back to Books

 

شكراً لك يا د. فؤاد سلوم

 

جوزف عبدالله

 

يستحق منّا الدكتور فؤاد سلوم كل الشكر. نحن ندين له بالامتنان والشكر. لقد وفر علينا الكثير من الكلام ويا ليته فعل ذلك من قبل.

قد يسأل سائل: على ماذا يُشكر د. سلوم؟ وما المناسبة؟

أما المناسبة فهو "التمهيد" الذي نشره على صفحات موقع [1] kobayat.org لترجمته المقبلة إلى العربية لمؤلف الأب د. عفيف (سيزار) موراني، الذي وضع د. سلوم عنوانه بالعربية "القبيات وناحيتها [2] زمن الصليبيين".

أما دواعي شكرنا له فمتعددة.

 

أولاً: أنه يلاقينا إلى حيث وصلنا في تقييمنا لكتابات الأب موراني ولكتابات د. سلوم بالذات.

كيف حصل ذلك بخصوص كتابات الأب موراني؟

1- بعد نقدنا الجاد والرصين (وإن رآه البعض قاسياً فذلك لأن الحقيقة جارحة، ليس إلاّ) لما تقدم به مؤرخو القبيات (ومنهم الأب د. موراني) من ترّهات وخيالات وخرافات مُغَلَّفَةٍ برصانة مزعومة لـ"علم"ـهم التاريخي والأركيولوجي (الآثار)، وذلك سواء في مؤلفنا "تحقيقات في تاريخ عكار والقبيات"، أو في ما نشرناه، تحت عنوان "منتخبات التواريخ والآثار في مواضع عكار والجوار"، على صفحات موقع القبيات الإلكتروني، من وثائق زعم الأب موراني أنه استند إليها في الجانب التاريخي من كتابه...

2-  وبعد انكشاف التحريف والتشويه والتزوير الذي تقصده عمداً في الوثائق والمراجع، وما أثاره ذلك من استهجان في أوساط بعض القراء والمتابعين من القبياتيين...

3- وبغية الحد من سقوط "الهيبة" العلمية لمعلمي أجيال قبياتية ومن بعض "الانزعاج" في أوساط قبياتية تساءَلَت عن مبررات هذا القدر من التزوير...

4- فرك علاء الدين فانوسه، وتفتقت عبقرية د. سلوم عن الحل، فقال في التمهيد المنشور على صفحات موقع القبيات الإلكتروني: "هنا لا بدّ أن نقول كلمة في تقييم الكتاب فنشددّ، أولاً، على أن هذا الكتاب Histoire de l’art الأطروحة هو دراسة في "تاريخ الفن".

وأضاف: " وليس دراسة في التاريخ، فيكون المعّول عليه هو الفن، فن البناء الديني، فيقيّم الكتاب، أساساً، على هذا المستوى وليس على أساس أنه تاريخ. أما التاريخ فجاء في الكتاب كإطار تزييني من خلال مقدّمات وتمهيدات لا يعوّل عليها لأنها إنما هي تحمل تسجيل موقف شخصي عابر، لا يقدمّ ولا يؤخّر في تقييم الكتاب. نحن شخصياً، قد لا نتفق معه في كثير من تلك الأفكار، لكن ما ينصبّ عليه اهتمامنا فهو الأساس، أي تاريخ الفن...".

 

إن د. سلوم "شاطر" و"حربوق". كيف يُخرج شريكه د. موراني من مأزق ارتكاب التزوير بعد الفضيحة؟ الأمر سهل. فانوس علاء الدين بيده، يفركه فيأتيه بالحل: يملي على القراء كيفية تقويم ما يطالعون. ويُحَصِّنُهم من أي حس نقدي. يعطيهم "طعماً" ضد الحس النقدي. موضوع الكتاب دراسة "تاريخ الفن". انتبهوا: "ليس دراسة في التاريخ... تقييم الكتاب "على هذا المستوى وليس على أساس أنه تاريخ". ناقشوا في الفن، وفي تاريخه. دعكم من التاريخ!

