back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

 

ردّ التّحـدّي

 

نادر البازيّ ونادر العبيديّ، كانا شيخي بلدتنا. اقتسماها، بخيراتها، قاطعَين، يفصل بينهما مجرى ماءٍ شتويّ. وقسما ناسها، بعائلاتهم، حزبين مرصودين بعداء موروث، لا هوادة فيه ولا هدنة! يقوى حزب الواحد، منهما، ويتغلّب بمقدار ما يأتيه من دعم خارجيّ يمدّه به فريق كبير يقيم نفوذه، خارج البلدة، عبر مشاعاتها. أحدهما فريق الأغوات، يتنفّذ جهة الغرب، ويدعم حزب الشّيخ نادر العبيديّ. يقابله فريق البكوات الّذي يقيم نفوذه عبر المروج، إلى الجهة الأخرى من البلدة، ويدعم الشّيخ نادر البازيّ.

 

يتخاصم فريقا البكوات والأغوات على اقتسام النّفوذ في القرى المنتشرة في أنحاء السّنجق[1]، وعلى الاستئثار بالتزام تحصيل أموال الخراج[2] لصالح خزينة الدّولة العليّة العثمانيّة، العامرة بأموال "القُوْل" أي عبيد السّلطان، المنتشرين، كحشرات الرّبيع، على الأراضي الخصيبة في الولايات، يفجّرون الخيرات، ويدفعون بها إلى وكلاء الدولة العليّة ضرائب بأسماءٍ عدّة، غير حسنى، ثمّ ينطوون على بطونهم الجائعة، في أكواخهم العفنة، يدعون الله لينصر السّلطان.

 

بلدتنا كانت كبرى البلدات والقرى في السّنجق، والأكثر دفعاً لضرائب الدّولة العليّة. سكن كثيف. مراعٍ شاسعة. غابات غنيّة. زراعات منوّعة، وأهمّها التّوت الّذي يوفّر القزّ لكراخينها[3] العديدة، تحلّه الصّبايا، على الدّواليب، خيوط حرير تنشر الرّخاء في بيوت البلدة...

 

والرّخاء له رائحة جاذبة كرائحة الشّواء، تستدعي الذّئاب. وذئاب الدّولة العليّة موظّفوها؛ وعملاؤهم من متنفّذي وجهاء القرى، يقلّبون لهم الشّواء على نيران النّزاعات الأهليّة.

 

الشّيخ نادر العبيديّ، حليف البكوات، عاشق وجاهة. جاءته على غير موعد: مات ربّها من غير وريث، اختلف العشّاق، اقتنص أسياده الفرصة، أعفوه من رعاية طروشهم في البراري، أنزلوه إلى البلدة يرعى حزبهم سعيداً.

 

الشّيخ نادر البازيّ، وارث وجاهة، ووارث صداقة الأغوات. إذْ هو شبعان بما ادّخر، دفعها إليه أشقاؤه ليمضوا، هم، في لهوهم من صيد وشرب وملذّات أخرى... فقبلها على مضض.

 

الشّيخ العبيديّ خيّال، اقتنى من الأفراس، بعد حدوث نعمته، أكرمها. فرسه العبيّة عربيّة أصيلة، صهباء جميلة. كانت بنت ريح، تسبق كلّ خيول النّاحية، حتّى خيول البكوات والأغوات.

 

الشّيخ البازيّ لا يحبّ الخيول، ولا يقتنيها. يرى فيها مهلكة مال. لكنّه يحبّ الأبقار، ويقتني منها واحدة، الكحلاء. بلديّة، سخيّة، صاحبة صيت!... يوم لم تكن الهولنديّات والدنماركيّات قد شرّفن ديارنا، كانت الكحلاء تحلب أربعة أرطال، بينما تقصّر أفضل البلديّات عن ثلاثة!

كان يحبّها ويكرّمها، وكان الفلاّحون، في كلّ النّاحية، يطمعون بابنة من بناتها.

