back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

 

الصّبيّ والنَّهر

 

أحبّ أن أعود، مرّة بعد مرّة، إلى أخبار المكارين في بلادي، هؤلاء الّذين أخذوا، مجّاناً، من غاباتنا، أخشاباً و قطراناً، وباعوا في أطراف البوادي البعيدة، ثمّ عادوا برزقٍ لعيالهم… ولنا حملوا حكايات آسرة كانت تهدهد طفولتنا في سهريّات الشّتاء العاصفة، ونحن جالسون، بأمان، حول نار البيت الأبويّ.

 

أحبّ تلك الحكايات. لا أشبع منها. أسمعها. أرويها… مصدر تلك الحكايات لم يكن واحداً. كنتَ تعدُّ، بين كلّ ثلاثة منازل، منزلاً فيه بغل ومكاريّ. وفي كلّ سهرة أكثر من واحدٍ يروي حكاية، أو يصْدُق زميله على ما يروي بهزّة رأسٍ أو بتعبيرٍ ما، أو يذكّر بما انتُسيَ من الحكاية، أو يوسّع ويوضّح… ولكلّ حكاية طعم خاصّ. لكنّ المشترك، فيها، كلّها، فهو روح المغامرة، وتلك الصّورة للسعي القلق والمحفوف بالأخطار وراء الرّزق النّكود، ثمّ العودة الدائمة، في الخيبة والظّفر، إلى نقطة الانطلاق، إلى البيت العائليّ حيث الدّفء والأمان، وحيث العزاء في مواجهة عيون الأزواج المندّاة بالشّوق، وعيون الأطفال المؤتلقة بالفضول.

 

رواة تلك الحكايا كانوا صادقين في ما يروون، ماهرين في السّرد، ينقلون الأحداث الّتي حصلت معهم، بالحركات، ونغم الصّوت، وتعبير القسمات، كالممثلين المحترفين، فيجعلوننا نسافر معهم  بأحاسيسنا، فيسحرنا سرى اللّيالي الفاحمة أو المشتعلة بالنّجوم، ونستبشر بطلوع الصباح أو نشقى بلفح الهجير؛ فتارةً نشمّ رائحة البوادي وقد شفـّها العطش، أو نرتاح لنسيم العشايا يلاطف خدودهم الّتي قد غشّاها الغبار، وكثيراً ما نسرّح النّظر معهم في المروج المنداحة يمسّد الهواء شعورها الخضر، ويضجّ في آذاننا، مثلما في آذانهم، هدير الأنهار تجري صخّابة، مرّة، ووادعة، أخرى. ومثلهم تروّعنا نفرة الوحش في مقدّم القافلة، ونهلع لقبطة[1] البغل المفجوء تحت قعدة المكاري.

 

أمّا أحبّ تلك الحكايا إليّ وأبلغها في قلبي، فحكاية الصبيّ يوسف. إنّها حكاية اليتم والشّقاء والحبّ والخيبة والموت. هذه الحكاية تركت في نفسي، منذ الصّغر، ندبة جرح لا أزال أتحسّسها بحزن غريب كلّما عادت بي الذّكرى إلى عهود الطّفولة. وهي حكاية الكفاح القاسي، المبكّر على طفل يتيم، ماتت أمّه وهو دون العاشرة، فتزوّج أبوه وخلّف له أخوة من إمرأة أخرى، زاحموه على المسكن الضّيّق، وعلى اللقمة السّاخنة، وعلى الفراش الدّافىء. هم لهم أمّ تعضدهم في حياة الفقر الصّعبة، بينما هو بلا أمّ تعضده، وبينما أبوه مشغول بمسائل العيش المرّ عن التـّفاصيل الصّغيرة، ولو كانت تتعلق بطفلٍ له، صار بلا أمّ.

 

وشاء حظّ الصّبيّ يوسف، السّيّىء أم الحسن، لا أدري، شاء حظّه أن يكون له عمّ، إسمه، أيضاً، يوسف- وهذا يفسرّ سبب التّسمية بيوسف على جاري الحال في بلادنا. العمّ يوسف تزوّج، لكن، لم يبنِ، فاحتضن سميّه، ابن أخيه، اليتيم يوسف، فكأنّه ابنه.

 

لم يكن الآباء في بلادنا، آنذاك، أصليّون أم مستعارون، يفكّرون في إرسال الأبناء إلى المدارس رغم توفّرها عندنا، وذلك لأنّنا كنّا نولد في قلب مدرسة الطّبيعة، والطّبيعة، نفسها، كتاب مفتوح، غنيّ! فلماذا كتب الورق المحبّر؟ والآباء معلّمون مهرة يلقـّنون أبناءهم طلابهم، مباشرة، كيف يسرّحون القطعان، وكيف يقرنون الفدادين بالأنيار، ويجرون وراء البغال، ويهوون بالفؤوس على الأحطاب، ويجندلون الذّئب بضربة عصا. فماذا يرجون، بعد، من معلّم بنظّارتين فوق الأنف، ومن الجلوس على مقاعد الخشب، ومن رائحة الحبر وغبار الطّباشير؟ لذلك، وخصوصاً لأنّه بلا أمّ، لم يُرسَل يوسف إلى المدرسة، فالتحق بالمكاراة، مدرسة عمّه الّتي تمتدّ فصولها على دروب القوافل.

 

العمّ يوسف المكاري كان شيخ المكارين! لم يكن يقتني من البغال إلاّ أعلاها وأصلبها وأنشطها. كان مقتدراً على دفع الثـّمن الغالي، ويمتلك الثـّقة بالنّفس على معالجة أكثر البغال جموحاً، وعلى رفع الأثقال إلى أعلاها متناً، وعلى مجاراة أسرعها حافراً. فهو نفسه كان جديل العضل، ضخم الجثّة، جسوراً، مغالباً، يهزأ بالصّعاب.

 

رافق يوسف الحدث عمّه على دروب السّفر، يتعلّم مهنة المكاراة! أحبّها. كان سعيداً خليّ البال. ينهض فجراً، مع المكارين، يسير حيث يسيرون، يواجه ما يواجهون، ويتمتّع بما يتمتّعون… يتعرّف على القرى والمزارع والحظائر في أنحاء البلاد. يخوض الأنهار، ويتسنّم التّلال، ويقتحم الأوعار ويجتاز البوادي. يأوي إلى الخانات، ويجالس الكبار في المنازيل[2]، ويستمتع بلهجات شيوخ الأعراب في أطناب الشّعر الوسيعة. يتعلّم المساومات ويلقن شؤون البيع والشّراء…

 

أيفع يوسف وطرّ شاربه. صار في السّادسة عشرة من عمره، فبدا، على مثال عمّه، عتليت[3]، أسمر، أحور العينين، حسن الصّورة؛ فكأنّه، مع عمّه، من نسل آلهة الأقدمين التي تمثّل قوى الطبيعة الصارمة في جبالنا…

 

أيفع وصار شريكاً لعمّه، يقاسمه الأرباح ويتهيّأ ليأخذ مكانه وراء البغل متى آن الأوان.

 

ذات خريف.

والخريف، في ناحيتنا، متقلّب المزاج كالشيخ الخرف، إذ تسلك الغيوم الحبلانة دروباً بعينها، فتتنحّى الشّمس عنها إلى بقاعٍ أخرى. هكذا يكيد الخريف، هنا، لأبناء السّبيل والقطعان، فيفاجيء ويصيب مقاتل.

