back to Joseph Abdallah's Books

الثورة المصرية وارتداداتها

العرب والإسلام والمنطقة في عالم متغير جذرياً

الدكتور جوزف عبدالله

 

الولايات المتحدة عام 2011 مثل الاتحاد السوفييتي عام 1989

تشكل مجريات الأمور في مصر تهديداً لوضعية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط كما رسمها الرئيس كارتر في العام 1980، باعتبار منطقتنا كمرتكز للسيطرة الأميركية على الشرق الأوسط، ومنه على العالم. إن ما حصل ويحصل في مصر يهز هذه السيطرة بعنف وجذرية. فرغم كل القوة العسكرية الأميركية يقف أوباما عاجزاً أمام مجريات الأمور، ويكتفي بالقول: "نحن نشهد التاريخ يُصنع في مصر"، يعني ذلك: هو شاهد على التاريخ، لا صانعه.

وهذا ما دفع الكثير من المحللين الإستراتيجيين في الغرب عموماً إلى مقارنة ما جرى للاتحاد السوفييتي إثر انهيار جدار برلين (1989) وقبله ما حصل في بولونيا (انهيار مرتكزات السيطرة السوفييتية (وهو ما لم يكن متوقعاً) مع ما يحصل اليوم للولايات المتحدة.

في الخمسينيات والستينيات عندما تهددت مرتكزات السيطرة السوفييتية (ألمانيا الشرقية 1953، هنغاريا 1956، تشيكوسلوفاكيا 1968) تدخل "الجيش الأحمر" وحافظ على النظام السوفييتي ومرتكزات سيطرته الخارجية. أما في عهد غورباتشوف فإنه لم يحرك ساكناً إزاء ما حصل في بولونيا وألمانيا الشرقية... فوقف متفرجاً. هذه هي وضعية الولايات المتحدة اليوم إزاء ما حصل في تونس وفي مصر خصوصاً.

مرتكزات السيطرة الأميركية في الشرق الأوسط هي مصر والسعودية والباكستان (وإسرائيل بالطبع). الباكستان مهتزة وعاجزة تحت وطأة الحرب في أفغانستان. إسرائيل تستمر بفضل حماية معظم الأنظمة العربية على الرغم من كل ترسانتها العسكرية، ولم تعد القوة القادرة على التهديد حتى في أصغر دولة عربية كلبنان (تجربة حرب تموز 2006، وقبلها انسحابها من القسم الأكبر في الجنوب تحت وطأة ضربات المقاومة الإسلامية في العام 2000). مصر اهتزت وباتت قاب قوسين أو أدنى من تفلتها من المعسكر الأميركي. السعودية بغياب مصر تصبح مشلولة اليد ولا يعود لها غير سورية.

الولايات المتحدة عام 2011 مثل الاتحاد السوفييتي عام 1989. ولا بد لنا من توقع انهيار السيطرة الأميركية، كما انهار الاتحاد السوفييتي وسيطرته.

انهار الاتحاد السوفييتي في سياق المجرى الحتمي لانهيار "جواره القريب". انهيار دومينو اشتراكي (بولندا، رومانيا، هنغاريا، ألمانيا الشرقية، بلغاريا، تشيكوسلوفاكيا) والاتحاد السوفييتي يقف عاجزاً متفرجاً على الرغم من قوته العسكرية.

الولايات المتحدة تعتمد في سيطرتها على "الخارج البعيد" (إرسال القوات العسكرية)، لكونها دولة بحرية بعيدة، وتكاد تفقد كامل حديقتها الخلفية أميركا اللاتينية والجنوبية. مصر حلقة مركزية في هذا "الخارج البعيد" مع السعودية. "الخارج البعيد" الأميركي معادل "الجوار القريب" السوفييتي.

وهنا لا بد لنا في فهم الأزمة الداخلية للولايات المتحدة من رؤية أزمة السياسة الخارجية التوسعية العسكرية وانهيار مرتكزاتها "الخارج البعيد". وهنا تكون الأزمة المصرية التي تبدو كأزمة خارجية بالنسبة للولايات المتحدة متعلقة بالوضع الداخلي الأميركي، بل هي عنصر أساسي في الأزمة الداخلية الأميركية بالذات.