 

الشّيخ العبيديّ نهّاب وهّاب. يستحلّ مال أبناء السّبيل، وعقار الأرملة، ووقف الدّير. يضع يده على الطّروش الشّاردة أو الضّالّة. يصادر المعزى، رعت زرعه أم قاربته وجانبته، فيذبح منها ويولم أو يهدي ويبذّر. يحبّ تجارة الأراضي، يشتري، مقدّماً دفعة على الحساب. ثمّ يماطل ولا يدفع. يبيع ممّا لا يقتنى ويثبّت بالقوّة ما اشترى... فاشتهر بالكرم!

 

الشّيخ البازيّ حسّاب كسّاب، يبزّ جدّه الفينيقيّ في تدبير القروش. يتاجر ويرابي. يشارك الفلاّحين على أراضيه مناصفة ومرابعة، وعلى الماشية، بالرّأس والأمّيّة[4]، ويضمّن التّوت والعشب والثّمر. يأخذ حقّه ولا يسامح. يعطي حقّاً ولا يبحبح. يديّن بالفايظ[5] فكّاً لضيق، وليس رغبة بالكسب كما يدّعي، وعلى قاعدة "مين صبرك قنّاك"[6] ... فاشتهر بالبخل.

 

الحرب بين النّادرين كادت أن تكون سجالاً. طابعها التّحدّي. يخوضها، معهما، حزباهما، بحماسةٍ، من غيرأن يعرفا أسبابها المباشرة...

على قاعدة هذه المواجهات، كان يتحكّم في مجتمع بلدتنا نظام سلوكيّات، كان يراه النّاس طبيعيّاً، فقبلوه، وارتضوا أضراره، من غير أن يفكّروا في التّغيير.

 

مَن يغيّر نظام السّلوكيّات؟

في بلدتنا لم يكن أحد يسأل مثل هذا السّؤال!

وقتذاك، لم يكن زمن أسئلة! كان زمن الأجوبة!

 

وكان التّحدّي قاعدة السّلوك الذّهبيّة، لا يخلّ بها النّادران ولو عادت على المبادر منهما خسارة أو نكداً. وكلّما قام التّحدّي على استعراض القوّة أو احتساب العزوة، أو إنزال الإحراج بالخصم، كان الواحد منهما أعزّ في نظر محازبيه، وكان مثار حماستهم وتعلّقهم به... فإذا جاء البازيّ، في موسم من مواسم الفلاحة، بخمسة او ستّة من أزواج بقر زبائنه، تفلح أرضه الخاصّة الّتي لا يشاركه في استغلالها الفلاّحون، مقابل علفات وإكراميّات، يردّ عليه العبيديّ باستقدام سبعة أزواج أو ثمانية من شركائه يزايد في إكرامهم، فيترك لهم حصصاً ممّا جنته أيديهم وعرق الجبين: سمن وتبن، توت وشوفان، نصف عجلة أو عنزة بالأميّة، بورة او شكارة...

 

وكان الفلاّحون، من كلا الفريقين، شاكرين حامدين، مغبوطين سعداء، يلهب التّحدّي أحاسيسهم، وتشدّد روح الفريق من انتمائهم. يغنّون، وهم يعملون سخرة في أرض السّيّدين، العتابا والميجانا. يغالبون بالغناء شمس نهارهم  الحارقة، وبمواويلهم الهاجية، المعرّضة بنظرائهم في الفريق الآخر، كانوا يتناسون عرق أجسادهم المنهكة، ووحول أقدامهم شبه الحافية، وتعمى عينهم عن هزال عجولهم وعطشها... على أنّهم والحقّ يقال، كانوا يحشمون ألسنتهم، فلا يتعرّّضون، في أهاجيهم، إلى شخص الزّعيم، لأنّ شرف الشّيخ، أيّاً كان، مصان، يأبى النّاموس أن يتجرّأ عليه فلاّح... لكنّ الشّيخ يتعرّض لشرف ندّه الشّيخ ولا يأنف، يطلق عليه الشّائعات... ويتناقل  الزّبن ما يؤدَّى إليهم، يقولون: سمعنا في المحضر، والمحضر منزول الشّيخ، يسهرون فيه كلّ ليلة. يقولون الشّيخ العبيديّ "مزوبن" فلانة. الشّيخ البازي "أكل" نصف بقرة على شريكه فلان... العبيديّ "نَجَر"[7] كنّته فهجرت إلى بيت أبيها. زلم العبيديّ سرقوا قنّ الدّجاج الّذي لفلان. البازيّ أرسل مواشيه، فرعت، في اللّيل، زرع فلان. الشّيخ برطل. الشّيخ ضرب. الشّيخ شلّح. الشّيخ، الشّيخ...

