back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

 

الاســكافي و الحكومــــــة

 

أخبرني والدي الإسكافيّ، قال:

كانت طرابلس، في بداية صبانا، "البندر"[1] الوحيد الكبير في شماليّ لبنان. أمّا ما تبقّى منه فريف لها، فيه المزارع والقرى، وفي أحسن الأحوال، بلدات كبيرات لا تُغني سوقها شيئاً عن الحاجة إلى أسواق طرابلس الغنيّة الـّتي كان أهل الشّمال يتبضّعون منها كلّ حاجاتهم، ما صغر وما كبر، من "أقراص النيل" والصابون إلى المساند والفرش والجرار، إلى الأرزّ والحلاوة وراحة الحلقوم، إلى البرتقال و"المراكبي"[2] و"قصب المصّ"[3]، خصوصاً زمامير الأطفال وكانت وسائل النّقل إليها أقدامنا، والدّواب لحمل ما يعجز بنو آدم عن حمله.

 

يومئذٍ كنت أتردّد إلى طرابلس كثيراً، وإلى سوق الكندرجيّة بالذّات، أتكسّب في معرفة أسرار الصّنعة، أتقوّى. في هذه السّوق تعرّفت إلى حسن الإسكافيّ، فأحببته وصادقته. كان حسن إسكافيّاً مشهورًا تعرف أخباره طرابلس والجوار. لم تكن شهرته تقوم على حذقه الصّنعة أو لتميّز محترفه عن محترفات الشّارع سعةً وغنىً في البضائع والنّظافة. كان الإسكافيّ حسن مثله مثل غالبيّة الأساكفة، في الشّارع، حذقاً ومهارة. كذلك كان محترفه. قبوة عميقة من قبوات الشّارع الضّيّق الظّليل، تعلوه بيوت سكنيّة ورفارف، وكانت تختلط فيه أصوات الشّواكيش مع تخبيط البسط والحصر على السّطوح، مع تصايح النّساء والأطفال، مع صخب الباعة والسّابلة... أما شهرة حسن فكانت تقوم على مزايا في شخصه، يتحلّى بها أو تشينه، فيُحبّ أو يُكره بحسب رؤية النّاظر إليه، إذا كان منفتحاً ومتساهلاً وأنيساً مثل هؤلاء الأكثرين في المجتمع الطّرابلسيّ _ أم كان متزمّتاً أو حاسداً أو مغرضاً._ وقاتل الله الغرض إذ ليس صاحبه بشاهد عدل _.

لكنّ حسناً كان مُبتـَلىً ببليّتين: أولاهما أن كانت له زوجة شابّة، جميلة، لعوب! والثـّانية، كان معاقر خمرة، ماجناً إلى حدّ ما، قلّما وجد إلاّ سكران. ولعلّ هذا كان من أسباب خفّة دمه، لما يصدر عنه، في أقواله وأفعاله، من عفويّة واستخفاف بكلّ ما يثقل ويكدّر. وطبائع البشر أميل إلى التخفّف من أثقال وأكدار. أمّا أنّ في خلّته هذه مخالفة لشريعة الجماعة، فهو ممّا زاد في شهرته، لأنّ ذلك كان من قبيل "خالف تـُعرَف" أو "اكسر مزراب العين تشتهر". مع ذلك كان أهل السوق يحبّون حسناً، فإذا لامهم لائم بالقول عنه: مرتكب؛ كانوا يجيبون: كفره يُلزمه ولا يُلزمنا. حسابه عند ربِّ العالمين وليس عندنا... ذلك لأنّه، فوق خفّة دمه، كان ذا نخوةٍ، كريماً، يسدي المعروف بطيب خاطر، يعطي ولا يمنّن، أميناً على السرّ، حافظاً للغيبة، دافئ اللسان.