 

كانت القافلة في طريق العودة. وكان جميل الصّوت، بين المكارين، يطربها بالعذب من أبيات العتابا؛ فهم عائدون إلى عيالهم غانمين بعد أن قايضوا أخشابهم بأحمال القمح والشّعير والذّرة والصّوف… وبخراف محزومة على ظهور البغال. يوسف الصّبيّ كان متخلّفاً عن القافلة لبعض شأنه! الوقت بُعيد الظّهر. السماء حمراء الأديم، وهبّات ساخنة تلفح الوجوه. قليلاً… وأخذ يتناهى إلى العائدين، من بعيد بعيد، صوت رعدٍ ممتدّ.  ثمّ صوت هدير متقطّع يقوى ويقوى. وفي الأفق، إلى يسار القافلة، أظلمت السماء، فوق جبل "أكروم"، ظلاماً تشتعل نواحيه، بين لحظةٍ وأخرى، بلهيبٍ أزرق إلى احمرار. صاروا على مقربة من النّهر الكبير الجنوبي. حثّوا البغال! وصلوا إلى المجرى. الماء يرتفع، يتدفّق مندفعاً، ويرغو بالأوراق والأعشاب والأحطاب. قفز المكارون، كلّ على ظهر بغله، فوق الأحمال، وعبروا. عبر العمّ يوسف، وعندما وصل إلى الضّفّة الأخرى أدار وجه بغله إلى حيث عبر يستطلع مصير ابن أخيه الّذي أطلّ، لتوّه، من وراء رابية صغيرة. لوّح له بيديه مشيراً: أنْ عُدْ. لا تعبر. خطر كبير! أسرع يوسف الصّبيّ إلى المعبر، فإذا الطّوفان قد علا فيه وامتدّ إلى ما فوق الضّفتين، فكأنّه البحر! صرخ العمّ بأعلى صوت وأشار باليدين: عد والتجيء إلى أقرب حيّ تبيت فيه حتّى صباح الغد.

 

انفتل يوسف وعدا بكلّ قوّته فغاب خلف الدّغل… اطمأنّ العمّ إلى أنّ ابن أخيه قد قبل النصيحة وذهب إلى حيث يطمئنّ إلى قضاء ليلة آمنة، فنزل عن البغل وتابع السّير مرتاحاً.

 

أبى يوسف الصّبيّ، المملوء من نفسه، أن يذعن لهيجان النّهر، وعزم على أن يعود وراء القافلة لينام في فراشه متحدّياً. لمعت في رأسه فكرة أن يسبق الحامولة إلى مخّاضة النّوَر، وهو معبر معروف، فيجتازها قبل وصول الطّوفة. المسافة على بعد بضعة الآف من الأمتار. الطّريق نزلة. هو عدّاء. إمكانية السّبق معقولة. وصل إلى المخّاضة مع مقدّم الطّوفة. كان منهكاً. نظر متهيِّباً إلى الماء المعتكر بالأتربة والنباتات المقتلعة والرّغوة المتّسخة، وإلى الموج المتدفّق من أعلى النّهر أقوى فأقوى. سمع صراخاً خارج المضارب، تطلّع إلى الضّفّة المقابلة: جماعة النّوَر، رجال ونساء، يتّجهون صوب النّهر، يصرخون ويشيرون محذّرين من النّزول إلى الماء الهائج. ثارت في صدره نخوة الصّبا، فنزل إلى الماء. صدمته الدّفقة المندفعة فأخلّت بتوازنه… نشب يديه في الموج ورفع جسده يريد سباحة، فعلا به الموج المتلاطم وقذفه إلى وسط المجرى، فغاب عن أنظار النّوَر. هرول الرّجال، وأخذ بعضهم حبالاً والبعض أغصاناً طويلة قصد أن يمدّوا بها إليه، رجاء أن يتمسّك بشيء فيُنقذ… كان يوسف يصارع الأمواج في قلب الحامولة، يغيب تحتها مرّة، ويظهر أخرى. الرّجال يركضون، بمحاذاة المجرى مذعورين من غير أن تتسنّى لهم فرصة مدّ العون له… إلى أن بعدوا مسافة صار معها مجرى النّهر يضيق قبل ازوراره حول لسان من اليابسة تكسوه أشجار الدّلب والصّفصاف فينكسر عليه الماء الفائض وينتشر على اللّسان بين الشّجر، فكان حظّ يوسف أن رفعه الموج وقذفته دفعة عاتية إلى أغصان ممتدّة غمرها الماء الفائض، فعلق بها، واستطاع أن يلتفّ بذراعيه حول جذع غصن متين، احتضنه، وهو الغريق يتمسّك بأذيال الحياة… والماء لا ينفكّ بموجه يرفع بجسده ويلطم به الأغصان، فيتشبّث أكثر ويغالب! وصل إليه الرّجال فربطوا أحد فتيانهم الشّجعان بالحبل تحت إبطيه، وأمسكوا طرف الحبل. تسلّق الفتى الغصن وانزلق عليه إلى حيث يتشبّث يوسف، فأمسك به. عندها أرخى يوسف زنديه عن الجذع وأبدى تعاوناً مع منقذه، مسلساً له قياده، محافظاً، رغم حالته، على توازن واعٍ في الانزلاق على الغصن. عندما أمن أنّه صار على اليابسة تلاشى عزمه، وتراخت مفاصله. صار كخرقةٍ مرميّة، مسلّماً أمره للأحياء، غائباً عن الوعي بين حيّ وميت… نقله الرّجال إلى خيمة شيخ العشيرة. مدّدوه على كدسة من خرقٍ مفروشة على بساط مزركش. أمر الشّيخ بجمع ما في الخيم من ألبسة سميكة، وأخرج النّساء من المكان. نزع ثياب يوسف النّقيعة، الممزّقة، ورماها عند الباب. جفّف له جسده وشعره جيّداً، بينما كان الرّجال يمسّدون أطرافه تمسيداً رفيقاً… بعد قليل أخذ اللون يعود إلى الجسد المزرقّ، وتبسّمت الجراح كشفاه قرمزيّة، وزهت الخدوش بسطور الدّماء. لكنّ الكدمات بقيت زرقاء لتشهد على أنّ هذا الجسد القويّ قد صارع الموج والضّفاف والأحطاب… والشّيخ راح يدهن الجروح والكدمات بمراهم الأعشاب البرّيّة الّتي يحسن صنعها ويعرف قيمتها في الشّفاء! ثمّ ألبسه جلباباً له، وطمره بالثّياب الّتي جمعتها النّساء، فصار جسد يوسف المحرور يرتجف تحتها حيناً ويهدأ حيناً… كان يقاوم حميّاه وهو ممدّد تحت أسمال النّوَر في خيمة الخيش الكبيرة، وكان يرى صوراً مشوّشة، مختلطة، أكثرها إلحاحاً، في رؤياه، صور النّوَر… هذا الصّنف من النّاس، النّاقص الآدميّة، كما كان ينظر إليه، والّذي كانت تتأبّاه نفسه ونفس المتوطّنين، أمثاله، في البيوت الرّكينة، في المدن والقرى والمزارع. هؤلاء النّاس المترحّلون، رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، بيوتهم على ظهور حميرهم، إن صحّ أن تُسمّى شقفات[4] الخيش، وأسمال القماش، وبعض الأخشاب، بيوتاً. نساؤهم يجرُرْن أطفالاً بالأيدي وعلى الظّهور يعتلن رضّعاً في شقابين[5]، وفي البطون يحملن أجنّة… الرّجال يعلّقون طبولاً في الأعناق، ويتأبّطون دربكّات، وفي الأصابع سبحات… وهذه كلّها من عدّة الشّغل والارتزاق. أمّا الشّيوخ فعلى ظهور الحمير، فوق الأحمال، والكلاب المدرّبة على صيد القنافذ[6] ونشل الأمتعة، تتنابح وتجري بين الحمير والرّجال… هكذا يمرّ موكب النّوَر فيثير ريبة أهل القرى فيتنبّهون له حذرين. والنّوَر مضرب مثل في سوء الطّباع[7]، شاذّون، وطويلو الأيدي، يسرقون ما يطالونه في عبورهم، لا يوفّرون حتّى الأسيجة، يخلعون أوتادها لنيرانهم، وينتشلون حتّى القدور من على المواقد أمام الأبواب... ويعاركون من يتصدّى لهم، وكأنّهم يدافعون عن حقوقهم الشّرعيّة في النّشل والسّرقة! وإذا ما غُلبوا، ينهزمون غير محرجين، ولا خجلين من هزيمتهم أو اعتداءاتهم التي لا تشكّل، في عرفهم، عيباً، لأنّ العيوب إنّما هي من صناعات أهل الحضر... وكان يزيد من ارتياب الأولاد وحذرهم من النّوَر تخويف الأمّهات لصغارهنّ بأنّ النّوَر يسرقون الأطفال، مع أنّ النّساء منهم والصّبايا، بالوجوه الموشومة، والأيدي المحنّاة، يدرن على البيوت، يشحذن ما تجود به عليهنّ ربّاتها من عطاء، أو يبعن الغرابيل والحنّاء، ويضربن الودع كاشفات عن الحظوظ؛ فصورتهنّ مألوفة، ولا يتعرّضن للأطفال.

