back to Book

بعثة إلى فينيقيا

 

المقدمة

ترافق النشاط الاستعماري الفرنسي في المشرق مع النشاط العلمي في استكشاف الآثار. ولكن علينا التمييز جيداً بين الجانب العلمي والجانب الاستعماري أو التبرير والتمهيد له.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر بتنا نرى الديبلوماسيين الفرنسيين، لا سيما القناصل، مندرجين في البحث في الآثار، وفي ظل مرحلة "ملكية تموز" عُرف كثير من الديبلوماسيين بلقب "القناصل الأركيولوجيين". ومنهم بونيون مكتشف الآثار البابلية في وادي بريصا.

في العام 1860-1861 ارسل نابوليون الثالث حملة عسكرية إلى لبنان، بموازاة "بعثة إلى فينيقيا"، برئاسة إرنست رونان، لتقدم لها الحماية والدعم.

يُعتبر رونان أب الأركيولوجيا اللبنانية، خصوصاً من خلال أعمال بعثته المعروفة باسم "بعثة إلى فينيقيا" التي أجرت أوسع عملية بحث وتنقيب في الأثار على الساحل اللبناني والسوري.

ركزت "البعثة" أعمالها في نقاط أربع هي من الشمال إلى الجنوب: أرواد وجوارها، جبيل، صيدا، وصور. هذا بالإضافة إلى جولات استكشافية في مناطق جبل لبنان والجنوب والبقاع والسهول بين حمص وحماة والمنطقة الممتدة منهما إلى  البحر المتوسط.

كان لعكار وجوارها نصيب ضعيف في اهتمام رونان، ولكننا لم نضرب صفحاً عنه، بل نعرضه هنا في تفاصيله.

ولقد وجدنا من المفيد أن ندخل في هذه المقدمة ما قاله عن عكار وجوارها أحد أبرز مساعدي رونان السيد لوكروا في مقال له بعنوان "رحلة إلى سورية"، وذلك لما فيه من بعض التفاصيل غير الواردة في الكتاب الصادر بعنوان "بعثة إلى فينيقيا"، بالإضافة إلى انطباعاته، فضلاً عن إقامته يومين في بلدة القبيات.

 

رحلة لوكروا إلى سورية[1]

(ص 33) فينيقيا

إذا كانت مدن فينيقيا وأهلها يشبهون ما نراهم عليه اليوم فلا بد أنها كانت مدناً فقيرة والفينيقيون كانوا أسياداً بؤساء. وإني لأعتقد أن شعباً في العالم لم يبلغ انحطاطه هذه الدرجة الشاملة. لقد نسي الفينيقيون المعاصرون الفن والتجارة والملاحة، بل إنهم نسوا حتى الكتابة. فبالكاد تلجأ بعض قوارب الصيادين للاحتماء في موانئهم، وأقل نفخة ريح تخيفها وتعيدها إلى مكان انطلاقها؛ شعب الملاحين هذا يخاف من الماء. وإنه ليدهشنا كون الممالك المجهرية التي كانت تؤلف فينيقيا قد لعبت ذلك الدور التاريخي. كان القدماء يضخمون الأمور: فأصغر صخرة تبدو لهم جبلاً، وباقة من الأشجار غابة، وأربعة بيوت مهملة مدينة، ويجعلون بركة الماء الصغيرة بحيرة، وجداول ذلك الزمن تصبح كأنها أنهار، هكذا كانت الأمور رائجة. وإني لأعتبر أن فينيقيا تدين بشهرتها لحد كبير إلى خيالهم الجامح. فإما أن مؤرخي العصور القديمة قد اختلقوا كل شيء عنها، وإما أن سكانها قد تقهقروا بشكل غريب.

كان هدف البعثة العلمية بإدارة إ. رونان أن تجمع وتدرس كل ما له صلة بهذا البلد المشهور بقدر ما قلما هو معروف. (ص 34) لم تكن المهمة سهلة: ففينيقيا هذه التعيسة، لطالما تعرضت للضرب والنهب والسلب مع كل عابر (الإسكندر في عدادهم) بحيث لم يبقَ لها سوى القليل مما لديها، وحتى هذا القليل المتبقي يبدو أنه لم ينتمِ إليها شرعاً، لكثرة ما أقتبسته أشور ومصر واليونان.

بدأت، في جبيل، أعمال التنقيب التي توسعت بفضل المساهمة السخية من الجيش (الفرنسي) إلى أربع مناطق معاً: صور، صيدا، عمريت (ماراتوس Marathus)، جبيل...

حوالي أواسط تشرين الثاني من العام 1860، سرية من فوج المشاة القناصة السادس عشر (الفرنسي)، المواكبة للبعثة وهي بقيادة المقدم رئيس الحملة، دخلت دخول الفاتحين إلى مدينة أدونيس المقدسة. ومنذ ذلك اليوم من العام 1266 الذي هربت فيه الحامية المسيحية ليلاً عبر بوابة سرية في شمالي جبيل لم تشهد المدينة جنوداً فرنسيين. مرّ الجنود وفي الطليعة منهم نافخو الأبواق أمام مصطفى غنوم Mustapha Gannoum، الذي انحنى لدى رؤيتهم، وهو أحد الحكام الأربعة، والوحيد من بقايا حزب صلاح الدين القديم[2]...

(ص 36) سكان سورية

لعل سورية البلد الوحيد من بين جميع بلدان العالم حيث يتجمع العدد الأكبر من الأعراق والأديان المتنوعة في أضيق مجال.

الموارنة، هؤلاء المسيحيون التابعين للكنيسة الرومانية، يسكنون خصوصاً في المنحدر الغربي للبنان بين بيروت وطرابلس، وإن كانوا ينتشرون مبعثرين في كل مكان. والدروز، أتباع دين مشهور جداً سره بخلوّه من أي دين[3]، يقطنون المتن وحوران وبعض مناطق السلسلة الشرقية. المتاولة، مسلمون شيعة، أتوا من بلاد فارس، يمتدون إلى الجنوب، في قضاءي صيدا وصور حتى جوار عكا، وإلى الشمال في في سهل بعلبك وعلى كل المنحدر الشرقي للبنان. أخيراً، من طرابلس حتى أنطاكية، هناك النصيرية، قوم المعرفة به ضعيفة، وهم منقسمون إلى عدة شيع أشهرها شيعة الحشاشين الذين يرأسهم شيخ الجبل. ثم هناك البدو والكرد والتركمان، وهم رحل على الدوام. ثم هناك اليهود، والأرمن الكاثوليك والمنشقون schismatiques، والروم الكاثوليك والمنشقون، والكلدان الكاثوليك والمنشقون، والمسلمون من العرق العربي والترك[4]. جميع هذه الأعراق والأديان تختلط في هذا البلد، ولقد عاشت فيه جنباً إلى جنب طيلة قرون، دونما أن يتمكن التجاور والتساكن، إن جاز القول، من تخفيف الأحقاد المتبادلة.

قوم المدن الساحلية مشرقيون، وهم على العموم حصيلة مزيج من العرب والإيطاليين واليونان والمالطيين. وهم هناك منذ أقدم العصور...

(ص 39) العرب الذين أثارتهم كثيراً عمليات التنقيب كانوا يراقبونها بكل دقة، فلم يصدقوا أن هدفنا ليس البحث عن الكنوز. وعندما لاحظوا أننا نجمع من الحجارة القديمة أكثر مما نجمع من قطع الذهب، بدأوا بالسخرية، ثم صرّحوا علناً عن قلة تقديرهم لذكاء العاملين. ذات يوم بينما كان المطلوب رفع الغطاء الثقيل عن تابوت حجري أحضر العمال رافعة. لدى رؤيتها لم يستطع الحضور إخفاء اشمئزازه، وارتفعت أصوات السخرية المرة، والقهقهة المستمرة. اعتبر الموارنة الرافعة كآلة إطفاء، وبالتالي بدا لهم السعي لرفع حجر ثقيل بآلة إطفاء مدعاة لمنتهى السخرية. ولكن دهشتهم جاءت متعذرة الوصف عندما شاهدوا هذه الآلة التي يحركها شخص واحد تقلب قطعة الغرانيت الثقيلة. والجنود بدورهم، لكثرة ما سمعوا العرب يتحدثون عن الكنوز المخفية والثروات المطمورة، شرعوا بالبحث بحماس منقطع النظير. وكان برفقتي رقيب متقاعد يُدعى روبيار Robillard، فإنه قال لي، بعد ثلاثة أشهر من التنقيب دون العثور على أي فينيقي يحتفظ بقطع نقدية من فئة 20 فرنك : "لا تحدثني عن مقبرة بيبلوس خاصتك هذه؛ فلم يُدفن فيها غير المتسولين".

 دور القناصل

يا لها من منطقة مثيرة سورية، ويا لها من سلطة غريبة أيضاً السلطة التركية. فهي المفروض بها تطبيق القانون تجدها بلا تأثير أبداً على البلد، بل تتركه كساحة صراع واسعة للدبلوماسية الأوروبية. فسورية فرنسية مرة، وإنكليزة مرة ثانية، وروسية مرة ثالثة؛ ولكنها لن تكون تركية أبداً. فمجرد قنصل، إذا ما تمتع بالجدية والحماس، يغير ببضع سنوات عقلية السكان ويستطيع اكتساب سلطة هي بالتأكيد أكبر من سلطة الباشوات، أي السلطة القائمة والمعترف بها.

لقد تغيرت الوسائل السياسية اليوم، في ما مضى غالباً ما كانت الوسائل الأعنف والأكثر غرابة هي مصدر النصر في هذه المعارك الدبلوماسية.

تمنح الحماية، أي نصف الجنسية، تقريباً لكل من يرغب بها. العربي، المحمي، يتخلص من قضاته الطبيعيين، وبذلك يلجأ إلى الأعمال البعيدة عن الاستقامة. وعندما تقرر فرنسا التخلص منه ومعاقبته، إذا كانت هي التي اختارها لتمنحه الحماية، فإنه يلجأ إلى القنصلية البريطانية. وهكذا تسحبه إنكلترا من فرنسا، وبذلك يستمر المحمي في أعماله الفاضحة. وينتقل من ثم إلى روسيا والنمسا وإسبانيا وإلخ...؛ ثم يصبح ثرياً وهاماً ومعتبراً، وبالتالي يصبح قادراً على السخرية بدوره من الحكومة التركية ومن حماته وحمايتهم. لكل دولة رجالها وتراجمها وامراؤها ومقاتلوها أو خدمها، وعندما تستخدم إحداها عربياً قادراً على القيام بأمور كثيرة، تستخدم الأخرى واحداً قادراً على القيام بكل شيء. وعلى هذا النحو يستمر الجميع.

(ص 48) انتهت عمليات التنقيب في جبيل، فحضر الطراد البخاري لو كولبير le Colbert، في 30 آذار، لينقل سرية المشاة القناصة إلى جوار طرطوس، في الموضع الذي كانت تقوم عليه ماراتوس قديماً... وصلنا في نفس اليوم مع مغيب الشمس بعد أن مررنا قبالة طرابلس، وكانت أمام ناظرنا طرطوس وجزيرة أرواد المشهورة. سهل فسيح أخضر يمتد من شاطئ البحر حتى سلسلة صغيرة من التلال تحده من الشرق. وإلى الجنوب ترتفع قمم لبنان الشاهقة المكللة بالثلج حيث تسد الأفق. إلى الشمال تنتصب قلعة تمتد قاعدتها إلى البحر المتوسط: إنها طرطوس. أما جزيرة أرواد فهي مقابلها على بعد فرسخين من اليابسة، حيث تطل من البحر بيوتها الصغيرة التي تقارب الألف ومرفأها وأسورها القديمة، كما لو أنها نصف مدينة ما تزال ظاهرة بعد أن تعرضت للطوفان. وإلى البعيد في السهل نرى مشاهد غريبة وهائلة يترائى خيالها في السماء الصافية. أرخت لو كولبير مرساتها على مقربة من جزيرة أرواد.

طرطوس وقمم الشرق يقطنها النصيرية، قوم من الفقراء، في صراع دائم مع السلطات التركية وإرهاب السوريين. وما أن توقفنا حتى وصلتنا أخبار غير مطمئنة: جاء من يخبرنا من أرواد أن النصيرية يعارضون نزولنا؛ ثم أنهم باشروا بزحفهم، وأخيراً أنهم حوالي ستة آلاف رجل يتخفون خلف كثبان الرمل على الشاطئ بانتظارنا. وبما أنه كان لا بد من النزول، تقرر أن الطراد يقترب صباح الغد ما أمكنه من الشاطئ فيكون جاهزاً لتمشيط الساحل بقذائفه، بينما سرية المشاة، حوالي مئة رجل، تتخذ موقعاً على تلة صغيرة معزولة، حيث يبدو الدفاع أسهل. وما أن تبلغ الموقع عليها البقاء فيه ثمانية وأربعين ساعة، في غضونها يذهب الطراد ليأتي بالدعم. ولم تكد الشمس تبلغ الأفق حتى بدأت المناورة. اقترب الطراد ليقف بفامة على 200م من اليابسة، وتم توزيع عبوات البارود على رماة المدفعية، وفتحت كوة السفينة فنزلنا منها إلى الزوارق. كانت الكثبان تحجب عنا الأرض تماماً. تقدمت السرية بصمت حتى المرتفع المحدد لها، ثم تسلقنا التلة ركضاً، وما أن بلغنا القمة حتى دوى صوت صارخ: "عاشت فرنسا!". نظرنا إلى تحتنا في السهل، فإذا بأرنب يدفعه هذا الصوت إلى التغلغل في العشب، شاهدناه يهرب إلى الشرق. كان ذلك هو الكائن الحي الوحيد الذي بدا لنا في الأفق...