لماذا "حشر الأب موراني التاريخ مع الفن؟ جواب د. سلوم سهل، لديه آلة سحرية، فانوس علاء الدين: التاريخ للزينة. يقول حرفياً: "أما التاريخ فجاء في الكتاب كإطار تزييني... تسجيل موقف شخصي عابر، لا يُقدم ولا يُؤخر".

 

نسي د. سلوم، وبالأصح تناسى أن أكثر من ثلث صفحات الكتاب يدور حول التاريخ. وهو لا يجهل بالطبع أن الموقف الشخصي يُمَرَّرُ بعبارة، أو بمقطع، أو يتخلل الكلام الرصين والمطلوب، ولا يكون "زينة" بحجم ثلث الكتاب. وتناسى د. سلوم أن التاريخ هو الإطار الحاضن للبحث في الآثار. فلا يصح مبحث في الآثار وفن العمارة الدينية أو العسكرية أو المدنية دون التعمق الرصين في التاريخ. وعليه فالتاريخ هنا ليس للزينة، بل هو لضرورة البحث في فن العمارة. وعندما جاء التزوير فضيحة في كتابات توأم د. سلوم في تشويه وتزوير الوثائق والمراجع بغية تلفيق تاريخ القبيات، وعندما لقيت الانتقادات الجدية بعض الصدى لدى بعض جمهور القبيات... انتفض د. سلوم ليقول: ما شأن التاريخ؟ لا تهتموا به! عليكم بكم الأفواه والسكوت! وإن تحدث البعض عن التزوير، فمن واجبكم صمّ آذانكم! إنه يخاف أن يعتاد الشباب على المساءلة والنقد. ولهذا يصيح موبخاً: "أيها العاقون، يا قدامى الكشافة؟ أتسمعون يا إخوانه في الجمعية الرهبانية...". تكمن ذروة القمع وذروة التضليل في الدفاع عن مزوري التاريخ.

وفي نهاية الأمر قام د. سلوم بعملية "تسخيف" الإطار التاريخي الذي لفقه د. موراني. وهنا التحق بنا، نحن الذين فضحنا هذا التلفيق لتاريخ القبيات. وعلى ذلك يستحق منا الشكر.

 

ثانياً: في نقدنا لمؤرخي القبيات تناولنا كتابات د. سلوم بالذات. وبينّا ترهاته هو أيضاً. واعتبرناه مجرد متطفل على التاريخ، شأنه شأن ثلاثي مؤرخي القبيات. ولقد جاء كلامه في التمهيد الذي نعلق عليه مصدقاً لما قلناه. كيف ذلك.

د. سلوم مؤرخ يَسْخَرُ من وظيفة العلم الذي "تخصص" به وحَمَلَه شهادة في الدكتوراه، ويُسَفِّه قيمته. لنلاحظ تعريف التاريخ كما طرحه د. سلوم في "التمهيد" المنشور مؤخراً: "أفليس التاريخ Histoire من Historia أي أسطورة؟... وأليس التاريخ من معدن الحكاية قد تصدق وقد تكون خيالاً!". فهل التاريخ أسطورة؟ وهل هو مجرد حكاية؟

يعود د. سلوم إلى التعريف اللغوي اليوناني (ولو وجد سبيلاً إلى لغة أقدم لسلكه!) لكلمة تاريخ. فيجد من معانيها (وليس كل معانيها) معنى الأسطورة. فيحتفظ به ويعلنه مضمون التاريخ.

عندما وضع أطروحته قال في مقدمتها عن التاريخ أنه "منهج لتحليل المجتمع وفقاً للتطور التاريخي... كاشفاً القوانين التي حكمت هذا التطور"[3]. يبدو أن كلامه النظري والمنهجي هذا مجرد زينة، مجرد قشرة خارجية لا مفعول له في بنيته الفكرية. وإلاّ لما انتهى اليوم معرفاً التاريخ بأنه أسطورة وحكاية.

