back to Books

ليس في كلّ الأعذار نجاة

 

            إنها مشكلة قديمة جديدة في حياة الإنسان، بدأت مع وجوده على الأرض، وما تزال تسبب له المشاكل والأتعاب، لأنه يسيء استعمالها أكثر الأحيان.

        تكون الأعذار مقبولة، إذا ما كانت مبنيّة على الصدق والصراحة، أو إذا تعهّد أصحابها باصلاح كل خلل حاصل بسببها، وبتحمّل نتائجها.

        ونجد في إنجيل (لوقا15/11) أن الابن الضال لو أنه قال لوالده: لست الوحيد الذي أخطأ، إنما جميع الذين في عمري يخطأون، وأين المشكلة؟ لما كان هذا التبرير (العذر) كافياً للحصول على صفح أبيه.

        لكن هذا الابن لم يعتمد على الأعذار، بل ذهب تائباً إلى والده، وفي توبته صِدْق، خطئت إلى السماء وإليك، وتحمّل مسؤولية عمله، لا أستحق أن أدعى لك ابناً، وأبدى استعداده لتعويض ما قد حصل، إجعلني كواحد من أجرائك، (لوقا15/19-21).

        وهكذا حصل الابن الضال على صفح والده ورضاه، مع استعادة كامل حقوقه كإبنٍ لهذا الأب الفاضل.

        أمّا الأعذار غير المقبولة، فلا عَدَّ ولا حصر لها. إننا نعتذر لنخلّص أنفسنا، ونعتذر لنُخفي أخطاءنا وعيوبنا، نعتذر كي نحمي كبرياءنا، أو لنتهرّب من مسؤولياتنا وواجباتنا، ولنبرّر كَسَلَنا وإهمالنا، نعتذر لنتخلّص من الدعوات الموجّهة إلينا، دعوات دنيوية كانت أم سماويّة.

        أعذار وأعذار نحمّلها الكثير من الاحتيال والكذب، ومن الافتراء والاتّهامات، مُلقين اللوم على غيرنا، وبهذا نسمح للشرّير أن يُصبح شريكنا في اختلاقها، وتعويج سُبلها. لهذا قيل إن طريق جهنّم مليء بالأعذار.

        وعلينا أن نفهم أن هكذا أعذار، لا تُنجّي أصحابها من العِقاب أو التأديب المترتّب عليهم، جراء تهرّبهم أو إهمالهم لمسؤولياتهم.

        ويُقال عذر أقبح من ذنب.

        ذات يوم داسَ أحد الفلاحين على قدم الأمير، فصرخ في وجهه قائلاً: ماذا فعلت؟ أجاب الفلاح بهدوء: عفواً سيّدي ظننت أني دُستُ قدم الأميرة!

        ولنا في الكتاب المقدّس شواهد عديدة على ما أصاب الذين اعتذروا.

        سأل الله آدم: لماذا أكلت من الشجرة المحرّمة؟ ردّ آدم وفي عذره بعضُ اللوم بحقّ الله إذ قال: إنها المرأة التي أعطيتني إياها.

لقد قال آدم إنها المرأة، ولم يقل زوجتي، لأن الخطيئة أفسدت كل شيء، حتى وصلت إلى العلاقة بين الزوجين، وأيضاً قسَّت قلب آدم فلم يعترف بغلطته، كي ينال المسامحة من الله، نعم لقد أفسدت الخطيئة علاقة الصداقة التي كانت قائمة بين الله وآدم، كان الله يتمشى معه في الجنة، لقد منعته خطيئته من التواضع، ودفعته للإنكار، وبالتالي لم يتكمن من أن يتوب، ولا أن يعترف بالحقيقة أمام الله، ولا أن يطلب منه السماح فيسامحه.

 

        لذلك كان عذره غير كافٍ فنال جزاءه، لقد طُرد من الفردوس مع امرأته. مع ما رافق هذا الحدث من آلام وأحزان وموت مُحتّم، موتاً تموت يا آدم يوم تأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ وقال أيضاً: ملعونةٌ الأرض بسببك، وبعرق وجهك تأكل خبزك، ثم قال لحواء: بالألم تلدين البنين .

 

        لأنه في حال وقوع الانسان في الخطيئة، ليس له سوى التوبة طريقاً للخلاص. إن لم تتوبوا، تهلكوا جميعكم. إن التوبة فرصة خلاصيّة للانسان، شرط أن تكون حقيقية.

        وفي مَثَلْ قايين الذي قتل أخاه هابيل، كان سؤال الله العارف بالأمر: قايين، قايين أين هابيل؟

        ردّ قايين معتذراً وبشكل تساؤل وقح، ولوم فاضح: أأنا حارس لأخي؟ (تكوين4/6)

لماذا تسألني هذا السؤال؟!

