back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

 

"لمَن تُقرَع الأجراس"

 

أدركته في سبعيناته. عرفت أخباره منذ عرفت أن أصغي، وأن تسجّل ذاكرتي ما حلا في سمعي من أحاديث، وما انطبع في نفسي من أحداث.

عمّي طنّوس يوسف نادر حاكمة قديح. اسمه، كاملاً، كما في سجلّ عماده. هو نسيب بعيد لأبي. أناديه: عمّي. وينادونه : بو يوسف.

مربوع القامة. مهيب. كقاعدة تمثال. أشيب الشّاربين المعقوفين. أجعد الوجه. صارم ما بين الحاجبين وما حول الفم. مزمزم جلد المحجرين. أصفر العينين، صغيرهما. تنقلب أجفانه إلى فوق وإلى تحت، فكأنّه ينظر من شقّين... لم أره مرّة حاسر الرّأس. يلفّه بشال صوفيّ صيفاً شتاءً.

 

وعمّي طنّوس مشهور بمهنته، متميّز بطباعه الغريبة: مهنته الدّائمة "مقالعجيّ". لمهدّته في مشاعات البلدة مقتلات صخور، وفي البيوت الكثيرة حجارة قطيعات شاقوفه. أمّا مهنته الموسميّة فحصّاد لا يناظره حصّاد. يترابطه أصحاب الزّرع منذ تسنبل الحقول في الرّبيع، لما في ضميره من حرّيّة، وفي زنده من عزم، وفي منجله من مضاء.

من طباع عمّي طنّوس الجرأة السّاخرة. مباده حتّى التهوّر.يتصرّف بما هو خارج عن المألوف، فيدهش، ويترك عبراً باقيات على الزّمن!...

ومن طباعه، أيضاً، القدرة على احتمال الألم، والصّبر العجيب: على التّعب، على العطش، على الجوع، على صروف القدر، على غلاظة النّاس! وعلى امرأته!...

 

كان أوّل من يصل المقلع صبحاً، وآخر مَن يغادر مساءً. ومع ذلك كان يتحامل عليه أصحاب الورش. يبتزّونه... يوم "دقرة"[1] بو نجيب بكّر كعادته، واستمرّ بعد فكّة الفعلة عند العصر. استغلّ 

الفرصة بو نجيب البخيل الطّمّاع: قال:

-         لي غرض في السّاحة (حيث سوق البلدة). ريثما تكون، يا "بو يوسف"، انتهيت من تكسير "الدقرة"، أكون قد عدت.

 

ومضى بو نجيب مسرعاً، لا يلتفت إلى الوراء، لا يريد أن يسمع، لا يريد أن تلتقي عيناه عيني بو يوسف، يستحييه ليضمن بقاءه حتّى العتمة!... وحتّى إذا ما انتهى من تكسير الدقرة، يكون بو نجيب قد وفّر أجر يوم عمل إضافيّ...

استقام أبو يوسف، أرخى "المخل"[2] من يده، ونظر إلى ظهر بو نجيب الّذي ابتعد مهرولاً. صاح!:

-         خيّي بو نجيب. خيّي بو نجيب!

التفت بو نجيب. ردّ ببعض الحدّة:

-         أمر!؟

-         عمال معروف. جبلي معك، من عند غصن، عقدة حبل "عصفوريّ[3]".

-         عقدة حبل عصفوريّ!؟

-         نعمْ مـْ مـْ مْ!

-         شو إلك فيها؟ بدّك تفتح دكّان حبال!؟

-         لأ. بدّي أربط الشّمس حتّى ما تغيب قبل ما تخلص دقرتك!

ابتسم بو نجيب، خائباً. قال، وهو يعود، وقد بطل أن تكون له حاجة في السّاحة:

-         يلعن شيطانك! بدّك تروح؟ إي معليش. منكفّيها بكرا. وبتعمّر "المعبور"[4] كمان. 