 

وكانت دلال، الـّتي صارت زوجة حسن، تقطن، مع أهلها، أحد المساكن، في طابق مقابل لدكّان حسن، فنشأت على السّماع بصيته الحلو، وعلى الإعجاب بخلاله. بل هي قد عرفته مباشرة قبل اكتمال أنوثتها، عندما كانت تحمل إليه، بين الحين والحين، أحذية لأهلها ليصلحها. بعد أن نضجت وتحجّبت، صارت تراقبه، وهو يعمل في دكّانه، من خلال شعريّة شبّاكها، فتطرب لصوته وتأنس لحركاته الـّتي فتنتها. كان حسن يقبل على عمله وهو في انشراح دائم، يدندن، بصوته الرخيم، أغنية يوقـّّع على لحنها ضربات شاكوشه أو يقوم بحركاتٍ تمثيليّة مثيرةٍ للبهجة والضحك، كأن ينهض حاملاً سكّينه ليقطع نعلاً، فيمشي بها مشهورة فوق رأسه، يحدو كمن يهجم لينحر عدوّاً؛ أو يخرج إلى الضوء، أمام باب الدّكّان، يحمل فرعة درزها للتوّ، يتأمل دقّة الدرز  وخلوّه من العيب، فيتفتّل راقصاً، معبّراً عن رضاه؛ ثمّ يعود لينهي حذاءً بين يديه؛ فإذا كان هذا على حدود البلاء يرميه في زاوية الدكّان مقلّداً رمي الطّابة في السّلّة، وإنْ جيّداً، محترماً على حدّ قوله، يحمله بكلتا يديه الممدوتين قبالة صدره ويمشي به كمن يدفع عربة أمامه، ليضعه على رفّ في الصمدة الـّتي على الحائط المقابل. ثمّ يعود إلى كرسيه خلف الطّاولة، يضع كفّه على خدّه، قبل أن يبدأ بعمل جديد، ويطلع بموّال يعبّر فيه عن ارتياحه، فتأتيه نداءات جيرانه، وقد استحسنوا الموّال:

-         اطلع. اطلع يا حسن!

فيطلع حسن ناشراً صوته على الملأ، يطرب أهل الشّارع، ويلامس في قلب دلال أوتاراً ترتعش بالحبّ، فتروح ترسل إليه، خلسة، نظرات ولهى وابتسامات حالمة... وأحياناً تنزل وتعبر الشارع، أمام بابه، وهي في مُلاءتها وحجابها، تتأوّد في ثوب طويل، متهدّل على ردفين مليئين، واحد يعلو، وآخر يهبط، والخصر الضيّق الـّذي يكاد ينقطع، يفصل بين الرّدفين والنّهدين المتكبّرين المرتجّين، فكأنّها تمثال حيّ للأنوثة في خاطر فنّان إغريقيّ. عندها يسمع حسن نحنحات جيرانه، فيخرج إليهم، بعد أن تعبر، واضعاً يديه في جيبيه، منكّساً طربوشه، نافشاً صدره، مبعداً ما بين قدميه، صارخاً في من يسمع:

-         دقّوا عَ الخشب يا جماعة!

فتجيب أصوات:

-         يا أرض احفظي ما عليكِ

 

....هكذا تفشّت قصّة الحبّ بين حسن ودلال في سوق الكندرجيّة؛ فتقدّم حسن من أهلها وخطبها، فوافقوا رغم تقدّمه في السّنّ عليها مقدار الضّعف، وهو لم يكن، في ذلك الزّمان، عائقاً قطّ؛ ولا يزال إذا كان في الصّفقة طمعة! ...تمّ النّصيب وانتقل بها من السّوق إلى منزله في حيّ "أبو سمرا".

 

عاش حسن مع دلال، في السّنوات الأولى، حياة زوجيّة كلّها هناء. دلال لذيذة، غنوج، مثيرة! وتغدق على حسن من عاطفتها الجيّاشة دفقاً، وتمتّعه بملذّات الهوى طعوماً طيّبة. ولأنّ حسناً يحبّ "الكيف"، و"الكيف" أنثى وكأس، كان له في أنثاه الجميلة، وفي كأسه ما أتمّ عليه سعادة، ما كان ليحلم بها قبل زواجه من دلال.

 

وراحت دلال، لتفتك أكثر في قلب حسن، تـُغني مائدته بما توصي عليه من أصناف "المازة"[4]، تصلحها في أشهى مذاق، فتطيب الكأس في جوّ عامر من الألفة والأنس... تطلب دلال الأصناف، حسن لا يبخل. تطلب من السّوق خضاراً ولحوماً وفاكهة، ومعجّنات وموالح وسكاكر... فليكن لدلال ما طلبت. تريد فساتين ومناديل وحرائر حميمة، وأكحالاً وأدهاناً ومزيّنات... ليكن لدلال ما أرادت. بل لتزيد دلال جمالاً فوق جمال يتباهى به حسن مدغدغاً رجولته، فالرّجال الـّذين يعرفونه يحسدونه على حظوته بامرأة رائعة الجمال كدلال... ودلال ترغب في نزهات وزيارات! فليكن لدلال ما رغبت فيه، أكان ذلك برفقته أم مع صويحباتها. لا يهمّ. حسن فضيّ العين، ما يسعد دلالاً يسعده...

