back to Joseph Abdallah Documents

 

ليلة اغتيال الشهيد سمير القنطار

لم يفعل الروس شيئاً تلك الليلة. لماذا؟

المقاومة في الجولان بين الإمكان والاستحالة

 

"- هل من نقطة أخرى تود أن تلفت انتباهي إليها؟

- الحادثة الغريبة مع الكلب ليلة الحادث.

- لم يفعل الكلب شيئاً تلك الليلة.

- بالضبط، أَوَلَيس مستغرباً؟"[1]

يثير (أثار) اغتيال عميد الأسرى العرب في فلسطين، الشهيد سمير القنطار، الكثير من المسائل. مسألتان منها متداخلتان ببعضهما. الأولى: لماذا لم يفعل الروس شيئاً تلك الليلة؟ الثانية: المقاومة في الجولان بين الإمكان والاستحالة.

قبل البحث في الموقف الروسي يستلفتنا موقف النظام السوري في طريقة الإعلان عن عملية الاغتيال. اعتبر النظام السوري العملية حادثاً "إرهابيا" من دون الإشارة إلى مسؤولية إسرائيل أو إلى أنه نفذ بغارة جوية إسرائلية، بل وصف العملية بعبارات: "القصف الإرهابي الصاروخي". وجدير بالذكر هنا أن النظام السوري يصف هجمات المعارضة المسلحة بالإرهابية.

أوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، في 20-12-2015، الخبر الذي جاء فيه نبأ استشهاد القنطار "جراء قصف صاروخي إرهابي معاد على بناء سكني جنوب مدينة جرمانا بريف دمشق". لكن البيان السوري لم يتهم إسرائيل صراحة بتنفيذ الهجوم.

وتتابع (سانا) "أدان مجلس الشعب العملية الإرهابية التي أدت إلى استشهاد المناضل سمير القنطار وعدد من المواطنين. واعتبر المجلس في بيان تلقت سانا نسخة منه أن هذه الجريمة "الإرهابية الموصوفة" تؤكد مجدداً أن الإرهاب الذي تتعرض له سورية والمنطقة مدعوما من قوى غربية وإقليمية...".

وتضيف (سانا) في نفس المكان "مجلس الوزراء يدين العملية الإرهابية... لن يثني محور المقاومة عن متابعة التصدي للحرب الإرهابية الجبانة... كما تنقل وصف وزير الإعلام عمران الزعبي في اتصال هاتفي مع قناة الإخبارية السورية: "عملية مبيتة بكل الأحوال وعملية إرهابية وما تزال الجهات المعنية تجري تحقيقات تقنية وفنية عالية المستوى لتحديد الآلية التي وقع بها الاعتداء الإرهابي".

والغريب أن وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) تذكر في نفس المكان ونفس الخبر تصريح الخارجية الإيرانية الذي يصف عملية الاغتيال باعتبارها "نموذجاً صارخاً لانتهاك السيادة السورية ووحدة أراضيها. أدانت وزارة الخارجية الايرانية بشدة عملية اغتيال عميد الأسرى المحررين وقالت إن "القصف الجوي الصهيونى يعد نموذجاً صارخاً لانتهاك السيادة السورية ووحدة أراضيها وأحدث مثال للإرهاب المنظم الذي يمارسه الكيان الصهيوني" (http://www.sana.sy/?p=314651).

لماذا لم يأتِ الإعلام الرسمي السوري (وأجهزة الدولة) على اتهام إسرائيل مباشرة؟ الإجابة في سياق المقال.

لماذا لم يفعل الروس شيئاً تلك الليلة (ليلة عملية اغتيال الشهيد القنطار)؟

لا شك أن العملية تطرح أسئلة حول طبيعة الاتفاقات المعقودة في لقاء موسكو بين بوتين ونتنياهو في أيلول والتي تناولت آلية تفادي أي حوادث بين الطيران الروسي والإسرائيلي، وإقامة خط ساخن بين الطرفين لهذا الغرض.