*    *    *

مَنْ، ابن امراة، ليس له صليب يثقل منكبيه؟!... صليب عمّي طنّوس، بل صليب عائلته، كان امرأته نجمة! كان لنجمة سطوة غريبة عليه! يهابها، يذعن ذليلاً أمام تسلّطها، يسكت مدحوراً أمام سلطتها. ما كان سرّ سطوتها عليه؟! هي نجمة، " لا حسان، ولا لسان، ولا طيز ناعمة"!، كما كان يمثّل أهل الحيّ مبهوتين... وجه نجمة قرص كبير مفلطح باهت البياض في بعض اصفرار، على جسد بدين مترهّل. رخوة المفاصل، فكأنّها شبه كسيحة! لكن صوتها قويّ صدّاع. نفسها متطلّبة ملحاح. عدائيّة، لا تتوانى عن شتمه إذا قصّر في خدمتها، ولو عن غير قصد. أمّه "حاكمه" هدف شتائمها.

 

كان عمّي طنّوس يسكن "هاك القاطع". يفصل بين الحيّين المتقابلين زقاق اسمه "التّاروع"[5]. في الشّتاء، إذْ تغزر الأمطار، يدفع الوادي بحمولته، ينشرها في التّاروع، فيعلو الماء إلى ما تحت ركبة الرّجل بقليل، فلا يعبر العابر إلاً على دابّة او تبتلّ رجلاه...

 

وكان دأب نجمة أن تسهر كلّ ليلة في حيّنا حيث أهلها وأقرباؤها، أظلمت اللّيالي أم أقمرت، صحت السّماء أم امطرت! تقول اللّيلة السّهرة في بيت فلان. على الفور يعمد طنّوس إلى الفانوس، يتفقّد زيته، يجرّي فتيلته، يجزّ فحمته. إذا قالت نجمة اللّيلة السهرة... فالقول قولها، وليس على طنّوس إلاّ التّأهّب والانصياع... ليس في الفانوس زيت...، ليس في البيت كاز؟. هذا ليس شغلها. هذا شغل طنّوس. ليتدبّر حاله!... لذلك، طنّوس، دوماً، مستعدّ. يعرف شغله، يحسب كلّ الحسابات. حتّى "الكواكيش"[6] من "اللّقش"[7]، يعدّها طنّوس منذ الصّيف. يشعل طرف الكاكوش، يهزّه أمامه في الهواء فيتلظّى، فيمضي وإلى جانبه نجمة تسير على نور. في أيّام الصّحو. في أيّام المطر!؟ يستعين طنّوس بلهيب "الكاكوش" ليتبيّن مواطىء قدميه. إمّا يطفىء المطر جانبه، يدارِه بجزعه المنحني، يقلّبه وجهاً لظهر، ليعاود اشتعاله طارداً بلل الوجه الآخر، بينما نجمة على ظهر طنّوس يخوض بها المجاري والوحول، وهي مرتاحة. في التّاروع، إذ يطمو، يخلع طنّوس نعليه، يحملهما، يشمّر، يركّب نجمة ظهره، ويخوض في الماء. تتراخى مفاصل نجمة، فتتمدّد على ظهره، تكاد رجلاها تلامسان الماء، فتنهره شاتمة:

-                     رايحة أطمس! ارفعني! يحرق دين بزاز أمّك "المطوطحة.[8]"

يرفعها طنّوس ما استطاع، يمضي وكأنّ لم تطرق أذنيه شتيمة.

 

في أواخر أيّام نجمة، وقد ذهب بصرها، وثقل سمعها، أقعدها مرض، عطّل حواسّها إلاّ الحنجرة. عصا علاجه فرست في "تختها"[9] العتيق. صار طنّوس ممرّضها وخادمها وكافي حاجاتها... لكنّها بقيت على عادتها: نقـّاقة، متطلّبة، ملحاح، لا تتعب من إزجاء الطّلب غبّ الطلب، ودائماً غير معجبة بطنّوس: يا طنّوس خود، يا طنّوس روح، يا طنّوس تعا. يا طنّوس وين صرت؟ يا طنّوس! يحرق دين طنّوس. ويا طنّوس. ويا طنّوس...

