back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

خيبة مهاجر ... بين رسالتين

 

كان الشّيطان حاضراً في "الجفت"[1]. لكنّ "الجفت" لم يكن محشوّاً بالخردق والبارود عندما صوّبه جرجس إلى صدر والدته مهدّداً، طالباً إليها أن تأتي بالكيس من مخبئه وقد أعياه اكتشافه لتنقده عشر "مجيديّات"[2] يتخّرج بها.

 

كان اعتقاد النّاس، في بلادنا، ذلك الزّمن، أنّ السّلاح يسكنه الشّيطان، عدوّ بني آدم الملعون، وأنّ من يلعب بالسّلاح، لاهياً أو مازحاً، يعرّض نفسه و من حوله للخطر، لا محالة. ويحكون لك آلاف الحوادث الحقيقيّة الّتي تصدّق على ما يعتقدون لذلك عندما تناول جرجس "الجفت" المعلّق في "السّكَيْكة"[3]، و خرج إلى أمام الباب، راح يمزّق خرقاً بصوت مسموع، وبالقضيب يدكّ الهواء في الأسطونين الفارغين. كان يؤمن، أيضاً وككلّ النّاس، أنّ في السّلاح شيطاناً يستسنح الفرص ليرمي بني آدم، أعداءه. أمّا خروج جرجس من البيت فكان ليوهم أمّه أنّه يدكّ "الجفت" حقيقة، ومن جهة أخرى، ليفسح لها المجال لإخراج الكيس من مخبئه فلا تحرج أمام عينيه.

ناداها:

 

-         طلّي

-         قلتلَّك ما في. ليش أنت خلّيت وراك مصاري ؟!

-         قلتلِّك طلِّي شوفيني كيف بدي أقتل حالي بسبب بخلك. ساعتا انبسطي بالمصاري.

 

فخرجت راكضة صوبه تريد أن تنتش "الجفت" من يديه. فتراجع قليلاً، وصوّبه إلى صدرها مهوّلاً:

-         ارجعي جيبي عشر مجيديّات أحسنلك.

فتراجعت، يدها ممدودة مفتوحة تتّقي بها الفوهتين، والأخرى تلتفّ بالزّند حول الوجه المشيح تتّقي العينين. 

-         السّلاح فيه شيطون يا شيطون. لا تلعب. قلتلَّك ما معي مصاري.

-         عجّلي. عشر مجيديّات وإلاّ "فقست"[4].

 

و ردّ الديكين الى الوراء.

 

-         منلّي ؟ عشر مجيدياّت بتشتري شقفتين أرض، يا مجنون. حدا غيرك بيطلب عشر مجيديّات ؟!

-         عندي سفرة مهمّة. قلتلّك عجّلي وإلاّ ما بتلحقيني !

 

دخلت الأمّ، ثمّ عادت بالكيس، فرمته بعيداً، أمامه، وأدارت ظهرها و قالت بحزم وهي تدخل البيت:

-         هودي كلّ يلّي معي. هيدا اللّي فضل عنك. أنت بتترك شي وراك ؟!

 

لمّ الكيس. حلّ تكته ! فيه أربع مجيديّات فقط.

 

-         هودي ما بيكفّو !

لم تردّ.

سمع نشيجها.

أمّه تبكي.

هزّه الانعطاف البنويّ فتراخى. وخشّت الذّهبيّات في الكيس فاشتدّ. حمل "الجفت" الى حائط البيت، أسنده إليه، ومضى.

 

عند الظّهيرة عاد بو لياس، الوالد، تقرع عصاه حصى الدرب. فلاقته أمّ لياس ملتاعة، شاكية بدموع سخيّة. قالت، من غير أن تترك فرصة لدهشته أو للسّؤال :

-         هدّدني. بدو مصاري أو يقتل حالو. عطيتو مصاري. أخذ بو لياس "الجفت" عن الحائط. رمى، محتاطاً، القضيب في العينتين. ابتسم :

-         - "الجفت" فاضي ؟ ضحك عليكي !

-         أنا سمعتو عن "يدكوّ"[5]

-         إي دكوّ هوا. معليش فوتي. الله بيعوّضنا. فدخلت البيت أمامه. وتبعها.