 

يوسف، أيضاً، كان يحذر النّوَر ويتجنّب الاقتراب من مضاربهم الّتي كانوا ينشرونها في مرجة واسعة على ضفّة النّهر الجنوبيّة حيث يتّسع المجرى وينتشر الماء في عرضه فتظهر بقع جافّة وحجارة كبيرة تسهّل العبور إلى الضّفة الأخرى. لذلك عرفت نقطة العبور هذه، بمخّاضة النّوَر.

 

كانت تبدأ صيفيّة النّوَر، في هذه البقعة، منذ بداية نيسان، وتستمرّ حتّى منتصف تشرين الثّاني من كلّ عام؛ بعدها يرتحلون إلى أمكنة مجهولة. من هذه البقعة كانوا يمارسون نشاطهم في الارتزاق المتطفّل... في هذا المكان كان يوسف الصّبيّ يتوقّف قليلاً عند عبوره، في العشيّات، وهو عائد إلى موطنه، فينظر للحظة، وبفضول، إلى حيّ النّوَر، هؤلاء، وهم يجتمعون أمام خيمة الشّيخ، يتوّجون جهاد نهارهم بفرح ليلهم، وبأسلوبهم الخاصّ، الغريب، الّذي يثير الفضول ولا يخلو من الطّرافة.... نيرانهم مشبوبة، فوق بعضها تغلي القدور بجني النّهار، وعلى جمار بعضها الآخر ينضج الشّواء من صيد حاشوه. خبزهم كفاف يومهم. لا يتموّنون ولا يشيلون لغد، فغدهم يأتيهم بمعاش. أمّا حميرهم فمنتشرة في الجوار، ترتعي حلالاً وحراماً، لا فرق. كلابهم تتناهش وتتنابح بانتظار الفضلات... أمّا المشهد الأجمل في عيني يوسف فكان مشهد الطّرب. أما هم مطاربة[8] ؟!

بعض الرّجال ينقر البُزُقات فتثير حماسةً. وبعض يحزّ الرباب فتتأوّه بالحنين. الصّبيان يضربون الطّبلات. والصّبايا، من كلّ الأعمار، وعلى إيقاع الأنغام المختلطة، يرقصن خفيفات كالفراشات، يرفعن أجسادهن النّحيلة على رؤوس الأصابع، ويدرن حول أنفسهنّ، مشمّرات أطراف الجلابيب عن كواحلهنّ، فلا تعوقهنّ عن الرّشاقة. يتمايلن مسترسلات الشّعور على الوجوه والأكتاف، وفي أصابع الأيدي صنجات يفقشن بها، فتأتلف الحركة مع الإيقاع. في مرحهنّ هذا كنّ يتحوّلن إلى محترفات مسترزقات...

 

... "هي ليلة يا مكاري"! يمثّلون بها، على المحنة العارضة، العابرة، التي لا تلبث أن تزول بأثقالها ومنغّصاتها. أمّا ليلة الصّبيّ المكاري فلم تكن كليالي المكارين العارضات، يمضونها كيفما كان، عندما تضطرّهم ليالي السّفر على المبيت في الأكواخ أو الزّرائب أو الخرائب أو على التّنانير... ليلة يوسف، هذه، كان لها صباح كسرت شمسه غلافاً سميكاً كان يكبّل قلبه... طلعت الشّمس. رحلت الحمّى. لكن...!؟ على جبينه أحسّ يوسف بمسحة رفيقة، أشبه بنسمة مَسَويّة، تزيح خصلات شعره! هل يحلم حلماً صباحيّاً بعد أن مضى كابوس اللّيل؟ فتح عينيه. صبيّة!... نوريّة "قابزة"[9]، تميل فوق وجهه، تحدّق فيه بفضول واستغراب، وكأنّها ترى، عن كثب، ولأوّل مرّة، بشريّاًً مختلفاً عمّن تعرف. أجفل! هبّ من بين ركام الألبسة، يحاول النهوض! ربّما الهرب؟ لكنّ نخزاً في أضلاعه أمسكه، ووجعاًَ في ساقيه أقعده. نزل على مرفقيه، متأنّيّاً، مرتكزاً بهما على البساط تحته، ورافعاً رأسه وصدره، ينظر إلى وجهها مستطلعاً، مرتاباً؟! جال بعينيه في سقف الخيمة وحواشيها، وحوله، مستغرباً، ثمّ عاد إلى وجهها، عيناه في عينيها، يستخبر، يستنجد...؟  ابتسمت له بحنان، والتمعت عيناها بألق دافيء. أحسّ باطمئنان سريع، عجيب. لم يعد يأبه لما سيأتيه من خبر! فعلت ذلك به ابتسامة على شفتي أنثى، ونظرة حانية من عينين سوداوين لامعتين بالحنان... وحدهما في الخيمة. السّكون يلفّهما. الضّياء غير النّافذ إليهما في الخيمة يحتضنهما. هو لم يعرف مرّة هذا الحنان الغامر، اللذيذ، يسكبه في مشاعره حضور الأنثى، قبل الآن!

 

قالت بصوت خافت، وكأنّها تطمئن طفلاً:

-         لا تخف. أنت في أمان. قهرت النّهر، يا بطل. ستشفى سريعاً. يقول الشّيخ: "لا تبرح مكانك، حتّى يعود. لن يطول غيابه. سيأتي بحشيشة الجرح، وسيعجن لك منها مرهماً جديداً".

حاول أن يقول، مبتدئاً:

-         أنا بخير. سأنهض...