إن النظام العالمي القائم على السيطرة الأحادية الأميركية عموماً دخل عملياً في مرحلة التدمير الذاتي المتفاوت السرعة، على الرغم من عناصر القوة لديه. ولقد كان للعرب والمسلمين دور أساسي في هذا الانهيار من خلال حركات المقاومة المتنوعة.

 بدأت هذه المرحلة مع غزو العراق ومع تعقيدات الحرب في أفغانستان التي شلت القدرة الباكستانية وأنهكتها، كما انهكت معها حلف الأطلسي بالذات. وفي العراق تبين للولايات المتحدة وللمحالفة العالمية التي قادتها فشل الغزو (تقرير بيكر-هاميلتون) وارتداده خسائر فادحة عسكرية واقتصادية عليها جميعها، على الرغم من أن هذا الغزو أدى إلى تدمير العراق وتفتيته بالشكل المعروف اليوم، ولكنه انتهى أيضاً بتوسيع السيطرة الإيرانية والسورية فيه بعكس ما كانت تتوقعه الولايات المتحدة من تحويل العراق بعد غزوه إلى منصة لتطويع كل من إيران وسورية.

 

كيف فهمت الإدارة الأميركية الثورة المصرية؟

- أدركت الإدارة الأميركية خطورة الوضع على النظام العالمي وعلى السيطرة الأميركية بالذات. فصعَّدت من دعواتها الإصلاحية. ولكن أحداً في الولايات المتحدة وفي الغرب عموماً لم يقم بإدانة نظام زين العابدين بن علي (23 سنة في الحكم) ولا نظام حسني مبارك (30 سنة في الحكم). بل كانت الإدانات الفعلية تلاحق إيران وسورية مثلاً. بينما تمنعت الولايات المتحدة وخلفها الغرب عموماً عن إدانة بن علي ومبارك، (ولم تتمكن من توقع سقوطهما) لأن مثل هذه الأنظمة الاستبدادية جزء عضوي من النظام العالمي. فالاستبداد والنظام العالمي واحد. وبالتالي سقوط الاستبداد ليس مجرد سقوط طاغية ما، أو نصير للنظام العالمي، بل هو سقوط مرتكز لهذا النظام. ومن هنا فسقوط مبارك هو سقوط لواحد من أهم مرتكزات السيطرة الأميركية، "خارجها البعيد" في الشرق الأوسط.

- ولم تتوقع الإدارة الأميركية حصول الانهيار في تونس ومصر. فوزيرة الخارجية التي كانت في قطر، في 13-1-2011، في منتدى المستقبل، ناشدت الحكام العرب: "كافحوا الفساد وجددوا أنظمتكم السياسية وإلا خلفكم الإسلاميون" (خلق الرهاب الإسلامي، وسيطرته على الإدارة الأميركية). وركزت كلامها على النظام اليمني. بينما الثورة تنتصر في تونس وتندلع في مصر، حيث لم تتوقعهما الخارجية الأميركية.

- استنفار البعثات الديبلوماسية: دعت الخارجية الأميركية إلى اجتماع عام لجميع بعثاتها الديبلوماسية في العالم (حوالي 260 مندوباً في حوالي 180 دولة)، في مطلع شباط 2011. وانضم إلى هذا الاجتماع القائد الأعلى للجيوش الأميركية الجنرال مايك مولن ومستشار الأمن القومي توم دونيلون. وكان الغرض هو البحث في المقاربة الديبلوماسية المطلوبة للعام 2011. وهو اجتماع لم يسبق أن حصل مثله في تاريخ الولايات المتحدة. ولقد ابلغت السفراء أننا جميعنا في "أرض مجهولة"، وفي "وضع غير قابل للتوقع". نحن في "زمن حرج للغاية يتهدد زعامة الولايات المتحدة على العالم"، ما يستلزم تنبهكم له. وفيه تحدثت عن الصعوبات المالية للبعثات الديبلوماسية، وعن دور المدنيين في الحرب في العراق وأفغانستان. وعبرت عن ذلك بقولها أن الموازنة هي "موازنة البقرات الضعاف للسنوات العجاف".