 

كان جرجس ثالث إخوته. معتدل القامة، أبيض الوجه، مستطيله. على بعض وسامة. في أسفل ذقنه نقرة تميّزه. كان يعشق "الكيف"[6] وشمّ الهواء، بارعاً في "الدّبكة"، يقود الرّاقصين في الأعراس. كان محضره مرغوباً، فتدلّل. و زاده دلالاً، حتّى الدلع، تساهل أبويه اللّذين لم يكلّفاه، في خدمتهما، بنقل بحصة، أو قطف ثمرة، ولا حتّى بشربة ماء، يجلبها لهما من الجرّة الملأى على ركنها. عاش على هواه و تمادى فاشتهر بلقبه الّذي عرف به : "أبو الهزليّات". وذلك لأنّ الجدّ لم يخالط مزاجه يوماً. يضحك الثكلى كما يقولون: في المدينة يقرأ لافته "خفّف سيرك"، فيقف وسط الطّريق، ينبّه رفيقه، مشيراً الى اللاّفتة. يسأله هذا: ماذا تفعل؟ يجيبه أأنت أمّيّ ؟ ألا تقرأ ؟ كتبوا خفّف سيرك. ها أنا أحلّ حزامي، ممتثلاً أوامرالحكومة. حلّ أنت حزامك...

 

يرافق أحد الرّصناء الّذين لا يرضون بغير الجدّ. فإذا مرّا بجماعة يضرط ويقفل منخريه بإصبعيه، مبتعداً عن رفيقه مشيراً إليه... فيثور الرّفيق، ويقاطعه أيّاماً. تأتي أمّه بالجوربين المغسولين ليلبسهما. يناديها آتيني "ببعرة" بطاطا. تسأله: لماذا ؟ يُصرّ: جيبي ! تأتيه "ببعرة" بطاطا، فيرميها في الجورب المثقوب عند الإبهام ويربط حولها:

-         أرأيت ؟ أقفلت الثّقب حتّى لا يدخل الهواء البارد إلى قدمي. أرحتك من التقطيب.

-         يقصد بيت عرّابه ليسهر، فيجد على الموقد، أمام الباب، طنجرة يغلي ماؤها. يكشفها: فيها "كبّّة راهب"[7] تسلق. يقلب ذيل "غنبازه"[8] على شكل "شقبان"[9]، يصوّل الكباب ويجمعها في الشقبان، ويدخل إلى أهل البيت وقد تحرّق صدره ووجهه بالهبلة السّاخنة، فيقول :

-          إبشروا. جئتكم بالعشاء....

 

و هكذا عُدَّ له من الهزليّات المبتكرات حتّى يعييك العدّ.

 

صار أبو هزليّات على عتبة الخامسة والعشرين ولم يحترف مهنة، ولم يمارس عملاً."يصطاد من المقلاة" كما يقول المثل.

 

أخوه الأكبر في "النيرك". يرسل "البوليصة" تلو "البوليصة"، وأمّه تضع النّقود في الكيس. أبو الهزليّات عينه، دائماً، على الكيس. أخوه الثّاني فلاّح، متأهل، مستقلّ في بيته وعائلته. أبوه، الشّيخ، كان مكاريّاً وتقاعد. صار يقاسم شركاءه الفلاّحين على ما تغلّ أراضيه من ثمار، ويصرف ممّا يرسل له ولده البكر من "النيرك"، فلا تفتأ شفتاه تكيل له الرّضا، ويداه المفتوحتان نحو السّماء تدعوان الله ليقلب التّراب بين يديه ذهباً. موضوع حديثه، في المجالس، بكره لياس. هو موضع اعتزازه، ومصدر لقمة العائلة، وينبوع الحنان...

 

أما إذا علّق أحد أهل المحضر بالقول: إي. قسمة عدل ! واحد يجمع وواحد يبعزق معرّضاً بأبو الهزليّات فكان بو لياس يتنهّد ويسكت.

 

أبو هزليّات كان يعرف ذلك، ويرغب بقوّة أن يكون موضع اعتزاز أبيه ومجتمعه، كأخيه، فكان إذا ما بذل جهداً، غلبه طبعه. والطّبع يغلب التّطبّع فيعود إلى دنيا الهزل.

