back to Documents

back to Books

 

Note:

These articles are presented for your information. The listing of these articles by Kobayat Website does not constitute an endorsement of all the material that may be found at any given time on all of them.

 

الانتخابات البلدية في القبيات 1998

 

هذا البحث هو في الأصل مداخلة عن البلديات، تم عرضها في الحلقة الدراسية التي أجراها معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في طرابلس في العام 2000، وتم نشرها مع وقائع الحلقة الأخرى في (العدد السادس، أيار 2000) لمجلة "العلوم الاجتماعية" الصادرة عن مركز الأبحاث في المعهد.

د. جوزف عبدالله

دكتوراه في العلوم الاجتماعية

 

أ) بلدة القبيات

 

الموقع، الحدود، الأهمية، الانتشار السكني

تقع القبيات على منحدرات ومنبسط واد منفرج في أقاصي عكار في الشمال الشرقي من السلسلة الغربية من جبال لبنان، على علو يتراوح ما بين 500 و750 متراً. تبعد عن العاصمة بيروت 140 كلم وعن طرابلس 40 كلم وعن حلبا مركز القضاء 25 كلم..

يحد القبيات لجهة الشرق بلدة عندقت (موارنة) وجبل أكروم (سنة)، ولجهة الجنوب والجنوب الغربي، على التوالي، عشيرة الجعافرة (قرية الخربة – شيعة) وبلدة عكار العتيقة (سنة)، ولجهة الغرب قرية السنديانة (سنة)، والشمال الغربي بلدة البيرة (سنة) ولجهة الشمال بضع قرى منها عيدمون والنهرية والمغراقة (أرثوذكس وموارنة وسنة).

إنها من أكبر بلدات عكار. تبعد عن سوريا بضعة عشر كلم. تخترقها طريق تربط الشمال بالبقاع، كانت الشريان الحيوي في ظروف الحرب الأهلية، خاصة في الشتاء. تعبرها طريق أخرى وصولاً إلى سوريا، مروراً ببلدات عندقت وشدرا والمشاتي ووادي خالد.

تعتبر القبيات بمثابة المركز الإداري لمنطقة الدريب: ففيها فصيلة ومخفر لقوى الأمن الداخلي، ومركز للأمن العام، ودائرة للنفوس، ومركز للدفاع المدني، ومركز للخدمات الشاملة (الإنعاش الاجتماعي)، ومركز لشركة الكهرباء، ومصلحة لمياه منطقة القبيات (تخرج عن سلطتها لجنة خاصة لإدارة مياه القبيات)، ومركز للبريد والهاتف، ومستوصف ومختبر دم حكوميان، وثانوية رسمية…

تتوزع منازلها (التي تجمع في بنائها وأثاثها القديم إلى العصري) في ست مجموعات (أحياء) تكاد تكون متميزة في تموضعها حتى ليخال الرائي أنه أمام مجموعة من القرى لا إزاء بلدة واحدة، خاصة وأن بعضها يبعد بضعة كيلومترات عن بعضه الآخر… هذه الأحياء هي: الغربية (القبيات العتيقة) ومرتمورة (الشرقية والغربية) والزوق (الفوقاني والتحتاني) والضهر (الشرقي والغربي) وغوايا والقطلبة. يشكل كل حي رعية دينية مستقلة عن الأخرى بكاهن خاص بها وبكنيستها أوكنائسها ومؤسساتها الكنسية الخاصة وكذلك بجمعياتها الدينية وشبه الدينية. كما أنه لكل حي مختار خاص به ينتخبه أهل الحي المسجلون في دوائر النفوس بوصفهم من هذا الحي. وتتجمع هذه الأحياء تحت لواء بلدية واحدة عدد أعضاء مجلسها 18، يتم ترشيحهم وانتخابهم، قانونياً، بصرف النظر عن توزعهم على الأحياء المذكورة. أنشئت هذه البلدية منذ العام 1921. وتم حلّ مجلسها في العام 1971 لتصبح بعهدة قائمقام عكار.