(ص 60) (لوكروا آتياً من حماة فحمص يتابع كلامه) كان علينا المسير ليومين بعد، وقضاء الليل قي قرية صغيرة، القصر (الأقصر El-Okser)، حيث كدنا نموت اغتيالاً على يد حوالي أربعين بدوياً، قبل بلوغ سهل البقاع وأول تضاريس لبنان. وبعد أن تابعنا سيرنا جنوباً، رغبنا اجتياز لبنان والهبوط إلى الأرز على المقلب الآخر، ثم العودة ثانية إلى البقاع واجتيازه عرضاً حتى بعلبك.

استضافنا شيخ متوالي يقيم مع بعض الرعاة في عمق واد، وأوقد لنا ناراً قوية بإشعال شجرتي أرز. هذا الجانب من لبنان مغطى بالغابات. والكثير من أشجارها قد حرقه في مكانه المتاولة...

وصلنا أخيراً إلى أعلى قمة في لبنان. يا له من مشهد رائع يمتد أمامنا: إلى الشرق، البقاع والسلسلة الشرقية؛ إلى الشمال، السهول التي كنا قد عبرناها والصحراء التي هي امتداد لها؛ إلى الغرب، الساحل وجبيل وطرابلس والبترون، وآلاف وديان لبنان، الأرز، وأخيراً البحر الأزرق الفسيح الغارق في السماء. أما الأرز (ص 61) فهذه خدعة. فبالكاد لا نجد 10 أو 12 شجرة أرز جميلة فعلاً وتستحق الإعجاب. وهي الضائعة في خضم هذا المشهد الهائل، لا تبدو فيه غير مجرد نقشة. وفي وسطها بنى الموارنة كنيسة. لو كانت في فرنسا لكنا فتحنا فيها مقهى. وفي اليوم التالي عدنا أدراجنا وبلغنا بعلبك[5].

 إلى جبل عكار

بعد يومين على مغادرتي اللاذقية، انطلقت من طرابلس إلى حصن السفيرة وجبل عكار ومنابع العاصي. حصن السفيرة الواقع في الجبل العالي شرقي طرابلس هو معبد يوناني قائم اليوم في موضع أجرد، على قمة مرتفعة. كل هذا القسم من لبنان الممتد من أهدن والأرز حتى قلعة الحصن، أكثر القلاع غرابة وأقلها معرفة بها، مليء بالآثار؛ ولا يوجد أي درب ليرشد من يجوبه، ما يضطر الزائر على سلوك ممرات الجداول ويخوض الغابات ويتسلق الصخور. حصن السفير محفوظ بكامله تقريباً. ولعله كان صغيراً وبسيطا: كانت تكفي لزينته الخارجية بعض الأعمدة الناتئة في أعلاها.

جبل عكار الذي دخلته في اليوم التالي تغطيه الغابات الكثيفة التي تقطعها الوديان الضيقة، وتتخلله الأنهار وممرات السيول، وهو موضع مهجور ووحشي تماماً، لم يزره الرحالة أبداً. ويكاد لا يتجاوز من قصده من الأوروبيين غير اثنين أو ثلاثة. تهبط الجبال في الوديان عمودياً كأنها الأسوار؛ ويغطي الثلج القمم حيث تتساقط منها شلالات تتلاشى بين الأشجار. لا يوجد في سورية نظير لهذا الموضع، هنا لا وجود للمنحدرات الحادة الجرداء والمزروعة بالحجارة، بل يوجد على العكس غابات، وأشجار شاهقة الارتفاع، والخرنوب والجميز، والعنب البري المتسلق على الأغصان مغطياً اشجار السنديان بقباب من الخضار تحرمه من الهواء وتخنقه أحياناً؛ ويحجب الياسمين البري الأدغال تحت (ص 62) خمار أبيض؛ والسرو ينبت جنباً إلى جنب مع الليمون؛ وتكثر فيه الأزهار بكثرة الأعشاب؛ ورود برية ونباتات معترشة وبخور مريم ونباتات زاحفة؛ نبات أوروبا ونبات آسيا يجتمعان في الوهاد حيثما توفر لها قليل من الضوء ومن الماء.

(يومان في القبيات[6])

سكانه المتفرقون، على قلتهم من النصيرية والمتاولة والمسيحيين أو المسلمين، يعيشون في بعض مواضع هذه المناطق المعزولة. اللصوصية فيه منظمة على نطاق واسع. هناك من ينهب، وينصب الكمائن، ويقتل. وقلما يخرج السكان من جبالهم: لا تتوفر لهم الطرق للتواصل مع بقية سورية؛ منعزلون في الغابات فقلما يسافرون، وبالكاد وضعوا بعض جذوع الأشجار على الأنهار الكبرى كجسر للعبور. بيد انه في وسط هذه المنطقة، في القبيات coubaïat، ثمة راهبان أحدهما من نيس[7] Nice والآخر من أريزّو[8] Arezzo أتوا إلى هنا لبناء دير يعيشون فيه لوحدهما. بقيت يومين عندهما، فوجدتهما لا البعد عن الوطن ولا بؤس منفاهما الإرادي ولا اختلاطهما المستمر بالعرب قد أضعف من لطافتهما الودودة، من هذه اللياقة المرهفة التي تميز في كل مكان الإكليروس الإيطالي.

عدت من جديد إلى قلعة الحصن، ومنها إلى الشرق في السهول المحيطة بحمص، ومن ثم في الصحراء...

ثم عدت إلى البقاع، وبلغت منبع نهر العاصي عند سفح لبنان، ينطلق من حوض عميق تظلله أشجار باسقة. يبدأ النهر كسيل مندفع في الربيع... على مسافة قصيرة منه ينتصب في السهل النصب المعروف باسم قنليس[9] الهرمل Kanlis-el-Hurmul، قاموع الهرمل. يستند إلى قاعدة من خمس درجات ويتألف من ثلاثة أجزاء: مكعبين فوق بعضهما وهرم. عند كل زاوية منه يوجد عمود، وعلى كل أوجه المكعب الأول نقش تمثال. يبدو أن هذا النصب البالغ الأهمية يعود إلى الزمن الروماني. ثمة مجموعة من المغاور تحمل اسم مار مارون موجودة في وادي نهر العاصي، على مقربة من منبعه. يشكل ذلك داراً بثلاثة طوابق مفرغاً بكليته داخل الجبل؛ نوافذه وأبوابه وخزائنه وأدراجه كلها محفورة بعناية كبيرة في الغرانيت. وكل ذلك اليوم مهجور. وبعد ان اجتزت لبنان مجدداً[10]، قضيت يومين في طرابلس، ثم صعدت إلى الجبل المسيحي.

في تنورين صادفت البطريرك الماروني في جولة رعوية، ممتطياً بغلة بيضاء، مرتدياً ثوباً أحمر، ويتبعه الأساقفة. كان يتجول في كل البلاد وسط ترحيب الشعب المتجمع على طريقه. كانت المنحدرات والدروب الوعرة والصخور مغطاة بالبشر؛ وكانت الوديان تردد صدى طلقات البنادق ودوي الهتافات. تناول البطريرك طعام الغداء في تنورين: قدموا لنا خروفين محشوين بالرز. أما الخبز الموضوع تحت الطاولة، تبعاً لعادة البلاد، فقد كان بمثابة وسادات تحت أقدام الضيوف العارية...

نص إرنست رونان[11]

(ص 114) ليس لدينا غير القليل من المعطيات لنضيفه إلى تلك المعروفة عن السهل الواسع والمقفر الممتد من عمريت Amrit إلى طرابلس. فآثار هذه المنطقة من أكثر آثار سورية عمقاً وأكثرها صعوبة في استكشافها. لقد نجم تخلف سورية دوماً عن هؤلاء البدو اللصوص (أكراد، (ص 115) عرب، إلخ) الذين لم تتمكن أي إمبراطورية من إخضاعهم. وإذا كان الجبلُ قد حفظ الساحل الممتد جنوبي طرابلس من غزواتهم، فإن شيئاً لا يقف عقبة بوجههم ما أن يدخلوا الفرجة القائمة عند طرف جبل عكار، حيث كانت هذه العشائر تصل إلى البحر كالسيل الجارف. بيد أنه تندر المناطق المشابهة لهذه المنطقة بما حبتها الطبيعة من مزايا. ففي كل مكان منها تغطي الأرض طبقة سميكة من التربة الخصبة، كما يخترقها الكثير من مجاري المياه، أهمها النهر الكبير. إنه من أهم أنهار سورية، وهو المعروف قديماً باسم إلوتيروس Eleutherus. كما سماه البحارة اليونان إلفليتوس Elfletos، كتصحيف لاسم  ([12]). إن مثل هذه العناصر في خصوبة الأرض، ومزايا الموقع الجغرافي الذي يربط هذه المنطقة عبر وادي النهر الكبير (البقيعة) بسورية الداخلية (البقاع)، لمما يُفسر أسباب نشوء المدن العظيمة الأهمية، منذ أقدم العصور في هذه البقعة. وإزاء كل خطوة يخطوها المرء يجد أمامه العاديات والآثار. ولقد كانت دواثر المدن المهجورة، لعدة قرون خلت، مواقع منها توفرت المواد اللازمة لما بناه الفرنجة والمسلمون في مناطق طرطوس وطرابلس.

ومما لا ريب فيه أنه علينا أن نحدد في هذا السهل موقعي اثنين من أقدم المدن في العالم، وهما مدينتا سمرة  وعرقة  اللتان ورد اسما من سكنهما في الفصل العاشر من سفر التكوين، إلى جانب الأرواديين. ولقد ظهر اسم السماريين في مرحلة لاحقة في سيميرا Simyra، التي يجب موضعتها على ما يبدو في موقع زمرة Zimreh أو سمرة Sumrah، بالقرب من النهر الكبير[13]. وليس هناك أدنى شك بوجوب البحث عن عاصمة العرقيين في عرقة أو قيصرية لبنان، فتل عرقة، الواقع على 20 كلم شمالي شرقي طرابلس، يعتبر حقل آثار عظيمة[14]. ولا ريب في أن أهمية المدينة في العصر الروماني وفي زمن الصليبيين تستند إلى إرث يعود إلى زمن أقدم بكثير. (ص 116) ولقد أخبرني الخوري السمعاني، من طرابلس، أنه لاحظ نقشاً في تل عرقة، بالقرب من قنطرة الجسر[15].

ثمة مواقع سكنية أخرى عديدة وُجدت سابقاً في هذا السهل الخصب[16]. منها مدينة واحدة، غير التي ذكرناها، بلغت شيئاً من الشهرة: إنها مدينة أرطوسية Orthosie. ويجب على الأرجح البحث عن موقعها في موضع أرطوسي Arthusi، على مسافة 12 كلم شمالي طرابلس، على شاطئ البحر، بالقرب من مصب النهر البارد[17]. لقد اندثرت كل أبنيتها، بل إن أرضها تعرضت للتنقيب على عمق كبير.

لم نقم بغير استكشاف مقتضب لجبل عكار الذي يلفت النظر، على العموم، بروعة طبيعته البكر وبسحره كمنطقة برية[18] أكثر مما هو بفعل ما فيه من آثار عظيمة. إن السيد لوكروا Lokroy هو الذي قام بجولة سريعة في هذه النواحي التي رسم معالمها، بعناية فائقة، في تقرير طوبوغرافي، السادة ضباط قيادة البعثة العسكرية إلى سورية. قبل هذه الأبحاث كان جبل عكار أرضاً مجهولة. سأقدم هنا بعض الملاحظات التي جمعها السيد لوكروا في هذه الجولة:

"بعد أن غادرت حوارة Hawara، متجهاً إلى عكار، مررت بقرية عدبل Debel ou Debaïl حيث عثرت على الكثير من الحجارة التي بدت بوضوح أنها قديمة. وإلى الأسفل، في النبي موسى، عثرت في قعر الوادي على بقايا أبنية على شيء من الضخامة، مستورة خلف أشجار الغابة؛ بيد أنه مع الأسف تم استعمال حجارتها في بناء قرية صغيرة، ولم أتمكن من العثور على غير بقايا عمود وبعض الحجارة المنحوتة.

"تحتوي منازل جبرايل Abraïl حجارة قديمة بالتأكيد. وفي بلدة عكار، ثمة من قادني إلى برج مبني بحجارة صغيرة، تعرفت فيه إلى بناء إسلامي الطراز بالنظر إلى شكل بابه ذي القوس القوطية، والمزين ببلاطات سوداء وبيضاء على التوالي.

آثار القبيات

(ص 117) "تشكل القبيات Cobbaïet نوعاً من مركز لهذه المناطق النائية. بالقرب منها، في حلسبان El-lesbey، ثمة بناء شاسع قديم، بقي منه جداران. حجارته كبيرة جداً، ولا تحمل أثر الملاط، وهي مبنية بطريقة رائعة، فوجه الحجر المعد ليلتقي بحجر آخر مقعر قليلاً، مما يجعل الحجرين يتركان بينهما نوعاً من مجال فارغ، وهو محجوب تماماً عن الخارج خلف حافتي التقعير اللتين تتلامسان. لم أرَ بقايا أعمدة، ولكني لاحظت وجود كوة مربعة داخل الحائط كتلك الموجودة في قلعة صربا، يحيطها إطار من الطراز اليوناني.

"ومن هناك اتجهت إلى مكان قريب، بوتويج Boutouedj، لأرى ما وُصف لي بأنه آثار مثيرة، فلم أجد غير منزل من الواضح أنه حديث البناء. وبينما كنت أتفحص الجوار لاحظت وجود حجرة عميقة محفورة في الصخر، ولكنها قليلة الأهمية".

انتقل لوكروا من جبل عكار إلى قلعة الحصن، ومن هناك بلغ وادي العاصي. ويتابع لوكروا: "وجدت في تل النبي مندوم[19] (مند) Tell el-Nabi Mindaum، على مقربة من قرية الأقصر (القصر) El-Okser كثيراً من بقايا الأعمدة، وصفاً متكاملاً من الأعمدة التي لم يبقَ منها غير القواعد. لم أجد في جوسية القديمة التي وُصفت لي بأنها موقعاً اثرياً[20] غير برجين بناؤهما غير متقن، ومن حجارة كثيرة الشبه بحجارة قلعة جبيل".