فهل قامت إسرائيل بعملها العدواني والروس على معرفة مسبقة بالأمر؛ أم أن العدو انتهك المجال الجوي السوري بدون إبلاغ الروس مسبقاً، وبالتالي وَضَعَهم أمام أمر واقع، مغامراً باحتساب رد فعلهم بالتغاضي عن فعلته، أم أنه كان على يقين من ذلك؟

الملفت للنظر بداية هو صمت الكرملين كما عبرت عنه وكالة "روسيا اليوم" بالعربية (RT): "رفض الكرملين التعليق على الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا، وما إذا كانت إسرائيل أبلغت روسيا بها مسبقاً، وأحال جميع الأسئلة بهذا الشأن إلى وزارة الدفاع الروسية. وقال دميتري بيسكوف الناطق الصحفي باسم الرئيس الروسي الاثنين 21 ديسمبر/كانون الأول: "كما تعرفون هناك آليات لتبادل المعلومات بين هيئتي الأركان (في الجيشين الروسي والإسرائيلي)، ويجب إحالة الأسئلة حول ما إذا كانت هناك أي معلومات قدمت مسبقا من جانب إسرائيل، إلى الزملاء العسكريين" (https://arabic.rt.com/news/804729). وهناك من يعتبر أن روسيا كانت على علم بالأمر وسمحت به: "إسرائيل استأذنت موسكو قبل أن ترسل طائرة حربية لاغتيال عميد الأسرى اللبنانيين المُحرَّر سمير القنطار" (سليم نصار، جريدة الحياة، 2-1-2016).

وفي كل الأحوال، المنتظر والمفترض أن روسيا، بعد نشرها صورايخ S-400، قامت بتحصين المجال الجوي السوري بوجه الطائرات والصواريخ المعادية للنظام. وبالتالي من المرجح أنه كان بإمكانها حماية الشهيد سمير القنطار. فلم تفعل. لماذا؟ (في رواية آرثر كونان دويل "لم يفعل الكلب شيئاً في تلك الليلة"، وفي عملية اغتيال الشهيد سمير القنطار لم تفعل صواريخ S-400 شيئاً!) أم أن فعل هذه الصواريخ يقتصر عملياً على مواجهة تركيا، ومنع سقوط النظام؟ وبالتالي فهي غير معنية بمواجهة أي نشاط يتجاوز هذه المهمة، كتنظيم وإعداد المقاومة في الجولان التي يُشرف عليها حزب الله، وكان للشهيد سمير القنطار دور مركزي فيها.

وماذا فيما لو كررت إسرائيل استهداف هذا النشاط التي تنظر إليه بقلق كبير ولا تتهاون باستهدافه؟ من المفيد هنا التوقف أمام ما جاء في جريدة السفير (28-12-2015): "ذكرت صحيفة "هآرتس" أنَّ المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافرينتيف، زار تل أبيب لبحث الأزمة السوريّة مع كبار المسؤولين الإسرائيليين. ووفقاً للصحيفة، فإنَّ زيارة الوفد الروسي أحيطت بالسريّة، فيما امتنعت وزارة الخارجية والحكومة الإسرائيلية عن الإدلاء بأيّ تصريحات في هذا الصدد، مشيرةً إلى أنَّ الوفد التقى رئيس الموساد الجديد يوسي كوهين. ونقلت "هآرتس" عن مصدر إسرائيلي رفيع المستوى قوله... أنَّ في مقدّمة اهتمامات تل أبيب، عدم تعرّض إسرائيل لأيّ استهداف إرهابيّ من الأراضي السورية، ومنع وصول السلاح إلى "حزب الله" من سوريا"، وهذا (منع وصول السلاح إلى حزب الله، التصدي لكل ما قد يواجهها من الأراضي السورية) ما تشدد عليه وتصرح به دوماً وتؤكد على ضربه.