 

لكنّ أيّام المرء لا تصفو سماواتها على الدّوام. الحياة أشواك وورود! على ما يبدو أوان الورد في حديقة حسن قد ولّى، فإذا به يفيق على صبحٍ تشرينيّ غائم. لقد مرّت السّنوات ودلال لم تنجب لحسن ولداً. حسن يشتهي، الآن، أن يصير أباً. زار بها الأطباء، ونذر النّذور للأولياء الصّالحين، واستكتب لها التّعاويذ والرقى... لكن ما نفع...

 

وتغيّرت دلال في عيني حسن، أو كأنّه اكتشف، فجأة، أنّها تبدّلت! كانت ممشوقة القوام، ضامرة، فصارت مربّعة، مدوّرة، ثقيلة الأرداف، مرتفعة المؤخّرة، على نتوء كرفرف تستقرّ عليه حبّة الحمّص. امتلأت خاصرتاها واكتنزتا واتـّصلتا ببطن بارز من غير حمل، يتراخى فوقه ثديان جافّان، لا يَعِدان بحليب. لكنّ الوجه،على امتلائه الجديد نوّر بالنّضارة واللـّون الأشهى. وبقيت العينان الواسعتان السّوداوان تتألـّقان بالإثارة، والشّفتان المكتنزتان صار الأحمر الطّبيعيّ فيهما أعمق، صارتا أشهى. تغيّرت دلال بمقياس الجمال، لكنّها بقيت شهيّة، ولو غير مثمرة...

 

وتوزّعت نفس حسن بين القبول بحظّه وبين التّمرّد على واقعه ورفضه، فساءت حاله. صار يزيد في معاقرة الخمرة، فيشرب خارج البيت، في الحانات أو عند الأصحاب، ويعود أواخر اللـّيل منهوكاً، "مجعلكاً"[5]، متّسخاً، يرتمي على السّرير وينام، غالباً، بثيابه... ومتأخّراً يفيق، غاضباً، مشاكساً، متنمّراً يخيف دلالاً، ويلوّح، أحياناً بالطّلاق.

 

لم تهن نفس دلال عليها! صارت مهملة، مهانة بعد ذلك العزّ. فصار أمر الدّفاع المشروع عن النّفس، وبكلّ الوسائل، ملحّاً. كيف؟

وهل تعدم الأنثى الجريح وسيلة للردّ والدّفاع عن النّفس؟

لتجرّب، أولاً، سلاحَ الغيرة. لعلّ الحبّ القديم، في قلب حسن، يُبعث حيّاً!

الغريم؟ وقعت عليه في عزّ الطّلب: "أبو صطيف"! 

أبو صطيف كان صبيّاً، من أولاد المحلّة، في عمر دلال. استهوته وفتنته أيّام كان يخدّم عند الجندرمة في "كركون"[6] السّويقة وفي السّراي الحكومي على التّلّ. كان يأتي بجزماتهم و"قِشْطهم"[7] سوق الكندرجيّة لرتقٍ ودرز ودهن، وينتظر ريثما يتمّ إصلاحها ليعود بما حمل. كان يتنسّم أخبار دلال، ويلاحقها في روحاتها وجيئاتها. يبقى بعيداً، وراءها، لا يجسر على التّحرّش بها، أو حتـّى مكالمتها. يقف سحاباتٍ من النّهار قبالة بيتها ينتظر طلّةً لها من شرفة، أو تمريرة كفٍّ من شبّاك، تفتح أو تقفل. دائماً عالق نظره في سماء بيتها حتى تكاد أن تتيبّس رقبته و"تبلقّ"[8] عيناه. كان يهيم بها، وكانت تحسّ بهيامه ولا تنزعج. ولربّما دلّلته بتلويحة أو ابتسامة فتضطرم النّار في قلبه... وكان أهل السّوق يتندّرون عليه، فلا يعبأ. ولربما يتلاعبون بمشاعره فلا يغتاظ. المهمّ أن تكون دلال هي الموضوع... إلى أن مكنت العلاقة بين حسن ودلال، وجدّ جدّهما، فزجر حسن أبو صطيف وحذّره، فغاب عن السّوق حتـّى كاد أن يصير نسياً منسيّاً. 

