back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

الكلام يجرّ البطيخ

 

 كان بو داود بخيلاً يبزّ بخلاء الجاحظ، ويضاهيهم ظرفاَ وخفّة دم، بل يفوقهم... جاء إلى البلدة كمعلّم بناء استقدمه شيخها من حمص زمن بحبوحة، رحرحتها، منذ أواخر القرن التّاسع عشر، صنعة خيوط الحرير. أثرى الشّيخ، فاستقدمه ليبني له دارته الواسعة.

 

 استغرق البناء بضع سنوات فاستطاب بو داود هواءنا واستهوته صبايانا، واحدة منهن يا لعجيب الصدف، وسبحان الله كأنّما خلقت له، وكأنّما جاء لأجلها! تطابقه في الطّبع والمزايا، عدا "الحشريّة"، فتبزّه وتبزّ كلّ "حشور"!

 

كان أبو داود حجّاراً، بنّاءً بارعاً: علاّمة في استصفاء الحجارة الجيّدة من مقالعها، مفتنّ بتقصيب الحجر وصقله ونحته؛ فما كلّ صخرٍ هيّناً على القطع، وما كلّ صخرٍ صالحاً لكسر أو نحت، أو لتثبيت في حائط: فواحد لا ينشرح تحت ضرب "الشاقوف"[1]، وآخر لا يستجيب لدى حكّ "البوشرد"[2]، وثالث لا يقبل صقلاً على سِنّ الإزميل، ورابع "يحشّش"[3] في واجهة البيت كالكلف في وجه الصّبيّة الحسناء...

 

وبو داود كان، أيضاً، رشيقاً في رفع المداميك، متأنقاً في مدّ الأعتاب، ذوّاقة في نصب القناطر، ودقيقاً في موازنة الأصداغ.

 

بكلمتين: كان بو داود ألمعيّاً، لامعاً في صنعته! وتسابق الميسورون، أسوة بالشّيخ، إلى بناء الدّور، هنا وهناك، في وسط البلدة أو عند الأطراف، وكلّها بالحجر المحلّيّ من مقالعنا: الواجهات بالنحيت منه، والجوانب "بالمشنكر"[4]. قناطر رومانيّة وعربيّة وقوطيّه... مندلونات وقمريّات. أزفار وشرفات. وطرابيش الدّور بالقرميد الأحمر، يكتنفها الاخضرار في الحدائق الفيحاء...

المعلّم الأوّل بو داود. يقصّب الحجارة، يبني، يقبض المال، يشتري أرضاً ويكنز ما يفضل... ولم يكن بو داود مقصّراً في تعليم الصبيان ليجعل منهم حجّارين وبنّائين، فالبحبوحة، في البلدة، مقبلة، والزمن يضحك، والصنعة تتّسع للكثيرين الكثيرين.

 

طاب الزّمان على بو داود، فعمّر دارتين من الحجر، حسنتيّ المنظر، واسعتين؛ لكلّ من ولديه دار. ارتاح باله واطمأنّ، فصرّ قروشه، لكنّه بذّر في التّعبير عن مواهبه، ولا سيّما الكلاميّة، فصار يتكلّم بالأمثال، وينطق بالحكم، فإذا سئل، في المجلس، أو إذا عرضت قضيّة، يجيب أو يعقّب، مثلاً عن الإدّعاء والتّكبّر ورفقة السوء:

أوّل بَـوْ[5]      الله لايـطـفـيـلَـكْ ضــــــــــَوْ

تاني بَوْ         ما في طير علّى وبقي بالجو

تالت بَوْ        الله يـلـعـن رفـقـة كـل سَــــوْ [6]

 