مقال آخر نشرته "روسيا اليوم" (RT العربية)، في 25-12- 2015، بعنوان "القنطار وصواريخ "S- 400" الروسية والغناج العربي"، نشير لهذا المقال لكون كاتبه حبيب فوعاني من المثابرين على كتابة التقارير والتحليلات في هذه الوكالة، ولبعض المضامين المتوفرة فيه:

"تتوالى التعليقات الشامتة بالروس، في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام العربي، حول اغتيال سمير القنطار. بالمقابل يتناسى الكثيرون إسرائيل، التي وجهت صواريخ طائراتها إلى منزله وقتلته، ويتذكرون فقط منظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية S- 400 المرابطة في مطار حميميم، والتي كان يجب أن تسقط هذه الطائرات برأيهم. يجب القول إن علاقات العرب بروسيا وقبلها بالاتحاد السوفياتي تتصف بالغناج والدلال، بعكس علاقاتهم مع الولايات المتحدة". (إشارة إلى ضعف الالتزام العربي بصداقة متبادلة مع روسيا اليوم وروسيا الأمس (السوفييتية). وقد يكون ذلك على درجة كبيرة من الصحة، فالصراع بين روسيا السوفييتية والإمبريالية على قيادة العالم كان مبرره في حينه مصالح الناس الفقراء، أما التنافس اليوم فمن طبيعة أخرى. ولكن ما مناسبته اليوم؟).

ولكن من المفيد أيضاً التوقف أمام ما جاء بقلم المحللة السياسية حفصة كارا- مصطفى على صفحات "روسيا اليوم" (RT الإنكليزية) حيث تنشر باستمرار. لقد ختمت مقال لها بعنوان "هل سيكون حزب الله المغير الفعلي لقواعد اللعبة في سورية؟" بقولها: "أفادت التقارير في تشرين الأول أن بوتين ونتنياهو اتفقا على أن لا تنتهك إسرائيل المجال الجوي السوري أثناء النشاط الروسي في سورية. لا شك أن المسؤولين الروس سيتدخلون فيما لو حصل حادث مماثل (لعملية اغتيال الشهيد سمير القنطار) لمنع الطيران الإسرائيلي من التحليق في الأجواء السورية" ("روسيا اليوم" بالإنكليزية، 23-12-2015).

بيد أن كلام حفصة كارا- مصطفى يناقض الكلام الآتي لحبيب فوعاني (في المقال المشار إليه أعلاه في RT العربية، في 25-12- 2015): "وفقا للمصادر الروسية، لا يوجد بين موسكو وتل أبيب سوى تنسيق عسكري ميداني لتجنب وقوع تصادم عن طريق الخطأ بين البلدين في سوريا، وليس هناك أي تعاون بينهما... وعلى أي حال، لا تريد موسكو ولا تستطيع أن تكون شرطي المنطقة (الأجواء السورية، لا المنطقة، ولا تركيا فحسب!)، وهي مضطرة إلى موازنة علاقاتها الدقيقة بين إسرائيل والدول العربية، وتأخذ بالحسبان وجود عشرين مليون مواطن روسي لديها يعتنقون الإسلام ومليون يهودي روسي في الدولة العبرية ينتمي جلهم إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة".

قد لا تكون إسرائيل بحاجة إلى اختراق طيرانها للمجال الجوي السوري إذ بوسعها اصطياد أهدافها في سورية دون خرق المجال الجوي السوري بالطيران. ولكن، هل ستعتبر روسيا خرق الصواريخ الإسرائيلية لهذا المجال الجوي ممنوعاً، وهل ستتصدى له؟ من هنا ننتقل إلى المسألة الثانية الأساسية التي طرحناها في البداية.

المقاومة في الجولان بين الإمكان والاستحالة

مَن يريد تأسيس مقاومة لتحرير الجولان؟ وأي مقاومة يريد: شعبية، إسلامية، وطنية، قومية، بعثية، فلسطينية، سورية، عربية، إيرانية، مختلطة بكل المواصفات السابقة؟

هل تريد الدولة السورية قيام مقاومة؟ لطالما حرص النظام السوري على رفض طرح قضية تحرير الجولان على جدول العمل الشعبي المقاوم، ولا على جدول مقاومة يقوم بها الجيش السوري. فإستراتيجيته كانت قائمة على العمل منذ سقوط الجولان على أن تحريره مرتبط بتحقيق التوازن الإستراتيجي مع العدو الصهيوني (لننتظر!).