مرّت أعوام على غياب أبو صطيف عن السوق، فعاد، هذه المرّة، وقد نما، وعلت قامته، واستوى كتفاه، وطرّ شاربه. اكتملت رجولته الآن، وصار على جانب من وسامة. صار يتجوّل في كلّ أحياء طرابلس جسوراً، واثقاً من نفسه، يفقش بفنجانين بين أصابعه، وينادي:

-         قهوى. قهوى بالهال. قهوى سادة. قهوى، قهوى...

لقد صار أبو صطيف قهوجيّاً جوّالاً! 

في السّوق نُمي إلى أبو صطيف خبر دلال وما صارت تعاني منه مع حسن، فرقّ قلبه لحالها.  

وأفاقت به الذّكرى حنيناً إلى الأيّام الخوالي، أيّام الهيام الأولى، فتمنّى لو يستطيع أن يخطف دلالاً ويحملها على حصان مجنّح إلى مكان قصيّ لا يطالهما فيه حسن أو غير حسن، فيعوّضها سعادةً تستحقّها. لكنّ التّربية الاجتماعيّة، في تلك الأيّام، كانت تمنع على المرء أن يتدخّل في شؤون العائلات الخاصّة. ذلك كان من المحرّمات. لذلك لم يسع أبو صطيف إلى تواصل، ولم يخطّط لمشروع، بل راح يبيع قهوته في الشّوارع، يتذكّر دلالاً مرّة، وينشغل عنها مرّات... إلى أن التقاها، صدفة، في احد الشّوارع، مع جارة له، فبهت:

كيف كانت؟

كيف صارت؟

لكنّها دلال! عيناها، خدّاها، ابتسامتها!...

دلال أيضاً شدهت: أبو صطيف! صار رجلاً وسيماً...

آنذاك، عندما يكون الشّارع خالياً من الرّجال، كانت النّساء يرفعن البراقع السّوداء عن وجوههنّ، فإذا التقين برجل غريب يرمين البراقع. الآن، دلال عرفت أبو صطيف فلم ترم البرقع. بل حتـّى تأمّلته بعينيها اللاّمعتين، وهو يقف مبهوتاً، ينظر إليها من غير أن يتفوّه بكلمة. عجز عن الكلام. لكنّها، هي، ابتسمت له وقالت بصوتٍ يسمعه:

-         ابوصطيف؟! سمَلاّ[9]!

تابعت دلال طريقها لا مبالية. لا مبالية؟ لا. كانت مبالية جداً.

نزلت عليها المصادفة نزول وحيٍ سعيد، فراح عقلها يرسم...

أما أبو صطيف فبقي واقفاً، مبهوتاً، ينظر أمامه، وكأن دلالاً لا تزال هناك تبتسم له! ثمّ مضى ينادي:

-         قهوى بالهال، قهوى...

وبقي فكره، مرّة يأخذه ومرّة يردّه إلى دلال.

-         لم ترم البرقع... نظرت في وجهي مليّاً. كأنّ عينيها قالتا شيئاً! ماذا قالتا؟... لفظت اسمي. قالت: سمَلاّ. ماذا يعني كلّ ذلك؟ 

لم يجد بو صطيف جواباً شافياً. بقي حيران! 

ذلك اللـّقاء الصّدفة قد تكرّر. كلّ مرّة كان احتفاء دلال بـ"أبو صطيف" أقوى، والإشارات أكثر دلالة... صارت الرّسالة أوضح في ذهنه: دلال تريدني! 