فنزلت على ركبتيها، ومالت إليه. مدّت يدها بتؤدة إلى صدره فأصابت كفّها شقّ الجلباب المفتوح على صدره. لامست اللحم الدافيء، الأزغب، على الأضلاع القاسية. شدّت عليه برفق، وأمرته بعذوبة:

-         استرخ، لئلاّ تؤذي نفسك، كلّفني الشّيخ أن أعتني بك ريثما يعود. سآتيك بطاسة من نقيع الخبيّزة[10] السّاخنة. ستنفعك. يقول الشّيخ...

 

ونهضت خفيفة، رشيقة، وتوارت خارج الخيمة. انتظرها يوسف. صار يصغي ليسمع ما يدور خارجاً؟ كان يتناهي إلى سمعه صراخ صبية، وبكاء أطفال، ونهيق حمر، ونباح كلاب... لكنّه لم يكن يملك إلاّ أن يتمدّد على ظهره، فألقى برأسه على مخدّة هي رزمة من خرق، وراح يتذكّر في صور متلاحقة، سريعة: عمّه على ظهر البغل، يهيب به أن عد. الطّوفان يتدافع هادراً، فيملأ المجرى ويفيض على الضّفاف. هو يجري إلى مخّاضة النَّوَر فيدركها مع وصول التيّار الكاسح. اقتحامه أفق الموج وعلوقه فيه. ارتفاعه على الأيدي محمولاً. فاستسلامه إلى نوم عميق فيه رؤى مشوّشة، مختلطة...

 

ها هو، الآن، في خيمة النّوَر. يفتح عينيه على نوريّة في مثل سنّه، إلاّ قليلاً، حسبما قدّر، تحنو عليه برقّة لم يذقها حتّى من بني أهله. فكيف ممّن كان يتجنّب عالمهم الغريب، المريب، فكأنّهم، كما كان يظنّ، من غير طينة البشر!؟... يا لهذه البنّية كم فيها من سحر! صحيح. فيها سحر حلو. لذيذ. مريح. يُنسي الوجع. يطرد الخوف. و... مرحباً أيّها السّحر الحلال!

 

هكذا كان يفكّر يوسف.

ثمّ يستعيد الصّورة الأخيرة:

لمّا انحنت البنت النَّوريّة، فوقه، راكعة. يدها على صدره، تدفعه برفق ليرقد مرتاحاً، ريثما تعود بالخبيّزة السّاخنة، أحسّ بيدها على صدره ترتعش... وأحسّ بالرّعشة تنتقل من يدها إلى كلّ جسمه، فيمّحي الوجع، وينتشر في كيانه إحساس لذيذ!

 

آه! أهذا هو عالم النّوَر؟ فيه هذا السّحر وهذا الارتعاش اللّذيذ؟ أين كان هذا العالم؟

 

لمّا عادت الصّبيّة، بعد قليل، بطاسة الخبيّزة السّاخنة، تمسكها برقعة لتحمي أصابعها، وضعتها على الأرض، قربه. ركعت على ركبتها اليسرى، وقرّبت اليمنى إلى كتفه. مدّت يدها تحت رأسه، فأسندته على زندها. وباليد اليسرى أمسكت بيده وراحت ترفعه برفق لتعينه على الجلوس. صار وجهه في صدرها. وإلى أنفه دخلت رائحة غريبة عليه. رائحة قويّة. حامضة. رائحة عرق الأنثى المعتّق. إنّها رائحة لذيذة، مسكرة... شدّته فأنهضته قليلاً فبدا، من فتحة قميصها، نهداها الطّفلان، في عريهما، من غير حمّالة. كانا قريبين من فمه. مكوران، نحاسيّان، مُقتَحمان ببرعمين عنّابيّين...

 

ارتعد جسده بين يَديها، فأفقدها توازنها، فسقط، وسقطت فوقه، صدرها على صدره، يشكّه البرعمان العنّابيّان، القاسيان، والنّهدان الطّفلان ينعجنان على صدره... ارتعدت فوقه بأقوى من رعدته. هبّت واقفة، وهربت، مذعورة، إلى خارج الخيمة...

 

 

بقي يوسف مستلقياً على ظهره، لا يستوعب ما يحصل له. يستعيد في ذهنه، ما حصل، منذ قليل، مرّة واثنتين ومرّات ومرّات. فكأنّ ما حصل دائم. وكان في غبطة طاغية. في انسحار... نسي كلّ شيء غير ما هو فيه. لا يريد أن يتذكّر غير ما هو فيه. وهو يعرف أنّ صانعة هذه الغبطة الّتي هو فيها الآن، والّتي لم يعرف مثلها في حياته، موجودة في جوار الخيمة. بعيدة قليلاً. قريبة كثيراً. موجودة. موجودة. وسيراها. وستراه... ويتساءل: لماذا نفرت؟ لماذا هربت؟ لم يفعل لها شيئاً! لم يقل لها كلمة واحدة! هي فعلت. هي قالت. هي دخلت. هي خرجت. هي نفرت!... هل تعود؟ الطّاسة على الأرض. سيغالب الضعف. سيقوى على الوجع. تريده أن يشرب ماء الخبيّزة. سيشربها... واستطاع أن يحمل نفسه إلى الطّاسة. حملها إليه وشربها. صار قويّاً!

 

ابتعدت النّورّية عن الخيم قليلاً. تنظر إلى خيمة المنكوب، فتشدّها إليها لهفة. تخاف لهفتها، فتعود إلى فسحات ما بين الخيم حيث يلعب الأطفال، فكأنّها تحتمي بأهلها ممّا أصابها! تقترب من الخيمة. تبتعد. يجذبها قلبها إليها. تجذبها غريزتها الخائفة عنها، فتهيم في المرج. تبتعد ضائعة، وتقترب خائفة. مغتبطة، خائفة من غبطتها.

 

عاد الشّيخ يحمل باقة كبيرة خضراء فلاقته الصبيّة تخبره أنّ المنكوب أفاق ويبدو في حالة حسنة. فهزّ برأسه وقال: "ما بينخاف عَ الشّباب". وابتسم لها ومضى إلى الخيمة وهي تتبعه. دخل. وقفت وراءه. وجد يوسف جالساً ينظر إلى باب الخيمة بقلق! تقدّم الشيخ ومدّ يده إليه فمدّ يوسف يده. شدّ عليه فبقي يوسف ينظر في عينيّ الشّيخ نظرة جامدة. لمّا تملّى الشيخ من ملامح الصّبيّ أرخى يده وقال: "صرت مليح..."

 

وانفتل خارجاً وقال للبنت:

-         زهرة، الحقيني.

رنّ اسم الصّبيّة في أذني يوسف إرناناً مطرباً، طرب من يكشف الكنز المرصود. زهرة! هذا اسمها. ما أحلاه!  زهرة. صار يعرفها. أحسّ بها منذ ساعات إحساساً قويّاً، لذيذاً. الآن عرف اسمها. الآن اكتملت معرفته بها...

 

كانت زهرة لا تزال واقفة. عيناها في وجه يوسف، تطبع صورته في قلبها. تحفره... وضع يوسف كفّيه على الأرض ورفع رأسه وصدره مستنداً على ذراعيه. نادى بصوت مبحوح، ملهوف:

-         زهرة. زهرة.

عندئذ تحوّل اللون الأسمر في وجهها إلى لون خمرة داكنة، متلألئة في صفاء كأسها! ولحقت بالشّيخ مسرعة.