ولعلها المرة الأولى التي سُمِح فيها بتحرك شعبي باتجاه الجولان كان في 15 أيار من العام 2011، حينها سقط بضعة شهداء. وفي في 5-6-2011، ذكرى النكسة، توجه الآلاف من الفلسطينيين المقيمين في سوريا إلى الجولانِ السوري المحتل. استشهد يومَها 23 فلسطينياً، وجُرح أكثر من 300 برصاصِ الصهاينة. أدى ذلك إلى "فتنة" في مخيم اليرموك ذهب ضحيتها عشرات الجرحى والقتلى.

يقول قاسم س. قاسم، الصحفي في جريدة الأخبار، في ١٠ حزيران ٢٠١١، تعليقاً على ذلك: "تأتي ذكرى النكبة في 15 أيار، يتوجه الفلسطينيون الى الجولان المحتل، يسقط لهم شهداء. في 16 أيار يدفنون شهداءهم. ثم تبدأ نقاشات في المخيم، هل كان ما حصل مجرد رسالة سورية الى إسرائيل؟ هل استغلّ الدم الفلسطيني لذلك؟ النقاشات لم تخلص الى نتيجة، لكنها أظهرت أن هناك توجهاً بين أبناء المخيم يرفض توجيه الرسائل من خلالهم...". ويضيف قاسم: "صباح 5 حزيران، يقف شباب من الفصائل عند نقاط التجمع المفترضة، ليطالبوا من حضر بالرحيل لأن "السلطات لن تسمح بمرور المسيرة"، لكننا نفاجأ بقول بعض المستقلين التابعين لياسر قشلق (متمول فلسطيني) "إنهم حصلوا على ترخيص من السلطات، وإن الحافلات بانتظار التوجه الى الحدود"، يقول أبو هاشم. لكن إذا لم يكن هناك موافقة من قبل السلطات، كيف استطاعت الحافلات أن تصل الى الجولان...".

الخلاصة عدم ارتياح أهل المخيم وريبتهم تجاه النظام السوري والفصائل الفلسطينية (خصوصاً "القيادة العامة" وهي الأكثر التصاقاً بالنظام)، في ما حصل. فليس من عادة النظام تنظيم المقاومة في الجولان.

المرة الثانية التي صدر فيها كلام في المقاومة في الجولان جاءت في مقابلة الرئيس بشار الأسد على قناة المنار اللبنانية في في 30 أيار 2013. في سياق النقاش حول كيفية الرد السوري على الاعتداءات الإسرائيلية يختم الأسد إجابته قائلاً: "نحن إذا أردنا أن نرد على إسرائيل.. فيجب أن يكون رداً استراتيجياً". هنا ينفتح موضوع المقاومة على الشكل الآتي.

سؤال:  كيف... عبر فتح جبهة الجولان مثلا...

السيد الرئيس: هذا يعتمد أولا على الحالة الشعبية.. هل تسير الحالة الشعبية باتجاه المقاومة أم لا... هذا هو السؤال.

سؤال: كيف تسير الأمور الآن في سورية...

السيد الرئيس: الحقيقة هناك ضغط شعبي واضح باتجاه فتح جبهة الجولان للمقاومة... وهناك حماس حتى عربي... من وفود عربية أتت إلى سورية... عملية المقاومة ليست عملية بسيطة... ليست هي فقط فتح... بالمعنى الجغرافي... هي قضية سياسية عقائدية اجتماعية... وبالمحصلة تكون قضية عسكرية.

سؤال: سيادة الرئيس... إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما حدث في الجولان من ناحية استهداف الآلية العسكرية التي تخطت خط الاشتباك... هل هذا يعني أننا أمام تغيير بقواعد اللعبة... بقواعد الاشتباك... وإن كنا أمام تغيير في قواعد اللعبة... ما هذه المعادلة إذا صح التعبير...

السيد الرئيس: التغير الحقيقي في قواعد الاشتباك هو عندما تكون هناك حالة شعبية تسعى باتجاه المقاومة... أي تغيير آخر هو تغيير مؤقت... إلا إذا ذهبنا باتجاه الحرب... أي رد من أي نوع يكون معنوياً... أو بالظاهر تغييراً في قواعد الاشتباك... لكن لا اعتقد أنه كذلك... التغيير الحقيقي هو أن يذهب الشعب باتجاه المقاومة... هذا هو التغير الجذري والدراماتيكي إذا أردنا أن نسميه كذلك.