ويشير على صنّاعه بالطّريقة الأنجع لكسر "الشقيف"[7] الكبير بالمهدّة، يقول: توازن الصّخرة. تقشّ بالقطّاعة[8] خطّاً مستقيماً، ناعماً، على وجهه. إضرب بحدّ المهدّة ضربات متأنّيات جامدات بحيث يصدم الحدّ بأكمله الخطّ، فلا تفرّ المهدّة من يدك، ولا تنحرف خارج الخط، ولا يقع ثقلها في فراغ... لكنّ الذّراع فتيّة! ولكنّ الضّرب في الصّخر الأصمّ! أمّا الحذق، عند الصّبيان، فغير قريب المتناول! فينعرج الخطّ تحت قشّ القطّاعة، ويختلّ صقله! يكظم المعلّم بو داود غيظه، يتناول القطّاعة، يمثـّل الحركة، يقول:     " ليك يا بو! بتنزل بالقطّاعة، هَيْك، من زهرة منخارك لراس زبرتك، بتطلع القشّة قواس بارودة!"

 

هكذا أحاديثه: أمثال ونوادر.

 

أمّا أمّ داود فهي الغطاء لاقت قدرها، فكلاهما طالبا توفير وكسب: يوقـّّتان وصولهما إلى السّهرة عند الأنسباء والأصحاب قبيل العشاء، بعد أن تكون أم داود قد قدّمت تقريرها إلى بو داود عمّا تبضّع أهل الحيّ في النّهار، وعمّا نمي إليها من رغباتهم في الطبخ: القتار من بعيد يثير اللّعاب، فربّة البيت، أمام المشوى تدهن أقراصها... يمسّيان ويجلسان. تبادر أمّ داود:

-         خي على هالرّيحة! بو داود يموت في الكبّة المشويّة. اللّيلة تعشّينا. لكن الأحد الجاي تكرم عينو، بياكل كبّة من يد أمّ داود ما حدا داقها غيرو!...

فتمدّ المضيفة يدها بقرص مغطوط:

-         دوق كبّتي يا بو داود، بتشوف كبّة مين أطيب!

يتناول بو داود القرص، يُثني ويثنّي، وإذا ألحّ المضيف، يثلّث!.

وتناول المضيفة أمّ داود قرصاً، فتتمنّع أمّ داود:

-         دخلك، دخلك. اعفيني شبعانة من خيرك!

فيتدخّل بو داود مؤنّباً:

-         عيب يا مرى! الحرمة أكْرمْتك، لا تخجليها! مانك جوعانة؟ خدي قرصك وخلّيه لبكرا، واستكتري بخيرها!

فكأنّها مرغمة، تتناول أمّ داود قرصها، تستكتر خير المضيفة، ولا تترك شيئاً "لبكرا".

 

وأمّ داود لا تعدم سبباً للخروج، قبل الظّهر وبعد الظّهر، تغيب عن البيت في "شقّيات" وزيارات وصبحيّات. تعرّض بها ابنة حميّها، تلومها:

-         وين كنت يا مراة أخي؟ الضّيف بدارك والمفتاح بزنّارك؟ إيش غداكم؟ وين كانت دايري مراتك يا بو داود؟ مين بيعملك غدا؟ نسوان هالأيّام، ما أطيب حافرهن! ما بيشبعوا دْوَارَه!...

 

أمّ داود لا تعدم حجّة في الاعتذار ولا تقصّر في الدفاع عن نفسها، لكنّ بو داود يسارع لتبرير غيباتها، وبالأمثال! يقول لأخته؛

-         اتركيها. شو بدك فيها؟!

الإجر الدوّارا ما بتخيب!...

أكل بتاكل، خبر بتجيب!...

 

... ومرّ زمن ذو افترار!