 

أوّل لفظة نطق بها يوسف، بعد نكبته، كانت: زهرة. تلفّظ بها مرّتين، وبقي يردّدها، في قلبه، بتـَرداد النّبض فيه... لقد جعلت زهرة الحبّ يتفتّح متوهّجاً في قلبه. يتفتّح! أقول؟ بل ينفجر، وكان مكبوتاً تحت أثقال الفقر واليتم والشّقاء... ولأوّل مرّة سمعت زهرة اسمها يتلفّظ به فتىً غريب، هو غير الفتيان. فتىً يسكب في اسمها، إذ يناديها، نغماً لم تسمع مثله، هي ربيبة الأنغام، لا تحت مجسّة أبيها على جدّولة الرّبابة، ولا تحت ريشة أخيها ينقر بها أوتار البزق. في نغم هذا الصّوت دوخة خفيفة تدير رأسها، وعقصة لذيذة تغمز قلبها. وفي كلتا الحالين تطير زهرة على أجنحة الغبطة...

 

وعاد الشّيخ، بعد قليل، يحمل الطّاسة إياها. ركع بجانب يوسف ووضع الطاسة على الأرض. كانت ملأى بمعجون أخضر، كامد. سأله الشّيخ:

-         أَيش يكون الاسم الكريم؟

-         يوسف.

-         عاشت الاسامي. اسمك محروس، يا يوسف. كيف شايف حالك؟

-         مليح. كتّر الله خيركم.

-         الحمد لله على السّلامة. تجلّس. فيك تتجلّس وحدك؟

 

قعد يوسف من غير مساعدة. نضا عنه الشّيخ الجلباب، وكأنّه يقشر موزة. وصار يأخذ من العجينة الخضراء براحته ويدلّك بها جسد يوسف تدليكاً رفيقاً، غير تارك عضلة، ومتوقّفاً عند الكدمات والخدوش، يكثّف فوقها المرهم ثمّ ألبسه الجلباب وخرج لشأنه، طالباً إليه أن يرتاح... عاد يوسف وتمدّد. ثمّ ما لبث أن غفا...

 

عند العصر كان يوسف قد ارتاح، وشعر بنشاطه يعود إليه. قام وخرج إلى باب الخيمة ينظر إلى المرجة الممتدّة حول أطناب النّوَر حيث ينتشر حيوانهم وولدانهم. كانت النّساء حول المواقد يعددن طعام العشاء. والرّجال، في استرخائهم تحت الأطناب المشمَّرة أكنافها، يدخّنون ويلغطون بلهجاتهم الخاصّة... توقـّفت الثـّرثرات، وجمدت الحركات، وتطلّع الجميع إلى يوسف، الواقف في باب الخيمة، يسدّه، وينسدل عليه جلباب حتّى كاحليه. فتى أمرد، طويل القامة، متّسق العضلات، أبيض الوجه، ساهم العينين؛ فكأنّه، لغرابته في الشّكل والموقف، إله قديم يطلّ من عمق الخرافة!

 

كان يوسف ينظر إلى الأصيل الأحمر، يضرّج المرجة ببهائه، فكأنّه يراه لأوّل مرّة. المرجة هي هي: بخضرتها الدّائمة، تزركشها ألوان الأزهار المختصّة بكلّ فصل من الفصول. الحمير ترعى، والكلاب يلاعب صغارها كبارها. وسُكَّعات[11]، متمسّية، تحطَ حذره على أجسام الحمير، وفيما بينها، تصطاد ما يغشاها من حشرات. كذلك لغط الرّجال، وروحات النّساء وجيئاتهنّ حول المواقد... وبعض أدغال الدفلى تتوهّج أزهارها بحمرتها النّاريّة تحت حمرة المغيب النّاريّة، فهي نار على نار. وأشجار الدّلب والصّفاف تسيّج ضفّة النّهر، هناك، وما بينها فرجة المخّاضة حيث غرق يوسف، ونجا بعناية إلهيّة، وبهمّة ربع زهرة.

 

أين كان هذا العالم الجميل؟!

كان يراه كثيراً، من قبل، ولم يكن يعبأ به!

لماذا هو، الآن، يحشد كلّ هذا الجمال الآسر؟

لم يفهم يوسف سرّ التّحوّل في المرجة، لكنّه أحسّ به من غير فهم.

ناداه الشّيخ:

-         يوسف. تعال.

توجّه يوسف إلى جمعة الرّجال فوسّعوا له وأجلسوه بينهم: صبيّ أبيض بين جماعة سمراء غامقة اللون!

سأله الشّيخ عن حاله، فطمأنه يوسف وشكره. وعاد الشّيخ يسأله عن الحادث، فتحدّث يوسف، وحكى حكاية حاله منذ وعى الحياة حتّى اللّحظة التي هو فيها بينهم. أنصت البعض بفضول، وبانت على وجوه الكثيرين علامات تأثّر. وبعض ثالث بقي ساهما. زهرة، مع النّساء، تتركهنّ، متشاغلة بأمرٍ تخترعه، وتعود إليهنّ. تحاول أن تلتقط خبر يوسف. لكنّ يوسف كتم التّحوّل الجديد الّذي اعتمل في صدره، وكتم، طبعاً ما حدث له في الخيمة مع زهرة. وزهرة تعلم علم يوسف. في صدر يوسف ختمان يطبعانه ويكويان. وفي صدر زهرة خاتمان يوجعان نهديها ويجيعانها إلى صدر يوسف.

وكلاهما يكتم همّه...

وجع وجوع. ما ألذّهما!

 

تعشّى يوسف مع الجماعة، وسالت دموعه وتوهّج وجهه بحنين الرّبابة. وتوتّرت نبضات قلبه وارتعشت أعصابه مع إرنان البزق... وزهرة رقصت، ورقصت نسيباتها، وغنّى بعض الشبّاب أغنيات لم يفهم منها كلمة، لكنّه أحسّ وكأنّها تغنّي الحزن والتّشرّد  والفراق... أحسّ خصوصاً أنّ زهرة ترقص له. كان رقصها جميلاً. عيناه لم تفارقها. وكانت زهرة، في التفاتها، والتفافها على نفسها، تلتقي عيناها عيني يوسف خطفاً، فتتخضّب وجنتاها وتهرب عيناها من عينيه... ومالت امرأة مسنّة إلى أم زهرة وهمست في أذنها. وهزّت أم زهرة برأسها. وأحسّ الشّيخ ما في وجنتي زهرة من علامات، وما في رقصها من نشوة، وما في نظراتها من رسائل...

 

وصمّم النّوَر على أمر. وكتموا أمر نفوسهم!

 

نام يوسف، ليلتئذٍ، في الخيمة، وحيداً أيضاً، ولم ينم. ونامت زهرة مع أهلها، ولم تنم. كانت زهرة في بال يوسف، وكان يوسف في بال زهرة.

 

... وجهجه الضّوء[12]... جاء الشّيخ إلى يوسف، قال:

-         يوسف، يا بنيّ، صرت مليحاً. أهلك، بعد غياب ليلتين، يفتقدونك ويقلقون. قم، قبل أن تحمى الشّمس. أدركهم فتبدّد قلقهم. رافقتك السّلامة!

 

وقام يوسف عندما شعر بما في لهجة الشّيخ من حزم. خرج من الخيمة، وتلفّت لعلّه يرى زهرة في مكان ما. علّه يتزود منها بنظرة. بإشارة. لم يرَ زهرة، لكنه سمع الشّيخ يحضّه بحزم، وكأنّه شعر بما يروم:

-         امشِ، يا بنيّ. امشِ إلى أهلك. مع السّلامة. انتبه لنفسك.