 

ويهدّد العبيديّ: لولا الشّهامة لكنت جعلت البازيّ يتخّ في الحبس...

ويردّ البازي: اسمعوا مين يهدّد؟ هو إذا شلح عليّ علّيقة لا تعلّق. أنا إذا شلحت عليه قنّينة تعلّق.

تهم متبادلة، وتهم متداولة. لكن لا شيء يثبت، ولا يدان أيّ من الشّيخين! مع ذلك، أخمام الدّجاج تسرق، وتسرق جداء من القطعان. زروع ترعى ليلاً، ونصوب تكسر، وحقوق تضيع... أمّا الضّحايا فالفلاّحون. وامّا الجناة فمجهولون!

 

*    *    *

وكان يوم ربيعيّ، رائع الصّحو، غاب فيه نادر البازيّ، مع عائلته، عن البلدة، يشارك في فرح ابن صديق له، يسكن في قرية مجاورة...

 

وأخرج الأجير الكحلاء. ربطها في ظلّ الجوزة الوارفة، إلى جانب الزّريبة، لتشمّ هواءً طريّاً يهبّ عبر التّلال، ومضى لبعض شأنه. شمّت الكحلاء الأوكسيجين الجديد، فانتعش فيها العزم البقريّ. جاءها نداء المراعي الخضراء، فخارت بصوتٍ مستطيل تلبّي النّداء. نتعت الرّباط، فانقطع، فمشت باتّجاه الحقول، تغويها الأعشاب الوليدة. في القرية المجاورة كان نادر البازيّ يدبك في عرس ابن صديقه. وكانت زوجته تزغرد... في بلدتنا كان العرس عرس الكحلاء. انقسم فيه الدّبّيكة فرقتين، شاكّي السّلاح، متأهّبين ينتظرون انطلاقة الشّرارة تعلن الحرب.

 

مشت الكحلاء صوب الحقول، حرّة، سعيدة، متمهّلة، مرفوعة الرّأس، تفتح منخريها الواسعين، تنظر ذات اليمين وذات الشّمال، وتلفّط[8] بذنبها جنب اليمين وجنب الشّمال، تطرد الذّباب... واختارت الكحلاء لسوء حظّها، حقلة واسعة، ينداح فيها الاخضرار متموّجاً على هبوب النّسيم. وفوق البسط الخضر تتوهّج شقائق النّعمان الحمراء، وتبتسم أزاهير الأقحوان البيضاء... كانت الحقلة، لسوء الحظّ، ملكاً للشّيخ نادر العبيديّ، مشهورة بخصبها، معروفة باسمها: الجفتليك[9]... وسرعان ما وصل الخبر إلى العبيديّ، فأرسل، على الفور، أزلامه ليأسروا البقرة الجانية.

 

شاع الخبر في أنحاء البلدة، فحبس النّاس أنفاسهم متوجّسين، ينتظرون عودة نادر البازيّ، ويتكهّنون بمسارات الحدث.

 

وصل البازيّ عند العصر. لاقاه الأجير باكياً:

-         أيش في؟

-         الكحلا...