 

النشاط الاقتصادي والقوى العاملة

يطغى قطاع الخدمات على مجمل الأنشطة الاقتصادية في البلدة ويستوعب الغالبية العظمى من قواها العاملة، لاسيما في ميدان الوظيفة الرسمية في القوات المسلحة (متقاعدون وعاملون في الجيش وقوى الأمن والأمن العام…)وهم بنسبة 41%، وفي التعليم الرسمي حوالي 7.3%، وفي شتى إدارات الدولة 10.5%، ويبلغ الموظفون في القطاع الخاص نسبة 5.3%، بينما يمارس الطب والهندسة 3.1%، ويتعاطى التجارة والمهن الحرة الحرفية أو التصنيعية التحويلية (نجارة وحدادة إفرنجية…) 21%. بينما لايتعاطى العمل الزراعي الصرف سوى 1.05%. وهناك حوالي 10.5% من العمال الزراعيين أو العاملين في المؤسسات التجارية والتصنيعية المحلية. (إستناداً إلى إحصاء بالعينة أجرته الطالبة كاميليا ساسين، في العام 1993).

من المفيد هنا أن نلحظ أن العاملين كموظفين في شتى قطاعات الدولة يبلغون نسبة 58.8% من القوى العاملة، وإذا أضفنا إليهم الموظفين في القطاع الخاص تصبح نسبة الموظفين 64.1%. إن لهذا الواقع معناه العميق على مستوى الممارسة السياسية، ذلك أن دخول الوظيفة، الرسمية والخاصة أيضاً، يحتاج كما لا يخفى على أحد إلى "الواسطة"، مع ما تعنيه من منطق حماية المواطنين التي يمارسها السياسيون عبر عملية توزيع "ريع الدولة" بغية تجميع الأنصار والمحازبين، وذلك وفق نوع من المحاصصة في "المغانم" تحكمه التوازنات بين الطوائف، والتوازنات داخل كل منها.

تقوم علاقات العمل هذه في بنية اجتماعية طابعها العام علاقات قرابية وطائفية، لكل منها مجال تأثيره الخاص به. فالقرابي ميدانه المباشر العلاقات داخل البلدة، بينما يتركز الطائفي على العلاقات مع خارجها، لا سيما الطوائف الأخرى. هذا مع التأكيد على الاحتمالات الدائمة والكامنة للتناقض بين القرابي والطائفي. بيد أن العلاقات القرابية والطائفية ليست علاقات راسخة ومستقرة. فهي تعرف فترات فوران وفترات خمود، ليست دورية بالطبع. وذلك لأنها في حالة صراع متفاوت الحدة مع "التفريد" الاجتماعي والميل إلى أشكال من الوحدة الاجتماعية خارج العصبيات القرابية أو الطائفية.

 

التنظيم الاجتماعي وعلاقات القرابة

مع أن القبيات تقسم إدارياً ورعائياً إلى ستة أحياء لكل منها إسمه الأصيل، فإن كلاً من هذه الأحياء ينقسم، منذ القدم، أحياء فرعية ما تزال معتمدة حتى اليوم. وكل واحد من هذه الأحياء الفرعية يتسمى باسم عائلة معينة. يقال مثلاً حي بيت معيكي أو بريدي أو عبدو أو ضاهر… وهكذا يحدد القرابي معظم التسميات الفرعية للأحياء.

قاعدة القرابة هي العائلة الذرية المندرجة (بأشكال متباينة في وضوحها وفعاليتها) ضمن بيوت وأجباب تتجمع حول جب الزعامة. إنها قرابة أبوية، تعمل وفق مبدأ الحسب على مستوى البيت والجب، ووفق مبدأ النسب على مستوى العائلة بكاملها (العشيرة أو القبيلة). تندرج في علاقات القرابة عمليات المصاهرة التي تؤدي إلى أحلاف منطلقها صلة الأرحام. يُضاف إلى ذلك تلك القرابة بالولاء عندما تلتحق واحدة من العائلات الصغيرة بعائلة كبيرة.