- وفي المؤتمر 47 حول الأمن في ميونيخ (4-6 شباط 2011) أعلنت كلينتون في تعليقها على ما يدور في تونس ومصر: "لأننا لم نتوقع ما حصل، لننتظر الأسوأ من الآن فصاعداً". واعتبرت ما يحصل "عاصفة عاتية" (عاصفة كاملة perfect storm) تكونت من اجتماع "عناصر اللااستقرار والانهيار" في "عاصفة عاتية" في الشرق الأوسط متمركزة في "فوران مصر". ورأت أن "قادة المنطقة قد يقاومون تقدم العاصفة لوقت قصير، لا لوقت طويل".

- يعني كل ما سبق أن تقدير الإدارة الأميركية لما يجري متشائم. وفيه انتقال من غياب التحليل الإستراتيجي إلى تحليل استراتيجي متشائم للغاية. وهنا يجب التنبه إلى أمرين: (1) لأول مرة تتم مناقشة السياسة الأميركية التوسعية بجدية فعلية داخل الإدارة الأميركية؛ (2) لأول مرة تقريباً تتم مناقشة حقيقة الأزمة البنيوية الداخلية في الولايات المتحدة، لأن ذلك لا يحصل إلاّ إذا كانت السياسة التوسعية (العسكرية) هي نفسها موضع مساءلة في العمق. وبهذا نفهم أن الأزمة المصرية التي تبدو كأزمة "خارجية" هي متعلقة بالوضع الداخلي للنظام الأميركي، كنظام عالمي. وهي تشكل تهديداً للنظام العالمي في قلبه: الولايات المتحدة. إن ما يجري في مصر، كأزمة لعضو بارز في النظام العالمي الأميركي، هو بشكل غير مباشر احتمال جدي للغاية ليُظهر بجلاء الأزمة في قلب النظام العالمي. هذا هو معنى "العاصفة العاتية" التي تقلق كلينتون. إن الأزمة العامة التي تطرحها التطورات المصرية تطال صلاحية السياسة التوسعية للأمن القومي الأميركي. والسؤال المتعلق بصلاحية السياسة التوسعية هو سؤال في صلاحية النظام العالمي الأميركي بحد ذاته.

- أزمة داخل الإدارة الأميركية: تعيش الإدارة الأميركية أزمة تفارق واختلاف داخلي عميق، في وقت تخيم فيه على هذه الإدارة الخشية من ارتداد العاصفة المصرية على مصير النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. فعلاوة على الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين، يتسع الخلاف داخل المحافظين الجدد، لا سيما مع صعود جماعة "حزب الشاي" Tea Party المتشددة كثيراً في مسألة المساعدات الأميركية إلى الخارج والمطالبة بتخفيضها بقيمة 500 مليار $. ويقود البعض منهم حملة لوقف المساعدات المالية إلى كل من مصر وإسرائيل بالذات. فهل نرى في الأفق إمكانية إنكفاء أمريكا على ذاتها واكتفائها بالقارة الأمريكية؟!

 