-         إي، الكحلا!؟

-         الكحلا. الكحلا قطعت رباطها، رعت الجفتليك، كمشها العبيديّ!...

 

صفّق البازيّ كفّاً بكفّ. دخل البيت صارخاً. مفجّراً غضباً يزلزله:

-         وين رحت...

-         كيف تركت...

-         مين قلّك...

-         ليش عملت...

-         عَ وين وصّلتنا...

لكن، قد فات الأوان ووقع الشّرّ. أطرق البازيّ ملتهباً قلبه، متجمّداً عقله، معقوداً لسانه، ينتظر مبادرة العبيديّ.

 

سريعاً جاء الرّسول ومعه الكحلاء. توجّهت الكحلاء إلى الزّريبة، وتكلّم الرّسول بأدب، قال:

-         معلّمي بيسلّم عليك. بيقلّك: هيدي عثملّيّة دهب، اشتري فيها رسن لبقرتك حتّى ما تعود ترعى رزق النّاس.

 

وقع كلام الرّسول طعنة ثاقبة في قلب البازيّ فاشتعل صدره بالألم، وامتدّ الألم صعوداً إلى العنق فكاد يختنق. انتفض ذهنه، شرقط سريعاً تحت وقع المفاجأة الأليمة. مدّ يده بعصبيّة إلى الرّسول، تناول العثملّيّة الذّهبيّة من يده، وأشار إليه:

-         تفضّل، اجلس.

وخرج إلى الزّريبة حيث الأجير يعدّ عشاء الكحلاء، فأمره:

-         عجّل إلى بو يوسف الجزّار، ليأتِ فوراً ومعه سكّين مسنونةّ.

 

جاء الجزّار ومعه سكّين مسنونة:

-         أأمر يا شيخ!

-         اذبح الكحلاء واسلخها بسرعة.

-         كيف؟

-         اذبح الكحلاء.

-         لكنّها الكحلاء!

-         أعرف. أنا صاحبها. اذبح، أنت لك أجرك.

ذبح الجزّار الكحلاء وسلخ جلدها...

 

كان الرّسول ينتظر جالساً على الدّشك، يشرب القهوة ويتتّن[10]...

 

البازيّة، زوجة البازيّ، في مخدعها تنوح...

 

أنهى الجزّار عمله، فجاء البازيّ بقطعة كبيرة من الخام الأبيض النّظيف، أعطاها للجزّار وأمره:

-         اقطع قرمة[11] الفخذ، ولفّها في هذه، والحقني.

 

دخل الجزّار، وراء البازيّ، إلى غرفة الجلوس يحمل اللّحم الطّازج... ومدّ البازيّ يده "بالعثملّيّة"[12] الذّهبيّة، يعيدها إلى الرّسول، وقال:

-         ردّها إلى معلّمك. لم يعد لدينا بقرة لنشتري لها رسناً. وهذا الفخذ من لحم الكحلا هديّة له. ليتعشَّ اللّيلة على حسابي.

 

لقد ردّ البازيّ التّحدّي.

 


[1] السّنجق= العلم. اللواء وكانت تطلق على الوحدة الإداريّة الّتي تساوي القضاء تركيّة

[2] الضريبة على الأرض الزراعيّة

[3] المفرد كرخانة. كر = خيط. خانة = غرفة. المعنى معمل خيوط الحرير. تركيّة

[4] نوع من الشراكة على الحيوان بين مالك ومربٍّ

[5] الفائدة. عامّيّة

[6] جعلك تعتني

[7] ضرب بالعصا. استعارة شعبيّة من حركة النجارة بالفأس 

[8] تلفّط: لفّط أي أمال يمنة ويسرة. عامّيّة

[9] مساحة يحرثها فدّانان في النّهار. تركيّة

[10] يدخّن. تُتُن: تبغ. تركيّة

[11] أصل الفخذ

[12]  وحدة النّقد العثمانيّ

 

Electronic Edition designed by Webmaster Elie Abboud

All Rights Reserved

back to Zilal el Ams