 

بالعودة إلى الأربع مجيديّات. أخذها أبو الهزليّات، قابلاً بها على مضض، وغاب عن البيت أيّاماً. تمتّع بها، كالعادة، على هواه. وهي لم تكن بالمبلغ اليسير، فتتيح كثيراً من الملذاّت... بعد أن "طارت السّكرة وجاءت الفكرة" على ما يقول المثل، عاد أبو الهزليّات إلى البيت الأبويّ، فلم يلق ترحاب الأبوين المشتاقين إلى الابن المدلّل، وقد عاد بعد غياب. بل لقي تجهّماً و صمتاً ثقيلاً ! سأل: ما بكما ؟ هل أصابكما مكروه، لا سمح الله ؟

أجاب الوالد بلهجة حازمة وكلام مختصر :

-         شوف يا ابني : المسألة ما بقا بدها. تحمّلناك كتير. صبرنا على تقلتك. غنّجناك. دلّلناك. قبلنا بملامة النّاس. بعد يلّي عملتو مع أمك، ما بقى فينا نحمل.

-         كنت أمزح معها متل العادة !

سارع أبو الهزليّات إلى مقاطعة أبيه.

لكن الوالد تابع بصرامة :

-         يا ابني صار عمرك خمس وعشرين سني. حلّك تنفطم عن صدر أمّك. الولد بيرشد ابن تمنتعش. بيفتح بيت وبيحمل مسؤوليّة عيلي. بأيّ حقّ. بأيّ قلب، تاكل تعب خيّك يلي مَ يبقّ الدّم ببلاد آخر ما عمرّ ربّنا ؟ ما حرام تبعزق تعبو عَ أكل الهوا ؟ شوف شو بدّك تعمل ! خلّصنا !

 

صعق أبو هزليّات للّذي سمع !...

 

أكثر ما صعق له اللهجة الحازمة، المرّة، والملمح الغضوب في سحنة أبيه. والذي قطّع قلبه، أكثر، ذانك الخطّان المتتابعان من الدّمع الصّامت على وجنتي أمّه. فكأنّ عينيها تذوبان، بينما أنفها يقطر على شفتين مطبقتين... هنا ضاقت به الدّنيا. موقف مؤلم يقفه لأوّل مرّة. و سوف لن ينساه !

 

لم يحسب أبو هزليّات أنّ يوماً سيأتيه بصعقة تنهي مرحلة شبابه العابث، المتوهّج بالهناء. كان يظنّ أن الهناء يدوم لابن امرأة، والدّهر يتربّص، ولو أنّ أبوين حنونين يحتضنانه، ولو أنّ محيطاً أهليّاً يعجب بهزليّاته، ولو أنّ أخاً بعيداً يمدّ اغتراره بالمال الوفير... واستفاق من صعقته على إحساسٍ بقبضةٍ تعتصر معدته، وأخرى تشدّ على عنقه، فهو بين أن يتقيّأ  من ألم صدره، وبين أن تختنق أنفاسه.

 

واقع مؤلم استجدّ، عليه أن يواجهه.

إلى من يلجأ ؟ لمن يشتكي ؟ أين يجد الخلاص ؟

لكنّ الأدهى : أمام من يسفح كبرياءه ؟ هذه الكبرياء الّتي عاش عليها خمساً وعشرين سنة !

بلى يمكن !

يسفح كبرياءه أمام من غذّاه بالكبرياء، أمام أبيه. الأب وحده يستحقّ أن تسفح أمامه الكبرياء، لأنّ ماءها المسفوح ينبت زهر الغفران. أبو هزليّات، رغم طيشه، لم ينس خاتمة الحكاية، يمدّها خوري الرعيّة بصوتٍ مرتّل، في قداس الأحد :... " كان ميتاً فعاش، و كان ضالاًّ فوجد". وجرجس الآن، لا يريد أن يذبح له والده العجل المسمّن ذبيحة مقابل عودته عن الضّلال، بل يريد كفّارة. يريد بركةً أبويّة... جاء إلى أبيه، قال :

-         نعم. أنا خطيت قدّامك وقدّام النّاس. أنا ندمان وتايب. سامحني. سامحيني يا أمّي. خطيت. خطيتي عظيمة. اقبلوا توبتي حتّى الله يساعدني، بلكي بعوّض عن يلّي فات !

 

و انكبّ على يد أبيه يريد تقبيلها، فشدّه إليه أبوه مقبّلاً جبينه، قائلاً بصوت تذوب كلماته على الشّفتين:

-         الله يرضى عليك.