واندفع أبو صطيف وراء علامات الوحي الجديد. صار يقصد حيّ "أبو سمرا" حيث تسكن دلال، فيمرّ أمام بيتها مرّة في النّهار، ثم أكثر من مرّة، ينادي بصوت صارخ على قهوته... وكانت دلال تخرج إلى السّطيحة سافرة، وبالقميص، تحمل ثوباً لتنشره، أو لتأتي بالمكنسة، أو لحجّة أخرى، تجيد النّساء اختلاق الكثير منها، متى أردْنَ... ثمّ تحوّل نشاطها في الإغراء إلى الشّبّاك المفتوح، تقف أمامه ترفع ساقها إلى ركنه، وتطوي ركبتها، وتتطاول ذراعها العارية تتقصّد مسح الزّجاج، فيتراجع ذيل القميص لتبدو البطّة الناصعة المكوّرة كأرنب أبيض، ناعم الملمس، يضغطها فخذ سمين، أملس، طريّ، مضيء، فيلتهب دماغ "أبو صطيف"، شاعراً أنّ هذه الحركات إنّما تخصّه بها دلال. لقد علق، وكانت دلال سعيدة لأنّ المرحلة الأولى من خطّتها قد أصابت نجاحاً! 

لم يلحظ حسن أنّ شيئاً ما يجري حول بيته. بل كيف يمكن أن يخطر في باله؟... وراحت دلال تنتظر صابرة أن يلحظ حسن ما يجري، فتتحرق شوقاً لترى ردّة فعله. كانت تلعب بالنّار! لكن، في ظنّها أنّها تلعب وحسب. وكي يستمرّ أبو صطيف في انجذابه إلى الجوار، وليثبت في إطار اللـّعبة، صار القميص يتراجع عن الفخذين أكثر فأكثر، وصار بَنْده، مرّات، ينملص عن الكتف ليتكشّف، من ناحية، عن ربوة بضّة تميل مبتعدة قليلاً عن ربوة قبالتها شبه مستورة، فيحترق الرّيق في حلق "أبو صطيف". كانت تمنّيه، وكانت أمنيّته أن ينبت في إبطيه جناحا باشق ليحطّ أمامها على الشّباك!...  إلى أن صادف حسن أبو صطيف في الحيّ عندما جاء إلى البيت، ظهيرة يومٍ، مبكراً عن عادته في الغداء، فتنبّه إحساسه بأنّ شيئاً هنا على غير ما يرام. لكنّه لم يحرّك ساكناً... في المصادفة التّالية ارتاب. فصار يفاجئ دلالاً في الحضور إلى البيت، في أوقاتٍ مختلفة من النّهار... وكثرت المصادفات حتـّى لم تعد مصادفات. في الأخيرة التي فاجأ فيها أبو صطيف قبالة الشباك، فار دمه، ونهره وحذّره، فتحدّاه أبو صطيف:

-         أنا حرّ! أبيع في كلّ شوارع المدينة وأحيائها. 

وصعد حسن إلى البيت قفزاً، مهتاجاً، ليجد دلالاً، الـّتي كانت نبّهتها ضوضاء الرّجلين، قد سوّت من شأنها وانصرفت تعمل، كالمعتاد، في شغل البيت. مع ذلك، ولفوران غضبه، شتمها وصفعها مرّات، فارتمت في زاوية الغرفة تنتحب في ضعف وانكسار، وتشهق ببراءة الأطفال الباكين، تقول، وهي تقارب ما بين فكيها، وتبوّق فمها، فيخرج صوتها طافحاً بالحنان:

-         تضربني يا حسن؟ الله يسامحك... أنا شو عملت؟

فسكن جأش حسن. همّ بأن يراضيها ويوآسيها... لكنّه تماسك وانفتل خارجاً ليفتّش عن أبو صطيف الذي اختفى. 

وكانت دلال، في قرارة نفسها، سعيدة جدّاً. 

في المساء، عاد حسن إلى البيت، تصطرع في نفسه مشاعر ونوازع... في مجلسه المعتاد وجد "الطبلية"[10] مغطّاة بقماش أبيض نظيف، مدّت فوقه صحاف ملأى بالمازات  الطّيّبة الـّتي يحبّ. في وسط الصحاف قنّينة طافحة وكأس مشعّة وإبريق ماء مندّى. دلال في زينتها جالسة تنتظره باسمة!...

 

نقل حسن نظره بين دلال وبين المائدة مرّات. ضعف. ندم. طفحت عيناه. لكنّه استذكر أبو صطيف فثارت شكوكه من جديد، فغضب وخرج حزيناً إلى حانةٍ يألفها عند الشاطئ، وشرب حتـّى انطفأ، فحمله أصحابه إلى ركن فيها، بات فيه حتـّى الصّباح، ليعود إلى الدّكّان في حالةٍ من يأس وضياع... ما كاد يستقرّ على كرسيه حتـّى استفزّه صوت ينادي:

-         قهوى...