بالطبع ليست القرابة هنا كتلك القرابة الخلدونية القائمة على اقتصاد الرعي والغزو وصد العدوان، أو على الاقتصاد الطبيعي، حيث يعمل التضامن القرابي كلياً تقريباً على إعالة أبناء العشيرة بنوع من التكافل الفعلي، منه تنشأ عصبية غايتها الملك. بل القرابة هنا متمفصلة على علاقات رأسمالية تابعة في ظل دولة هي أقرب ما يكون إلى اتحاد عصبيات طائفية وعشائرية ومناطقية. ولكن هذه القرابة تلعب شيئاً من دور العصبية الخلدونية، سياسياً واقتصادياً، بحيث تكون أقرب إلى كونها أداة أو تنظيم يستعمله مشروع الزعامة الفعلية، إن وُجد، أو الوجاهة كحد أدنى، وذلك بغية الحصول على مكاسب معينة مادية ومعنوية، هي في جلها من "مغانم" الدولة.

وكثيراً ما تلجأ العائلات إلى أشكال من التنظيم والممارسات للمحافظة على الصلة القرابية أو لإعادة إحيائها، منها: الرابطة العائلية، الصندوق (للدفن والزواج والمساعدة عند الضرورة…)، حفلات التعارف… ونادراً ما لا تعتمد العائلات الكبيرة والصغيرة في البلدة إلى واحدة من هذه الممارسات، علماً بأن هذه الأشكال التنظيمية تتعرض لكثير من الاهتزاز تبعاً للصراعات داخل البلدة أو داخل كل عائلة.

 

السلطة والطائفة

وعلى العموم ينتظم المجتمع قرابياً في مجموعات هي بيوت وأجباب، وأحياناً في عائلات (عشيرة). تتعاون هذه المجموعات وتتنازع على النفوذ والثروة العامة المحليين، وذلك على مستويين، (أو وفق سلكتين) متداخلين ومتضافرين: واحد محلي ـ داخلي وآخر خارجي (مستوى القضاء والمحافظة والوطن) من خلاله تندرج القبيات في "المجتمع" اللبناني.

إن اندراج القبيات في "المجتمع" اللبناني يستلزم شكلاً آخر للانتظام الاجتماعي هو التنظيم الطائفي. وهذا الشكل هو الذي يعطي للبلدة نوعاً من الهوية تخولها الدخول في كيان الطائفة كجزء منها، وتميزها عن غيرها من مجموعات الطائفة المارونية، بحيث أنها تبحث عن "حصتها" في الدولة من خلال سعيها إلى تكريس "حقوقها" داخل الطائفة (في لعبة التنازع والهيمنة داخل موارنة الشمال اللبناني، وبين هؤلاء الموارنة ومركز الموارنة في الجبل).

 

الانتظام "الاجتماعي - السياسي" الزبائني، أو المحاسيب

ثمة شكل آخر للعلاقات يتجاوز القرابة الدموية والدينية. إنه التجمع كزبائن (أنصار، محازبين…) عند الزعامات السياسية "élsationClient‏‏‏". هذا التجمع الزبائني يعمل على مستوى كل بنية المجتمع بهرميته السياسية والاجتماعية (بما في ذلك الدولة واداراتها)، وهو الرحم الذي بداخله تترسخ أو تضعف العصبيات القرابية والدينية. بينما هو يستمد منها غذاءه فانه يتحكم بها.

هذا التنظيم الاجتماعي هو انتظام عصبي، وهو اجتماعي وسياسي معاً. أصله قرابي يتراجع أحياناً لصالح الطائفي، وينافسه أحياناً أخرى، ويتحد معه أحياناً ثالثة. وهو يواجه على الدوام محاولات، (هي في القبيات خجولة وضعيفة للغاية)، لانتظام اجتماعي ـ سياسي من نوع آخر، جوهره تفردي "تعاقدي" (لا عصبي) تعبر عنه (أو تحاول التعبير) الأحزاب الحديثة القومية والاشتراكية أو الليبرالية، وما يُسمى مؤسسات المجتمع المدني (الجمعيات والأندية والنقابات والروابط المهنية…).