 

ومشى يوسف، يقطع مسافة ثمّ ينظر إلى الخيم الّتي بدأت تتنفّس فيما بينها الحياة. قلبه لم يبرح الخيم. بقي عند زهرة. باله، أبداً، في زهرة. هكذا... حتّى غابت الخيم عن عينيه، فحثّ المسير إلى أهله، يمنحهم بعض انشغال فكره، ويحاول أن يتوقّع ما سيجد عندهم من انشغال عليه، ومن قلق.

 

... كانت الشّمس قد ارتفعت مقدار قامتين فوق الجبل عندما وصل يوسف إلى أهله. كان عمّه يروّس[13] أخشاب اللزّاب في البستان، أمام البيت، تحضيراً لسفرة الأسبوع. رمى الفأس من يديه واتجه صوب يوسف مدهوشاً إذ رآه في جلباب عتيق، وسخ، وفي شحوب؛ وكدمات وخدوش على الوجه واليدين، ويظلع كالمخلّع.

-         أيش صرلك؟ شو باك؟ ليش هيك؟

دمع يوسف ولم يجب وهلع قلب عمّه:

-         حكيلي شو صار؟ قرّب...

دار العمّ حول يوسف يتأمّله من جهاته...

-         ليش ما بتحكي؟

نشق يوسف منخريه وبلع. ثمّ مشى أمام عمّه إلى ظلّ اللوزة الكبيرة الّتي بدأت ترمي أوراقها الصّفراء عند حائط البستان، واتّكأ على الحائط يريح جسده الخائر وحكى لعمّه كلّ ما حصل ما عدا خبر زهرة، طبعاً... كان العمّ يهزّ برأسه مستنكراً، ويصفّق بيديه وهو يتحيّف، ويرفعهما إلى السّماء مخاطباً، داعياً، مقاطعاً يوسف، لائماً، معاتباً، بينما يوسف يتابع حكاية قصّته حتّى النّهاية... عندها نهض العمّ، تنهّد، وأشار:

-         قوم. تغسّل. شلّي هالدّشداشي. ع نتّوفي[14] كنت بدّي لاقيك بالعصا. فكّرتك مطربي. لباس ثيابك وارتاح.

ابتسم يوسف لفكرة الملقى بالعصا وأشار إلى الأخشاب المسندة، قال:

-         أيمتى السّفرة؟

-         ليش؟

-         بدّي أعرف حالي ورتّب أموري.

-         ترتّب أمورك؟ إيش أمورك؟

-         يعني أنّو...

-         شو أنّو؟

-         يعني أنّو نروح سوا!

-         كيف نروح سوا؟ بحمّلك عَ البغل بدل الخشب؟ ليش فيك عروق وعضام تروح وترجع؟!

-         كيف ما فيني؟ شايفني رجعت بلا عضام وبلا عروق؟!

-         شايفك لازم تريّح عضامك، وتنشّف جروحاتك. هيك رتّب أمورك.

-         ما عليك مني. أنا بألف خير. إذا بتمشي هلّق. يا الله تنمشي!

-         والله والله... عَ طول أنت هيك بتركب راسك وبتعنّد! لو سمعت منّي ورجعت عَ حدا من زبوناتنا[15] ما كان صار فيك اللّي صار!...

-         لا تخاف عليّي يا عمّي. لا تخاف. محسوبك متل الحديد. ما أنا تربايتك؟ ولو؟!

-         فتبادلا الابتسام. وأغرورقت عينا العمّ، فدار على نفسه، وعاد إلى عمله:

-         بعد بكرا...

 

في اليوم الثّالث قام يوسف مع السَّحَر، سابقاً عمّه. أسرج البغل، وعلّق له[16]، وأخرجه إلى المقصل حيث الأخشاب مجموعة في جنبيّتين[17] جاهزتين للحمولة. وعاد، اغتسل، وسرّح شعره، ولبس أفضل ما عنده من ثياب. عندما نهض العمّ ورأى ما رأى من استعدادات احتفاليّة في مظهر يوسف، حدّق متعجّباً وقال:

-         خير انشالله؟ مسافر معنا ولاّ رايح ع قدّاس العيد؟ ما على علمي اليوم عيد؟!

-         لأ. لا عيد ولا شي. رايح معك.

-         الله يعطيني خيرك، يا يوسف. شكلك ما هو شكل شغل. كأنّا مسافرين عَ طرابلس، أو عَ شي عرس!

-         ما فيها شي. طلع على بالي هيك...

-         ترتّب أمورك؟ أنت قلت، بس أنا ما فهمت! إسّا كمان ما فهمت... فيك تساعدني بالحمولة يمّا بتوسّخ حالك؟

ووثب يوسف إلى العمل مثل النّمر...

 

لمّا أطلّت القافلة، من بعيد، على معبر "جسر القمر" على النهر الكبير الجنوبيّ، افترق يوسف عنها قائلاً : "ألاقيكم في حديدة" (إحدى قرى تلكلخ في سورية). وانحدر، غرباً، باتّجاه مخّاضة النّوَر... هنا بدأ العمّ يفهم، إلى حدٍّ ما، نوازع يوسف الجديدة. لكنّ حقيقة السّرّ بقيت خافية عليه.

 

أطلّ يوسف من بعيد: لا خيم في مرجة النّوَر. لا حيوان. لا كلاب تنبح! وصل إلى المرجة. أطلال: الأثافي السّود. أوتاد مكسورات. فضلات خيش. قطع حبال. نؤى الخيم. روث الحمير... وقف في وسط نؤي خيمة الشّيخ، حيث عولج من آثار نكبته، وحيث جاءته زهرة. هنا أحسّ بالأنثى لأوّل مرّة. هنا انفتح الحبّ في قلبه مثل جرحٍ فاغر.

-         زهرة، زهرة! أين أنت يا زهرة؟...

كان قلب يوسف يصرخ.

لقد رحل النّوَر وأخذوا معهم زهرة!

وبكى يوسف...

بكى يتمه الجديد وكان، أيضاً، لا يزال، في الحبّ، طفلاً...

 

وعبر مخّاضة النّوَر على الحجارة الظّاهرة في الماء المنتشر. عَبَر قَفْزَ غزال. سيفتّش عن زهرة. سيلحق بزهرة حتّى آخر المدى... جال في منطقة الوعر كلّها. دخل في أطراف بادية تدمر. الخلاء واسع. الأفق بعيد، وامتداد الأشواك والكثبان لا ينتهي. بلاد واسعة يضيع فيها حتّى الطّائر، فكيف بيوسف، طرّي الحافر، الجائع، التّعبان، المصدوم؟! لكنّ الله يفرجها على المكروبين ولا يترك عبيده الضّعفاء... الشّمس الحارقة تميل إلى المغيب! أطلّ يوسف من بعيد على مجموعة من المضارب السّوداء! ظنّها للنّوَر. فرفر قلبه. حثّ المسير، حتّى اقترب! ليست مضارب نَوَر. خاب فأله. وفيما بين الخيم نعاج وحملان. قدور كثيرة منتشرة حول المواقد. دلاء في كلّ مكان، معدّة للامتلاء بالحليب. إنهم رعيان البدو. أمام الخيمة الأولى الّتي وصل إليها عجوز جالسة على الأرض وفي حضنها طفل رضيع...