كان نصب الهرمل الشهير هو الغرض الأساسي الذي من أجله أرسلت السيد لوكروا إلى تلك النواحي[21]. وجاء السيد لوكروا من هناك برسم للنصب أفضل من تلك الرسوم الموضوعة عنه حتى الآن[22].

يقول لوكروا: "تم تصميم النصب المعروف باسم "قاموع الهرمل" Kamoa el- Hurmul بنفس مخطط قبب عمريت Amrit، ولكنه منفذ بمقاييس أكبر بكثير وبوسائل مناقضة تماماً. فالحجارة المستعملة هنا صغيرة، وبما أن الزمن لم يأتِ عليها كثيراً فإن مجموعها يبدو وكأنه حديث البناء نسبياً. يستند النصب إلى قاعدة مكونة من خمس درجات من الحجر الأسود. وهو (ص 118) يقسم إلى ثلاثة أقسام: مكعبان فوق بعضهما، فوقهما هرم. ويوجد على كل زاوية عمود ناتئ خارج الزاوية، ويزين كل وجه من وجوه المكعب الأسفل نقش يمثل حيوانات وأسلحة وعدة للصيد. أما المكعب الأعلى فلا يزينه غير أعمدة قليلة البروز. وهذا النصب غير فارغ، ما تبيناه بسهولة بحكم انهيار جهته الجنوبية الغربية. قادتني مقارنة النصب بمغازيل Méghazil عمريت بالطبع، إلى البحث عن مدخل لمدفن في الجوار. لم أعثر على شيء. وعلى العموم، بعد معاينتي المتأنية للنتوءات والأعمدة وطريقة تنفيذ النقوش والحجارة التي أظن أني تعرفت على أثر الملاط فيما بينها، بدا لي أن هذا الضريح لا يمكنه أن يعود إلى الزمن السحيق لنُصب عمريت".

إني أتبنى هذا الشعور تماماً. وبرأيي، أخطأ راولنسون Rawlinson عندما اعتبر نصب الهرمل ضريحاً (ص 119) أشورياً قديماً[23]: إنه ما يمكن أن نسميه نصباً سورياً حديثاً néo-syrien، مبنياً في زمن حديث على الطراز العام للنصب القديمة في البلاد (هرم رباعي فوق مكعب). وإننا لنصادف نفس الأشكال في ضريح سمسيغراموس، بالقرب من حمص، وهو يعود إلى زمن الأنطونيين[24] Antonins. نجد اسم هرمل هذا في لبنان، في موضع يُسمى الناووس ، بالقرب من قرية شبطين[25]. وهو يعني جمل chameau، هذا الاسم الذي كان يحلو لمخيلة العرب الغريبة أن تصف به القبور القديمة. وإني لأتساءل ما إذا كان هناك بعض الالتباس، وما إذا كان الاشتقاق الأولي للاسم هو من كلمة "هرم"، أو ما إذا كان الحرف ل نوعاً من أدوات التصغير، أو أن أصل هذا الحرف ل في أيل "إله".

"أظن أن مار مارون[26]، الواقع على مقربة من "عين العاصي" إلى الجنوب، كان مجموعة من المغاور الطبيعية، تم نحتها بانتظام من الداخل، واستخدمت عبر عصور مختلفة، كمساكن أو كحصن. كان العمل في تفريغها هائلاً، ويذكر بالجهد المبذول في مغارة جبيل الكبيرة. وثمة بناء حديث نسبياً، تتخلله كوات للرمي يحجب المغاور كلياً، ويجعل الناظر من وادي العاصي إلى هذا المكان لا يرى غير حائط جديد تماماً يستند إلى الصخور. وبعد اجتياز نتوء وعر وصلنا أخيراً، باستعمال نوع من صقالة، إلى غرفة قدّرتها بعمق 8 أمتار وبعرض 14 متراً. وهذه الغرفة مقسومة نصفياً بحاجز صخري ضخم. وعلى اليمين ثمة باب يؤدي إلى غرفة أخرى أصغر منها، ولكنها أفضل منها نحتاً؛ وهناك باب ثان في آخر الغرفة ينفتح على غرفة ثالثة بحجم الأولى، وتحتوي على بضع كوات، قوسها الأعلى عبارة عن عقد كامل بارز الملامح. وإلى يسار ونهاية هذه الغرفة نفسها هناك درج محفور في الصخر يؤدي إلى الطابق العلوي. وهنا ثمة ممر ينتهي بنوع من الصومعة حيث لاحظت وجود كوة. أخيراً، نصل بواسطة جذع شجرة، ومن خلال فتحة (ص 120) في سقف الممر، إلى طابق ثالث أوسع من الثاني، ولكن يبدو أن بناءه لم ينجز أبداً. كان يضم ثلاث غرف وبضع كوات. وهنا أيضاً فإن بناء النوافذ حديث، وكذلك عتبة الأبواب".

بما أن كل منطقة طرطوس وطرابلس قلما هي معروفة، أرى من اللزوم أن أُدرج هنا لمحة تاريخية هامة، أعدّها لي كاهن ماروني من طرابلس، ينتمي إلى عائلة السمعاني المشهورة، وهو جدير بالاسم الذي يحمله لتذوقه العلم. إن تأكيدات هذا الكاهن المحترم قد تحتاج، في بعض المسائل، إلى التصحيح أو التدقيق، ولكن الدهشة ستأخذنا بالأحرى لأنه تمكن من الوصول إلى مثل هذه النتائج، باستناده إلى القليل من المصادر وفي ظروف غير ملائمة للغاية.

 

نبذة تاريخية حول أبرشية طرابلس الشام[27]

طرابلس: توفي الأمير بوموندو Baomondo عام 1287. وكان قد بنى قصراً صغيراً في مقاطعة الكورة، استولى عليه لاحقاً الروم الأرثوذكس وحولوه إلى دير لرهبانهم، وهو لا يزال حتى الآن، وأطلق عليه اسم دير سيدة البلمند[28].

عندما علم السلطان قلاوون بالمشاكل التي يعانيها الفرنجة في طرابلس زحف بجيش هائل، وكتب إلى والي دمشق حسن الدين لملاقاته بقواته. بدأ الحصار على طرابلس يوم الجمعة في الأول من شهر ربيع الأول، واستمر ثلاثين يوماً. وهكذا سقطت المدينة بعد هذا الحصار الدموي من قبل المسلمين، ومات فيه الكثير من الجانبين، وقتل كذلك الكثير من المسيحيين الذين جاؤوا من الجبال لمساعدة الفرنجة.

يقول المؤرخ ابن أيوب Eben-Ajub، وكان شاهد عيان: "اجتاز المسلمون على خيلهم البحر حتى وصلوا إلى جزيرة القديس توما، وكانت تعرف باسم جزيرة النخل، وهناك قتلوا الكثير من الرجال والنساء الذين هربوا إلى تلك الجزيرة، وأسروا البعض منهم، وأعطى السلطان أوامره بتدمير المدن الثلاث المكونة لطرابلس. ثم تم بناء المدينة الجديدة في "وادي الكنايس"[29] (الكنائس) على مسافة ميل من مدينة طرابلس القديمة. وتم تحويل الكنائس إلى جوامع، وبقيت الأديرة على حالها (دون تدمير) وتحولت إلى مدارس لتعليم أبناء الأتراك[30]، وما تزال على هذه الحال حتى يومنا. وتم تحويل ممتلكات الكنائس إلى الجوامع والمدارس. استمر الفرنجة مسيطرين على طرابلس مدة 178 سنة. ومن هناك مرت جيوش المسلمين إلى جبل لبنان وكسروان، فدمروا وأحرقوا البلاد. لقد قُتل الفرنجة الذين هربوا للالتجاء عند مسيحيي الجبل، وقُتل مسيحيو الجبل الذين استقبلوهم وساعدوهم. هكذا جاء وصف الأمور عند المؤرخ المسلم.

بعد الحروب الصليبية صارت المدينة مقراً لمطران النساطرة، وكان يوجد فيها معهد تابع لهم. وفي هذه المدينة تابع ابن العبري، الكاتب السرياني الشهير بمفريان الشرق، دراساته. وبقيت في طرابلس كنيسة صغيرة للسريان، وهي الآن ملك الموارنة. وفيها أيضاً مزار على اسم القديس بهمان S. Bahaman، وذلك كما لاحظ نسيبي المونسنيور يوسف السمعاني في مجلداته الأربعة في روما والمشهورة بعنوان "المكتبة الشرقية" Biblioteca orientale.

طرابلس اليوم هي مقر الأسقف الماروني، المطران بولس مسعد؛ ومقر لأسقف الروم الأرثوذكس، المطران صوفرونيو، وهو من مواليد دمشق؛ ومؤخراً تعين فيها أسقف للروم الكاثوليك، المونسنيور إيوتنجي Iutungi، من مواليد حلب، وهو لم يستمر مقيماً في المدينة لقلة حجم رعيته.

ثمة آثار متنوعة في هذه المدينة، ولكن مرور الزمن أدى إلى تلفها. وأتلف المسلمون النقوش والكتابات والآثار الدالة على الأمراء المسيحيين، ووضعوا مكانها كتابات عربية، وفي وقت قصير غيروا واجهة الأبنية الكبيرة. ويبدو اليوم وجود الفن الهندسي الذي لم يكن معروفاً عند المسلمين. ويوجد فوق حمام شعار مكون من غزال إلى جانبه غزالين صغيرين يرضعان. وعلى واجهة هذا البناء الضخم الذي كان كنيسة نستطيع قراءة اسم القديس يعقوب S. JACOBUS منقوشاً بالحروف اللاتينية.

بالنسبة للعائلات المسلمة (التركية) لا توجد بينها عائلة عريقة في طرابلس. ولكن لا تزال توجد عائلة مارونية معروفة باسم البرنس، وهي لفظة فرنسية، ويُقال أنها عائلة قديمة موجودة منذ الحروب الصليبية.

الكورة: استمدت هذه المقاطعة اسمها من شكلها الجغرافي. ويسكنها حالياً المسلمون (الأتراك) والروم الأرثوذكس والموارنة والمتاولة أتباع علي. كانت هذه المقاطعة قديماً تابعة لولاية طرابلس. ومنذ حوالي 450 سنة نقل إليها السلطان سليم من كردستان عائلة من الأمراء الأيوبيين، وولاّهم حكم هذه المقاطعة، ليكونوا سداً بوجه تعديات "أمير حمادي" (حمادة)، حاكم الجبل المشرف على طرابلس. ولقد احتل هؤلاء الأمراء الكثير من القرى وتكاثروا وازداد عددهم. وعندما جاءت عائلة "بيت العذار" استولت على قرية أميون، في ظل حكم الأمير يوسف شهاب، واضطر الأمراء الأكراد إلى التخلي عن نصف مقاطعة الكورة. وهذا ما أدى إلى قسمة الكورة قسمين: الكورة "كورة العالية"، والكورة "كورة التحتا".

الكورة التحتا بيد الأمراء الأكراد الذين افتقروا تدريجياً وصاروا مؤخراً فاقدي الوجاهة، وخسروا حكم المقاطعة. وكان مقرهم القديم راس نحاش في القلعة "القلع"[31] Ras-Necas nel Kalâ، وهم يملكون ثلاث كنائس مندثرة يعود بناؤها إلى زمن أباطرة القسطنطينية. وأفضل كنيسة توجد في قرية النخلة، وسُميت بهذا الاسم لأنها تقع في أعلى موقع في الكورة. ولقد احتفظ الأمراء الأكراد بلقبهم على الرغم من افتقارهم، وإلخ.

"الكورة الفوقة": تتبع حالياً حكام الجبل، وهي الآن بيد بعض وجهاء بيت العذار، وهم من الروم الأرثوذكس. يعود أصل هذه العائلة إلى رجل أتى من قرية "أزرع" في حوران، وسكن أميون عاصمة هذه المقاطعة، واستولى على كثير من الأراضي. وحصل من والي طرابلس على الحق في مشاركة الأمراء الأكراد في حكم مقاطعة الكورة، ومن ثم تقاسم معهم الأراضي، كما تقاسم السلطة.

اشتهر أحد هؤلاء الأعيان من الروم الأرثوذكس، وكان يُدعى باسم مرعب لشجاعته ومواهبه، ومن خلال حنكته حصل على حكم كل عكار من الباشا حاكم طرابلس، واستمر حكمه في عكار سبع سنين. هذه العائلة فقيرة حالياً، ولقد تكاثرت وازداد عددها، وكانت قد حصلت على حكم المقاطعة من حكام الجبل، وفقدت هذا الحكم بفعل الترتيبات الجديدة.

الزاوية: استمدت هذه المقاطعة اسمها من طبيعتها الجغرافية على شكل زاوية. يقطنها الموارنة والمسلمون والقليل من الروم الأرثوذكس. كانت سابقاً تابعة للحكم في طرابلس. ثم حكمتها عائلة حمادي، ثم استولى عليها حكام الجبل، وصارت بيد عائلة مارونية من "بيت الضاهر". وأصل هذه العائلة من قرية "بقوفا" التي هدمها الثلج الكثيف، وبعد ذلك حرقها سكان إهدن، وكان بعض الهراطقة اليعاقبة أتوا إليها من الزاوية، وأقاموا في قرية "كفرحورى" Kafarhaura، عام 1600 ميلادي. وحصل أحدهم "الشيخ مخايل"، وكان قد صار مشهوراً، على حكم المقاطعة للمرة الأولى من الباشا والي طرابلس. وحافظ على حكم المقاطعة حتى يومنا هذا، وصار سيد الأراضي والأملاك في كل هذه المقاطعة حتى النهر البارد على حدود عكار. واشتهر من هذه العائلة المدعو كنعان باستعمال السلاح وركوب الخيل، فصار مضرب الأمثال. ولكن المسلمين حسدوه ووشوا به، فزجه والي طرابلس في السجن. ولم يكن قد ارتكب أي جريمة، ولكن بسبب أنه مسيحي. وأعدم بقطع رأسه في 2 شباط 1740، فأخذ المسيحيون جسده ودفنوه في طرابلس. وحتى الآن لا يزال حكم هذه المقاطعة بيد آل الضاهر، ولكنها أصبحت ضعيفة.