 

ولم يجسر أبو هزليّات أن يولّي نظره إلى وجه أمّه. ولماذا ينظر إليه ؟ يعرف سخاء عينيها بالدّموع عند أهون المواقف، فكيف الآن ؟ أمّا عينا الوالد فكانتا طافحتين، وقطرات عالقات على الأجفان!

بعد أن انحسرت سحابة الانفعال بقليل، وجفّ نداها في المآقي، وعادت الكلمات تجري طريئة على الألسن، قال أبو هزليّات:

-         بيّي بدّي سافر. أنا شايف رزقتي غير هون !

-         لوين ؟

-         مطرح ما هي  م تسافر هالنّاس. مطرح ما الله بيسّرها!

-         لكن يا ابني....

-         الله يخلّيك، يا بييّي، لا تمانعني. خليني جرّب حظّي. كلذ النّاس مَ تسافر، والله بيرعى الجميع، وين ما كانوا.

 

كما يسافر كل النّاس من لبنان ركب أبو هزليّات البحر، وراح المركب يخرج به من بحر إلى بحر... بعد شهور حطت به السفرة على شاطئ بحر الأنتيل في مدينة برّانكيّا في دولة كولومبيا، "آخر ما عمّر ربنا" تقريباً. هذا كان حظّه، هنا شاء الله أن يرعاه !...

 

في تلك المدينة الشّاسعة، المتشابكة في شوارعها، المتطاولة في أبنيتها، المزدحمة بناسها وبتنوّع ألسنتهم، وجد نفسه غريباً بين غرباء، ووحيداً، أعزل، في مواجهة العالم، يلفّه التوجّس ويقلقه خوف الانسحاق بين هذا الازدحام الخانق، بعد أن ألف رحراح العيش في قرية طليقة من قرى لبنان...

 

تسكّع، هنا، في الشّوارع. توقّف أمام المخازن، و تأمّل الباعة في السّاحات. كان يبحث، كلّ يوم، من الصّباح إلى المساء، عن عمل، ويأوي مساءً إلى فندق متواضع... كان يُصيخ السَّمْع إلى الألسن المختلفة، ويحدّق في سُحُنات النّاس، متنبّهاً، علّه يجد بقية من وطن في وجه من تلك الوجوه، فيستجير به !... ما عتّم أن وجد ضالّته، بعد طول تفتيش، في مواطن سوريّ من بلدة مرمريتا. إنّه جار، ونعم الجار!  أخذه هذا إلى بيته، احتضنه في عائلته، وضمّه إلى مستخدميه في متجره الكبير. الآن لقيت نفس أبو هزليّات بعض العزاء، وانبعث الأمل عنده في إمكان تحقيق مستقبل يعوّض فيه خيبات العمر الّذي فات.

 

في الموطن الجديد قدّم أبو هزليّات نفسه للنّاس على أنّه جرجس الذي من شمال دولة لبنان الكبير، كما يشهد "بزبرطه"[10] بذلك، ودفن لقبه "أبو هزليّات " الذي لا يعرفه أحد، هنا، ودفن معه الهزل، إلى الأبد، واعتنق الجدّ والاعتماد على النّفس.

 

لم تكن تنقص جرجس الدّماثة في الخلق والكياسة في التّعامل مع النّاس، فأحبّته عائلة مضيفه. وخدم في المتجر باجتهاد وإخلاص، فنال تقدير صاحبه.. لكنّ الأجر الأسبوعيّ الذي كان يتقاضاه، كبقيّة المستخدمين، لا يفي بطموحٍ حمله معه من لبنان، وهو طموح بالتحدّي وإثبات الذّات. إنّه تحدّ للأهل بأنّه رجل لا يقلّ ولاءً للعائلة عن أخيه الأكبر، الّذي في "النيرك" ويتعهّد العائلة بسخائه. أمّا إثبات الذّات فهو إثبات لرجولته، أي بقدرته على تحمّل مسؤولية نفسه، وبأنّه جدير بافتخار الأب وتقدير أهل قريته.