يعتمد الانتظام الطائفي أشكالاً عصرية للتنظيم: الحزب السياسي. ففي القبيات نشأ فرع لحزب الكتائب اللبنانية وآخر لحزب الوطنيين الأحرار، قبل أن يخليا المكان لحزب القوات اللبنانية مع تفاقم واتساع الحرب الأهلية، ومن ثم للتيار العوني.

 

 

ب) القوى السياسية

 

الأحزاب:

 

أحزاب اليمين المسيحي : أسس حزب الكتائب اللبنانية في القبيات أحد أبناء البلدة، في العام 1942، لدى عودته من الاغتراب بثروة مكنته من التأثير المحلي، ولكنه من عائلة صغيرة ضعيفة النفوذ والتأثير في البلدة، فلم ينجح الأمر. وفي العام 1946 جدد المدرس فيليب البستاني (من خارج القبيات) فرع الحزب، فجمع حوله العديد من أبناء العائلات الصغيرة. وسرعان ما تدهور الحزب مجدداً. بيد أن عائلة ضاهر، المعروفة بنفوذها الكبير والعريق في القبيات، حاولت إعادة تنظيم الحزب مجددا بمبادرة من زعيمها الشيخ ميشال ضاهر. فعرف الحزب رواجاً في مطلع الخمسينات، بيد أن التدهور عاد وأصابه إثر الخلاف الناشب حول السيطرة عليه بين الشيخ المذكور ووجيه إحدى العائلات الصغيرة. تجدد الحزب مرة أخرى إثر أحداث العام 1958، ولكنه انهار بعد فترة وجيزة. وفي العام 1969 تجدد الحزب على يد مجموعة ناشطة من الشباب (من عائلات صغيرة). استمر الحزب في التطور مستمداً من الحرب الأهلية، وما رافقها من مظاهر الصراع الطائفي، ما يغذي به دعوته إلى اللحمة المارونية (والمسيحية عامة). كما انه استمد من الصراع مع الفلسطينيين (ومع السوريين في ما بعد) ما يروج به دعوته إلى إنقاذ لبنان من السيطرة الغريبة. عرف هذا الحزب أرفع حالات شعبيته مع تأسيس القوات اللبنانية، ومع تصاعد الدعوة إلى بناء "المجتمع المسيحي الحر"، وصار أعضاؤه يتجاوزون 200 عضواً بينهم بضعة من كادرات الصف الأول في القوات، وبضع عشرات من العناصر المتفاوتة المسؤولية، سواء في الجهاز العسكري أو السياسي أو الإداري. وبات لهذا التنظيم نوع من الهيمنة الفعلية والنفوذ الجدي المحدد للسلوك السياسي في البلدة، كما أثبتت المقاطعة لانتخابات العام 1992.

لم يعرف حزب الوطنيين الأحرار نفس سعة الانتشار في البلدة، وكاد وجوده ينحصر بنشاط إثنتين من العائلات المتوسطة الحجم في اليلدة. ولم يعدم حزب حراس الأرز بعض الأنصار أيضاً.

 

الأحزاب القومية واليسارية : كان لجميع المنظمات القومية والاشتراكية والشيوعية بعض الأعضاء من البلدة. وكان لحزب البعث العربي الاشتراكي (الموالي لسوريا)، قبل الدخول السوري إلى لبنان، الحضور الأفضل نسبياً. ولكنه انتهى بما انتهى إليه وضع هذا الحزب في لبنان. كما كان للحزب السوري القومي الاجتماعي منظمة ما لبثت أن انهارت بتحول كادرها الأساسي إلى الماركسية والعمل مع المقاومة الفلسطينية. لم تعرف هذه الأحزاب رواجاً شعبياً. وما زال منها بعض المستقلين يمارسون سياسياً انطلاقاً من مواقع يسارية مستقلة، ولكنهم على فعالية ضعيفة التأثير.