 

إن التاريخ عملية بحث محكومة بقواعد منهجية باحثة عن قوانين التطور الموضوعية، وهي عملية بحث محكومة بهذه القوانين في نفس الآن. هذا ما كان عليك أن تتعلمه في الجامعة، وما عليك الآن أن تُعَلِّمَه للآخرين. وعندما نقول أن التاريخ أسطورة أو حكاية، فمعنى كلامنا أننا لا نبحث عن التاريخ، بل نخترعه ونلفقه خرافة، ونتوهمه "أكذوبة" نعمل على شيوعها بين الناس. وعندما يكون التاريخ أسطورة وحكاية يعني أنه من خارج العلم. فهل يعتبر د. سلوم أن شهادته في الدكتوراه هي شهادة في التاريخ العلمي أم هي شهادة مضمونها أسطوري وخرافي. هل هو دكتور في "علم التاريخ" أم دكتور في "لا علم التاريخ"؟ طبعاً نحن نرجح الجواب الثاني. فهل كلامنا من الظلم والتجني؟

بالطبع لا. فحامل شهادة الدكتوراه في التاريخ هو الذي يقول أن التاريخ غير قابل للتصديق، هو أسطورة وحكاية. أليس هو المستعين لتعريف التاريخ بالشعراء:

"نظرنا في أخبار الحاضرين فرابنا              فكيف بأخبار الغابرين نصدق؟"

ولأن علماء التاريخ والمذاهب التاريخية لا يفيدون في معرفة التاريخ يلجأ حامل اللقب العلمي بالتاريخ إلى الشعراء. وهنا يلتقي بنا عندما وصفنا كتاباته بأنها ترهات لا أكثر. وعلى هذا يستحق الشكر أيضاً.

 

ثالثاً: وصفنا أبحاث مؤرخي القبيات بأنها من صنف التلاعب بالنصوص، واللعب على الكلام. ولنا في "التمهيد" الأخير دليل جديد على هذا التلاعب لدرجة طالت نصوص المؤرخين القبياتيين أنفسهم. لنبدأ بعنوان أطروحة الأب موراني.

جاء العنوان عام 1988 على الشكل الآتي: "العمارة الدينية في القبيات في زمن الصليبيين"[4]، ثم جاء العنوان في الكتاب المنشور عام 2006: "القبيات في زمن الصليبيين: التاريخ والعمارة الدينية". النص الفرنسي واضح: Cobiath sous les Croisés: Histoire et Architecture religieuses. التاريخ هنا هو تاريخ القبيات، ولو أن المقصود هو فقط تاريخ العمارة الدينية لكان د. موراني المُتْقِن جيداً للفرنسية قد كتب: histoire de l’architecture religieuse. أما العنوان نفسه فأصبح مع د. سلوم في مشروع الترجمة العربية مختلف جداً، فهو كما جاء في "التمهيد": "القبيات وناحيتها في زمن الصليبيين". هنا الموضوع تاريخي بامتياز، والبعد التاريخي يطغى على ما عداه. ولكن التلاعب الأكبر يكمن في إضافة كلمة واحدة تقلب الأمور رأساً على عقب، نقصد كلمة "ناحيتها". وفي هذا محاولة لستر ما قام به د. موراني عندما جعل القبيات تبتلع تاريخ وآثار الدريب بما فيها أكروم ووادي خالد وبعض عكار العتيقة. كان الأولى به أن يُعَنْوِنَ أطروحته "العمارة (فقط) في الدريب في زمن الصليبيين". ولكن أوهام العظمة والتعظيم في جعل تاريخ القبيات "الصليبي" أسطورة وحكاية ومورد تعبئة طائفية لأبنائها دفعته إلى طمس الآخر العكاري وتغييبه. فهل يحاول د. سلوم في ترجمته العربية المزيد من التلاعب بنص شريكه ورفيق دربه الروحي والفكري والسياسي. هذا ما سيكشفه لنا الزمن الآتي. وبانتظاره نكتفي بهذه الملاحظات السريعة.