مجريات الثورة المصرية

- تابعتم جميعاً يوميات بل ساعات تطور الثورة المصرية والمظاهرات المليونية الفعلية التي أدت بتنحي مبارك مرغماً على مغادرة القصر الرئاسي. ولم تنفع مع الثورة المصرية كل المحاولات الأميركية لإخراج مبارك مرفوع الرأس من السلطة، أو محافظاً على ماء الوجه. فبعد إعلانه، بناءً لرغبة أميركية، عن التنازل عن ترشيح نفسه (أو توريث إبنه) لفترة رئاسية مقبلة، وبعد قيامه بتعيين عمر سليمان نائباً له، وتشكيله حكومة جديدة، وبعد إخفاق استخدامه للأجهزة الأمنية و"البلطجية" و"الأتباع" من الموظفين والمستفيدين من النظام لقمع المتظاهرين والمعتصمين... بعد كل ذلك وسط الدعوة الأميركية لتأمين ما سماه أوباما "الانتقال السلس للسلطة"، جاء خلع مبارك من الرئاسة بضغط من الجماهير المصرية الثائرة، إثر تدخل الجيش المصري الذي وجدت قيادته صغار الضباط ينتقلون إلى "ميدان التحرير" ملتحقين بالثورة. لم يكن بوسع القيادة التاريخية للجيش المصري قمع الثورة خشية انهيار كامل المؤسسة العسكرية، وهي ليست قيادة ثورية (بل محافظة ومخلصة لنظام مبارك) لتقود الثورة مباشرة. فوقفت على الحياد مرغمة لا بطلة، وتدخلت بكل نعومة عندما وجدت نفسها مع كامل البلاد في مأزق. ولم يكن للإدارة الأميركية أي دور في هذا السيناريو. لقد فاجأ مبارك الأميركيين؟ كانوا يتوقعون إعلان تنحيه، فإذا به يعلن تمسكه بالسلطة. ما عكس فشلاً أميركياً في الدبلوماسيبة والتقدير. ففي مقال للواشنطن بوست Washington Post، 10-2-2011، نرى أن مبارك: "خذل إدارة أوباما واتهمها بالتدخل في الشؤون المصرية الداخلية. المخابرات الأميركية لم تكن على معرفة بسلوك مبارك. لم يكن لدى الأميركيين القدرة على التأثير... ومع ذلك قدرت الولايات المتحدة تنحي مبارك. لماذا لأنها لا تستطيع أن تفكر بغير هذه الطريقة. حتى القيادات المركزية تعتبر الولايات المتحدة لا تُهزم ولا تُخذل؟". أعلن البيت الأبيض انتظار حسني مبارك في خطابه الثالث في زمن الثورة إعلان تخليه عن الرئاسة. فجاء الخطاب مخيباً لتوقعها.

- قدم لنا الشعب المصري، وقبله التونسي، مبادرة فريدة في الثورات الشعبية، مغايرة لما اعتاده العالم في حصول الثورات. في النموذج المعتاد للثورات لدينا ثالوث: القيادة "الملهمة" (الزعيم الثوري المعروف) والحزب أو الجبهة (جماعة محترفي العمل الثوري) والجريدة الناطقة باسم الثورة. بينما في الثورة المصرية قاد العمل من اصطُلح على تسميتهم "شباب الفايس بوك". وهم شبيبة أعمارهم تقارب الثلاثين من السنين وما دونها. وهم فئة من الطبقات الوسطى المتعلمة والمتمكنة من تقنية الاتصال العصرية (المعلوماتية، الإنترنت واستخداماته، وقيمة الإعلام). وهي بذلك اعتمدت ما هو أهم من الجريدة بكثير وأسهل استخداماً واستثماراً. وهي فئة تملك من المشاعر "الكريمة" القدر الكبير، خصوصاً بانحطاط وضعها الاجتماعي (البطالة وتدني الأجور...)، ما يجعل حقدها على الظلم على قدر ومفعول كبيرين. ومنها من تربى في بيئات نضالية يسارية وقومية وإسلامية. وذلك مثال: علي الرجّال التلميذ المتدرج في البحث على يد عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية"؛ ويوسف شعبان المعروف باليساري الإرستقراطي، وصاحب شعار: "عالمنا بلا عدل ولا يستحق الحياة فيه"؛ ونوارة ابنة أحمد فؤاد نجم الشاعر المناضل المعروف الذي غنى ولحن الشيخ إمام أروع قصائده الوطنية والقومية... ومنهم وائل غنيم مؤسس مجموعة "كلنا خالد سعيد" الذي اعتقله الأمن المصري ليخرج ويعبر على الفضائيات عن براءة ثورية رائعة كان لها كبير الأثر في دفع الآباء والأمهات إلى الشوارع... كما امتاز هؤلاء الشباب بتجربة نضالية واسعة وبخبرة ناضجة في تنظيم التظاهرات وتعبئة الناس، ولقد قاموا بتعميم هذه التجربة، عبر الإنترنت، بكتابات وتوجيهات للقيام بتحركات جماهيرية، على غرار ما فعلت إسراء عبد الفتاح في توزيع كراس باللهجة المصرية المفهومة من عموم الناس بعنوان: "إزاي تعمل مظاهرة ناجحة؟". صحيح أن الثورة المصرية لم تعرف قائداً ملهماً، ولكن المناضلين الشباب المتمرسين بتجربة عميقة امتدت منذ العام 2004 تقريباً بشكل متواصل، شكلوا شبكة من القيادات الميدانية الصادقة التي نجحت في صيانة الثورة ورفعت من وتيرتها، ووضعت حداً للمتسلقين على ظهرها، وتمكنت في جو الاستياء العام من النظام من اكتساب الملايين من المصريين على تنوع فئاتهم.