"الضنية": أصل اسم هذه المقاطعة يوناني: داناوس Danaos، ولا يزال فيها حتى الآن الكثير من الآثار والكتابات اليونانية القديمة، وفيها أيضاً معبد إلهة الصيد ديانا Diana Iddio، ولعله لذلك سُميت الضنية. وهذه المقاطعة كناية عن غابة للصيد، تقع ضمن سلسلة جبال لبنان. يقطن هذه المقاطعة مسلمون وموارنة وروم أرثوذكس. وتحكمها عائلة "بيت رعد"، وكانت قديماً تابعة لحكم الجبل، ولكنها تتبع اليوم لباشا طرابلس. وحكمتها عائلة "حمادى" لفترة طويلة حتى أيام الأمير "إسماعيل حمادى". لم يحفظ أولاده نهج أسلافهم في تأمين العدالة وصون الحرية. وبعد ذلك برز رجل من الضنية، حسين ديب، فتآمر عليهم، واضطر أمراء عائلة حمادى، بعد عدة معارك، إلى ترك المقاطعة. وقبل حكم الحماديين، وفي أيام حكم "بيت صيفا" (سيفا)، جاء إلى الضنية السيد رعد من حوران، وصار صديقاً لعائلة سيفا الحاكمة في مدينة طرابلس. خدم رعد بيت سيفا بإخلاص لعدة سنوات، وكافأه هؤلاء بإقطاعه حكم الضنية. ومن هنا صارت هذه المقاطعة بيد بيت رعد، وهم حتى الآن حكامها المسالمون. وهكذا انتقل الحكم إلى ابنه محمد رعد، ومن بعده لأحفاده، وصاروا مالكين لكل المقاطعة، وأوضاعهم الآن حسنة.

عكار: كانت هذه المقاطعة في السابق تابعة لحكام الجبل. وفي زمن الأباطرة اليونان كانت مزدهرة، وانتشرت فيها المسيحية، كما يُستدل على ذلك من بقايا الكنائس القديمة، ومن خلال الأراضي الخصبة. كانت عاصمتها مدينة عكار، وهي اليوم قرية صغيرة يقطنها المسلمون وبعض المسيحيين، وفيها آثار مدينة كبيرة. سيطر عليها الصليبيون بعد معركة طويلة وضارية. ومن هناك انتقلوا إلى محاصرة مدينة "عرقا" القائمة على رأس السهل. دمرت الجيوش الإسلامية عرقة بعد محاصرتها لعدة سنوات، ولما لم يتمكنوا من إخضاعها أقاموا الحصون حولها وشددوا الحصار حتى أجبروا سكانها على الاستسلام. وبعد سيطرة المسلمين عليها دمروها تدميراً كاملاً، ولا تزال آثارها قائمة حتى الآن، حيث يوجد الكثير من الدهاليز، بالإضافة إلى جسر نهر عرقة. وثمة دهليز ينطلق من الجسر ويؤدي إلى قلعة المدينة. وهذه المدينة هي الآن مقر الأسقف الماروني المونسنيور جوزيف مارد Marid، النائب البطريركي.

هاجر مسيحيو هذه المقاطعة، مع الزمن، إلى جبل لبنان ليتحرروا من عبودية المسلمين. ولهذا يوجد فيها الكثير من آثار الكنائس القديمة. وحتى الآن ما يزال الكثير من مواضع هذه المقاطعة يحمل اسم هذا القديس أو ذاك. ولكن هذه المواضع هي الآن بيد المسلمين. يقطن هذه المقاطعة الموارنة والروم والمسلمون (الأتراك) والتركمان والأكراد والإسماعيليون والنصيرية والمتاولة والعرب الرحل.

يبلغ المسيحيون ثلثي عدد السكان. والثلث الباقي من الكفار الملحدين. كانت هذه المقاطعة تابعة دوماً للحكم في طرابلس. وفي ظل حكم "بيت صيفا" (سيفا) كان يحكمها مسيحي وأحياناً مسلم. وعندما سيطرت عائلة الأمير حمادى على الجبل، حكمت عكار أيضاً لعدة سنوات، واضطر باشا طرابلس، مع الوقت، إلى طرد عائلة حمادى، فتآمر مع "الشيخ شديد مرعب"، وقام هذا الأخير وقتل فجأة عيسى حمادة، في دير "حماطورا"، في 22 آذار 1714. فكان آخر حكام مقاطعة عكار من عائلة حمادى. وكافأ والي طرابلس شديد مرعب فولاّه حكم عكار.

عائلة مرعب كردية الأصل، من "أكراد الرشواني" التي كانت تعيش قبائلها بين مرعش و"بسناق" Posna. وترك أحد هؤلاء موطنه، وهو مرعب، وكان معه أشقاؤه، وجاء ليقيم في عكار. توفي الأشقاء وبقي مرعب لوحده. وصار معروفاً في المقاطعة. وتوفي عن ولدين، تامر وداود وهما اللذان تملكا عكار، وأصبحا مقربين من والي طرابلس. خلف تامر أولاداً حافظوا على اسم العائلة، وما زالوا معروفين باسم مرعب. وأبناء أخيه داود يُعرفون باسم "دواودة"، وهم الآن أغوات "بيري" (البيرة) في عكار. والمدعو شديد هو الذي قتل عيسى حمادى في حماطورا، وهو ابن مرعب. ومن أحفاده هناك باشا، وأبناء الباشا أصبح لقبهم "بيك"، ولهذا يوجد في هذه العائلة بكوات، وهم أبناء عم، وحصل مؤخراً محمد العبود على لقب بيك. تكاثر عدد أبناء هذه العائلة، وتم تقسيم مقاطعة عكار لترضية الجميع، إلى ثلاثة أقسام: "قيطع"، "جيومي" (الجومة)، "دريب"[32]. يحكم حالياً كل بيك مع أقربائه قسماً من عكار. وأصبحوا أثرياء لأنهم تملكوا مع الوقت كل الأملاك ولا يدفعون الضرائب عنها. ولأنهم يلتزمون أراضي عكار بقيمة 200 ألف قرش، بينما هم يربحون أكثر من 900 ألف قرش. لقد قضى الحكم المصري على الكثير من بكوات وأغوات هذه المقاطعة، وصادر الأراضي والممتلكات ووزعها على الشعب المثقل بالديون، ما أفقر بعض البكوات والأغوات. ومنذ بضع سنوات، بعد سقوط الحكم المصري في سورية، عاد البكوات والأغوات إلى ممتلكاتهم، وعادوا إلى حالة جمع الثروة، وشرعوا بملاحقة المسيحيين الفقراء وسكان عكار. وهم يستولون يومياً على مواشيهم ويغزون بيوتهم ويفرغونها من محتوياتها، لدرجة أصبحت معها هذه المقاطعة السعيدة بهبات الطبيعة وخصوبة التربة، الأكثر بؤساً بسبب تعسف حكامها.

توجد حالياً، في هذه المقاطعة، إرسالية للآباء الكرمليين في قرية "قبيات" المارونية، كما يوجد في قرية "دير جنين" دير "مار جرجس دير جنين" للرهبنة المارونية.

لا تزال عكار تحتفظ بلقب مركز أسقفية للروم الأرثوذكس، وأسقفها هو المونسنيور جوزيف، واصله من يونيو ionio، ولعدم وجود مقر ثابت له فهو يتجول داخل رعيته.

"شعرة الدنادشة": كانت هذه المقاطعة تابعة لإقليم الحصن ولحكم طرطوس. لا تأتي الأخبار القديمة على ذكرها، ولا يوجد فيها من الآثار غير دير قديم بني في زمن الروم. يقطن هذه المقاطعة الآن المسلمون والموارنة والعرب والنصيرية وبعض التركمان. وتعرف اليوم باسم "شعرة الدنادشة"، أي غابة الدنادشة، لأنه منذ ما قبل 150 سنة جاءها رجل يدعى دندش، وعاش هناك، وصار معروفاً بشجاعته وجرأته في جرائم القتل التي ارتكبها. وهو من أقارب مرعب. إلاّ أنه ينتمي على الأرجح إلى إحدى قبائل العرب الموالي التي جاءت لتقطن المنطقة التي عُرفت باسمها. يحمل كل أبناء دندش وأحفاده لقب آغا. وهم ينقسمون إلى بيت إبراهيم، وبيت حسن، وبيت حمود الذين يتقاسمون المنطقة. لقد تكاثروا، وهم يتدربون من صغرهم على أعمال الفروسية وأساليب القتال واستعمال الرماح وسواها. ويحكم هذه المقاطعة الآن محمد العثمان من بيت إبراهيم الذي يملك أغلبية المقاطعة تقريباً، ويعيشون حياة شبيهة بحياة العرب، وهي كناية عن امتطاء الأحصنة بشتى أنماطه، ويشبهون البدو القدماء.

صافيتا: يقطن هذه المقاطعة الكبيرة والخصبة النصيرية والروم الأرثوذكس والموارنة. تعيش أمة النصيرية منذ زمن بعيد فيها، أي منذ الحروب الصليبية. ولكن المسيحيين كانوا يقطنون فيها سابقاً، وكانت مزدهرة بدليل الآثار الباقية من الأديرة والكنائس والقلاع، وهذه الآثار ما تزال قائمة الآن. وتوجد الآن آثار قلعة "المحاش" Mohasci و"برج عرب" وقليعة "ميعار" وحصن "يحمور" و"العريمة" و"برج الدنادشة" و"قلعة الزارة". أما آثار الكنائس فمنها، آثار كنيسة "شالوح" و"دير سمكه" و"كنيسة البويضة" وكنيسة السيدة العذراء في "كفرون" ودير مار الياس ومار جرجس. وهناك أيضاً آثار القديس سمعان العمودي، الذي بناه الأباطرة الرومان. تدل كل هذه الآثار على أن هذه المقاطعة كانت كثيرة الازدهار، وكان يقطنها المسيحيون. وعلى ما يبدو من كتابات ابن العبري في كرونيكون Cronicon فإن النصيرية هم من بقايا جيوش المغول، وهذا ما ذكره نسيبي المونسنيور يوسف السمعاني في "المكتبة الشرقية" الشهيرة. لم يكن لهذه الأمة مبشرون ولا كهنة، وفقدت مع الوقت كل المبادئ الدينية السابقة. وديانتهم غير معروفة الآن، ولكنهم يقيمون بعض الاحتفالات خلال العام، مثل عيد الميلاد على التقويم القديم، وعيد الفصح. ويقيمون قداساً مرة في السنة حيث يستعملون الخبز والنبيذ، وهم يؤمنون بالتقمص، وليس عندهم لا كنائس ولا احتفالات دينية. وكل كريم ومضياف يكون قديساً كبيراً بنظرهم، ويبنون له مزاراً.

ينقسم النصيريون إلى خمس قبائل أساسية اشتقت منها القبائل الأخرى. الأولى قبيلة "خياطين"، ومنها تفرعت عشائر: "عيدية" و"فقراوي" و"حلبية"؛ الثانية هي قبيلة "رسلان"، ومنها تفرعت عشائر: "نواصرا" و"جهني" و"رشواني"؛ الثالثة قبيلة "حدادين"، ومنها تفرعت عشائر: "قرحالي" Korâli و"ياشوتي" و"عتاري" و"بشلاوي" و"عامودي" التي اتخذت اسمها لإقامتها في منطقة فيها آثار دير مار سمعان العمودي؛ والرابعة قبيلة "المتاورا"، ومنها "نمليية" و"بشراوي"؛ والخامسة قبيلة "بيت الأعرج" التي لم تعرف فروعاً لها. لهذه القبائل قادة دينيون ومدنيون تحترمهم رعيتهم وتطيعهم، وفي حال العصيان يتم إقصاء العصاة عن القبيلة بقرار ملزم، ومن يصدر بحقه قرار الإقصاء يتم التعامل معه كغريب عن القبيلة.

يحكم هذه المقاطعة زعماء القبائل في الغالب، ويتم تعيينهم من قبل حاكم طرابلس. ولكنه بعد حوادث إسماعيل بيك الأخيرة تسلم هذه المقاطعة حاكم تركي، ولكنه لم يتمكن من قمع الأشرار.

الحصن: استمدت هذه المقاطعة اسمها من وجود حصن فيها، والقلعة ما تزال بحالة جيدة. لقد بناها الصليبيون، وفيها حتى الآن نقوش النبلاء، وعلى مقربة منها دير مار جرجس للروم الأرثوذكس. يتبع الحصن حماة[33] Apamea، وبالتالي باشا دمشق. سكان الحصن هم نصيريون وروم أرثوذكس وقليل من المسلمين. يعيش المسيحيون في واد خصب هو وادي النصارى. ويحكمها زعماء النصارى، وفيها حاكم مسلم في القلعة، وأحد المسيحيين في وادي النصارى. والمسيحيون هناك يفرضون احترامهم على الآخرين. وأسقف هذه المقاطعة هو نفس أسقف عكار.

طرطوس: مقاطعة مشهورة منذ القدم، وطرطوس مدينة فينيقية تدل آثارها على عظمتها. يعيش فيها حالياً المسلمون وقليل من المسيحيين. توجد فيها كنيسة كبيرة بنيت على يد الرسول بطرس، كما يُستدل من النقوش الموجودة فيها. ومنذ تسعة أعوام تم احتلالها من قبل المسلمين، ولكونها معروفة جيداً فلن أطيل الكلام فيها. توجد فوق هذه المدينة قرية مارونية تابعة لأبرشية طرابلس، وهي قريبة من جزيرة أرواد التي سطا عليها الفرنجة عام 1302 وأخذوا منها بعض الأسرى. يعيش في هذه الجزيرة حالياً مسلمون فقط، وفيها بعض الآثار القديمة.