لكن الله تخطّى عذر قايين، ليُعْلِمَهُ ما سيناله من عقاب. ستكون تائهاً وشارداً في الأرض كل أيام حياتك.

        كما نجد في إنجيل الوزنات (متى25/24)، أن الذي دفن وزنته في التراب، قد حوّل عذره إلى إتهام مباشر لله. (سيّده). عرفتك رجلاً قاسياً تحصد ما لم تزرع، وكان جزاؤه على هذا النحو. خذوا منه الوزنة وأعطوها لمن له عشر وزنات، لأن هذا المعتذر لا يستحق وزنته.

       

ومن ناحية ثانية لنا أبطال في الايمان، كان بإمكانهم أن يعتذروا، لكنهم تخطّوا هذه الفكرة ليكونوا مثالاً حياً لكل المتخاذلين.

        مثل إبراهيم الخليل الذي رزقه الله ابناً في شيخوخته، وتعلّقت نفسه به. وإذا به يُفاجأ يوماً بقول الله: يا ابراهيم يجب أن تقدّم ابنك إسحق ذبيحة لي. حزن ابراهيم وتعذّب كثيراً، وسأل في نفسه: كيف لهذا أن يكون؟ لكنه قرر أخيراً أن يطيع الله بدل أن يقدّم الأعذار. ونجّا الله إسحق من الذبح، وصار أبراهيم أباً للمؤمنين، ومن نسله ولد السيّد المسيح.

        ولنا في مثل مخلّع كفرناحوم (مرقس2/1) والرجال الأربعة كيف واجهتهم مشكلة الحشود والازدحام، كيف نقبوا السقف ونال المخلّع الشفاء الروحي ثم الجسدي.

       

وأيضاً في مثل الأرملة الفقيرة (لوقا21/1) التي أرادت أن تدفع المتوجّب عليها تجاه الهيكل، ودفعت الفلسين، ولا تملك سواهما، وكأنها دفعت ذاتها وكل ما معها، فكان أن الله خلّد ذكرها بين البشر. ثمن ذلك فلسين.

 

وأنت يا أخي ما هو عذرك؟

        هل تحب الرب إلهك من كل قلبك، وكما يجب؟ أم أنك تعطيه من فضلات وقتك، وفضلات مالك واهتماماتك؟ وكأنك تتحنّن عليه من كَرَمِكَ، راغباً في صرفه عنك ببعض الدريهمات، أو ببعض الممارسات التقويّة. هل قداسك يوم الأحد مرهون بأوقات فراغك؟ أم بمزاجك المتقلّب؟

هل تعيش أحكام إيمانك ومتطلباته؟ أم إنه إيمان فارغ في الهواء. وكم من مرة سأل يسوع تلاميذه أين إيمانكم؟

هل تتغذى من القربان بانتظام؟ أم أنك في حالة جوع روحي ما من بعده جوع؟

هل تعرفت على إنجيلك هويتك وقانون إيمانك؟ أم إنك تعيش على الفتات، وما يصلك عبر القداس من كلمة الله؟

هل أنت مثقف روحياً بحسب مركزك، عمرك وشهاداتك؟ أم أنك أميّ في الحياة الروحية.

هل توصّلت إلى مرحلة النضوج الروحي؟ أي أنك توصلت لتتخلّص من الكذب والسرقة والغضب والشتائم والحقد والزنى...وغيرها؟ أم أنك ما زلت تصارع هذه التجارب، وتقع في بعض الخطايا، شأنك شأن طفل في الحياة الروحية.

هل تسلك بحسب إلهام الروح القدس؟ أم أنك لم تسمع به بعد، وأنك تسلك بحب شهواتك الجسدية. لأن يسوع يقول نزعة الجسد موت، ونزعة الروح حياة.

هل تعيش مسيحيتك كما يجب داخل الكنيسة وخارجها؟

هل أنت مُخلص وأمين، وموضوع ثقة، يجد فيك الآخرون سنداً ومساعداً لهم في احتياجاتهم؟

هل تحتمي بالأكثرية لتبرّر خطاياك؟ قائلاً الجميع يكذبون الجميع يشتمون... الكل يتبعون هذه الموضة أوتلك، لأنه غالباً ما يتّخذ الناس العادة كشريعة لهم.

 

أخيراً أريد أن أسألك هل الشريعة من صنع البشر أم أنها فرضة من الله؟

 

إن كان جوابك سلبياً فما هو عذرك؟

 

الخوري منير حاكمه

القبيات

تشرين الثاني 2009

back to Books