سؤال: سيادة الرئيس.. ألا تعتقد أن هذا الكلام جاء متأخراً... لماذا بعد أربعين عاماً... كانت هناك تهدئة وهدنة في الجولان... الآن يتم الحديث عن تحريك هذه الجبهة... عن معادلات جديدة... وعن قواعد لعبة جديدة...

السيد الرئيس: هم يتحدثون دائماً عن أن سورية تغلق الجبهة أو تفتح الجبهة... الدولة لا تخلق مقاومة... إن لم تكن المقاومة عفوية وشعبية فهي ليست مقاومة... ولا يمكن أن تُصنَع... الدولة إما تدعم أو تعرقل المقاومة كما يحصل في عدد من الدول العربية... لكن أعتقد أن الدولة التي تقف في وجه المقاومة هي دولة متهورة... فليست القضية أن سورية قررت بعد أربعين عاماً أن تذهب بهذا الاتجاه... هناك جيش يقوم بواجبه... وبالتالي الحالة الفكرية بالنسبة للمواطنين بأن هناك من يقوم بهذا الواجب... يعمل من أجل تحرير الأرض... لو لم يكن هناك جيش كما حصل في لبنان عندما كان هناك جيش منقسم ودولة منقسمة خلال الحرب الأهلية... لكانت ظهرت المقاومة منذ زمن طويل... الآن في هذه الظروف هناك عدة عوامل تدفع بهذا الاتجاه أولاً... الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة... هي عامل أساسي في خلق هذه الرغبة وهذا الدافع... ثانياً... انشغال الجيش والقوات المسلحة في أكثر من مكان على الأرض السورية... وهذا يعطي شعوراً لدى الكثير من المواطنين بأنه من واجبنا الآن أن نقوم نحن بالتحرك بهذا الاتجاه لكي ندعم القوات المسلحة على جبهة الجولان". (نقلاً عن موقع الرئيس الأسد presidentassad.net). نأسف لطول الاقتباس، ولكنه ضروري لتوضيح موقف النظام السوري من تأسيس مقاومة في سورية ووظيفة هذه المقاومة.

بداية نلفت النظر إلى الظروف التي جاء في سياقها هذا الكلام. أتى هذا الكلام في أواسط العام 2013، أي في مرحلة انهيار وتفكك المجتمع والدولة في سورية. في هذا العام لم تعد مجريات الأمور في سوريا خاضعة لإدارة السوريين. فمن جهة انهارت "تنسيقيات" الثورة السورية، والقوى الوطنية والشعبية السورية التي لم يقضِ عليها النظام وقعت فريسة القتل والخطف على يد الحركات السلفية (تحكم المرجعيات الخارجية بهذه الحركات). ومن جهة أخرى بدأ التفاهم الأميركي- الروسي بإخضاع النظام السوري (سحب السلاح الكمياوي) والإبقاء عليه دون الحدّ من قدرته على القتل (تحكم خارجي بالنظام). وهذا ما يشكل جوهر الثورة المضادة التي اغتالت الثورة السورية وحولتها من "ربيع" إلى "خريف".

في هذا السياق يتحدث الرئيس الأسد عن المقاومة. يريد مقاومة لدعم الجيش، للرد على الاعتداءات الإسرائيلية، "لدعم القوات المسلحة على جبهة الجولان". هو لا يريد مقاومة لتحرير الجولان. وفي كل ذلك يحصر دور الدولة في عدم اعتراض المقاومة، "الدولة لا تخلق مقاومة..."، المقاومة "لا يمكن أن تُصنَع... الدولة إما تدعم أو تعرقل المقاومة...". لم تنشأ المقاومة قبلاً (على مدى أربعين سنة) لأن "هناك جيش يقوم بواجبه..."!