جبة بشري: هي عاصمة جبل لبنان، حيث يوجد شجر الأرز، وتتبع غالبية هذه المنطقة إلى أبرشية طرابلس، والباقي لأبرشية جبيل والبترون. عانت هذه المنطقة كثيراً، ويقطنها الموارنة فقط. وفيها ديران مشهوران. الأول، دير قنوبين، مقام البطريرك الماروني، وهو مشهور منذ ما قبل الأباطرة اليونان. والثاني هو دير مار أنطونيوس. وقرب قرية إهدن هناك مار سركيس، وفيها مأوى للآباء الكرمليين قرب بشري. ومنذ زمن الأباطرة كانت هذه المقاطعة مقراً لأمراء الموارنة المعروفين في التاريخ العثماني، على ما جاء عند السمعاني. وخاض هؤلاء الأمراء عدة حروب ضد الأباطرة وضد المسلمين، كما يتبين من حوليات "بطرك اسطفان الدويه" (البطريرك اسطفان الدويهي). وبعد حكم الأمراء تولى هذه المقاطعة حكام باسم "شدياق". وخاضوا عدة معارك ضد المسلمين وحكام طرابلس. وبعد هذه الحروب، صار حكامها يعرفون باسم "مقدم". دام حكم المقدمين عدة قرون، وحاربوا كثيراً ضد المسلمين وباشوات طرابلس، وأخيراً أمراء "بيت حمادة" الذين حكموا هذه المقاطعة لقرن من الزمن. ولكن مؤخراً، وبعد أن أساء أبناء "إسماعيل حمادة" التصرف مع السكان، اضطر المسيحيون إلى التآمر عليهم، وبقوة السلاح حرروا أنفسهم من نير هؤلاء الكفار، وتعيين بعض وجهاء المسيحيين كحكام لهذه المقاطعة. ولقد قسمت هذه المقاطعة إلى ثلاث مناطق، ولا يزال هذا التقسيم سائداً. والمقاطعة تابعة لحكم الجبل. هذا باختصار ما يتعلق بأبرشية طرابلس الشام.

 

منطقة طرابلس

(ص 129) لا يمكن مقارنة طرابلس، من حيث قيمة العاديات فيها، بصيدا وصور وجبيل وأرواد. والأهمية الكبرى التي بلغتها المدينة في العصور الوسطى قضت تقريباً على كل العاديات السابقة. ولم يُعرض علينا فيها أي أثر قديم، اللهم غير جدار ضخم في الميناء وبعض الأعمال في الصخور المعتبرة حتى الآن بمثابة حمامات، ولكنها في الواقع خزانات للمياه أو مجرد خزانات غلال مخروطية الشكل، شبيهة تماماً بما عثرنا عليه في جبيل بالقرب من البحر. عُثر من فترة قريبة على تمثال في المرفأ، لم نتمكن من رؤيته. ولا جود فيها لنقوش قديمة.

من المعروف أن طرابلس كانت بمثابة مدينة مشتركة للمحالفة الفينيقية، وكان لكل واحدة من أهم المدن الفينيقية حيّ (بلدة) خاص بها في المدينة[34]. ولكن مواقع هذه الأحياء التي منها اشتق اسم طرابلس مجهولة تماماً اليوم.

إن أهم أثر مثير في الجوار القريب لطرابلس نجده في الموضع المسمى كنز- أمور[35] Kenz-Amour. وهو عبارة عن مقبرة بدائية للغاية، لا اثر للزخرفة فيها، ولا أمل بالعثور على أي نقش في بقاياها القديمة الخالية من أي تاريخ أو دلائل على طراز فني ما. تمتد المقبرة على طبقات صخور متراكمة فوق بعضها بانتظام تقريباً، كأنها طوابق متراجعة عن بعضها البعض. وسراديبها غير متناسقة وبأحجام مختلفة. ولا نظن باحتمال الحصول على نتيجة ما (ص 130)[36] بالتنقيب فيها. ولكن ثمة فراغات غالباً ما لاحظنا وجودها فوق البواب، لعلها كانت معدة لوضع نقوش معدنية.

تحدث الكثير من الرحالة[37] عن أسماك كانت موضع احترام، بالقرب من طرابلس، في جامع صغير. لا شك أن في ذلك بقية من عبادة الأسماك المقدسة، وهي عبادة قديمة جداً في سورية، وكانت شعبية جداً[38]. ثمة من حدثني عن آثار في قمة جبل تربل. يبدو لنا الاسم مشتقاً على غرار اسم طرابلس بالذات. ويذكر بروكار Brocard قبراً بطول 12 قدماً، في مغارة في سفح الجبل، يعتبره المسلمون قبر يشوع[39] Josué.

يوجد في قضاء الضنية، شرقي طرابلس، موقع اثري بالغ الأهمية. إنه الموقع المعروف باسم حصن السفيرة، بالقرب من بلدة سير[40]، الذي قدم له لوكروا الوصف الآتي:

"يبدو حصن السفيرة مكوناً من ثلاثة معابد. اثنان منها مدمران تماماً، بينما بقي الثالث سليماً بكامله تقريباً. وبالنظر إلى حالة مدخله والإفريز الذي يزين قسمه العلوي يمكننا القول أنه بني للتو. فجميع حجارته في موضعها الأصلي، وزواياه البارزة ما تزال على حالها، وكأنما العمل فيها انتهى بالأمس القريب. يرتكز المعبد على ركن ارتفاعه بين ثلاثة أو أربعة أمتار؛ ولا نعثر على هذا الركن ولا أمام الواجهة أي أثر للأعمدة[41]. والمعبد عبارة عن مستطيل عرضه يعادل تقريباً نصف طوله. وحجارته ضخمة وجيدة النحت، ولا نرى بينها أثراً للملاط. يتقدم جداراه الجانبيان بضعة أمتار عن واجهته، وكان من شأنها أن تشكل سابقاً مقدمة للهيكل يؤدي إليها درج تغمره اليوم بقايا الواجهة. والمعبد على العموم بسيط جداً؛ تقتصر زخرفته الخارجية على بروز بعض أعمدته من الجدار بما لا يزيد عن 5 إلى 6سنتم على الأكثر. في واجهته ثلاثة أبواب، الوسط منها كبير وأعلى من الآخرَين، وإطاره بارز. والبابان الآخران أضيق منه وأقل ارتفاعاً، وبلا أي زخرفة. يؤدي باب اليسار إلى درج داخلي مبني في الجدار، ويفضي إلى الأقسام العليا من المعبد (ص 131)[42]. ويقسم قدس الأقداس الذي يبلغ طوله من 14 إلى 15م، إلى قسمين يرتفع الثاني ثلاثة أمتار عن الأول. وثمة مدرج في الوسط يؤدي إليه، بينما على الجانبين هناك بابان صغيران يحيط بكل منهما إطار بارز، وينفتح الواحد منهما على درج يؤدي إلى قبة سفلية طولها بعرض المعبد. ويبدو الطراز الروماني في كل ثنايا المعبد. وثمة نقش يوناني في جدار اليمين، على حجر لا يختلف بشيء عن باقي الحجارة.

"المعبد الثاني مدمر، ولم يبقَ منه غير أعلى الباب وعليه نقش.

"أما المعبد الثالث، فيحتفظ بباحته، وفيه ثلاثة أعمدة من الطراز الدوري dorique.

"تشرف على حصن السفيرة قمة عليها أنقاض بناء قديم مربع الشكل، وحجارته من نفس الموقع. وبالقرب منه مذبح نحته غير متقن. تحمل هذه الأنقاض اسم "حصن الحاطي" Hosn el-Hâti. وعند منتصف منحدر القمة نجد بناءً آخر، ضلعه حوالي 6م، وهو على نفس شكل البناء الأول. في قاعدته نتوء، وبالقرب منه ثمة شاهدة قبر، في وسطها يرتسم طوق بداخله نقش على الأرجح، ولكنه تالف([43])." جاءني لوكروا بأرشم للنقشين المذكورين للتو. والاثنان سبق نشرهما ولكن بطريقة لا تمنع العودة إليهما. النقش الأول الموضوع في الحائط الجانبي للمعبد الأول، سبق أن نسخه كينيدي بايلي[44] Kennedy Bailie، وهو وارد في المجموعة تحت الأرقام (4528b et 4528c). بيد أن المؤشرات الطبغرافية التي يقدمها بايلي لا تتفق مطلقاً مع معطياتنا. يزعم بايلي أن النقش عُثر عليه في لبنان بالقرب من دير سان-ديميتري في الكورة. ولكن بالعودة إلى مقاطع روبنسون Robinson وبوركارد Burckhardt، مراجعه التي يحيلنا إليها، نرى بوضوح أن هذا الدير يقع عند سفح الناووس، الموضع المذكور في الكورة فعلاً. ولكن السيد بايلي ارتكب جملة مغالطات، والطريقة الملتبسة التي يعبر بها تثبت أن ملاحظاته هنا تعاني من الثغرات تلافاها بالاعتماد على الذاكرة.

كما أن أرشمه أو نسخه تعرضت هي الأخرى لعدم التنظيم، لأن النقشين اللذين ينشرهما كنقشين متميزين، واللذين اتخذا في المجموعة الرقم (4528b et 4528c) ليسا سوى النقش الواحد. سأعرض النقش كما هو في رشمنا. لقد تقيدنا بكل دقة بمسافات وترتيب النقش الأصلي.

السطور الثلاثة الأولى أكيدة، وقرأها جيداً السيد بايلي. أما السطور 4 و5 و6 فهي معقدة للغاية. والتصحيح الذي اقترحه بايلي، وكذلك السيد فرانز Franz في المجموعة، مدعاة للرفض. ففي السطر السادس (ص 132) لا توجد الثغرات التي عرضها بايلي. فما يأتي بعد، في السطر السابع مشكوك به تماماً. ثم يتبع سطر فارغ (لقد تم بعناية شطب حقل النقش). والسطور الثلاثة الأخيرة فهي سليمة. وبداية السطر الأول منها هو بالتأكيد ، كما لاحظه السيد بايلي بداية.

ينتهي السطر السابق على الأرجح ب: .

وفي السطر الأخير عبارة   سليمة. أما KONTA فهي في الحقيقة ترحيل للسطر الأخير، كما تثبته علامة الوصل الواضحة بعد MH. ولا يوجد شيء مكتوب في الحقيقة بين  وKONTA. ويبدو أن بداية السطر الأخير هي ، لا.

ليس في النقش الصغير الموجود إلى جانب الكبير، أي حرف موضع شك، أللهم إلاّ في السطر الأول.  هي صحيحة. وما يبقى من الحرف التالي يبدو أنه جزء من . تثبت وضعية نقش  أنه ينقصها القليل على يمين الحجر. بيد أنه يمكننا ايجاد مجال لاسم علم.

المقطع الذي يقدمه بايلي تحت رقم 347 والذي يحتل الرقم (4528d) في المجموعة هو من حصن السفيرة بلا شك، ومن نفس المعبد كالنقش السابق. لم أعثر عليه في أرشم السيد لوكروا.

(ص 133) النقش الثاني الذي أخذ معاوني له رشماً كان قد سبق أن نسه سيتزن Seetzen، ولكنه عيّن موقعه بشكل غامض للغاية، وكذلك السيد بايلي ولكنه هذه المرة حدد مصدره. إنه النقش رقم 4528 من المجموعة (راجع الملحق). وكذلك فإن تومسون Thomson نسخه[45]. نسخة سيتزن هي الأفضل، وهي دقيقة بشكل كامل حتى  ضمناً. بعد هذه الكلمة أقرأ في رشمنا ، وهذا ما يتفق مع قراءة سيتزن وتومسون أكثر مما هي عليه قراءة بايلي. وما يلي غير مختلف، ولكني أجده أفضل في نسخة سيتزن ونسخة بوريل Borrell التي وصلت إلى بايلي، مما هي عليه الحال في نسخته هو. يجدر بنا ملاحظة أن بايلي على العموم غير متقن في نسخه ومتسرع في تقديره...

(ص 134) ... نعثر على اسم ربة تانيت Rabbat-Tanit الكامل في كلمة  في اللاذقية (Corpus, nos 4470, 4471).من المعروف أن عبدتانيت Abdtanit تعبر عنه عبارة في النقش الأول في أثينا[46]. كانت عبادة فينوس- أرتيميس Vénus-Artémis رائجة جداً في عرقة أو قيصرية لبنان، على مسافة أربعة أو خمسة فراسخ من حصن السفيرة. من الملاحظ أن الخوري السمعاني (راجع سابقاً) يقول أن حصن السفيرة كان مكرساً إلى ديان Diane. ولكننا نتساءل هل يقول ذلك لأن هناك تقليد في قوله هذا، أم أنه يفعل ذلك استناداً إلى مقاربة في اشتقاق اسم ضنية Dannié. سيريا Cyria نجدها بجانب بلوتون Pluton وسيريس Cérès، ويبدو أنه ملتبس مع كورا Cora في نقشين من أوزيا Auzia في إفريقيا، وهي مدينة تم فيها الاحتفاظ بشكل فريد بالعبادات القرطاجية[47].

من الواضح أن في نقوش حصن السفيرة أسماء هي في الغالب لاتينية. إن مرحلة أوسع انتشار لعبادة فينوس- أرتيميس، ومرحلة إشراق المعابد اللبنانية، تطابق زمن الأباطرة السوريين، فمن المعروف أن اسكندر سفيروس ولد في معبد في عرقة[48].