وتكلّم نفسها بصوتها العالي، إيّاه: " طنّوس، قال طنّوس! يا عمّي وَيْن في مَرَة تجوّزت زلمي اسمو طنّوس، وسعدت؟! وليْـ يـْ يـْ ـه على حظّك الأسود يا نجمة"...

 

وكان عمّي طنّوس يحتمل النّقّ ما  استطاع عبد مامور أن يلبّي طلبات امرأة، فكيف إذا كانت ذات خصال؟! " ويا ويلي من النّسوان"!

يهزّ طنّوس برأسه من غير أن يفصح! لم يكن طبع نجمة النّكد يلطع زوجها فحسب، بل ابنتيها ووحيدها... دفعت الابنتين إلى الزّواج مبكّرتين، فكانت زيجتاهما مسكينتين. أمّا الصّبيّ الوحيد، يوسف، "فطفش"[10] من البيت، ثمّ تطوّع في الجيش. لكنّهّ وقد توزّعت تربيته، هو الصّبيّ الوحيد، بين نهجين متناقضين: تدليل أب حنون، وتلذيع لسان أمّ سليط، غادر العشّ ومرابع الصّبا غير آسف، غير حامل سوى حامض الذّكرى، وسوى الاشفاق على أب ليس برأس امرأته، بسيّد عائلته.

 

غاب يوسف... كان يمضّي مأذونيّاته في ملاهي بيروت، ويبدّد شهريّاته على الملذّات! لم يعد يذكر أهله بخير أم بشرّ! بل بشرّ، لأنّه هو الوحيد، انقطع عنهما وكأنّه مولود من حيط، كما يقولون، ولا سيّما عندما نقل قيد نفوسه إلى مكان آخر من البلاد، وتزوّج غريبة،أبنى ونشأ أبناؤه لا يعرفون أهل بيتهم، ولا أهل بيتهم يعرفونهم! صاروا غرباء!... كان حظّ أبو يوسف أن يذعن لحظّه! كان يبدو مرتاحاً في استسلامه لقدره. يحيا غير عابىء إلاّ ليومه. لكنّ صرامةً في وجهه، وكآبة في عينيه، وانكساراً في صوته، كلّه يدلّ على أنّ في قلبه جرحاً عميقاً يأبى أن يندمل! ويأبى أن يظهر أمام العيون!

 

ثقلت الحياة كثيراً على بو يوسف بعد هجران يوسف ذلك الهجر القتّال، وبعد أن انقطع، لشيخوخته، عن العمل المأجور، وبعد أن رست نجمة تلك الرّسوة اليائسة! بقي له الكرم، وبقعة أرض "سليخ"[11] وبقرة ودجاجات، يتبلّغ بما تتنتّج  هذه على إمساك الرّمق! والغابة، ملك النّاس المباح توفّر له أحطابها ليدفع بها قرسات برد الشّتاء.

 

كان بو يوسف يبادر نجمة، في وضعه ذاك، بما ملكت يداه. وممّا ملكت يداه تلك الحكمة الغريبة، حكمة الحيّات! كان يستعين على معاقرة ألمه بالتّدخين، كلذّةٍ تهوّن التّباريح، يهرب إليها. كان يعشق نَفَس الغليون! يحبّ أن يسحبه في سكينة واسترخاء وفي مكانين يقصّر عن اختيارهما ذو غرابة وخيال... المكان الأوّل الأثير لديه: قبوة المطحنة... يعود من الغابة حوالي التّاسعة صباحاً، يحمل على ظهره شقعة الحطب. يصل قبالة الطّاحون، ينزل حمله على حائط البستان، وينحدر في شُرَيْك بين العلّيق والدّفلى، تسلكه المعزى إلى النّهر، يجتاز النّهر صاعداً إلى القبوة. هناك، في الظّلّ والنّداوة، يفتح "الضّبوة"[12]، ويكبس الغليون الفخّاريّ بالتّتن، ويسحب النّفس تلو النّفس متلذّذاً خلال ساعةٍ هنيئة، يشغل سمعه الهدير، وتحجبه الظّلال...