-         هبّ حسن إلى ملاقاة أبو صطيف شاتماً مهدّداً.

فصمد له أبو صطيف رادّاً الشّتيمة ومتحدّياً. كادا يشتبكان، فسارع بعض أهل الشّارع وفصلوا بينهما مهدّئين . تابع أبو صطيف طريقه. لكنّه ما لبث أن عاد بعد الغداء ينادي على قهوته مناداة تستفزّ حسناً، فخرج إليه بالسّكّين التي يقصّ بها النّعل، فسارع الجيران وفصلوا بينهما لائمين حسناً:

-         عيب يا حسن! الرّجل يرتزق! لا يحقّ لك أن تمنعه. 

الآن كبر المشكل. 

ومضى نهار ونهارات أخر، من غير أن يستطيع حسن بلع الحادثة، وإن لم يعد يصادف أبو صطيف في حيّ أبو سمرا. لكنّ هذا بقي يعبر الشّارع بقهوته غير عابئ بما حصل، فيتلاقى الغريمان حذرين متجانبين إلى أن لاحظ  أبو صطيف أن حسناً يأتي إلى الدّكّان ويروح وزنّاره، تحت "السوكه"[11]، ينتأ بجسم صلب. فكّر: سلاح! حسن يحمل سلاحاً. يخيفني، يهدّدني. سأريه!

 

في ذلك الزّمان، كان للحكومة أنياب ومخالب. من كان يجرؤ على حمل سلاح غير مرخّص؟ بل من كان بإمكانه أن يحصل على ترخيص بسلاح مهما علا شأنه؟... كيف بإسكافيّ؟... في ذلك الزّمان كان الذّئب يرعى مع الغنم! كان الأمن ملء الوطن.

 

في يوم، بعد الغداء، كانت تعمر حسن سكرة غامرة! جاء أبو صطيف الشّارع ينادي على قهوته، فقفز حسن إلى باب الدّكّان وصرخ به:

-         ولاه! شو...

لم يكمل حسن صرخته المهدّدة حتـّى انهارت مقاومة أبو صطيف، ففرّ راجعاً. لم يندهش حسن. أدرك أن غريمه، الّذي له دالّة على الجندرمة، راح ليشي به، فاستعدّ قلبه ليواجه بشجاعة...

 

بعد برهة دخل جاره إليه ملهوفاً، قال:

-         عجّل. دبّر حالك. رجع أبو صطيف مع الجندرمة...

عجّل حسن بالخروج من الدّكّان متنمّراً قاصداً الشّرّ. صرخ في وجه الجندرمة بزأرة أسد:

-         زيح من الدّرب ولاه! زيح من الدّرب. اليوم يومكن يا "عكاريت".

 

وهرول يمشي موارباً، وجهه مرّةً إلى الدورية ومرّة باتّجاه مهربه نحو الأسواق الدّاخليّة. كتفه مائل. يداه مرفوعتان نصف رفعة، ممّا يجعل ذيل "السّوكة" يقبّ قليلاً فتبدو قبضة المسدّس السّوداء أمام الأعين، فتتوهّم الدّورية المؤلّفة من الشّاويش ومرافق، يتبعهما أبو صطيف من بعيد، أنّ حسناً يسهّل ليمناه سحب المسدّس وإطلاق النار، فتتهيّب الاقتحام... تابع حسن هربه في الأزقّة الضّيّقة بين السّابلة المذعورين، والمُطارِدُون يتبعونه بحذر، يسرعون إذا أسرع ويتوقّفون إذا توقّف؛ وإذا نتع برأسه ملتفتاً صوبهم مشيراً بيمناه إلى خاصرته اليسرى صارخاً: ولك يا "عكاريت"... يرتمون بأجسادهم إلى جدران الأبنية لاصقين أكتافهم بها وأيديهم إلى جنوبهم... وطالت المطاردة من زقاق إلى زقاق يضيّعون حسناً مرّةً، ويلمحونه أخرى. أعيوا فأرسلوا مخبراً من المحلّة، يتعامل معهم، إلى مخفر السّراي على التّلّ، يطلبون مدداً ليعزّزوا المطاردة الرّهيبة الّتي أقلقت المحلّة؛ فما لبث المدد أن جاء: ضابط وثلاثة أنفار. رسم الضّابط خطّته: ينصب كميناً مع نفرين عند مخرج الأسواق الداخليّة. ينضمّ الرّابع إلى الاثنين، فيستدرج الثّلاثة الطّريد إلى الكمين. واستأنفوا المطاردة فكأنّهم وراء شبح يظهر ويختفي. يطردون ويقاطبون، يسوقونه في اتّجاه محدّد... صبية وبعض رجال يتابعون الطّراد، قلوبهم مع حسن، وأصواتهم تحذّر:

-         أجْرَمْ حسن. أجْرَمْ...