وانتصف القرن العشرون، فأغرقت اليابان الأسواق العالمية بالحرير الرّخيص الثمن، فبارت صنعة خيوط الحرير. توقـّفت المعامل، هنا، وبدأت أشجار التّوت تُخلي مكانها لأشجار التّفّاح أو لزراعات أخرى، التّبغ والتّنباك على الأخصّ. البحبوحة زمزمت، والبطالة انتشرت، والصبايا لم يعدن يعملن في "كراخين"[9] الحرير، والشّبّان انصبّوا على أبواب السّفارات يطلبون الهجرة أو يتسكّعون على أدراج ذوي النفوذ يتسوّلون الوظائف، ولا سيّما الجنديّة. مرتّبات الوظائف لا تكاد تفي بمعيشة أصحابها، فلا ادّخار، والبناء يحتاج إلى مدّخرات... رياح بو داود لم تعد تجري كما يشتهي، ويشتهي زملاؤه البنّاؤون... وزاد في الطّين بلّة أنّ الباطون هجم على سوق البناء، فصار يزرع البيوت الصّغيرة في كلّ صوب، ويمدّ السّكن إلى كلّ صوب. بيت الباطون كابن الحكاية، بين فتحة عين وإغماضتها، يرتفع بناؤه، بينما يستغرق بناء بيت الحجر شهوراً وشهوراً، ويكلّف مالاً وانتظاراً. بعد شهرين من بداية العمل في الورشة، مقلعاً وبناءً، يقول بو داود لصاحب البيت: "صار فينا نقعد بفيّتو". وهي كناية لطيفة عن أن حائط البناء ارتفع مقدار قامة رجل، والمقصود آتينا بترويقة لائقة مع فاكهة وحلوى تعبيراً عن الاحتفال بأن: "قد ولدت لك دار"!

 

أمّا اليوم، في عصر الإسمنت، فقد وقف الشّغل في الحجر، وصار أصحاب الحاجات يتدلّلون "مقرمطين"[10]...

-         كم تأخذ، اليوم، على الحجر، يا بو داود؟

-         بدّا سؤال؟ معروف!

-         يعني؟

-         نص ليرة.

-         كتير.

-         كيف كتير؟ أنت عارف! كلّ عمرو، ووين ما كان: الحجر بنص ليرة.

-         إي... كان... وينك وين؟

-         إي. وشو تغيّر؟

-         والله، أنا أدفع ربع ليرة!

-         ليش يا أخي؟

-         لأن هالسّني الدّني صارت غير...

-         ليش غير؟ قولك هالسّني الحجر لان؟ متل الجبنة قصّو هان؟!

 

بو داود "حبّيب" قرش. صحيح!

يطلبه في غيمة سارحة، يفتّش عنه ولو ببعض ماء الجبين!... لكنّه على بخله، ولأنّه معلّم كبير، أنف أن يعمل في الحجر بمثل ذلك السعر! هو قاعد بلا شغل. صحيح. لكنّ الكرامة تغلو إذا تقاطع معها الكسب الضئيل. بو داود له حسابه، فوجد أنّ الحجر مكلّف. ربع ليرة للحجر خسارة محقّقة: صنع البارود. تفجير الصّخور أو شقّها "بالبيّاتة"[11] وانتظارها أيّام. تقطيعها وتقصيبها. تلطيش[12] الحجر وتوجيهه. دقّه وصقله... البارود مكلف ملبك. العدّة بين الحين والحين، تأكل حدودَها عروق الصّوّان وتَفِين، فيلزمها سقايات متتاليات وشحذ. الصّانع المساعد يقاسمه السّعر. كم يبقى له؟...

لا الأفضل أن يزرع أرضه الّتي اشتراها منذ زمن، ولو كانت الفلاحة كار من لا كار له! وأرضه الواسعة، تلك، سهلة واسعة الأكناف، في منخفض، رسوبيّ التّربة، خصيب، تصحّ فيه زراعة البطّيخ؟

 

...إيـ يـ يـه! الرّزق اللي ما بيفكّ ضيقة صحابو لشو قنوتو (اقتناؤه)؟

نفخ بو داود. قال هذا. وقرّر:

-         إلى البطّيخ، يا بو داود، فهو أيضاً كالحجارة، شكلاً، وثقلاً...

