back to Dr. Fouad Salloum page

خطاب الدّكتور فؤاد سلّوم

احتفال بلديّة بشري بتكريم الآباء الكرمليّين في 26/7/2009 السّادسة مساءً

 صاحبي السّيادة المطران فرنسيس البيسري السّامي الاحترام

المطران جان سليمان السّامي الاحترام

حضرة الرّئيس العام للرهبنة الكرمليّة الاب ريمون عبدو المحترم

سعادة النّائب إيلي كيروز المحترم

الأباء الاجّلاء

الرّاهبات المحترمات

أيّها الحضور الكريم

 

         كلانا، أهل القبيّات وأهل بشري، جلسنا إلى مائدة الأباء الكرمليين واغتدينا من خبزهم، خبز المعرفة ونهلنا من ينبوعهم ماء الرّوح مباركًا، عذبًا، ذلالا.

سبقتمونا إلى مائدة الكرملييّن، فأنتم سبّاقون أبدًا إلى نبيل المقاصد. واديكم، الوادي المقدّس، منذ الازل، فاح عطر قداسة، ملأ الكون، فكان جاذبًا للعبّاد والزّهاد، ينقطعون فيه عن اباطيل الدّنيا  ليقيموا حوارًا مع ربّ الكون، هنا في طراوة الوادي، وحمى بشرّي الأدبيّة، وهيبة الأرز، وبهاء ثلج المكمل.

          جاء ربوعكم العامرة سنة 1633 (حسب الدويهي)، ثلاثة من الأباء الكرملييّن في مقدّمهم البادري شيلينو والأب الطّبيب أغوسطينوس والأخ الصّيدلي كارلو. كان ذلك في عهد البطريرك يوحنا مخلوف الإهدني الّذي رحّب بهم وأذن لهم أن يشغلوا جانبًا من دير إليشاع في الوادي المقدّس حيث لقوا ترحابًا حارًا من أهل الدير، مما حدا بالأب يوحنا الكرملي أن يلحق بهم بعد حين.

        طلائع هذه البعثة الكرملية عنوان ناصع لمعالم رسالتهم: مبشّر وطبيب وصيدلي. إنّهم رسل شفاء للرّوح والجسد معًا. ولأمنح كلامي مصداقيّة أكبر اسمحوا لي أن استعير شهادة مؤرّخ من اهلكم، عنيت الاب فرنسيس رحمه الّذي قال بالحرف " منذ ذلك العهد العريق شرع الكرمليّون يبذلون كلّ ثمين في سبيل خدمة مدينة المقدّمين ويتوارثون هذه المحبة وذلك العطف الواحد تلو الآخر".

ثمّ أضاف عند الكلام على هبة مار سركيس لهم، سنة 1701، قال :" ...فكّر أولو النّفوذ وذوو المشورة (في بشري) بوهب محبسة مار سركيس من الكرمليين على شرط متابعة الاعمال الخيريّة والتّطبيب مع تقديم العقاقير والأدويّة مجانًا".

        صك الهبة هذا، أيّها السادة، محفوظ في أرشيف البطريركيّة المارونيّة، وعليه تواقيع أجدادكم، أعيان بشري والجوار (حصرون وبقاعكفرا وحدشيت)، في مقدّمهم ابو كيروز ابن شكرالله يزبك، ويليه واحد وعشرون توقيعًا.

        أوّل غيث الكرمليين على الطّائفة المارونيّة كانت بعثة الأب يوحنا الكرملي إلى روما من قبل البطريرك جرجس السبعلي سنة 1657 ليطلب له درع التثبيت من لدن قداسة البابا اسكندر السّابع، لا سيّما وان هؤلاء الكرمليين كانوا أصحاب حظوة لدى الكرسي البطرسي الّذي كان يعيّن منهم قصّادًا رسوليين إلى الموارنة، وكانوا ينزلون في ديرهم ما سركيس حتى ان أحدهم، الأب إيليا الكرملي، شهد لدى الڤاتيكان أن بشري هي عاصمة الموارنة في الشرق.

 

    أيها الحضور الكريم،

    إن الأيادي البيضاء للكرمليين على المجتمع البشراوي وعلى الجوار، كثيرة،  روحانيّة وغير روحانيّة. أوّل المآثر الروحانيّة كانت يوم أنشأوا، عقيب نزولهم في مار سركيس، سنة 1701، شركة الثوب المقدّس، ولا يخفى ما في هذا النّشاط من أثر بالغ على الاجتماع الانسانيّ في ذلك الزمن الغابر، إذ، لأوّل مرّة يتمّ التّلاقي والحوار والتّعاون بروح الفريق، على غير قاعدة العائلة والعشيرة إنّما على قاعدة الإيمان، تحت جناح أمّ الله العذراء، ممّا يعزّز اللّحمة بين العائلات، ويخلق جوًّا من الثقة والتّعاون والتفاهم، منذ البداية ـ بين الكهنة المحليين و الاباء الكرمليين، فإنّ نهضة روحيّة قد عمّت الناحية وميّزت بشري بعمق الإيمان وحرارة التّقوى، حتى اليوم.