 

البيوت السياسية: عائلة ضاهر وعائلة عبدو

عائلة ضاهر :من أعرق العائلات السياسية في القبيات مع عائلة عبدو، ولكنها متفوقة عليها من حيث السلطة والنفوذ، مثلت موارنة عكار في مجلس 1957، بشخص ميشال ضاهر، وفي المجالس من العام1972 حتى نهاية ولاية مجلس 1992، بشخص الوزير الأسبق والنائب الحالي مخايل ضاهر أهم ممثل لهذه العائلة. ينازعه (منازعة ضعيفة للغاية) في العائلة رشيد نجل ميشال ضاهر (من نفس الجب) وابن أخيه روجيه. تمارس العائلة السياسة التقليدية بتجميع الزبن (المحازبين والأنصار) بواسطة الخدمات الشخصية (مغانم السلطة التي تُوزع على المخلصين وتُمنع عن الخصوم).

 

عائلة عبدو : عريقة في السياسة، يكاد نفوذها يقتصر على داخل البلدة، يتزعمها صبري عبدو بالاستناد إلى حجم العائلة الكبير. كان رهانه الأساسي، مؤخراً، السلطة المحلية: البلدية، حصل على رئاستها بتحالفه مع مخايل ضاهر، وذلك بعد أن فقد هيمنته العائلية بفعل تشتت العائلة بين التيارات السياسية (يميناً ويساراً) خلال الحرب الأهلية.

 

الوجوه السياسية:

فوزي حبيش : بدأ حياته مفتاحاً انتخابياً يعمل لصالح الزعامة الأقوى ( في السلطة) في البلدة وينال مكافأتها ترقياً في سلم الوظيفة. فكان مدرساً مع ميشال ضاهر، ليصبح مفتشاً مع النائب رشدي فخر وأخيه فخر فخر (ثلاث دورات متتالية ممثلان لموارنة عكار في المجلس النيابي)، ثم ينحاز إلى مخايل ضاهر ويترقى في سلم الوظيفة مخلصاً في تعاونه معه. بدأ يراكم من موقعه الوظيفي الخدمات الشخصية، إلى أن حانت له الفرصة في الانتخابات الأخيرة، مستغلاً خلاف مخايل ضاهر مع السلطة المركزية، فدخل دفعة واحدة الندوة البرلمانية ومجلس الوزراء (في انتخابات 1996). وهو اليوم المنازع الأساسي لمخايل ضاهر على السلطة والنفوذ المحليين.

 

جوزيف مخايل : يحاول سلوك نفس المنحى السياسي التقليدي، محام تمكنه مهنته من المرافعة المجانية، لكسب الأنصار. تزوج من بيت شمعون ليوطد علاقته مع واحد من المواقع المركزية في الطائفة المارونية والدولة، بعد أن كان يسعى إلى ذلك بانتمائه إلى حزب الأحرار. عدل مرجعيته بمحاولة اللجوء إلى الأجهزة الأمنية الفاعلة في السلطة المركزية، ليعزز قدرته الخدماتية وفرصه بالوصول إلى البرلمان.

 

 

ج) تقليد أم تجديد ؟

في مثل هذه البنية الاجتماعية، وفي ظل هذه القوى السياسية، الموصوفة أعلاه، من الصعوبة بمكان عظيم الحديث على التجديد في الانتخابات البلدية الأخيرة في القبيات. ولعلنا إلى التقليد الصرف أقرب، ذلك أن قوى التجديد، بمعنى التغيير في الممارسة الانتخابية (ترشيحاً وبرنامجاً ودعاية وانتخاباً)، هي القوى الداعية إلى تحديث العقلية في نظرتها إلى واقع ومآل المجتمع المحلي والشامل ومؤسساته، وهذه القوى هي في حدها الأدنى ليبرالية، وفي حدها الأقصى يسارية، وفي الحالتين من شأنها اعتبار المواطن بمثابة فرد يتعاقد مع غيره من الأفراد للاهتمام بالشأن العام، كشأن يتساوى الجميع أمامه، بصرف النظر عن العائلة والطائفة. والحال هذه القوى وهذه النظرة ضعيفة في القبيات.