 

حول فضل الأب موراني والحركة الكشفية

الراهب أو الراهبة لا يحتاج إلى شكر من الناس يطلبه هو أو يُطلب له، فأجره عن ربه لأنه نذر. لا لم يخدم أحد القبيات أكثر من أهلها. ولا يستطيع حبها أكثر من محبة أهلها ولا بقدرهم. وحب البلدة والأرض والوطن فطرة في الناس، لا منة لأحد فيها. ولا يحب أحد أرضاً اكثر من شاغليها وخصوصاً أكثر من فلاحيها. والذي لا يحب موطنه ومسقط رأسه وشعبه لا يحق له التباهي بحب أرض غيره وشعبها.

أما الكشافة والحركة الكشفية (ونخص هنا المؤسسين والقدامى) فقيمتهم لا في خلقهم عصبية تُضاف إلى العصبيات الأخرى في المجتمع، نستنفرها ونعنفها لمنع النقد، وللتستر على المغالط وتبريرها. بل كل القيمة في التربية المدنية éducation civique التي تخلق منهم مواطنين واعين ومدركين ونقديين يساهمون في رفع مستوى العلاقات الاجتماعية خصوصاً في قضايا الشأن العام. وهنا تكمن المسؤولية في التعاطي مع الشأن البلدي انتخاباً وممارسة في مواقع المسؤولية. وعلى ضوء هذه الممارسة يُحاكم المؤسسون والقدامى والجدد في الحركة الكشفية. فإن أحسنوا كانوا مشكورين. وإن تسكعوا على أبواب الزعامات التقليدية وأرباب المناصب والمال وتوزيع المغانم وتحولوا إلى مفاتيح انتخابية لهم، فمعناه أنهم أفسدوا واستحقوا كل اللوم والنقد. وها هي الانتخابات البلدية على الأبواب (ولو تأجلت إلى حين) فلنترقب الممارسة، ففيها معيار حاسم للتربية المدنية التي تلقاها الكشافة على أيدي المؤسسين والقدامى.

 

سؤال أخير برسم قراء مؤلف د. موراني: أين هي العمارة الدينية الصليبية التي اكتشفها لنا الأب المحترم في القبيات؟

 


[1] على الرابط: http://www.kobayat.org/data/books/fouad_salloum/cobiath-arabic/preamble.htm

[2] التشديد على عبارة "ناحيتها" لنا.

[3] سلوم، د. فؤاد: دريب عكار 1850- 1950، دراسة في التاريخ الاجتماعي، بإشراف د. جان شرف، جامعة الروح القدس- الكسليك- كلية الآداب، معهد التاريخ،1992، ص 1.

[4] L’Architecture religieuse de Cobiath sous les Croisés, Thèse pour un Doctorat en Histoire de l’Art.. تاريخ الفن Histoire de l’Art هنا هو اسم للفرع العلمي في جامعة  Université Le Mirail-Toulouse، وليس عنواناً لموضوع الأطروحة.

 

جوزف عبدالله

 

  back to Books

Warning: These articles are presented for your information. The listing of these articles by Kobayat Website does not constitute an endorsement of all the material that may be found at any given time on all of them.

Avertissement: Les opinions exprimées dans les articles n'engagent que la responsabilité de leur auteur et/ou de leur traducteur. En aucun cas Kobayat Website ne saurait être tenue responsable des propos tenus dans les analyses, témoignages et messages postés par des tierces personnes.
D'autre part, beaucoup d'informations émanant de sources externes, ou faisant lien vers des sites dont elle n'a pas la gestion, Kobayat Website n'assume aucunement la responsabilité quant à l'information contenue dans ces sites.