-         السّلام عليكم.

-         والسّلام عليشم[18] ورحمة الله وبرشاته[19].

تفرّست العجوز في وجه يوسف وقيافته مليّاً!

-         جعاد[20]

قالت آمرة.

ارتمى يوسف ارتماءً. لم تطاوعه عضلاته التعبى ليقعد. ارتمى!

وبعد فترة قالت من غير أن تبرح عيناها المتفرّستان وجه يوسف:

-         تريّحت؟

هزّ يوسف برأسه موافقاً، هزّة الموافق على مضض.

-         عطشان؟ الجرّة داخل. الطّاس ها هو. اشرب.

قام يوسف متثاقلاً، لمّ الطّاس. دخل. سكب. شرب. وعاد يرتمي.

-         ايش يكون خطبش[21] يا ابني؟

نظر يوسف إلى وجهها المجعّد، الموشوم، بسرعة، وغضّ بصره.

أحسّت أن في عينيه دمعاً، فعادت تسأل بلهجة آمرة:

-         جلت لش[22] إيش خطبش؟ احشِ.

فسأل مخنوقاً:

-         هل في الديرة مضارب للنّوَر؟ هل مرَّ من هنا، من يومين، ثلاثة... نَوَر؟

فهزّت العجوز رأسها هزّات من أدرك مجمل السرّ، وقالت باللجهة البدويّة ما مؤدّاه:

-         يا ابني، انسحرت؟ سحرتك صبيّة النّوَر؟ ذلك ظاهر عليك. التّعب. القنوط. غبار المسالك البعيدة. لا يتجشّم مثل ذلك إلاّ العشّقان!...

 

نظر يوسف إليها مدهوشاً. لقد كشفت سرّه! فأخبرها، ثمّ راحت تصغي كلّ جارحة فيه إصغاء من ينتظر حكماً بالبراءة أو الإعدام.

 

تابعت.

-         يا ولدي، الذي يتعلّق بصبيّة النّوَر كالّذي يتعلّق بجنّيّة. إذا احتضنها يحتضن الهواء السّارح. إذا شمّها يشمّ شاربيه. إذا كلّمها يكلّم ظلّه. حتّى لو. لو. لو... لو تزوّجها، وقيّدها إليه بالسّلاسل، تنفلت كالماء من بين الأصابع، وتعود إلى أصلها... النّوَر، يا ابني، أولاد الطّرقات التائهة، أولاد المسافات الشّاردة، وأولاد النّهارات واللّيالي. لا تستطيع أن تحصرهم بمطرح. أسألني أنا. رأيت كثيراً وسمعت كثيراً... تسألني عن النّوَر؟ النّوَر يقرؤون في العيون ولا تعصى عليهم علامات الوجوه ورجفات الأبدان. لا بدّ أنّهم أحسّوا بما فيك وبما في قلب صبيّتهم. قلّعوا قبل أوانهم. لن تستطيع اللحاق بهم. لن تجدهم مهما حاولت. صاروا الآن، عبر الفرات، شمالاً... لا تنتظرهم السّنة القادمة ولا الّتي بعدها. دورات ترحّلهم يغيّرونها. يطمسون كلّ أثر لهم إذا ارتأوا ذلك. حتّى لو رجعوا بعد سنين، لن ترجع زهرة معهم. يزوّجونها، يبيعونها، يُهدونها!... يعلم الله كيف تختفي صبيّة النّوَر!... يا ابني قلت لك لا يوجد عاقل يتعلّق بجنّية أو بنوريّة. يا ابني الطّريق الّتي جئت عليها عد عليها...

 

إنّه الإعدام! شعر يوسف بالحبل يشدّ على عنقه، فتحسّس بكفّه بلعومه، ونهض نهوض يائس، وعاد. وصل الوعر عند الغسق. صار يعرف طريق العودة ليلاً، فسرى كئيباً، مستوحشاً، تحطّمه الخيبة، تبلبله الأفكار المضطربة، فلا يهتدي إلى رأي ليستقرّ عليه... كان قد انقضى معظم الليل عندما وصل إلى البيت فلم يجد عمّه قد عاد. تمدّد بثيابه على الحصيرة. نام ولم ينم. طلع النّهار وهو متمدّد منهوكاً، متقرّح الجفون حتّى وصل عمّه عند الظّهيرة.

-         يا عمّي شو قصّتك؟ حيّرت ربّي! كأنّي بعرفك وما بعرفك!

تجلّس يوسف ونظر في وجه عمّه من غير أن يجيب. ورأى عمُّه شحوب وجهه وتقرّح جفنيه فرّق صوته:

-         تشوشرنا[23] عليك يا عمّي! قلّي شو صاير فيك؟ ما كنت هيك!

لم يردّ يوسف. ردّت عيناه بدموع ملأتهما، فارتمى عمّه قاعداً إلى جانبه. وضع يده على كتفه قال:

-         ولو يا يوسف! بتخبّي على عمّك؟ مين أنا ومين أنت؟ يا حيف عَ الرجال! قلّي شو باك؟

-         أنا بطّلت المكاريّة.

-         ليش؟ خير انشالله!

-         ما بقا بدّي اعمل مكاريّ. ما بقا بدّي دير وجهي مشرّق!

-         أوف، أوف... مبارح كنت مستعجل عَ مشرّق! أوّل مبارح كان بلعك نهر مشرّق! هلّق صرت عدوّ مشرّق؟ سبحان الله، مغيّر الأحوال! من شو خايف؟ حدا مقّرب صوبك من المشارقة؟

-         أنا ما بخاف من حدا.

-         طيّب. أنا هيك بعرفك. قلّي شو اللّي غيّرك؟

-         ولا شي... كبّر لي تذكرتي. بدّي أدخل عَ الجيش.

-         والله والله. موّال جديد، ما كان عَ البال ولا عَ الخاطر! قلّي شو اللّي غيّرك؟

-         ولا شي. بدّي فوت عَ الجيش.

-         وبتترك عمّك والبغل يشرّقو ويغرّبو وحدن؟ عَ الحساب ما بتتركني كلّ شي وأنا طيّب؟!

-         عمرك طويل. أنا وين ما كنت ما راح أتركك. معك.

واختنق الإثنان بالدّموع.

 

مضى عام على تطوّع يوسف في الجيش. كان مشغولاً في شؤون الخدمة العسكريّة. كان سعيداً لكنّ جرح الحبّ، في قلبه، لم يندمل. كانت ذكرى زهرة كالملح فيه، كلّما عنّت على باله اكتوى قلبه. لكنّ الحياة المليئة بالعمل والرّفاق ساعدته على التأسّي.

 

ذات يوم ربيعيّ أفاق طروباً وراح يوضّب كيسه استعداداً ليعود في مأذونيّة إلى أهله. ما أن انتهى حتّى نفخ نافخ البوق علامة التّجمّع. لم يكن يوسف قد سحب، بعد، المأذونيّة من مكتب الضّابط. في الاجتماع قرأ قائد الكتيبة بلاغاً يعلن أنّ الكتيبة ستنتقل، بعد يومين، إلى قلعة راشيّا، لترابط هناك، وبالتّالي تلغى المأذونيّات لترتيب الاستعدادات. انقبض صدر يوسف وانعصر قلبه. كان مشتاقاً إلى أهل بيته، إلى ضيعته، وقد وعد نفسه بلقاء قريب!