ثمة موضعان، جنوبي طرابلس، في طرف سهل أميون، فيهما آثار رائعة لأديان قديمة. أحدهما في بزيزا Bziza (، معبد عزيز[49] Aziz) حيث يظهر معبد جميل إيوني محفوظ جيداً، وتم تحويله إلى كنيسة في مرحلة كانت العمارة فيها ما تزال راقية في هذه المناطق. تسمى هذه الكنيسة  "كنيسة العواميد". ولقد رسمه بدقة دو لابورد[50] M. de Laborde. لا نقوش فيه. ثمة الكثير من الكلام وصلني حول وجود نقش في بزيزا، ولكن محاولاتي في استيضاح موقعه من أهل البلدة ذهبت سدى. وفيما بعد (ص 135)[51] وردتني نفس المعلومات حول النقش على مسافة 200 قدم من المعبد، في حقل بالقرب من القرية. من المرجح جداً أن يكون أهل بزيزا الذين يعتقدون بوجد كنز هناك، قد خدعوني. ولكني دعوت الذين يتبعوني إلى البحث بين المعبد والقرية، باتجاه البحر.

إن ناووس Naous، وهي فوق كسبا Kisbé، موضع أهم بكثير من بزيزا[52]. من الواضح أن اسم الموقع يوناني[53]: . وأحد رسوم السيد دو لابورد تمثل باباً لمعبد في ناووس[54]. وفي ناووس أنقاض معبدين بساحات واسعة مقدسة. قائمتا الباب من أبوابه مكونة الواحدة من حجر واحد ضخم، ومقور ليركب ناتئاً على قاعدته. المعبد الشرقي منها، نحته غير متقن، أبوابه ومدخله فقط من حجارة ضخمة، أما الباقي فمن حجارة متوسطة الحجم كما هي الحال في قلعة فقرا وأفقا. والباب تعلوه، كما في أم العواميد وجبيل، الكرة المجنحة التي بقيت حتى عصر الأنطونيين Antonins زخرفة إلزامية في جميع المعابد الفينيقية. أما المعبد الآخر فهو كورنثي، بقي منه قطع من زخرفة مدخله، وقطعة من إفريزه عليها، على ما يبدو، آثار مسامير لتثبيت النقش. جدران صحنه من حجارة ضخمة، كما هي الحال في دير القلعة. ونظن أننا وجدنا على قائمتي الباب نقاط تثبيت اللوحات المعدنية حيث يتم تدوين التعليمات المتعلقة بالطقوس المقدسة. وكان موضع تثبيت هذه اللوحات بمظهر فريد لم أشاهد مثله في مكان آخر.

تعود جميع الأبنية في ناووس إلى العصر الروماني، ولكنها على طابع سوري متميز، كما هي الحال في قلعة فقرا، وهي على أي حال، تختلف بعمق عن طراز البناء (ص 136) الروماني الصرف كما في بعلبك. لقد كان شائعاً في سورية وجود هذه الأبنية الدينية الكبيرة. حصن سليمان وحصن السفيرة ومشنقة وأفقا وقلعة فقرا ومعبد لاك ليمون ودير القلعة والفرزل كلها على طابع شبيه بناووس...

بصعودنا من كسبا إلى أعالي وادي قاديشا، نجد في طرزا، أو بطرزا، منحوتة غريبة. هي نوع من العنقاء المحفور على الصخر؛ طول الحيوان حوالي المتر ونصف. وعلى مقربة منه نرى قبو، كما هي الحال عند جميع (ص 137) النصب المحفورة على الصخر. وهو على شيء من الجمال وفيه تسع كوّات. ويقع مقابل المنحوتة.

إن منطقة إهدن وبشري، "الوادي المقدس"، البالغة الأهمية في التاريخ الوسيط[55] والحديث، بفعل التطور الأصيل لجماعة[56] الموارنة، لم يكن لها دور هام في العصور القديمة. فأنا ارفض رفضاً مطلقاً أي علاقة بين إهدن واسم عدن Éden الوارد في سفر التكوين، ولا مع اسم  الوارد في سفرعاموس Amos (1، 5)، ولا مع  الوارد عند قدامى الجغرافيين، كما يُظن عادة[57]. لا يوجد في إهدن أي أنقاض لبناء كبير، فلم يكن في موقعها غير قرية بطريركية لجبليين طيبين. إن مماثلة إهدن مع  ومع  تنجم عن مجرد خطأ في الكتابة. يُكتب الاسم اهدن، لا اعدن، كما تصور روبنسون[58]. ومن المدهش القبول بمثل هذا الخطأ (ص 138)[59] حتى وقتنا هذا من قبل الكثير من رجال العلم[60]. إن ميل الموارنة لوضع عدن في واديهم المقدس[61] يجد تفسيره ببساطة بفعل وطنيتهم الساذجة، وبمحبتهم لهذا الوادي الشاهد على صراعهم البطولي، علماً بأن هذا الوادي من ألطف المواقع في العالم. ولتبرير هذا الزعم، اعتمدوا الكتابة الآتية  المعمول بها في الإكليروس، والتي يعتبرها المثقفون الكتابة الأصلية للاسم، بحيث تكون كتابة اهدن، برأيهم، مجرد تحريف عربي. ولكن التفسير الصحيح أن كتابة اهدن أصبحت ، بينما العكس يكون غير مفهوم[62]...

 

نقوش هدريان Adrien

(ص 258) هنا المجال للكلام على نقوش أدريان المنتشرة في كل منطقة أعالي لبنان، بين صنين وممر الأرز، وكذلك في المنطقة الوسطى من تولا إلى سمار جبيل[63]. تطرح هذه النقوش واحدة من أكثر المسائل فرادة في وضعية النقوش، بقيت غير ملحوظة حتى الوقت الراهن. لقد حدثوني باستمرار، في الشتاء وأنا في عمشيت، عن نقوش عديدة محفورة في الصخور في أعالي الجبل. ظننت الأمر في البداية مجرد توهم. ولكنه كان الحقيقة بعينها. ففي كل المنطقة المذكورة، وخاصة في أنحاء العاقورا وقرطبا وتنورين، نصادف لدى كل خطوة نفس النقش، وجميعها تحتوي على نفس الاسم أدريان Adrien، وهو نقش مكرر مئات المرات، بحروف من ثلاثين إلى أربعين سنتم طولاً (ص 259)[64]، وهي محفورة عميقاً في الصخر. والنقوش محفورة على العموم بعناية، وما فيها من عدم الانتظام يعود إلى أخاديد الصخور ليس إلاّ. لقد كان النقاش، في الحقيقة، مضطراً دوماً، بحكم طبيعة الصخور، على الانحراف، أو على ترك فراغات، وأحياناً ينتقل من صخرة لأخرى، أو يغير من حجم الحروف التي ينقشها.

إنه لأمر غريب أن يبقى هذا المجموع الكبير من النقوش، والذي يشكل سمة خاصة بهذه المنطقة، مجهولاً حتى مروري في لبنان. ليس هناك من شك بأنه كان لا بد لبعض الأوروبيين من رؤيتها، ولكنهم لم يفهموا منها شيئاً بالتأكيد، لأن هناك تقليد واسع الانتشار في البلاد جعل الرحالة الفرنجة ينسبون هذه النقوش إلى مجنون وضع اسمه على الصخور وهو يتجول في الجبل. والبعض من رجال الدين الموارنة الذين تابعوا دراستهم في روما لاحظوا بدون شك هذه النقوش. ولكني لم أجد، حتى في أوساط الإكليروس الأكثر ثقافة، أي فكرة دقيقة حول قراءة هذه النقوش. وثمة منهم من سعى إلى إعطائها تفسيراً دينياً[65]. وقيل لي أن بعض المرسلين الكاثوليك عمدوا إلى قراءة النقش: "مريم أم الله الكلي القدرة".

لا يعني ذلك غياب بعض المؤشرات على معرفة البعض ممن سبقني من الرحالة بهذه النقوش. لقد حصل بركارد Burckhardt وأوتو ريختر Otto Richter وروبنسون Robinson على معلومات عن هذه النقوش من جانب أهل العاقورا[66]؛ ولكن الأول لم يهتم بالتحقق منها؛ والثاني لم يجد مرشداً يقوده إليها؛ أما الثالث فافترض، خطأً، أن النقوش قد تكون عربية. يبدو أن أهل العاقورا قد سعوا، في مرحلة معينة، إلى إخفاء الممر اللبناني الذي ينفتح قرب بلدتهم؛ وعلى أي حال، لقد اشتكى الرحالة، الذين سبقوني واتصلوا بأهل العاقورة، من عدم الترحيب بهم هناك. بينما وجدتهم، على العكس، على كياسة رائعة، وشيخهم بالذات تجول معي في كل هذا (ص 260)[67] القسم من الجبل، ليرشدني إلى هذه النصوص المثيرة التي كان وحده يعرف مواقع الكثير منها. ثمة مقطعان عند غيز[68] تدفعنا إلى الظن بأنه رأى نقشاً أو اثنين منها. أما الوحيد الذي سبقني وتعرف إليها معرفة أكيدة فهو المرسل الأميركي دو فوريست[69] M. de Forest . لقد شاهد أربعة من هذه النقوش في القمم فوق بركة اليمونة، ونسخ منها اثنين أو ثلاثة. وقرأ بوضوح اسم الإمبراطور هادريان، ولكنه لم ينتبه إلى الباقي. كما أن مرشدوه أبلغوه بأن النصوص من هذا النوع كثيرة.

لقد جمعت حوالي ثمانين نموذجاً من هذه النقوش المثيرة؛ وأكدوا لي وجود حوالي العشرين منها أيضاً، مع أنني لم أتمكن من رؤيتها؛ ولا بد أن العدد الكثير منها فاتتني ملاحظته؛ كما أن عدداً كبيراً قد يكون تعرض للتلف، أو أن حجارته مقلوبة فصار النقش غير مرئي. وهناك من كان يعتقد أن هذه النقوش علامات على وجود الكنوز، ما يفسر الحفر التي أحدثها الباحثون عن الكنوز تحت الصخور، وهذا ما جعل الكثير من النقوش معرضة للتلف[70]...

(ص 278) هذا هو مجمل هذه الكتابات العجيبة التي لم أعرف مثيلاً لها. وتتألف جميعها، كما نرى من: 1، صيغة أساسية لا مجال للشك فيها؛ 2، صيغ إضافية متغيرة. واحدة من هذه الصيغ، AGIVCP، فهمناها لأننا عثرنا على كتابتها الكاملة scriptio plena. صيغتان أخريان، DFS، و VIC، أو VIG، تبقيان موضع شك. وبما أني لم أتمكن من أن أرى بنفسي جميع المواقع التي يمكن أن تكون الكتابة فيها كاملة، فإني لا أعطي تأكيداً (ص 279)[71] أن تفسير هاتين الصيغتين لن يحصل يوماً. وإني لأنصح الرحالة خاصة بالذهاب مجدداً إلى وادي عين الشعرة Wadi-Aïn-Schara أو وادي التوت Wadi-Tout، ودرجة المحل Diradjet el-Mihal، وبعض النقوش فوق تنورين، خاصة نقوش الفوار El-Fouar وتم القبور Tumm el-Qobour وعين الحمرا Aïn el-Hamra، وأخيراً نقشي راس عقبة الجني Ras Akbet Djenny بالقرب من قرطبا.

علاوة على الصيغ الإضافية، يحمل الكثير من النقوش رقماً تسلسلياً. وتصل هذه الأرقام حتى 800 على الأقل. ومن الملاحظ أن أرقام بعض النقوش القريبة من بعضها متباعدة كثيراً.

ثمة فرضية تفرض نفسها لتفسير الوقائع المعروضة أعلاه، وهي تكمن في اعتبار هذه النقوش الكثيرة بمثابة تنظيم قانوني معلن، بناء لأمر هادريان، في هذه المنطقة من لبنان المغطى بالغابات سابقاً، وبهذا التنظيم يمكن التمييز بين المناطق المخصصة للدولة بخصوص قطع الأشجار، والمناطق المتروكة للأفراد. لقد سبق لنا أن رأينا مناسبات تدفعنا إلى افتراض أن لبنان، فوق جبيل، كان كثيف الغابات في العصر الروماني. ومن المعروف أن التوراة تجعل السمة الأساسية المميزة للبنان هي غاباته[72]. وكان لبنان في زمن الاسكندر يوفر الخشب لبناء الأساطيل الضخمة[73]. وفي أيام الرومان كثيراً ما كانت الأساطيل ترسو في هذه الأنحاء، لاختيار صواريها من أفضل أشجار الصنوبر في الجبل. وغالباً ما نصادف هذه النقوش في مواضع الانحدار الشديد، التي لا يمكن بلوغها، ونادراً جداً ما نجدها في الأماكن المزروعة، وقعر الوديان.

ولنعترف، مع ذلك، بأن بعض المواقع التي وجدنا فيها أحياناً هذه النقوش، تتعارض مع الفرضية التي تقدمنا بها. وليست هذه المواقع هي في واقعها اليوم جرداء فحسب، بل هي أحياناً، موجودة في أمكنة غريبة ورائعة بحيث أنه ثمة متعة بوضع النقوش فيها (ص 280)[74]، لما ينطوي الوصول إليها على مخاطر ما يجعل الأمر تحدياً: كما هي الحال في قمم جبل موسى، أكثر المواقع المهجورة تماماً في لبنان؛ وعلى قمم الأكثر ارتفاعاً بين العاقورة والبقاع، حيث يدوم الثلج حتى شهر حزيران على الأقل، وحيث لا ينبت غير النبات الدغلي؛ وعلى الصخور فوق ترتج وتنورين حيث نعتقد أن الإنسان لم يلج هذه المواقع أبداً؛ أو في مغارة أيوب، المحفورة في صخرة في قمة الجبل، وحيث لا يمكن الوصول دون الاستعانة بالشجيرات المعلقة فوق نهر أدونيس. ولما كانت هذه هي حال النقوش الأولى التي صادفتها، راودتني بداية الفكرة باعتبارها نوعاً بطاقات زيارة لقيصر الرحالة، مشابهة لبطاقات نفس الإمبراطور الذي نقرأ اسمه على الأهرامات الضخمة في مصر[75] وفي مواقع أخرى كثيرة[76]. إن اسم هادريان هو بالتأكيد الاسم المنشور في هذه النقوش في شتى المواقع. ومن المعروف أن هادريان قد أقام طويلاً في سورية، قبل وبعد ارتقائه سدة الإمبراطورية. وكل شيء يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه زار جبيل، وأنه لعب على الأقل دوراً هاماً في تاريخها[77]. ومن المعروف أيضاً كم كان شغوفاً بزيارة المعابد المشهورة، ولا شك بأنه زار أفقا... وبالتالي ليس من المحال أن يكون لهذه النقوش صلة برحلات هادريان في لبنان. ولكن هدفها الأساسي هو بالتأكيد (ص 281)[78] تنظيم الغابات. واعتقد أنه من المستبعد ألاّ يمكن العثور على نقوش مماثلة في الجبال المجاورة للبحر المتوسط. ثمة زميل لي يتذكر، بشكل مشوش، أنه شاهد ظاهرة مماثلة في رحلة له في البلقان[79].