ولو اعتبرنا أن جدل الصراع الانتخابي من المفترض أن يدور بين قوى اليمين المسيحي، من جهة أولى، والقوى التقليدية من البيوتات والوجوه السياسية، من جهة ثانية، جاءت الممارسة الانتخابية ونتائجها لتسفه افتراضنا. وحتى على هذا المستوى من "التغيير"، ولو لمجرد استبدال العصبية القرابية بتلك الطائفية، (هذا ما كان يوحي به التوسع الكبير لليمين المسيحي)، حتى على هذا المستوى من الصراع (بين عصبية الطائفة وعصبية العائلة) جاءت النتيجة بهزيمة العصبية الطائفية دون أن يعني ذلك انتصاراً صرفاً لعصبية القرابة. ان اصطفاف الغالبية في القبيات كمحاسيب وانصار للزعامة المتنافسة محلياً يعكس مدى المحافظة السياسية في البلدة، وضعف رغبة التغيير فيها.

 

 

 

د) إعداد الانتخابات

1.      من المعروف أن "اللقاء من أجل الانتخابات البلدية والاختيارية" شكل إطاراً لتحرك واسع النطاق من أجل إجراء هذه الانتخابات. كانت غالبية البلدة بعيدة عن هذا التحرك ولم تشارك فيه، ولم تستجب لكل الدعوات التي وُجهت لها. ولدى حصول واحد من هذه الأنشطة في البلدة بالذات، بمبادرة من القوة اليسارية المستقلة، لم يتجاوز الحضور 150 شخصاً، وكان كثير منهم مشدوداً إلى مناقشات أبعدت اللقاء عن جوهر غرضه: المناقشة في أزمة السلطة البلدية المغيبة. أما اللقاء الثاني الذي حصل بمبادرة من التيار العوني، وبحضور العقيد لطيف ودوري شمعون، فلم يتجاوز الحضور فيه 250 شخصاً، واقتصر على عرض البرنامج البلدي العوني. واقتصر دور الحضور على توقع التشديد على "القرار الوطني الحر".

 

2.      كان الإعداد للانتخابات ناشطاً للغاية من جانب "الماكينة الانتخابية" لكل من مخايل ضاهر وفوزي حبيش، وفق المنطق الدعائي الانتخابي التقليدي: التشديد على أهمية الخدمات التي قدمها كل منهما (الخدمات الفردية خاصة)، الترويج للخدمات الكثيرة التي سيحصل عليها المؤيدون… تحكمت ثنائية مخايل ضاهر ـ فوزي حبيش بحركة الترشيح والانتخاب، وباءت بالفشل كل المحاولات الرامية إلى تشكيل لائحة ثالثة، رغم اشتراك الكثير من الطامحين إلى لعب دور سياسي في هذه المحاولات. وشكل كل منهما لائحة كاملة من 18 مرشحاً (لائحة ضاهر باسم لائحة قرار القبيات، ولائحة حبيش باسم التحالف الوطني). ويسترعي الانتباه في تشكيل هاتين اللائحتين أمران أساسيان. الأول جاءت كل واحدة منهما برئاسة أحد أفراد عائلة عبدو (أكبر العائلات عددياً في البلدة)، وذلك استثماراً للعصبية العائلية في السلوك الانتخابي. ومن الغريب أن كثيراً من العائلات تمثل بحضور مرشح لها في كل من اللائحتين المتنافستين. أما الأمر الثاني فنراه في توزع كادرات وأنصار اليمين المسيحي على هاتين اللائحتين، كأنها لم تكن يوماً في مؤسسة واحدة تجمعها معاً. ولم تتبادل هذه الكادرات الخدمات الانتخابية، كما سنبين لاحقاً. وهذا ما يعكس غياب الهم "الداخلي" في التعبئة السياسية لهذا التيار السياسي وحصر نشاطه على مستوى المواجهة مع "الآخر"…