باختصار أعلن النظام السوري عن رغبته بنشوء مقاومة، لا لتحرير الجولان، ولا لتوجيه رسالة كما اعتقد فلسطينيو سورية غداة حوادث أيار وحزيران 2011. بل هو رغب بمقاومة لتساهم بالأحرى في حمايته، بينما هو عاجز ولا يملك العزم على حمايتها. ففي مقابلة الرئيس الأسد مع المنار المذكورة أعلاه، قال رداً على موضوع الاعتداءات الإسرائيلية: "نحن أبلغنا كل الجهات التي اتصلت معنا العربية والأجنبية... وأغلبها أجنبية... بأننا سنرد في المرة القادمة...". ولكن قوله هذا جاء كلاماً فارغاً فلم يحرك ساكناً لا لردع العدوان الصهيوني على الشهيد سمير القنطار، بل لمجرد اتهام إسرائيل. وقبل ذلك لم يحرك ساكناً في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية. نذكر مثلاً: قيام سلاح الجو الإسرائيلي منذ 2013 بأكثر من 10 غارات جوية في سوريا٬ استهدفت غالبيتها عمليات نقل أسلحة إلى “حزب الله” اللبناني٬ كما قامت إسرائيل باغتيال 6 قياديين من “حزب الله” ومسؤول عسكري إيراني في القنيطرة جنوب سوريا٬ في شهر كانون الثاني 2015، كان بينهم جهاد مغنية نجل القائد العسكري عماد مغنية الذي قتل في تفجير بدمشق عام 2008... وآخر هذه العمليات العدوانية٬ كانت تلك التي نفذت بعد التدخل الروسي في سوريا٬ باستهداف عدد من الغارات مستودعات أسلحة لـ”حزب الله” والنظام السوري داخل أو في محيط حرم مطار دمشق الدولي...

هل يريد المجتمع السوري مقاومة لتحرير الجولان؟ لا شك ان السوريين كانوا على الدوام راغبين بتحرير الجولان، وراغبين في الشروع بمقاومة الاحتلال. ولكن النظام السوري لم يكن في أي لحظة راغباً وسامحاً بذلك (التوازن الإستراتيجي!).

وفي زمن تخلع المجتمع السوري وتفككه، ومعاناة السوريين من التقاتل والتهجير و... وفي زمن تخلع الدولة السورية وانكماش سلطتها، يطالعنا الرئيس السوري بعدم معارضة الدولة لنشوء مقاومة مهمتها "دعم القوات المسلحة على جبهة الجولان" (لا العمل لتحريره)، فكأن الجيش السوري كان سابقاً يخوض القتال الضروس على هذه الجبهة. وبعد أن فقدت غالبية السوريين ثقتها بالدولة وبالجيش يطالب الرئيس بدعم الجيش! لكل ذلك كان لا بد أن يستخف الشعب السوري بهذه الدعوة غير الجدية، بينما معاناته أصبحت في أمكنة أخرى، وهمومه دون هذا المستوى، وأولوياته مختلفة.

وعلى العموم، فإن المواطن السوري غير المطمئن إلى بقائه حياً في منزله وبلدته، وغير المتأكد من توفير لقمة عيش لعائلته... غير قادر على التفكير باستعادة أرضه المحتلة، ولا يفكر الآن بتأسيس مقاومة والانخراط فيها لتحرير الجولان.

ما احتمال نجاح حزب الله بتأسيس مقاومة في الجولان؟ إن حزب الله المنخرط عضوياً إلى جانب النظام في الصراع الدائر في سوريا لا يشكل قوة سياسية جاذبة للمشاركة الشعبية السورية في المقاومة التي يدعو إليها، لا سيما وأن الدور الإيراني المباشر فيها واضح لا لبس فيه. فمن المعروف جيداً ان الصراع في سورية (وعليها) اتخذ (منذ منتصف وأواخر العام 2013) شكل الصراع الطائفي والمذهبي، واندرج في سياق الصراع السني (السلفي)- الشيعي، والعربي- الإيراني (الفارسي). فمن أين له، وهو الواضح في تقديم نفسه مقاومة شيعية (لا مقاومة وطنية أو شعبية أو عربية) على منهج ولاية الفقيه (المرجعية الإيرانية)، أن يجتذب إلى مشروعه مجتمعاً غالبيته العظمى من أهل السنة؟