 

قرّر جرجس أن يخوض غمار الغربة منفرداً، هو الّذي جرّب الاتّكاليّة في الوطن، وعانى نتيجة الاتّكال. فاتح مضيفه برغبته، وصارحه بحقيقة نفسه، بكلّ ما فيها من إحساس وطموح. لم يبدِ المضيف أيّة ممانعة. كان متفهّماً وأبدى استعداده للمساعدة، و إسداء النّصيحة كلّما استدعى الأمر ذلك، وأكّد على أنّ بيته ومتجره سيبقيان على ترحابهما به.

 

خاض جرجس غمار السّوق خلال سنتين، يتعثّر مرّة وينهض أخرى، إلى أن حالفه الحظّ، وجمع وفراً  من مال يسمح له بإرسال أوّل "بوليصة" إلى الوطن. كان سعيداً جدّاً عندما أغلق المغلّف عليها وكتب عنوان الأهل في لبنان، واسم المُرسَل إليه، والده، على الصّفحة الأولى.

 

في الحقيقة، يعود بعض هذا النّجاح السّريع الّذي حقّقه جرجس إلى نصيحة مضيفه. قال له: كثيرون من أصحاب مزارع البنّ الصّغار في الجنوب يحّملون غلالهم في المراكب النّهريّة، وينحدرون بها في اتّجاه مدينتنا. يبيعونها مباشرة، متفلّتين من طوق الاحتكار الّذي يمارسه عليهم كبار التجّار. تترصّدهم أنت في البلدات المنتشرة على ضفاف نهر "مغدلينا"، فتقتنص ما يتيسّر لك من أكياس البنّ بأسعار مناسبة، ثم تنقلها، لحسابك، إلى المتاجر المتفرّقة في المدينة، وبأسعار تنافسية، فتحقّق أرباحاً لا بأس بها... فعلاً ؟ حقّق جرجس أرباحاً لا بأس بها، واستقلّ في بيت مؤثّث مريح، و ظنّ أنّ المستقبل سيبسم له من جديد.

 

قلّة من الرّجال يستطيعون أن يسكنوا في بيت مريح وحيدين ولو كان البيت مؤثّثاً ومريحاً. جرجس لم يكن من هذه القلّة. لم يتعوّد، في بيت أبيه، أن يتدبّر أمر نفسه في مشرب أو مأكل أو تنظيف أو ترتيب. لم يكن يعرف أن يقلي بيضة لغدائه، ولا حتّى أن يملأ إبريقاً ليشرب، فكيف بتدبير شؤون بيت واسع ؟ لم يفكّر بالزّواج من غريبة، بل كان يمنّي النّفس بالعودة إلى الوطن، فيتزوّج بلديّة من أهله، كما يفعل الكثيرون من المغتربين الموّفقين. ذلك كان حلمه ! لكن للأحلام مزاجها المغلق.

 

   في انتظار تحقّق الحلم لجأ جرجس إلى امرأةٍ مأجورة، من أهل تلك البلاد، تدبّر له المنزل في أوقات محدّدة من الأسبوع، وتنصرف الى حيث جاءت، فلا يعبأ من أين تأتي ولا إلى أين تروح . كانت المرأة في الثّلاثينات من عمرها، تكبره بقليل،  لكنّها تبدو في العشرينات. خلاسيّة، جذّابة بلونها النّحاسيّ، مثيرة ببشرتها الممتلئة الّتي توحي بملاسةٍ وصلابة. كان يلحظ رشاقتها وهي منهمكة في ترتيب وتنظيف. كانت تتخفّف من بعض ملابسها الّتي تعيق الحركة بحجّة العمل، فتظهر الذّراعان والسّاقان في شيء من العري الرّشيق المغري، تزيده إغراءً وإثارة، لا تقاوم، الإنحناءات السّخيّة، السّريعة، للجسم الطّيّع بحيث يتأرجح النّهدان المكتنزان، فيندلقان، لحظة، قبالة العيون الجائعة، ثمّ يعودان ليندسّا في كأسي الصّدريّة الملوّنة، فتصاب العفّة في مقتلها. كانت امرأة تحسن رمي الشبّاك، وكان جرجس رجلاً يجيد الوقوع في الخطيئة !... وصار يأتي بطعام وافر، طيّب، تصلحه له، فيستبقيها لمشاركته الطّعام. كانت تبقى على استحياء، غَنُوج في بداية الأمر، ثمّ على جرأة تنمو مع الأيّام. ثمّ صارت تستأذنه في حمل ما يفضل من طعام إلى طفليها اللّذين ينتظران محبوسين، مربوطين في المنزل و حيث لا يُعرف لهما أب. لقد باحت له بسرّها فصارت العلاقة الحميمة بينهما أقوى وأشبه بشراكة.