 

آفاق الثورة المصرية وارتداداتها

- بتقديري أن الثورة المصرية رسمت خطوط انتصارها العريضة. ولم تعد مسألة ترجمة النصر المبين إلى إجراءات ثورية ستكون فاعلة مصرياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً معاً، غير مسألة وقت مداه من بضعة أشهر حتى السنة الواحدة. لا يعني ذلك نفي احتمال قيام ثورة مضادة بالمطلق. ولكن أي ثورة مضادة قد تظهر لن تكون من القدرة بحيث لا تهزمها الثورة المليونية لشعب مصر. فثمة إجماع مصري على القيام بتغيير عميق في بنية الدولة المصرية وسياساتها الداخلية والخارجية. إن طبيعة القيادة الثورية في مصر ستتمكن في القريب العاجل من فرض شروطها الآيلة إلى تغيير شروط الانتخابات التي ستأتي بطبقة سياسية ستعمد بالضرورة إلى ترجمة شعارات وائل غنيم: "إعادة الكرامة إلى المصريين، محاربة الفساد، إعادة الانتماء الوطني للمصريين".

- أما كيف سيكون عليه البناء الاقتصادي وتوزيع الثروة فتلك مسألة لا يمكننا البت فيها اليوم. وليس أمامنا نموذج جاهز قدمته الثورة المصرية. ولكنها لن تعتمد النموذج السوفييتي، ولن تكون ليبرالية بالمطلق، أو كينزية، بل سنشهد على الأرجح نوعاً ما من اقتصاد مختلط بين الاشتراكية والليبرالية والكينزية والتعاضدية، هل يكون نوعاً جديداً مما يُسمى الاقتصاد الاجتماعي؟ الجواب رهن دينامية الثورة المصرية.

- نحن نشهد اليوم ارتدادات الثورة التونسية والمصرية في شوارع الكثير من العواصم العربية. ولعلنا جميعنا نتساءل: من هو النظام الذي يترنح أولاً: النظام اليمني، أم الجزائري؟ أم الأردني؟ أم سوى ذلك.

- عودة قضايا الأمة العربية الأساسية إلى واجهة التداول: فلسطين، وحدة السودان، وحدة العرب، العراق، بترول العرب للعرب... وهنا لا بد لنا من الإقرار بأن "تحرير فلسطين أمر راهن"، وبات بمتناول اليد فعلياً. كما سنرى بعد قليل.