 

ولمّا كانت نجمة لا تترك له لحظة سكون واسترخاء، طالما هو في جوارها، يتظاهر بأنّه خارج لشأنٍ في الكرم المجاور للبيت. يحرّك الباب، ثمّ يردّه من غير قفل. وإنّما يردّ الباب ليمنع دخول الدّجاج لئلاّ يملأ باحة البيت بمصعه. والأهمّ، منعاً لتطفّل زائر!

 

عندها، يحبو إلى تحت الدّشك[13]، ينتحي الزّاوية، ويبدأ بتدخين غليونه آمناً نقيق نجمة، مستقيلاً من كلّ همّ، منصرفاً إلى لحظته. جاء، مرّة، عبّود ابن الجيران، في حاجة. الباب مردود. نادى:

-         عمّي طنّوووووووس! يا عمّي طنّوس

جاءه صوت نجمة من الدّاخل:

-                     فوت يا حبيبي فوت. الباب مردود ردّ.

ثمّ وهي تهوّل بيدها، كأنّ الدّجاج يجتمع على الباب: كشّ

-         ما في دجاج يا عمّتي. مقفقف بالفيّ عَ الحيط... وين عمّي طنّوس؟

-         قعود. عمّك طنّوس بالكرم. ما بقى إلاّ يوصل.

جلس عبّود على الدّشك ينتظر عمّه طنّوس. لاحظ جوّ البيت أغبش أغبر! رائحة تتن! تنبّه. خيط رفيع يخرج من بين رجليه، ويصعد مستعرضاً متلوّياً وينتشر!... قبّ السّتارة، يستطلع ما تحت الدَّشَك؟!

ما كاد يفتح فمه حتّى راحت سبّابة عمّه طنّوس المتّكىء، كنبيل رومانيّ على تخت لذّته، تروح وتجيء إلى شفتيه أن: اسكت، اسكت...

استقام عبّود في جلسته وسكت. بعد قليل صاح:

-         بخاطرك يا أم يوسف. طوّل عمّي طنّوس.

-         ليش أنت قعدت؟ هلّق وصلت؟ قعود. شوي وبيوصل.

-         معليش. ببقى أرجع.

خرج عبّود يتمتم:

-         إي والله يا عمّي طنّوس. معك حقّ.

 وضاحكاً بسخرية حائرة:

-         وين ما كان ما في حقّ. الحقّ تحت الدّشك؟!

-         ماذا كان يعني عبّود؟!

 

عبّود كان يشير إلى حادثة عمر بو يوسف، والّتي هزّت البلدة وضيع الجوار، وتندّر بها النّاس زمناً، ولا تزال الأجيال تذكرها من غير أن تعرف بطلها أو أن تذكر اسمه... كان ذلك في غمرة الانتداب الفرنسيّ على لبنان، في العشرينات من القرن العشرين... 

خرجت النّاس، مَن فَضَلَ من النّاس، من الحرب العالميّة الأولى منهوكةً، مصدّعاً بنيان اجتماعها: قتل الجوع مَن قتل. هفي من شرّده "السّفر برلك"[14]. أباد الهوا الأصفر من أباد. هاجر من الأبناء من هاجر. وجرّد الجراد ما اخضرّ وأزهر! فما من عائلة إلاّ وتعاني من فقر وحرمان ومرض وهزال وثكل ويتم وفراق! وكي تكون حكومة الانتداب مهضومة في عيون النّاس، أرسلت كمّيّات من أغذية: سكّر، أرزّ، طحين... يوزّعها المخاتير لقاء قروش قليلة للحصّة، أكلاف نقلها. 