لا يمكن لتجربة مقاومة حزب الله في لبنان أن تشهد محاكاة لها في سورية. ففي لبنان يمثل الشيعة ثلث السكان تقريباً، وهم ينتشرون من الناقورة في الجنوب اللبناني على شريط محاذٍ للحدود مع العدو الصهيوني وللحدود مع سورية حتى عكار، فضلاً عن تواجدهم في العاصمة بيروت. وهذا ما يفتقده الحزب في سورية، خصوصاً الضعف السكاني عموماً في الجولان وفي المناطق المحاذية له (غياب البيئة الحاضنة).

كما أن نشأة المقاومة الإسلامية (حزب الله) في لبنان جاءت في ظروف لبنانية وعربية وإقليمية مختلفة جذرياً، خصوصاً لجهة الصراع السني- الشيعي. لقد كانت "هيئة دعم المقاومة الإسلامية" تتحرك في شتى الأوساط السنية بكثير من الترحيب والحرية، وكانت الإفطارات التي تقيمها تضم الآلاف من أهل السنة. لم تكن ثمة حساسية مفرطة تجاه شيعية الحزب، ولعل الكثير من المناضلين السنة في حركات إسلامية أو شبه إسلامية كانت تبحث عن موقع لها للمشاركة ميدانياً في هذه المقاومة، ولكنها فشلت. ولكن الأمور تغيرت تدريجياً منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 والدعم الشيعي له، خاصة بعد إعدام صدام حسين. ومن الجدير ذكره على سبيل المثال أنه منذ اغتيال الرئيس الحريري لم يبقَ في طرابلس أي أثر لكل ما أسسه حزب الله في المدينة على مدى أكثر من عقدين.

بالطبع يُدرك حزب الله مأزقه في ابتعاد الجمهور السني عنه، ومجافاته إن لم نقل معاداته. ويبدو أن العمل وفق استراتيجية "حلف الأقليات" هي التي حكمت سعيه إلى تأسيس مقاومة في سورية لتحرير الجولان. ومن هنا التقت الحمية النضالية لعميد الأسرى العرب الشهيد سمير القنطار برغبة حزب الله في تأسيس المقاومة. فالشهيد القنطار درزي، والجولان معقل درزي، وحوله يتواجد كثير من الدروز. ولكن لدروز سورية مرجعيات واتجاهات متناقضة في موقفها من مجريات الأمور في بلدهم. وما ينتاب غالبية السوريين من معاناة وقلق حول المصير ينطبق عليهم أيضاً. ومشاركة الشهيد سمير القنطار لن تغير في الموقف الدرزي السوري من حزب الله ودعوته.

هل تسمح القوى الدولية والإقليمة الفاعلة في سورية بتأسيس مقاومة لتحرير الجولان؟ بداية ترفض هذا الأمر وتعمل على محاربته جميع مكونات المحالفة الأميركية الأوروبية الخليجية. وحدها إيران تسانده وتشارك فيه. ولهذا فالسؤال الفعلي يتعلق بالموقف الروسي. وأهمية الموقف الروسي تنبع من كون روسيا هي الجهة الأساسية والحاسمة (لا نغفل دور إيران وحزب الله، ولكن الأساس والحسم عند روسيا) التي تحافظ على ما تبقى من النظام السوري، وهي التي تحكم (وستحكم) سياساته الكبرى.

تعمل روسيا على حماية النظام السوري، أو بالأصح وعلى الأقل، على محافظة الرئيس الأسد على سلطة تمتد على مساحة جغرافية بين اللاذقية وطرطوس وحمص ودمشق (وربما مساحة أكبر أو أصغر...)، أو على مشاركته في السلطة المركزية مع قوى أخرى. ولكنها هل توافق أو تسكت على نشوء مقاومة لتحرير الجولان؟

وهنا نعود إلى السؤال: لم يفعل الروس شيئاً تلك الليلة (ليلة اغتيال الشهيد سمير القنطار). لماذا؟ وهل سيفعلون إن تكرر العدوان الصهيوني؟ هل سينبح كلبهم، بلغة دويل في "الوهج الفضي"؟