 

في ليالي الشّتاء القارسة يهدر نهر الليطاني في صخبٍ متواصلٍ، رتيب، اعتاده أهل القرى المتناثرة في السّهل حول الضّفّتين. في النّهار يضيع الصّخب في زحمة الانشغالات اليوميّة لأهل القرى، لكنّ الماء الزخّار يقطع التّواصل فيما بين القرى المتقابلة على الضّفّتين، إلاّ إذا دعت الضّرورات القاهرة إلى ركوب السيّارات النّادرة في تلك الأيّام. أمّا في الرّبيع فيجري النّهر أزرق، ليّناً، منشداً أنشودته المؤنسة، في وسط سجّادة خضراء، زاهية، مترامية الأطراف، مزركشة بألوان الأزهار، تمتدّ بين بعلبك ومرجعيون. في هذا الفصل ينشط التّواصل فيما بين القرى بواسطة أطواف[24] مشدودة إلى الضّفّتين بحبال أربعة متراخية. وأكثر ما كان يتمّ التّزاور ففي نهارات الآحاد البهيّجة التي يرتاح فيها مزارعو السّهل الخصيب إذ يجتمعون في لقاءات يغمرها الأنس حول ولائم، أو احتساء الشاي ولعب الورق ولا سيّما لعبة "الليخة"...

 

ذات أحد من أيّار أقلّت سيارة عسكريّة يوسف من راشيّا، وكانت في طريقها إلى بيروت، عبر بلدة جب جنّين حيث نزل يوسف قاصداً زميلاً له، جنديّاً، يمضي مأذونيّته في قريته "المرج" المقابلة، عبر النّهر. نزل، سيراً على قدميه، في سابلة معروفة. وصل إلى النهر... كان صبيّ، في سنّ المراهقة، على الطّوف، يشدّ الحبل فيتهادى الطّوف به صوب الضّفّة الغربيّة للنهر. وقف يوسف منتظراً وصول الصّبيّ إلى اليابسة، فيشد الطّوف إليه ويعبر بدوره. كاد الصّبيّ يصل إلى المياه الضّحلة فجذب الحبل بنتعة أخيرة ليستقرّ على شبه اليبس فانقطع الحبل، وكان عتيقاً، فدفع الماء الطّوف إلى وسط النّهر بقوّة عاكستها قوّة الجذب في الحبال الثّلاثة الأخرى المشدودة إلى الطّوف، فانقلب، وانقذف الصّبيّ على بعد أمتارٍ وسط اللجّة الّتي جرفته، فأسرع يوسف، بسرعته المعهودة، يلاقيه في اتّجاه المجرى، حيث كان الصّبيّ قد استعاد توازنه، وسبح باتجاه الضّفّة حيث لاقاه يوسف، وأمسك بيمناه غصناً كبيراً متدلّياً من الصّفصاف فوق الماء، ومدّ اليسرى إلى الصّبيّ ليسحبه. أخذ الصّبيّ يد يوسف وشدّ عليها فجذبه يوسف بقوّة، فانقصف الغصن الّذي كان ممسكاً به، فهوى إلى النّهر وقد أصابه الغصن المكسور على رأسه، فوق الأذن. سقط يوسف في الماء فاقداً وعيه، وخلص الصّبيّ الّذي صعد إلى اليابسة، وهو ينظر إلى النّجيع القاني يختلط بالماء الّذي يجرف يوسف مرّة تحته ومرّة فوقه، والصّبّي المذعور يصرخ ويستغيث راكضاً بثيابه المنقوعة، بمحاذاة النّهر، ينظر إلى السّهل خلفه، وإلى الماء أمامه، يشير بيديه ولا يجرؤ على النّزول إلى الماء. وتراكض رعيان الضأن، السّارحين قريباً، على صوت الاستغاثة، واندفع سبّاحون منهم إلى الماء، فانتشلوا يوسف الذي انتفخ بطنه وازرقّ وجهه! قلبوه على وجهه، ورفعوا رجليه فاندفق الماء من فمه، واختلط بالدّم النّازف من رأسه. ضغطوا صدره في محاولة إنعاش اصطناعيّ فلم يستجب...

 

فارق يوسف الحياة، لكنّه بدا، وهو ممدّد على العشب الأخضر، بين النّرجس البرّي العطر، وكأنه يرسم على شفتيه شبه ابتسامة أخيرة.

 


[1] - الجفلة من الخوف، عامية سريانية.

[2] - مفردها منزول، وهي غرفة واسعة لوجوه القرى يجهزونها ويخصّصونها لأبناء السبيل يوم لم تكن هناك فنادق.

[3] - الشديد القوي، لعلّها معرّبة لفظة athlθte . وفي الفصحى: العتليت: الشديد من كل شيء.

[4] - المفرد شقفة، وهي القطعة الصغيرة. عامّية سريانية.

[5] - مفردها شقبان، وهو قطعة قماش كبيرة تطوى لتصبح كيساً أو جيباً كبيراً يربط على الكتب ويتدلّى على الظهر أو البطن يحمل فيه الفلاح الحشيش والمطفل طفلها، فصيحها: شكبان.

[6] - القنفذ له ريش طويل قاسٍ مدبب كالحراب لا تقتحمه الوحوش ولا الكلاب. لكن للنور طريقة في تدريب الكلاب على مطاردته حتى أعماق وكره وقتله.

[7] - عندما يغضب واحدنا ويخرج عن تهذيبه يقول: "فار عندي حليب النور".

[8] - يسمّى النور في منطقتنا "مطاربة". ذلك لانشغالهم الدائم في العزف والغناء.

[9] - قاعدة على بطّتيها، غير متمكّنة في قعدتها. عاميّة.

[10] - نوع من البقلة المعروفة، لها خصائص طبّية، مليّنة، تطبخ وتؤكل.

[11] - طائر صغير طويل الذنب يخفضه بتوتّر. يسكع به فسمّى لذلك باسمه. رمادي الريش مع زرقة وصفرة في الجناحين. يصطاد على ضفاف الماء وفيما بين الحيوانات.

[12] - بان. ظهر. عاميّة سريانية.

[13] - في لغة المكارين يسوّي رأس الخشبة بكعبها من حيث الثخانة حتى تركب عند الطرفين، في السقف بشكل مستوٍ.

[14] - تصغير نتفة بالعامّية وهو الشيء القليل القليل.

[15] - الزبون هو العميل الدائم في تجارة أو غيرها. سريانية.

[16] - وضع له العليق، أي التبن والشعير، في مخلاة يعلقها في رأسه.

[17] - أي مجموعتين كل مجموعة إلى جانب من ظهر البغل.

[18] في اللهجة البدوية يلفظ البدو الكاف شيناً والقاف جيماً.

            سنعتمد هذا الإبدال كلما ورد الكلام على لسان البدوّية.

[19] الكاف شيناً والقاف جيماً.

[20] الجيم مبدوله من القاف.

[21] الشين هنا مبدوله من الكاف كما سبق وأشرنا.

[22] الشين هنا مبدوله من الكاف كما سبق وأشرنا.

[23] - اضطربنا. عاميّة. الأصل في الفصحى تشوّش.

[24] - لا يقبل متطوّعاً في الجيش إلا من صار عمره ثمانية عشرة سنة. يوسف لم يبلغ الثامنة عشرة لذلك يطلب تكبير سنّه.

 

Electronic Edition designed by Webmaster Elie Abboud

All Rights Reserved


back to Zilal el Ams