 

نعمل على تخليد إرنست رونان!

أكبر داعية إلى القضاء على المسيحية المشرقية وعلى الإسلام![80]

 

جوزف عبدالله

في حفل ضم مجموعة من أرفع الرموز الرسمية والأكاديمية تم تخليد إرنست رونان مؤخراً في لبنان. إن أبرز ما قيل في طقوس هذا التخليد ما جاء على لسان المدير الاقليمي لمكتب الشرق الأوسط في الوكالة الجامعية الفرنكوفونية أوليفيه غارو، وهو كلمة رئيس الوكالة برنار سركغليني الذي ركز على أن رونان كان متعلقا بثقافة المنطقة التي نشأ فيها في فرنسا، مؤكداً أن أهداف الوكالة الجامعية الفرنكوفونية تتقارب مع أهداف رونان ولا سيما المتصلة بالثقافة المميزة والوحدة والعلوم والانسانية.

فما قيمة هذه الثقافة التي تحصن بها رونان؟ وكيف نظرت هذه الثقافة إلى لبنان ومحيطه؟ وما قصة رونان ولبنان؟ أن يُقيم في عمشيت، ويبني صداقات، يجعله مستحقاً لهذا الاهتمام الرسمي والأكاديمي؟ فما المآثر التي قدمها رونان للبنان؟ وما هي قيمة رأيه وموقفه من الحضارة التي يندرج فيها لبنان؟

قلنا بداية: علينا التمييز جيداً في دور "أب الأركيولوجيا اللبنانية" بين النشاط الاستعماري الفرنسي في المشرق والنشاط العلمي في استكشاف الآثار. ومن ذلك التمييز جيداً بين الجانب العلمي والجانب الاستعماري أو التبرير والتمهيد له. ففي العام 1860-1861 ارسل نابوليون الثالث حملة عسكرية إلى لبنان، بموازاة "بعثة إلى فينيقيا"، برئاسة إرنست رنان، لتقدم لها الحماية والدعم. كان ذلك في زمن السعي الأوروبي المحموم لتفتيت الإمبراطورية العثمانية تمهيداً للاستيلاء على بلادنا واستعمارها كما حصل لاحقاً.

موضوع الحملة العسكرية ليس عابراً، وقيمتها ليست مجرد حماية لبعثة علمية. فلنقرأ ما قاله بهذا الخصوص لوكروا مساعد إرنست رونان[81]:

"حوالي أواسط تشرين الثاني من العام 1860، سرية من فوج المشاة القناصة السادس عشر (الفرنسي)، المواكبة للبعثة وهي بقيادة المقدم رئيس الحملة، دخلت دخول الفاتحين إلى مدينة أدونيس المقدسة. ومنذ ذلك اليوم من العام 1266 الذي هربت فيه الحامية المسيحية ليلاً عبر بوابة سرية في شمالي جبيل لم تشهد المدينة جنوداً فرنسيين. مرّ الجنود وفي الطليعة منهم نافخو الأبواق أمام مصطفى غنوم Mustapha Gannoum، الذي انحنى لدى رؤيتهم، وهو أحد الحكام الأربعة، والوحيد من بقايا حزب صلاح الدين القديم...". هكذا، كلما دار حديث الغربي عموماً عن المشرق العربي عادت به الذاكرة إلى المرحلة الصليبية، مازجاً افتخار نجاح الغزو الصليبي بمرارة الهزيمة التي أصبح صلاح الدين رمزها. ولا بد أن حلم العودة مستمر في الغرب على الدوام.

وإذا كان أرباب الفرنكوفونية الغربيون مدركين لدعوة إرنست رونان، ومنهم الكنيسة الكاثوليكية اليوم، فذلك لأنه يعتبر المنظر الأهم المعادي للمسيحية المشرقية الأصيلة وللإسلام على السواء. ويكفينا من ذلك ترجمة كلام إرنست رونان بحرفيته في النص أدناه. ولكن هل يُدرك المحتفون برونان، ومنهم المسؤولون اللبنانيون والعرب والمسلمون المفتونون بالفرنكوفونية، حقيقة الدعوة الفرنكوفونية؟

نص رونان[82]

"(ص 13) ... ما تزال الشعوب الأندو-أوروبية والشعوب السامية متميزة عن بعضها تماماً اليوم. لا أقصد اليهود الذين حباهم مصيرهم الفريد والرائع موقعاً متميزاً في البشرية، بل أكثر، إذا ما استبعدنا كل فكرة في اختلاف الأعراق، فاليهود أينما وجدوا تقريباً يشكلون مجتمعاً على انفراد، وإذا ما استثنينا فرنسا التي أرست في العالم مبدأ حضارة مثالية تماماً. أما العربي على الأقل، وبمعنى أشمل المسلم، فهما اليوم أبعد عنا من أي يوم مضى. فالمسلم (والروح الساميّة إنما يعبر عنها الإسلام في زمننا) والأوروبي يتقابلان كمخلوقين كل منهما من نوع مختلف، لا يتشاركان مطلقاً في طريقة التفكير والإحساس..."

"(ص 24) ... ما أن استوعبت الحضارة اليونانية واللاتينية (الديانة) المسيحية حتى أصبحت (هذه الديانة) شأناً غربياً يواجه في الشرق بالتحديد، وهو مهد المسيحية، أكثر العقبات. لقد عجزت الجزيرة العربية خصوصاً، في القرن السابع، عن اعتناق المسيحية. (ص 25) فبينما كانت مترددة بين اليهودية والمسيحية والمعتقدات التراثية المحلية وبقايا عبادة الأجداد، جاءت العناصر الميثولوجية التي أدخلها العرق الهندو-أوروبي في المسيحية لتصدمها فقررت العودة إلى دين إبراهيم، وبذلك أسست الإسلام. وظهر الإسلام بدوره كتفوق عظيم في خضم الأديان المنهارة في آسيا. فقضى بسهولة على المجوسية، التي كانت على ما يكفي من المنعة لتصمد بوجه المسيحية في زمن الساسانيين، وحولّها إلى شيعة صغيرة... باختصار، أدخل الإسلام في التوحيد جميع الوثنيين تقريباً الذين لم تنجح معهم المسيحية بعد. وأكمل في أيامنا رسالته باكتساح إفريقيا التي أصبحت الآن كلها مسلمة تقريباً. وإذا ما استثنينا بعض الحالات الثانوية الأهمية فإن العالم اعتنق بمجمله تقريباً الرسالة التوحيدية للساميين."

"هل يعني ذلك أن الشعوب الهندو-أوروبية تخلت نهائياً عن خصوصيتها باعتناقها للعقيدة السامية؟ لا بالتأكيد. فباعتناقنا للديانة السامية قمنا بتغييرها جذرياً. فالمسيحية، كما يفهمها معظم الناس، هي في الحقيقة من ابتكارنا. أما المسيحية البدائية الكامنة أساساً في معتقد "رؤيا القيامة" في مملكة الله الآتية، المسيحية كما كانت في تصور القديس يعقوب (يعقوب بن حلفى أحد الرسل) مثلاً، أو مسيحية بابياس[83]، فهي مختلفة تماماً (ص 26) عن مسيحيتنا المشبعة بماورائية الآباء اليونان وبمدرسية العصر الوسيط، وحولتها من ثم تطورات الأزمنة الحديثة إلى تعليم في الأخلاق والإحسان. ولم يتوفر النصر للمسيحية إلاّ بعد أن حطمت تماماً غلافها اليهودي، وعندما عادت لما كانت عليه في أعماق وعي مؤسسها، أي إلى إبداع متحرر من قيود الفكر السامي الشديدة. ولكثرة ما هذه الحال حقيقية فإن اليهود والمسلمين لا يشعرون بغير الإشمئزاز تجاه هذه الديانة الشقيقة لديانتهما، والتي اكتست على يد عرق آخر بمسحة شاعرية مرهفة وبوشاح ناعم من الأساطير الرومنسية. ثمة عقول نافذة، حساسة ومخيالة، كواضع[84] مؤلف  L’Imitation وروحانيات العصر الوسيط، كالقديسين عموماً، كانت تبشر بديانة أبدعتها في الحقيقة عبقرية سامية، ولكنها تغيرت رأساً على عقب بفضل عبقرية الشعوب العصرية، لا سيما شعوب السلت والجرمان. هذه العاطفية العميقة، وهذه الرقة، بمعنى ما، لديانة فرانسوا الأسيزي François d’Assise أو فرا أنجيليكو Fra Angelico، كانتا بالتحديد نقيض العبقرية السامية الجافة والقاسية اساساً."

"أما بالنسبة للمستقبل، ايها السادة، فإني أراه انتصاراً متزايداً للعبقرية الهندو- أوروبية. فمنذ القرن السادس عشر ثمة واقعة، غير مسبوقة حتى اليوم، تتجلى بحيوية ملفتة: إنها انتصار أوروبا النهائي، إنها تحقق هذا القول المأثور السامي القديم (ص 27): "ليوسع الله ليافت، وليسكن في خيام سام، وليكن كنعان (حام) عبداً له"[85].

"حتى حينه كانت السامية ما تزال سائدة في إقليمها. والشرق الإسلامي يهزم الغرب، كانت لديه جيوش أفضل وسياسة أفضل، ويزوده بالموارد وبالمعارف وبالحضارة. وفيما بعد تغيرت الأدوار. فالعبقرية الأوروبية تنمو بمقدار لا مثيل له، بينما الإسلام على العكس يتفسخ تدريجياً، وهو ينهار في أيامنا متقصفاً. والشرط الاساسي اليوم لتتمكن الحضارة الأوروبية من الانتشار هو تدمير الشأن السامي بامتياز، تدمير سلطة الإسلام التيوقراطية، وبالتالي تدمير الإسلام، لأن الإسلام لا يمكنه الوجود إلاّ كدين رسمي؛ وعندما نحوله إلى حالة دين حرّ وفردي فإنه يضمحل. ليس الإسلام دين الدولة فحسب، كما كانت الكثلكة في فرنسا لويس الرابع عشر وكما ما تزال اليوم في إسبانيا، بل هو الدين المُسْتَبْعِد للدولة، وهو تنظيم لا تقدم نموذجاً عنه غير الدول الحبرية في أوروبا. وهنا، فالحرب أبدية، الحرب التي لن تتوقف إلاّ متى يلقى آخر أبناء إسماعيل موته بؤساً، أو متى دفعه الرعب منفياً إلى عمق الصحراء. الإسلام هو أكمل نقيض لأوروبا؛ الإسلام هو التعصب الذي بالكاد تعرفت عليه اسبانيا في زمن فيليب الثاني وإيطاليا في زمن بيوس الخامس؛ (ص 28) الإسلام هو احتقار العلم، وإلغاء المجتمع المدني؛ إنه البساطة المرعبة للعقل السامي والمضَيقة لدماغ الإنسان، والعازلة له عن كل فكرة حية وعن كل شعور فذ، وعن كل بحث عقلاني، ولتجعله في موقف تكرار أبدي لما هو "تحصيل الحاصل": الله هو لله."

"وبالتالي، فالمستقبل أيها السادة، هو لأوروبا، ولأوروبا وحدها. أوروبا ستغذو العالم، وفيه ستنشر ديانتها، وهي ديانة الحق والحرية واحترام الإنسان، هذا المعتقد الذي يعني وجود أمر سماوي في الإنسانية..."



[1]  المرجع: LOCKROY (E): “Voyage en Syrie”, texts et dessins inédits, Le Tour du Monde, Nouveau Journal des Voyages, vol. 7, 1863, 1ier semestre, pp. 33-64.

[2]  كلما دار حديث الغربي عموماً عن المشرق العربي عادت به الذاكرة إلى المرحلة الصليبية، مازجاً افتخار نجاح الغزو الصليبي بمرارة الهزيمة التي أصبح صلاح الدين رمزها. ولا بد أن حلم العودة مستمر في الغرب على الدوام (المترجم).

[3]  موقف عنصري ممزوج بموقف سياسي. فهل هذا رأي الإنكليز مثلاً؟ (المترجم).

[4]  يصنف الجميع تبعاً للمذاهب بالتفصيل، باستثناء السنة. والغريب أنه يستبعد العرب ضمناً من بقية المذاهب والأديان! (المترجم).

[5]  من الغريب أن مساعد إرنست رونان مرّ بالقرب من وادي بريصا، ولعله بات فيها عندما حدثنا عن الشيخ المتوالي الذي استقبله مع الرعيان في وادي سحيق، ومع ذلك لم  يسأل عنها! ترى ألم يخبره رونان بما قاله له الحجار في مشنقة، عن بريصا والتماثيل الكبيرة والنقوش؟ والغريب أيضاً أن لوكروا لم يذكر مرج حين. فهل يفوته منظرها، إذ صعد الجبال وصولاً إلى مشاهدة الأرز، آتياً على ما يبدو من جوار الهرمل؟! (المترجم).