-         حسن سكران. الله يستر!

-         شو عن تعمل يا حسن، يا بطل.

 

فكان هذا الضّجيج يزيد في رهبة الجندرمة... إلى أن وقع حسن في الكمين! صرخ به الضّابط:

-         مطرحك. رفاع دَيْك.

كان يمدّ يده صوب صدر حسن بمسدّس ملقّم:

-         أوعا تآتي بحركة. دَيْك لفوق، دَيْك لفوق!

نقّل حسن نظره بين الضّابط ومسارب الشارع مقفلة كل منها بنفر، يصوّب بندقية إلى صدر حسن. خلفه وصلت الدّورية المطاردة، شاويشها يصرخ صرخة الظّافر:

-         وقعت يا حسن، أوعا تتحرّك!

رفع حسن يديه عالياً، فتقدم الشّاويش بخطى واثقة، شجاعة، يتبعه نفران حذرين!

 

ظلّ حسن يرفع يديه عالياً، هادئ الجأش، يبتسم ابتسامة غامضة. طرف "سوكته"[12] مرفوع لارتفاع اليد اليسرى. المقبض الأسود ظاهر فوق الزّنّار القماشيّ الأصهب...

ضرب الشّاويش يده بخفّة، وبنشوة البطل الظّافر سحب المسدّس! القبضة صلبة، لكنّ المسدّس رخو في يمينه!...

فتح يده مذهولاً، فانكشف المسدّس الرهيب، مسدّس المجرم الخطر، طريد رجال الأمن:

إنّه "كِنْدرة" نسائيّة سوداء!...

"كندرة" نسائيّة جنّدت لها الحكومة مجمل قوّاتها من عاملة واحتياط!...

 

وانفجر حسن يقهقه ضاحكاً. صدره وبطنه يعلوان وينزلان مع موج ضحكه... وصفّق الجمهور المجتمع . قهقه وضجّ:

-         آه يا بطل، يا حسن!

-         لاه لاه  يا حسن يا قبضاي شو عملت.

-         كلّ عمرو حسن هيك. بالسّلم مهضوم وبالحرب كمان.

وخذ على تعليقات وسخرية من الحكومة.

 

كان الشّاويش لا يزال مذهولاً. ينظر إلى "الكندرة" في يده وإلى الضّابط قبالته. لا يدري ماذا يفعل!... إلى أن جاءه الأمر من فم الضّابط المستاء، والّذي عالج الموقف قبل أن يتأزمّ بالخروج منه:

-         سكّر المحضر والحقني إلى السّراي.

ورجع حسن مع الجمهور إلى دكّانه بزفّة  عريس.

 

[1] - السوق. فارسية.

[2] - الليمون الحامض. التسمية طرابلسيّة.

[3] - قصب السكرّ. تسمية شعبية.

[4] - الطيّب. المقبّلات ذات الطعوم الطيّبة. فارسيّة.

[5] - غير مرتّب. عاميّة من أصل سرياني.

[6] - مخفر الدرك. تركيّة. والجندرمة هم رجال الدرك وكان اللفظ هو المعتمد آنذاك.

[7] - جمع قشاط وهو سير من جلد. عاميّة.

[8] - تتساوى قسمة سوادها مع بياضها.

[9] - اسم الله. تعبير عن الإعجاب، ويذكر اسم الله درءاً لصيبة العين.

[10] - طاولة من خشب، قصيرة القوائم حتى يستطيع الجالس على الأرض تناول ما عليها. من أصل فرنسي.

[11] سترة جاكيت دخلت التركيّة من اللاتينيّة

[12] - الجاكيت. السترة. كانت اللفظة معتمدة آنذاك لا يعرف غيرها. الأصل لاتيني.

 

Electronic Edition designed by Webmaster Elie Abboud

All Rights Reserved

back to Zilal el Ams