 

3.      لعل الأمر الجديد الوحيد الذي سجلته هذه الانتخابات هو وجود 14 مرشحاً مستقلاً. فلأول مرة في تاريخ البلدة يترشح في الانتخابات البلدية مرشحون من خارج الاصطفاف حول طرفي الصراع فيها. ولكن باءت بالفشل كل المحاولات لجمع هؤلاء المرشحين المستقلين في لائحة واحدة، حتى بعد إعلان الثنائي ضاهر ـ حبيش لائحتيه. قام المرشحون ال 14 بتحالفات جزئية ضمت البعض منهم: العونيون لائحة من 3 مرشحين، الديمقراطيون لائحة من 3 مرشحين أضافوا إليهم العونيين الثلاثة وإثنين من المستقلين وتسعة مرشحين من لائحة القرار)، اليمين المسيحي (من المستقلين فقط) لائحة من 6 مرشحين (اتفاق أكثر مما هو تحالف فعلي)، وأصر على الانفراد كل لوحده مرشحان مستقلان، على أن يتعاونا عملياً. بالطبع لم يتمكن من الفوز أحد من المرشحين المستقلين، بل إن الفرق في الأصوات بلغ نسبة كبيرة، بين المستقلين ومرشحي اللوائح.

 

 

هـ) نتائج الانتخابات

 

كان اهتمامنا بالسلوك الانتخابي، في هذه الانتخابات البلدية، سابقاً على اجرائها. لذلك اعتمدنا لدى فرز النتائج أوراقاً تم عليها تدوين أسماء كل المرشحين، أفقياً. وكان على المشارك في تسجيل نتائج الفرز أن يضع إشارة أمام جميع الأسماء التي تظهر في كل ورقة اقتراع. وقد خصص سطر لكل ورقة اقتراع. تم توزيع هذه النماذج على كامل أقلام الاقتراع (16 قلماً). بيد انه تبين لنا أن هذه العملية تحتاج إلى مجموعة كبيرة من العناصر، لطول وقت عملية الفرز ولكون التدوين مرهقاً للقائمين به. وبالنتيجة لم نجد غير أربعة أقلام أوراقها صالحة للتحليل. غطت هذه الأوراق ما مجموعه 1439 ورقة سحبت من صناديق الاقتراع الأربعة. اعتمدنا هذه الأصوات كعينة عشوائية من خلالها استخلصنا اتجاهات الناخبين. اكتفينا هنا بعرض الاتجاه العام، دون الدخول في التفاصيل، على أن ننجز لاحقاً دراسة أعم وأشمل وأكثر عمقاً.

قمنا بفرز 1439 ورقة من صناديق اقتراع، وحصلنا على النتائج الواردة في الجداول المرفقة ادناه.

الجدول الأول

مجموع الناخبين الذين أيدوا لائحة كاملة من 18 مرشحاً

لائحة

العدد

%

القرار

314

21.8

التحالف

300

20.8

المجموع

614

42.6

 

 

الجدول الثاني

مجموع الناخبين الذين أيدوا 17 مرشحاً من أصل لائحة من 18 مرشحاً

لائحة

العدد

%

القرار

127

8.83

التحالف

84

5.84

المجموع

211

14.7

 

 

الجدول الثالث

مجموع الناخبين الذين أيدوا 16 مرشحاً من أصل لائحة من 18 مرشحاً

لائحة

العدد

%

القرار

61

4.24

التحالف

65

4.52

المجموع

126

8.76

 

الجدول الرابع

مجموع الناخبين الذين أيدوا 15 مرشحاً من أصل لائحة من 18 مرشحاً

 

لائحة

العدد

%

القرار

32

2.22

التحالف

36

2.5

المجموع

68

4.73

 

يتضح من الجدول الأول أن نسبة 42.6% من الناخبين (العينة 1439) يلتزمون التزاماً مطلقاً بالزعامة التقليدية في القبيات. بينما قام بشطب مرشح واحد من أصل 18 مرشحاً في لائحة كل من ضاهر وحبيش، نسبة 14.7%، حسب الجدول الثاني. وتدنت النسبة إلى 8.76% ممن قاموا بشطب مرشحين، لتبلغ 4.72% مع شطب ثلاثة مرشحين.