[6]  هذا العنوان الفرعي ليس من وضع المؤلف، بل من وضع المترجم ، ما اقتضى التنويه.

[7]  مدينة فرنسية، ثاني مدينة بعد مرسيليا في منطقة بروفنس ألب Prvence-Alpes. (المترجم).

[8]  اسم مدينة إيطالية هي عاصمة مقاطعة أريزو في توسكانة. (المترجم)

[9]  لماذا كتب اسم قاموع الهرمل على هذه الشاكلة مع أنه وارد في نص "بعثة إلى فينيقيا" بشكله السليم Kamoa el- Hurmul.

[10]  مرة أخرى لا يأتي على ذكر وادي بريصا والنقوش البابلية فيها، (المترجم).

[11]  مصدر هذا النص المترجم: Ernest RENAN, Mission de Phénicie, Paris, 1864, (Chapitre IV, Environs de Tortose..., p. 114-128). (المترجم).

[12]  أدين بهذه المعلومات وبكثير غيرها مما يتعلق بمنطقة طرابلس إلى السيد بلانش Blanche، نائب قنصل فرنسا في طرابلس.

[13]  ثمة موقع آخر باسم زمرة Zimreh، هو مدينة مندثرة تقع بين طرطوس والمرقب حيث يوجد قضاء زمرين Zimrin. ولكننا لا نستطيع أن نعين في تلك الناحية موضع سيميرا Simyra التي ذكرها سترابون، والتي يجب تعيينها بلا ريب في موقع مدينة צפר. Voy. Shaw, Voyages, II, p. 7; Movers, Die Phœn. I, 1, p. 115, note; Ritter, XVII, p. 65 et 880.

[14]  Thomson, Bibliotheca sacra, V, p. 15-17.

[15]  ثمة مدينة أخرى أشار إليها رونان (Mission, p. 111) يذكر سفر التكوين اسم مؤسسيها مع ذكره للصماريين والعرقيين، إنها مدينة السن وسكانها السينيون: "يعين بروكار (يسند رونان كلامه هنا، في الحاشية رقم 2 من الصفحة 111، إلى: Rudimentum novitiorum, fol. 168 a, p. 29 de l’édition de M. Laurent, Leipzig, 1864) بالقرب من عرقة مدينة السن أو السينوشيس Syn ou Synochis التي ذكرها سفر التكوين" يتابع رونان في نفس المكان قوله: "إن مدينة بلدة Baldeh الواقعة بالقرب من قلعة راي السن Kalaat Rey el-Sein هي بالتوس Paltus القديمة". يهمنا الإشارة هنا إلى أن قرية "مزرعة بلدة" ليست بعيدة كثيراً إلى شمالي غربي موقع السن في عكار. فهل من صلة ما، ولو بالتسمية بين "مزرعة بلدة" وبالتوس؟ (المترجم).

[16]  Thomson, Bibliotheca sacra, V, p. 14-15.

[17]  Shaw, loc. cit., Ritter, p. 805 et suiv.; John Kenrick, Phœnicia (Londres, 1855), p. 7-8

عين سترابون، XVI, II, 13, 15، أرطوسية شمال إلوتيروس، وافترضها معظم الطبوغرافيين أبعد إلى الشمال في الموضع الذي حددناه لها. ولكن بطليموس، Ptolémée, V, XV, 2، وضعها بصواب جنوبي مصب إلوتيروس، بل إنه يضع سيميرا بين هذا المصب وأرطوسية. ولقد سبق لنا أن بينا أنه من العبث مماثلة أرطوسية بطرطوس.

[18]  راجع: Thomson, Bibliotheca sacra, V, p. 19 et sui.. مع ملاحظة أن أسماء العلم تعرضت للتشويه بفعل الكثير من الأخطاء المطبعية.

[19]  هي لاذقية لبنان.

[20]  هي باراديزوس Paradisus القديمة، حسب روبنسون Robinson.

[21]  أخبرني أحد العاملين في تقطيع الحجارة في مشنقة Maschnaka أنه شاهد في بريصا Berisa فوق الهرمل نقوشاً وتماثيل ضخمة تمثل "رجالاً ونساء". فما هي بريصا هذه؟

[22]  راجع: Thomson, Bibliotheca sacra, IV, 405; V, 695-96, et The Land and the Book, I, 362 et suiv. Robinson, Bibl. Res. III, 542 et suiv. Van de Velde, Reise, p. 389; Ritter, XVII, 161 et suiv.. الرسم الذي يقدمه طومسون سيء. يبدو أن كاساس Cassas مرَّ في هذا الموقع، ولكن الرسم الذي وضعه لا يساوي شيئاً على الإطلاق.

[23]  راجع: Ritter, XVII, 162. كان طومسون في البداية مؤيداً لهذا الرأي، Bibliotheca sacra, IV, 1847, 405، ولكنه عاد لاحقاً وجعل النصب في أيام السلوقيين. كما اعتبره دو فوريست de Forest من صنع أنطيوخوس سيديتيس Antiochus Sidétès: Journal of the American Oriontal Society, III, 356. راجع حول الآراء التي كونها العرب عن هذا النصب: Reinaud, Géographie d’Aboulfida, II, 62, note 1.

[24]  Laborde, Voyage de la Syrie, pl. V ; Cassas, Voyage en Syrie, vol. I, pl. nos 21, 22, 23, 23 bis. Cf. Corpus inscr. græc. no 4511, texte qui répond aux chicanes du P. Bourquenoud, Etudes religieuses, hist. Et litt. publiées par des  Pères de la société de Jésus, sept. oct. 1863, p. 844-845.

[25]  يرى العقيد شيني Cheney أن عبارة الهرمل يُقصد بها اسم لقضاء: The expedition for the Survey of the rivers Euphrate and Tigris, I, 454.

[26]  مغارة الراهب عند أبي الفدا: Reinaud, Géogr. d’Aboulféda, II, p. 62

[27]  نشر رونان هذه النبذة التاريخية في مؤلفه Mission…, p. 120-128، وجاءت باللغة الإيطالية: Nota Storica, sulla diocesi della citta di Tripoli di Syria. وقامت بترجمتها إلى العربية الآنسة جوزفين عبدو مشكورة.

[28]  يتم عادة اشتقاق هذا الاسم من: Belmonte, Beaumont. قارن بين ما جاء في Michaud et Poujoulat, Corresp. d’Orient, VI, p. 421-422 وما جاء في "كتاب الدر المنظوم، المنشور بالعربية للبطريك الماروني مسعد، مطبعة دير طاميش، 1863، ص 244.

[29]  هكذا وردت العبارة في أصل النص بالإيطالية وبالعربية معاً: Wadi-Elkenaies وادي الكنايس.

[30]  تعني كلمة تركي، في لغة الموارنة الذين يحسنون اللغة الإيطالية، المسلم.

[31]  هكذا وردت هذه العبارة وغيرها (وضعناها بين مزدوجين) في العربية ضمن النص الإيطالي.

[32]   هكذا وردت التسمية في النص الإيطالي وبالعربية: قيطع Kaiteh، جيومي Giumi، دريب Draib.

[33]  خطأ، حماة هي إبيفانيا Epiphanie القديمة؛ (رونان).

[34]  راجع النصوص التي جمعها موفرز Movers وريتر Ritter.

[35]  لم يحدد رونان موقعه، (المترجم).

[36]  يشير الرقم 129 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[37]  Laborde, G. Robinson, Thomson, Porter.

[38]  Xénophon, Anab. I, IV; Ovide, Fastes, II, V, 461-474. نجد نفس العبادة في أمكنة أخرى من سورية، مثل أورفه Orfa.

[39]  Dans le Rudim. novit. fol. 168 b ; p. 28, édit. de M. Laurent.

[40]  Voir Michaud et Poujoulat, Corresp. d’Orient, tome VI, p. 416-417.

[41]  يوحي تومسون Thomson وكأن الأعمدة مبعثرة في الجوار: Bibliotheca sacra, V, 13

[42]  يشير الرقم 130 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[43]  يشير الرقم 131 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[44]  Fasciculus inscr. Græc. III, 137 et suiv. Cf. Corpus, III, p. 1175.

[45]  Bibliotheca sacra, V, 13

[46]  Voir Movers, Die Phœn., I, 618 et suiv.

[47]  راجع: Inscriptions rom. De l’Algérie, nos 3576, 3581. يعود النقش الثاني إلى العام 241 ب.م.

[48]  راجع: Tillemont, Hist. des Empereurs, III, p. 157-158.

[49]  إن الحرف ب b في مطلع أسماء الأماكن (بتدين...) في لبنان هو عامة اختصار لكلمة بيت beth.

[50]  Voyage de la Syrie, pl. XXII, 42 et 43; XXIII, 44. Comp. Michaud et Poujoulat, Corresp. d’Orient, VI, p. 419-420.

[51]  يشير الرقم 134 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[52]  راجع: Ritter, XVII, 594 et suiv. Michaud et Poujoulat, Corresp. d’Orient, VI, p. 418-419.

[53]  يحمل الكثير من أنقاض المعابد في لبنان هذا الاسم، كما لاحظ بوركارد Burckhardt. وغالباً ما يختلط هذا الاسم بكلمة ناموس Namous "مدفن أو مقبرة"، راجع: Voy. Ritter, XVII, 199, 594.

[54]  XII, 29. ثمة خطأ في لوحات دو لابورد جعل هذا النصب بجوار طرطوس.

[55]  “Plura loca religiosa constructa sunt super rivos ejus et ecclesiæ multæ“, Brocard, dans le Rudimentum novitiorum, fol. 168 a, p. 28 de l’édition de M. Laurent.

[56]  يستخدم رونان عبارة العرق الماروني race maronite، ففضلنا عليها عبارة جماعة الموارنة، (المترجم).

[57]  Gesenius, Thes. s. v. Ritter, XVII, 650 et suiv.

[58]  Bibl. Res. III, 587, note.

[59]  يشير الرقم 137 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[60]  ظن روبنسون Robinson، من جهة أخرى، انه عثر على Παράδεισος في البقاع (III, 556). لا يبتعد طومسون Thomson كثيراً عن هذا الرأي Bibl. sacra, V, 689.

[61]  Voy. F. Naironi, Evoplia, 84, 88-89.

[62]  يشير الرقم 138 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[63]  راجع خريطتنا (pl. I) حيث عينا المنطقة التي توجد فيها هذه النقوش، ببذر الحرف H.

[64]  يشير الرقم 258 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[65]  راجع ص 274، حيث نقرأ: "وجد الأوروبيون الذين تجولوا بين العاقورا وتنورين حجارة منقوشة، وقالوا بأن ثمة رجلاً مرّ من هناك، وكان يحلو له نقش اسمه على الصخور".

[66]  Burckhardt, I, p. 340 (trad. de Gesenius); O. von Richter, Wallfahrten, p. 106-109; Robinson, Bibl. Res. III, 602. Cf. Ritter, Erdkunde, XVII, p. 556-557, 562.

[67]  يشير الرقم 259 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[68]  Relation d’un séjour à Beyrouth et dans le Liban, II, p. 15 et 19.. "في منتصف الطريق بين المروج وزحلة... رأيت اختصار اسم الأمبراطور هادريان": Mission, …, p. 278

[69]  Journal of the American Oriental Society, vol. III, no II, p. 355 (1853).

[70]  يشير الرقم 260 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[71]  يشير الرقم 278 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[72]  راجع على سبيل المثال: II Reg. xix, 23; Isaïe, XXXVII, 24

[73]  Quinte-Curce, X, 1.

[74]  يشير الرقم 279 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[75]  Voir Letronne, Inscript. de l’Egypte, sect. II, init. P. 149.

[76]  A Athènes, en Grèce, ect. (voir Bourquelot, Huit jours dans l’île de Candie, p. 11-13).

[77]  يشهد على ذلك النقش الذي رآه روبنسون (Voy. en Pal. et en Syrie, II, p. 69). لقد وجه أسباسيوس Aspasius، خطيب جبيل، مديحاً لهادريان (Fragment. hist. græc. III, 576)؛ ولقد وضع فيلون الجبيلي سيرة حياة هادريان، وكان، مع مدرسته، على صلة مستمرة بهذا الأمبراطور (Ouvr. Cite, p. 560)

[78]  يشير الرقم 280 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[79]  يشير الرقم 281 إلى رقم الصفحة في: Mission, …

[80] نعتذر من القراء عما في هذا النص من مواقف ومن ألفاظ تسيء إلى المسيحية المشرقية والإسلام والمسلمين، وكلها جاءت بقلم إرنست رونان. (جوزف عبدالله).

[81]  LOCKROY (E): “Voyage en Syrie”, texts et dessins inédits, Le Tour du Monde, Nouveau Journal des Voyages, vol. 7, 1863, 1ier semestre, pp. 33-64.  

[82]  Ernest RENAN: De la part des Peuples Sémitiques dans l’histoire de la civilisation, Discours d’ouverture du cours de langues hébraïque, chaldaïque et syriaque, au Collège de France, 4ème édition, Paris, 1862.

إرنست رونان: "في إسهام الشعوب السامية في تاريخ الحضارة"، "محاضرة افتتاحية" في "محاضرات في اللغات: العبرية والكلدانية السريانية" في كوليج دي فرانس، منشورة في طبعة رابعة في العام 1862، في باريس.

[83]  بابياس Papias هو اسقف ايرابوليس Hiérapolis (تركيا) عاش في النصف الأول من القرن الميلادي الثاني، (المترجم).

[84]  هذا الكتاب L’Imitation (محاكاة يسوع المسيح) الموضوع بين نهاية القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر مجهول المؤلف، أو على الأقل لا يوجد توافق على حقيقة واضعه، (المترجم).

[85]  تكوين، 9: 27 (المترجم).


د. جوزف عبدالله

back to Book