 

  يمثّل حضن الأنثى الدّافئ لرجل عازب تعوّد الدّفء في حضن العائلة ففطم، إغراءً لا يقوى على مقاومته. فكيف إذا كان هذا الرّجل محروماً أنس الأهل والوطن في بلاد غريبة ؟ هكذا كان حضن خوانيتا اسم الكولومبيّة الخلاسيّة وطناً بديلاً لجرجس. وصارت عائلتها المستعارة، على مرّ الزّمن، عائلة أصيلة له، انتقلت إلى بيته لتسكن معه، و ليصير جرجس عائلها، ولتصير خوانيتا زوجته أمام الناس، لكن ليس أمام الله والكنيسة ويظهر أنّ هذه العائلة غير الشرعيّة، كانت فألاً حسناً عليه، فجاد الزّمان، وفاءت عليه التّجارة بالمال، فكان ينفق عليها بسخاء، من غير أن ينسى عائلته الّتي في الوطن، فكان يخصّها، كلّ بضعة شهور، وبعلم خوانيتا، بمبلغ معقول، ممّا جعل خوانيتا تبدي امتعاضها علانيةً إذ رأت في تلك العائلة عبر البحار، غريماً لها. فصارت تتشدّد في محاسبة مُسَاكنها تريد أن تستأثر بتعبه لولديها، فصار يهرّب ما يتوفّر له من مبالغ خفيّةٍ ومن وراء ظهرها.

 

وكبر إبنا خوانيتا، وكانت حاجتاهما إلى المال تكبر معهما. وراحت أمّهما تستذئب من أجلهما فتشدّد من سطوتها على جرجس، وتضيّق الخناق عليه. ولم تكن أخبار الوطن، في هذا الوقت، بأرحم عليه، فسرعان ما وصلت الأخبار، بأنّه مساكن امرأة زنجيّة، و هي علاقة حرام، تأباها تقاليد البلاد، وصاحبها مرذول، فانهال اللّوم عليه من كلّ جهة، فصار يماطل في الردّ على رسائل الوطن. ثمّ جاءته الأخبار بموت أبيه. ثمّ جاءته، بعد سنوات قليلة، بموت أخيه في "النيرك". فاستاء من نفسه مرّة جديدة، وكره واقعه، وأحسّ أنه متورّط. قادته حالته هذه، ليزيد من جلد ذاته، بالامتناع كليّاً عن الردّ على رسائل الوطن . حتّى تلك التي جاءته بنعي الوالدة. وبعدها بقليل، جاءته ثانية بنعي الأخ الثّاني صار محاصراً بالمصائب، فعالمه القديم الأليف ينهار من حوله. وضاق الحصار عندما رشد الولدان وانتقلت بهما أمّهما إلى مدينة أخرى، وتركته وحيداً، يائساً، يواجه مصيراً أسود. انحط نشاطه وبارت تجارته فافتقر.

 

في فقره وعزلته بقي لجرجس ما لم يعد موجوداً  أبداً. بقيت الذّكريات، ذكريات عالمه القديم، ذكريات الأهل والوطن، يحنّ إليها، فيمضغها ويجترّها، ويتخدّر بها حتّى الإدمان. كذلك بقيت له المكابرة، يغالب بها العجز واليأس، فيتلقّى أخبار الوطن ورسائل الأنسباء و الأصحاب، فيرطّبها بالدمع بالدّمع والقبلات ولا يردّ.