في تلك الأثناء كان بو يوسف في الغابة يسهر على مشحرة. تأخّر أيّاماً. عاد عصر السّبت...

قالت له نجمة:

-         وزّعوا الأعاشة. ما عطيونا!

-         كيـ يــ ف؟

-         إي. وزّعوا. ما عطيونا!

-         ليش؟

-         ما بعرف

-         ما بيصير!

-         صار

سأل الجيران، قالوا: جاءت إعاشة وفرّقوها. أنت كنت غايب. تأخّرت...

-         الغايب حقّو ضايع؟!

-         الحاضر عنزتو بتخلّف اتنين

-         ما بدّي اتنين. بدّي حقّي، متلي متل كلّ النّاس!

-         راجع المختار

ذهب إلى المختار مهتاجاً:

-         حصّتي من الإعاشة؟

-         والله ما بقي يا بو يوسف!

-         ليش؟ أنا ماني من هالضّيعة؟ ما إلي حقّ متلي متل غيري؟

-         بلى

-         فإذاً اعطيني حصّتي من الإعاشة

-         ما بقي.

-         بدّي حقّي.

-         أنت غبت كتير. "غفّت"[15] النّاس عَ الإعاشة متل الدّياب. تخاطفوها. ما بقي ولا نتفه.

ورفع المختار إبهامه إلى سنّه يشدّ عليه حتّى كاد يقتلعه تعبيراً عن نفاد كلّ الإعاشة.

ثار بو  يوسف محتجّاً:

كيف لمّا بتفرّق اللّمّة عَ البيوت ما بتنساني. "ويركو"[16]           

-         بدفع ما بغلّط، بتقطعلي وصل سلف تأرجع بعد غيبتي وبتطالبني. لمّا بتعزّلّو السّاقية، ولو ما الها درب عَ أرضي، بتغرّموني. لمّا في عونه بتقولو يالله يا بو يوسف تبرّع. ولمّا أنا إلى حقّ عندكن بتهضمو حقّي. وين العدل؟ وين الحقّ؟ إي شو؟ الغُنْم ألكن والغُرم عليّي؟

-         غبت كتير.

-         بيتي بقي مطرحو. عيلتي فيه

-         ما شفنا حدا.

-         نسوان. ما بعتّو وراهن!

فاحتدّ صاحب السّلطان:

-         قلتلّك العالم اندبّت عَ الإعاشة، وما عاد حدا فاق عَ حدا.

-         بدّي حقّي! يا مختار

-         ما بقي ألك حقّ عنّا. اشتكي إنْ كان ما عجبك

 

خرج بو يوسف حانقاً، مسرعاً إلى الكنيسة... تناول حبل الجرس وراح يقرع دقّات ثلاثاً متتاليات، ثمّ يقطع. إنّها دقّات الحزن، وعلامة النّعي.

-         لمَن يُقرَع الجرس؟ مَنْ مات في هذه السّاعة المتأخّرة من النّهار؟

تساءل النّاس وخرجوا من بيوتهم مستطلعين... في الأحياء الأخرى، خرجوا إلى الطّرقات، صعد بعض إلى السّطوح يستطلعون... الجميع يتساءلون ممسكين قلوبهم بأيديهم، متوجّسين: حدث أليم ما؟ موت نسيب؟ مقتل شاب؟...

 

تراكض ذوو الهمّة صوب الكنيسة!

بو يوسف يقرع الجرس هذا القرع بإصرار واجتهاد. لا يلتفت:

-         مين مات يا عمّي بو يوسف؟

-         مات الحقّ

-         ....    ....    ....

ويتابع القرع بإصرار...

امتلأت باحة الكنيسة بالنّاس...

بو يوسف لا ينفكّ يقرع ذلك القرع الحزين بإصرار...