- لا بد لنا من ملاحظة الجو العالمي الإيجابي جداً بالنسبة لمستقبل وارتدادات الثورة المصرية. بالمقارنة مع ثورة "الضباط الأحرار" في مصر في العام 1952، والناصرية عموماً، نقول أن تلك الثورة حصلت في ظل وجود نظام الثنائية القطبية العالمية بين المعسكر الاشتراكي والمحالفة الغربية الرأسمالية. ومع ذلك استطاعت الناصرية أن تؤسس موقعاً ثالثاً في العلاقات الدولية وهو مجموعة "دول عدم الانحياز" (مؤتمر باندونغ). فلا يوجد اليوم ثنائية عالمية، بل هناك أحادية تقودها الولايات المتحدة، وهي احادية متهالكة أنهكتها مقاومات عربية وإسلامية للحروب التي شنتها الولايات المتحدة على العالم العربي والإسلامي. ولقد اعترفت الولايات المتحدة بعجزها عن الاستمرار في الحروب التي سمت بعضها "ضرورية" كما هي الحال في أفغانستان (تراجع أوباما اليوم عن هذه الصفة، وذهب إلى التفاهم مع طالبان)، سمت بعضها الآخر "اختيارية" كغزو العراق. هذا فضلاً عن عجزها الناجم عن أزمتها الاقتصادية، وعجزها عن مواجهة صعود الصين الاقتصادي والعلمي والعسكري، ناهيك عن خسارتها لحديقتها الخلفية: اميركا اللاتينية والجنوبية... يعني كل ذلك أن النظام العالمي الراهن عاجز عن محاصرة هذه الثورة، ولا بد له بالتالي من التعاطي الإيجابي معها. وهذا ما نشهده من تجميد أرصدة رموز النظام التونسي في أوروبا، وكذلك البدء بتجميد أرصدة بعض رموز النظام المصري...

- الجو الإقليمي: عندما قامت "ثورة الضباط الأحرار" والناصرية كان الجو الإقليمي معادياً: "دفاع الشرق الأوسط"، "حلف بغداد". فتعرضت الناصرية إلى حصار وثورة مضادة من جانب الدول الإقليمية العربية والإسلامية: إيران وتركيا خصوصاً. الأمور مختلفة جذرياً: فتركيا مرحبة بالثورة المصرية وإيران على نفس الموجة معها. فضلاً عن وجود النظام السوري والمقاومة الإسلامية في لبنان والمقاومة الفلسطينية، والجماهير العربية... ما يشكل على العموم بيئة حاضنة للثورة المصرية.

- تكتل إقليمي إسلامي وازن: نحن نعتبر أن التلاقي بين إيران وتركيا ومصر مسألة حتمية الحصول. فتركيا وإيران تتعمق الصلات بينهما. وكل واحدة منهما تنسج العلاقات المتزايدة عمقاً مع سوريا والمقاومة اللبنانية والفلسطينية خصوصاً، ومع باقي مكونات النظام العربي. ولن تكون مصر الثورة بعيدة عن التلاقي مع إيران وتركيا. ولا بد لهذا التكتل الإقليمي من أن يُعيد للعرب والمسلمين مكانتهم المعروفة تاريخياً. فلم يحدث أن توحدت هذه المكونات عبر التاريخ إلاً وشكلت قوة عالمية فاعلة في التاريخ العالمي. وهي اليوم حاكمة لأهم مادة يقوم عليها الاقتصاد العالمي في المدى المنظور على الأقل. وسيكون تشكل هذا التكتل الإقليمي بتقديرنا في السنوات القريبة القادمة.

- تحرير فلسطين أمر راهن: سيكون لهذا التكتل الإقليمي دور حاسم في تحرير فلسطين في القريب العاجل. أما كيف سيحصل ذلك؟ بحرب إقليمية؟ بمجرد فعالية المقاومة الفلسطينية المدعومة عربياً وإقليمياً؟ باضمحلال الكيان الصهيوني ونشوء دولة واحدة مزدوجة القومية أو سوى ذلك؟ الجواب ليس بعيداً.

- حل الكثير من المشكلات التي تعتمل في المجتمع العربي والمشرق الإسلامي: الطائفية (مسلم- مسيحي، سني- شيعي)، مشكلة الأقليات الإتنية كالمسألة الكردية خصوصاً، مشكلات الحدود والمياه، والتجزئة الحديثة (السودان...).

- انعكاس الثورة التونسية والمصرية على الحراك الاجتماعي والسياسي في أوروبا. فلا بد من أن تشهد أوروبا ثورات مليونية تعيد للنزعة الإنسانية الأوروبية مكانتها بدل العنجهية الناشئة على قاعدة التبعية الأوروبية الذليلة للولايات المتحدة.