 

لم يعد جرجس يهتمّ إلاّ بتحصيل ما يبقيه على قيد الحياة، فيكاد لا يصله. أنهكته النّكبات والوحدة والتّقدّم في السّنّ. اعتزل لقيا الأصحاب، وعاف الاجتماع بأبناء الجالية اللّبنانيّة، فصار غريباً في وطنه الثّاني، مقطوعاً عن وطنه الأمّ، لا تربطه به، الآن، أيّة صلة بعد أن مات أبواه وإخوته وأترابه. ماتوا غير مجبوري الخاطر به. بل ربّما حملوا معهم إلى القبر همّه وغصّات مؤلمة بسببه. فكيف يسامح نفسه ؟

 

 

ذات يوم، وبعد انقطاع الرّسائل عنه سنوات كثيرة وصلته واحدة، تشير أطرافها الملوّنة إلى وصولها بالبريد الطّائر. إنها من لبنان تناولها و رماها على الكنبة القريبة، بشعور القرف من نفسه ! كيف لا يزال يتلقّى الرّسائل الطاهرة من البلد الحبيب، وهو على غير استحقاق ؟! مَنْ لا يزال في ذلك المكان القصيّ، والّذي لا ينفكّ لصيقاً بالنّفس، متغلغلاً في الشّرايين، يعبر في المنام، مرّة كابوساً ومرةً مصباحاً ؟ مَنْ من النّاس، هناك، لا يزال يتذكّر أو يفكّر فيه؟

 

عاد إلى الرّسالة، تناولها، قلبها ليتعرّف على المُرسِل !.... قفز قلبه من صدره. اهتزّت يده، فسقطت الرّسالة على قدميه. أحنى رأسه حتّى ركبتيه. أعاد القراءة، والرّسالة لا تزال على الأرض. الاسم ! العنوان ! المرسل : سركيس، والده. العنوان : قريته ومسقط رأسه !... فرك عينيه. تلمّس جبينه وخدّيه. هل به حمّى ؟ " مُرَوْبَص"[11] ؟ تناول الرّسالة بعصبيّة و مزّق الغلاف. فتح الورقة المطويّه وقرأ :

 

عمّي الحنون

 فهم. الرّسالة من ابن اخيه الّذي سمّاه والده على اسم والده كما هي العادة في تسمية الأبكار من الصّبيان في الوطن. في الرّسالة مشاعر بريئة، وتذكير بماضٍ جميل ينقله الولد عن أبيه وأهل قريته. وفيها إلحاح عليه بالعودة إلى الوطن ليحتضنه أبناء الأخ مكان الوالد، فيتعزّون

 

بكى جرجس، وبكى. بل أعول، كالثّكلى، على عمر ضاع. على زمن لن يعود. على غدٍ مستحيل

 

بعد أيّام، وقد هدأ جيشان نفسه، أخذ ورقةً و كتب ما ملخّصه : ".لأنّك على اسم أبي، ولأنّ أبي تجسّد أمامي وأنا أقرأ الاسم والعنوان، قبلت أن أردّ على رسالتك. لا تعذّب نفسك بعد الآن. لا يكلّف أحد نفسه. لن أردّ على أيّة رسالة. اعتبروني ميتاً".

 

ولم يردّ، بعدها، أبداً !

 

ومرّت أعوام، كبر خلالها الأخ الثّاني لسركيس، وتخرّج من الجامعة. رأى أن يعرف مصير عمّه الّذي في كولومبيا. كتب رسالة الى السّفارة اللّبنانيّة هناك، طالباً الاستقصاء عن عمّه جرجس على أساس العنوان المرفق

 

عاد جواب السّفارة، بعد أسابيع، في رسالة رسميّة، تحمل ما مؤدّاه: " توفّي الشخص المطلوب الاستفسار عنه، منذ سنوات، فقيراً معدماً. لم يترك شيئاً وراءه. تنادى أفراد الجالية، هنا، وجمعوا ما مكّنهم من شراء تابوت وقبر له وتحمّلوا أكلاف الدّفن على نفقتهم ".

 


[1] زوج. تركيّة. هنا بندقيّة ذات اسطوانين

[2] نقود عثمانيّة

[3] وتد يُدَق في الحائط تعلّق فيه أشياء منزليّة. سريانيّة

[4] في الأصل كسر البيضة. في العامّيّة: أطلق النار.

[5] دكّ: رصّ البارود في البارودة

[6] السرور. عامّية

[7] طعام على شكل الكبّة. لا يخالطه اللّحم

[8] لباس على شكل قميص طويل. سريانيّة

[9] جيب كبير. عامّيّة. فصيحها شكبان

[10] جواز سفر. تحريف Passeport

[11] يتصرّف وهو غافٍ كالمستيقظ. عامّيّة. فصيحها: مسرنم

 

Electronic Edition designed by Webmaster Elie Abboud

All Rights Reserved

back to Zilal el Ams