 

*   *   *

مات الحقّ... مات الحقّ...

قد يموت الحقّ إذا كان صاحب الحقّ ضعيفاً...

وتناقل النّاس الخبر الغريب باسمين!

ولا يزال الكثيرون يروون الخبريّة متندّرين، باسمين. 

*   *   *

بعد زمن...

ماتت نجمة! ودّعها بو يوسف بحرقة أدهشت أهل الضّيعة. كان ينشج باكياً معذّبته بصوتٍ مخنوق. كانت دموعه تسحّ، ترطّب وجنتيه النّاشفتين، تبلّل شاربيه الأبيضين، وتتقطّر من طرفيهما لتسيل على ذقنه. جسده المتهدّم كان منهدّاً.

-         والله يا بو يوسف حيّرت اللّي ما بيتحيّر!

-         يا عمّي كلّ هالقدّ عذّبتو، كلّ هالقدّ زعل عليها!؟

-         هلزّلمي كلّ عمرو وشغلو غريب!

في مثل هذا تحدّث النّاس أثناء الجنازة!... 

لم يطوّل بو يوسف بعد نجمة. وكأنّ القدر كان يدفع به دفعاً. بل كأنّه كان يستدفع القدر ليلحق بها... في الشّهور القليلة، بعد غيابها، بدا يائساً، مسحوقاً، قد فارقته "زينونيّته"[17]. كانت الوحدة، من غير معذّبته، أقسى على نفسه من كلّ مصيبة مرّت به.

مات بو يوسف!

مات بعمرٍ ينيّف على الخامسة والثّمانين، ميتةً تليق ببطل عاش حياته ماشياً على شوك، قابضاً على جمار، متأبّطاً مرارات، وارتجل أحداثاً خارجة عن المألوف! مات في ليلة كانونيّة عاصفة، تآمر فيها عليه الرّيح والعتمة وأرذل العمر! 

كان يحدل السّطح، وقد وضع في أتناك رماداً صبّ فوقه الكّاز. أشعل الأتناك ووزّعها على أطراف السّطح ليعرف حدوده. هبّت الرّيح، انكبّ "المازوخ"[18]! انطفأ اللّهب، ضاعت الحدود، غامت عينا بو يوسف، خذله عزمه. سقط عن السّطح... وهو يناضل الحياة!

بقي بو يوسف نقيع المطر، جثّة هامدة حتّى ضحى اليوم التّالي!

دقّ الجرس حزناً.

مات بو يوسف!

الموت حقّ.

 

[1] أرض صحراء، أي مليئة بالصخور، لا تصلح للزّراعة. سريانيّة

[2] العتلة الرافعة. سريانيّة

[3] نسبة إلى الجمال العصافيريّة القويّة

[4] فتحة موقّتة في حائط البستان

[5] مضيق في أسفل الوادي تجتمع فيه السيول. سريانيّة

[6] عود محترق طرفه. سريانيّة

[7] صمغ الصنوبر اليابس يصنع منه القطران، شديد الالتهاب. سريانيّة

[8] الممدودة المدلاّة. عامّيّة

[9] سرير. فارسيّة

[10] هجر وشرد مجبراً. عامّيّة سريانيّة

[11] من غير شجر

[12] جيب من جلد

[13] مقعد خشبيّ طويل. فارسيّة

[14] السفر برّاً. تركيّة. تُطلق على زمن الحرب العالميّة الأولى

[15] هجمت. وقعت. سريانيّة

[16] نوع من الضرائب العثمانيّة. تركيّة

[17] نسبة إلى زينون فيلسوف الأبيقوريّة. وهي فلسفة تمجّد البطولة والعزم والإرادة والصبر واحتمال الألم

[18] الدفقة الشديدة من المطر. عامّيّة- سريانيّة

 

Electronic Edition designed by Webmaster Elie Abboud

All Rights Reserved

back to Zilal el Ams