 

لبنان إلى أين؟

تشير جميع المعطيات الدولية والإقليمية إلى ان الرئيس المكلف ميقاتي سيتمكن من تأليف حكومة ستكون قادرة على إنجاز مهام تُخرج لبنان من أزمته الخانقة المستمرة منذ عقود. ومن حسن الصدف أن ميقاتي يترأس حكومة في ظل الثورة التونسية والمصرية (وغيرهما على الأرجح). وهو سيستفيد في إدارته للبلاد من معطيات الوضع العربي في هذا الزمن الثوري العربي. وهنا لا بد من تسجيل حالة الضعف التي تنزل بما يُسمى قوى 14 آذار التي كانت تستند في حراكها إلى مصر كقوة إقليمية وإلى الولايات المتحدة كقوة عالمية أحادية.

من المعروف أن لبنان استفاد سابقاً من الثورات العربية في كل من مصر وسورية والعراق... بحيث أن الرساميل هربت من تلك البلدان وجاءت إلى لبنان مستثمرة فيه. وهذا ما يحصل، وسيحصل قريباً، جراء الثورات العربية الراهنة. خصوصاً وأن الغرب، بحكم قوانينه ورغبته في كسب ود الأنظمة الناشئة جراء هذه الثورات وللتبرؤ من مسؤولياته في قيام الأنظمة العربية المنهارة ودعمها، سيعمد إلى ملاحقة الكثير من أصحاب الرساميل المستولدة من الفساد العربي. ولا شك أن لجوء هذه الرساميل العربية الهاربة إلى لبنان يشكل ضخاً مالياً سينعكس إيجابياً على الوضع الاقتصادي اللبناني.

لا يعني ما نقوله أن المرحلة المقبلة على لبنان ستكون مرحلة إصلاح جذري للنظام اللبناني. فقوى الإصلاح الجذري غير متوفرة حتى الآن. ولكن الوضع في لبنان حيث تسود قوى سائدة تطلق على نفسها سمة "الوسطية" المبهمة، ستعمل على القيام ببعض الإصلاحات: مواجهة محدودة للفساد، تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، تحسين بعض قطاعات الخدمات العامة (الكهرباء، المياه، النقل، التعليم...). هل ستقوم بتغيير النظام الانتخابي بحيث تحفظه من الضغط الطائفي فيه، ومن ضغط المال الانتخابي؟ في الجواب على هذا السؤال الامتحان الأساسي لحكومة الرئيس الميقاتي. ويبدو أن الجواب الإيجابي على احتمال كبير.

تقدمت منكم بنظرة مغرقة في التفاؤل. ولكني أظنه تفاؤل موضوعي. وإني لأنتظر منكم بما هو معروف عنكم من صمودكم بوجه الإغراءات الكثيرة العمل على الاستفادة من الزمن الثوري العربي في حراك جذري لا يتوقف عند حدود الميقاتية بوجه الحريرية. بل بالعودة إلى القيم التراثية في نضالكم على تنوع مشاربها، عسى أن نتعلم من شبيبة مصر وتونس، ولا عيب فينا إن نحن تعلمنا، نحن المسنين، من أولادنا. فشرف لنا أن تكون الأجيال الناشئة، التي ربيناها نحن وقدمنا لها سبل المعرفة وبنيناها على الحس السليم والأخلاق الكريمة، معلمتنا، وأن تعود هي فتعلمنا كيف نستفيد من تعبنا عليها.

والسلام عليكم.

الدكتور جوزف عبدالله،  في 13-2-2011

 

Email : elie@kobayat.org

back to Joseph Abdallah's Books

Warning: These articles are presented for your information. The listing of these articles by Kobayat Website does not constitute an endorsement of all the material that may be found at any given time on all of them.

Avertissement: Les opinions exprimées dans les articles n'engagent que la responsabilité de leur auteur et/ou de leur traducteur. En aucun cas Kobayat Website ne saurait être tenue responsable des propos tenus dans les analyses, témoignages et messages postés par des tierces personnes.
D'autre part, beaucoup d'informations émanant de sources externes, ou faisant lien vers des sites dont elle n'a pas la gestion, Kobayat Website n'assume aucunement la responsabilité quant à l'information contenue dans ces sites.