إن حسابات الروس لا تطابق حسابات بيدر المقاومة وحلف "الممانعة". فعلى الرغم من تقدير الروس لدور حزب الله في حماية النظام، فإنهم لن يتسامحوا في تهديده للكيان الصهيوني، بل إنهم يصرون على حصر دوره في تخديم المحافظة على بقاء النظام لا أكثر. فلهم مع إسرائيل المدعومة من المحالفة الأميركية- الأوروبية (الغربية عموماً)- الخليجية حسابات أخرى.  إن للنزاع في سورية (وعليها) جدول حسابات مختلف تتخلله تناقضات تتحرك من خلالها الإستراتيجية الروسية. فروسيا في زمن "الرفاق السوفييت" لم يتجاوز دعمها للقضية العربية حدود الدعم الديبلوماسي، وامتنعت عن تزويد مصر الناصرية وسورية البعث بأسلحة هجومية، واقتصرت في ذلك على الأسلحة الدفاعية. فما بالنا اليوم والروابط حميمة بين النخبة الروسية الحاكمة وقادة الكيان الصهيوني؟

هذا فضلاً عن مشكلة الروس في أوكرانيا ومؤخراً مع تركيا، وهم بغنى عن مشكلة أخرى مع إسرائيل. وها هي إسرائيل تلوح بورقة التقارب مع تركيا. فتستقبل أردوغان الراغب بوقوف إسرائيل في صف معارضة التدخل الروسي في سورية، وتلعب لعبة اتفاقيات نفط وغاز ساحل المتوسط مع تركيا ما يعزز محاصرة احتكار الروس لتزويد أوروبا بالطاقة وتحريرها من التهديد الروسي في هذا المجال. كما أنها استقبلت الرئيس الأوكراني بوروشينكو للبحث في اتفاقية التجارة الحرة بين أوكرانيا وإسرائيل. ولا شك أن روسيا لن تقوم بالإنجرار في سورية خلف سياسة نشوء مقاومة في سورية وتعزيز "الممانعة" و"حلف الأقليات" بزعامة إيران، ما يدفع بإسرائيل إلى تعزيز تحالفاتها مع تركيا والسعودية.

وعلى العموم، ولكل ما سبق، فلعل سليم نصار على صواب في قوله: "أن إسرائيل استأذنت موسكو قبل أن ترسل طائرة حربية لاغتيال عميد الأسرى اللبنانيين المُحرَّر سمير القنطار. وكل ذنبه أنه كان يشرف على تدريب وتنظيم فرق من شباب الدروز تتولى عمليات مهاجمة قوات الاحتلال في الجولان". (الحياة، 2-1-2016). وفي ظل الظروف الراهنة يبدو من الصعب جداً قيام مقاومة في سورية لتحرير الجولان. فلا النظام السوري على استعداد، ولا المجتمع السوري في هذا الوارد حالياً، ولا الروسي الوصي على حياة نظام الرئيس بشار الأسد على هذه الموجة.

وفي الختام أينما استشهد عميد الأسرى العرب سمير القنطار، فهو شهيد العروبة وفلسطين. ثمة في شعبنا منارات على استعداد دائم للتضحية. والشهيد القنطار في طليعتها، بصرف النظر عن الاستشهاد في المكان والزمان المناسبين، أم لا.

جوزف عبدالله، 5-1-2016


[1]  حوار ورد في الرواية البوليسية "الوهج الفضي". في سياق التحقيق في جريمة قتل مدرب أحصنة السباق، جون ستراكير، وفقدان حصان السباق، "الوهج الفضي"، يلفت شيرلوك هولمز انتباه المحقق إلى عدم قيام كلب الحراسة بأي رد فعل. لقد وقعت الجريمة ليلاً، والكلب لم ينبح. هذا ما استغربه هولمز واستغربه المحقق فيسأله، لِمَ لمْ ينبح الكلب؟ يجيبه هولمز بما معناه: حادثة مثيرة للاهتمام.

الوهج الفضي، آرثر كونان دويل، سلسلة مغامرات شيرلوك هولمز، دار البحار، ص 46-47.

back to Joseph Abdallah Documents