخلاف كان مادياً. (الطمع على ملكية الحائط)، والرضى كان أيضاً تفادياً لخسارة ماديّة، خسارة البغل.

 

فالسّبب الأوّل للخلاف هو الطّمع (حبّاً بالمال) وما رافق هذا الزعل من غضب وصراخ وشتائم وخلافات وغيرها، وكل هذه الأمور يعدّدها القدّيس بولس في خانة أعمال الجسد غلاطية5/19

 

وأعمال الجسد واضحة: الفجور والنجاسة، وعبادة الأوثان، والسحر والعداوات والخصومات والأطماع والغضب والمنازعات والحسد والسكر وغيرها وكل الذين يفعلون هذه لا يرثون ملكوت الله.

أما ثمر الروح فهو: المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف والصلاح والأمانة والوداعهة والعفّة وأمثال هؤلاء يعيشون لله.

فالذي يسلك بحسب الجسد يحصد من الجسد الفساد، والذي يسلك بحسب الروح يحصد الحياة الأبديّة. غلاطية6/8

 

الخوري منير حاكمه

القبيات، ايار 2010

 

back to Books