كذلك لم يقصّر الكرمليون بالمساهمة في إغناء المجتمع البشراوي بكلّ ما يعزّز الثقافة والعلم فيه، فهذا بناؤهم المدرسيّ، بعد ان وفّى قسطه للتربية بإدارتهم، يأوي اليوم شبّانكم يتلقّون العلم فيه بعد أن تحوّلت تلك المهمّة من الكرمليين إلى الدولة. كذلك قل عن مساهمتهم في نهضة الثقافة على كلّ صعيد.

 

        أيّها البشراويّون

        سبق أن قلت إنّكم سبّاقون إلى المكرمات! نعم. ها انتم قد سبقتم إلى الاحتفاء بهؤلاء الحرثة، العاملين المتفانين في حقول الرّب، وذلك في مناسبة الاحتفاء بمرور ما يزيد على مئة سنة لبناء ديرهم الحديث في مدينتكم الزاهراء، وأيضًا بمناسبة صدور كتاب عن تاريخ بشرّي من أرشيفكم الغنيّ بقلم أب كرمليّ. لعمري! هذا من حسنات الزّمن الحاضر والمبارك في عهد الرّئيس العام للرّسالة الكرمليّة الأب ريمون عبدو الذي تعد رئاسته بالكثير من الانجازات، وأيضًا بهمّة من يترجم لنا عن تاريخنا وتاريخكم من كنوز الرّسالة باللّغة الايطاليّة حضرة الأب سيزار موراني. وإنّي لآمل أن يكون احتفاؤكم هذا قدوة لنا، نحن في القبيّات، فلا نتأخّر كثيرًا في تكريم الآباء الكرمليين عرفانًا بالجميل.

 

           أيّها الاهل في بشرّي

           إنّ الأواصر الحميمة قديمة بيننا وبينكم، زادها الاباء الكرمليون وثوقًا، كذلك فعل روّاد من عندكم. إن صناعة خيوط الحرير، على الطّراز الحديث، قد أدخلها إلينا ابن لكم هو السّيّد يوسف رحمه البشراني،  وقد جلبت لنا نماء كثيرًا. لقد بنى يوسف رحمه هذا أوّل وأحدث معملٍ لصناعة خيوط الحرير في عندقت منذ أواسط القرن التّاسع عشر. كذلك توطنت عندنا فروع كريمة من عائلاتكم فازددنا عزّة، ولطالما أشتى في أرضنا رعاة وقطعان من جبلكم، ولا عجب، فمشاعاتكم ومشاعاتنا متّصلة. لكن الاهم من كلّ ذلك هو انّنا شهدنا لكم، قبل القاصد الرّسولي الكرمليّ بمئات السّنين، استشهدنا المكرّم البطريرك اسطفان الدّويهي، في كتاب "أصل المارونيّة"، لمّا أراد أن يؤكّد على رئاسة بشرّي للطائفة المارونيّة، اعتمد على قصيدة الشاعر سمعان ابن شمعة القبيّاتيّ الّذي ألّف ميمرًا في مدح البطريرك موسى العكاري، سنة 1557، قال:

بشرايّ بالعزّ محروسي                    ولبيت مارون فيها ريسي

من زمن موريق محسوسي                بقنّوبين عزّها وأوْقارا           

 

لكنّ في هذه القصيدة امرًا خطيرًا آخر هو ما يشير إليه الشاعر من دور كبير لأبطال بشرّي القدماء في إنزال الهزيمة بالجيش البيزنطيّ لمّا اراد الامبرطور يوستنيانوس الثاني أن يخضع الموارنة في لبنان، بالتواطئ مع الحكم العربيّ في دمشق، وذلك سنة 694، اي منذ اكثر من ألف وثلاثماية سنة، فوجّه إليهم جيشًا كبيرًا بقيادة وزيرين هما موريق وموريقيان، فانحدروا إليه من جبالهم، ومعهم رجال بشرّي، التقوا الجيش البيزنطي في أميون وأنزلوا به هزيمة نكراء، قتلوا القائد موريقيان فدفن هناك، وجرحوا موريق الذي حمله الجيش المنهزم فمات في الطّريق ودفن عندنا في القبيات، ولا يزال قبره إلى اليوم معروفًا بالاسم. إلى هذه المعركة، وإلى رجال بشرّي الأبطال، يشير شاعرنا القبيّاتيّ في قصيدته.

 

          أيّها البشرّاويّون

          كان دوركم كبيرًا ولا يزال كبيرًا. فما دامت بشرّي بخير فالدّيمان وبكركي بخير، والمارونيّة بألف خير.

         عشتم وعاش الكرمليون، وعاش أرز لبنان.

د. فؤاد سلوم

26/7/2009

 

back to Dr. Fouad Salloum page

Ref: Fouad Salloum