 

سهلة بطّيخه كانت على طريق تسلكه السّابلة بكثرة، وهو ما كان يسلّيه... وكم كان بو داود لطيفاً، أليفاً، يأنس إليه المارّة، يتصدّى لهم، مقبلاً عليهم يفاكههم، وذلك عندما كان يهيّئ الأرض، في الرّبيع، فلاحة وغرساً وريّاً... كان يساعده أصغر أبنائه، فكان يكلّفه الحراسة ليلاً، في خيمة من قضبان الدّفلى، أقامها ظليلة جميلة، هو البنّاء الحاذق، إلى جانب الطّريق، حفظاً للثّمر، في قابل الأيّام، من أصحاب اليد الطويلة.

إخضوضرت سهلة البطّيخ بفروع النّبت الممتدّة في كلّ اتّجاه كخرائط الملاّحين، وتلّون الأخضر بالزّهر الأصفر الذي ما لبث أن انقلب إلى حبّات زمرّديّة، قُطِع سلكُها، فانتثرت على المدى الأخضر!

 

انتصف الصّيف، فأنهدت الحبات. تكوّرت وصارت رؤوساً كبيرة، مربوطة بعروق دقيقة! تندهش فتتساءل! كيف لهذه الأسواق الرّفيعة أن تملأ هذه الجرار الخضراء بالماء الأحمر السّكّري؟!

 

لم يعد السّابلة من أصحاب بو داود ومعارفه يلتقون به، فهو إمّا بعيد، في طرف السّهلة، وإمّا متلطٍّ وراء الخيمة: يوحي بالحضور ولا يظهر...

 

وكان يوم قائظ! كان بو داود يقيل في عمق الخيمة إلى جانب ولده. مرَّ واحد من أصحابه. أحسّ بحضور بو داود في الخيمة، فنادى:

-         آااا بو داود.

لا حياة لمن تنادي! 

-         نهارك سعيد يا بو داود!

لا حياة لمن تلقي عليه السلام.

 

فتح الولد فمه فمدّ بو داود كفّه وأطبق الفم الّتي تهمّ بالكلام.

 

عندما اجتاز العابر، وراح في سبيله، بادر الولد:

-         يا أبي، هذا صاحبك فلان، سلّم عليك، أفلا تردّ سلامه؟

هزّ بو داود برأسه، قال:

-         أعرف. وأعرف لماذا يلقي السّلام. وأعرف أن السّلام يجر الكلام، والكلام يجرّ البطّيخ. فهمت، يا ولد؟


 

[1] - مطرقة كبيرة يسوّي بها البنّاء الحجر. سريانية. عربيّتها: الملطس.

[2] - مَطرقة كبيرة مسنّنة في طرفيها المربعين. واحد بأسنان خشنة والآخر أنعم. أصل اللفظ يوناني. في بعض المحلات اللبنانية يسمونها مطب.

[3] - تقال للحجر الذي فيه رخاوة تمتصّ الماء فتعلق عليه الطحالب الخضراء.

[4] - محدّب. عاميّة.

[5] - أولاّ بأول. للترتيب يختزل العامة فيقولون أول بَوْ.

 [6] - سييّء

[7] - الحجر. سريانية.

[8] - آلة لنقر الحجر. أحد طرفيها عريض كفأس والآخر كمنقار الطائر.

[9] - معامل خيوط الحرير. فارسية مركبة من لفطتين كر: خيوط. وخانة: غرفة، مكان.

[10] - باخلين. عاميّة. وهي في الأصل تصغير الحروف في الكتابة.

[11] - ثقب كبير في الصخرة يدق فيه خشبة سنديان يابسة ويصب فوقه الماء بكثرة، يترك للمطر فيتشبّع الخشب بالماء ويتمدّد فتنشق الصخرة. أسلوب قديم لقطع الحجارة.

[12] - إزالة النواتيء بالضرب الخفيف ليصلح الحجر للبناء. عاميّة سريانيّة.

 

Electronic Edition designed by Webmaster Elie Abboud

All Rights Reserved

back to Zilal el Ams