وبما أن شطب 3 مرشحين من أصل 18 لا يعني ضعفا في الالتزام بالزعامة التقليدية، ولا يعني حرية في الاختيار أو ممارسة للحرية الانتخابية خارج اعتبارات الولاء للزعامة، فاننا نستطيع القول أن نسبة أكثر من 70% تلتزم التزاماً شبه كلي بالزعامة، كما يوضح الجدول التالي.

الجدول الخامس

مجموع من انتخب من كل لائحة :

لائحة

18 مرشحاً

17 مرشحاً

16 مرشحاً

15 مرشحاً

المجموع

%

القرار

314

127

61

32

534

37.1

التحالف

300

84

65

36

485

33.7

المجموع

614

211

126

68

1019

70.8

 ان هذا الالتزام بالزعامة التقليدية هو أشد عند أتباع مخايل ضاهر مما هو عند أتباع فوزي حبيش. وهذا ما يفسر نجاح خمسة مرشحين فقط من لائحة التحالف الوطني مقابل 13 مرشحاً من لائحة قرار القبيات. ويبدو أن حركة التشطيب الضعيفة جاءت لغير صالح حبيش ولائحته. هذا فضلاً عن اجتماع مجموعة من الناشطين في التشطيب على التركيز على أسماء مرشحة معينة، مما عزز رجحان كفة لائحة الضاهر.

بيد أن الأمر الجوهري الذي يتم استخلاصه من هذه النتائج هو غياب قدرة تأثير اليمين المسيحي التي كشف عنها في تأكيد المقاطعة للانتخابات النيابية في العام 1992، في حينه لم يتجاوز عدد المقترعين رسمياً 1500 ناخباً (فعلياً ما يقارب نصف هذا العدد) من أصل حوالي سبعة آلاف (نجاح المقاطعة). هذا بينما تجاوزت نسبة المقترعين فعلياً في الانتخابات البلدية أربعة آلاف. ولكن هذه المشاركة الكثيفة لم تكن لصالح اليمين المسيحي بل لصالح لائحتي الزعامة التقليدية. هذا فضلاً عن ضعف التأثير الانتخابي للقوى المنظمة سياسياً في أحزاب حديثة، وكذلك لليبراليين والتقدميين.

وإذا نظرنا إلى تركيب اللوائح لتبين لنا أن البنية العائلية لم تكن حاسمة في إعدادها، ولا في تقرير النتائج. ذلك أن كل واحدة من اللائحتين ضمت تقريباً مرشحاً منافساً لمرشح آخر من نفس العائلة، فضلاً عن وجود مرشح ثالث (ورابع مرة). يعني ذلك ضعف اللحمة القرابية وغياب العصبية على المستوى العام للعائلة، واقتصار دور القرابة على مستوى الاجباب الضيقة، والقرابة المباشرة.

ما هو منبع الاصطفاف السياسي الأساسي، في غياب عصبية الطائفة وعصبية العائلة؟ إننا نجده بكل وضوح على مستوى "التجمع الزبائني" (المحسوبية) حول الزعامات.

 

د. جوزف عبدالله

دكتوراه في العلوم السياسية

 

هذا البحث هو في الأصل مداخلة عن البلديات، تم عرضها في الحلقة الدراسية التي أجراها معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في طرابلس في العام 2000، وتم نشرها مع وقائع الحلقة الأخرى في (العدد السادس، أيار 2000) لمجلة "العلوم الاجتماعية" الصادرة عن مركز الأبحاث في المعهد.

 

 

Back to Documents

back to Books