back to Zilal el Ams

قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم

 

--- قصص تراثيّة ---

 حـرب العـلـمين

المواسم الصّيفيّة تتنافس. تريد ماءً. تشرب ولا تشبع. قيظ الصّيف حارق... ساقية "عين السّتّ" تعطي بكلّ طاقتها. "الشّاوي"[1] رائح جاءٍ عليها يضبط النّزّ اليسير في حوافيّها التّرابيّة، فلا يتحلّب منها، على طولها، ما يفي بشربة عصفور، ويشيل كلّ قشّة أو ورقة يابسة تعيق الجريان، ويقتل "السّلاطعين"[2] الّتي قد "تبخش"[3] المجرى.

الطلب، هذا العام، على الماء ملحاح، ملحاح! فالنّاس، كلّهم، زرعوا، ربعيّ و"لقّيس"[4]، بندورة ولوبيا وباذنجان وكوسى... هذه البقول تشرب كلّ ثمانية أيّام، وقد تحتمل العطش خمسة عشر يوماً إذا لم تضربها "شرقيّة"[5] حارقة. الذّرة تحتمل أكثر من عشرين يوماً، وهي على كلّ حال، ليست من ضيوف المطبخ اليوميّين، فيقسو عليها الشّاويّ و"يبَدّي"[6] البقول الّتي هي أكل الصّيف لوفرتها ولغناها بالماء، ولأنّها فرصة الفقراء، ينوّعون بها مأكلهم القائم خلال تسعة أشهر على البرغل وعلى قليل من البطاطا والقطاني[7]...

الملكيّات، على ساقية العين، بأجمعها تقريباً، صغيرة، يملكها فقراء. الكبيرة قليلة، أهمّها يملكها دير الرّسالة، ويملك المشايخ وبعض المتوجّهين ملكيّات متوسّطة. هذه الملكيّات لا يزرعها أصحابها بل شركاء. لكن هؤلاء الشّركاء يشعرون بقوّة فيهم مستمَدّة من قوّة أصحاب الأرض فيتوسّلون نفوذهم بالهدايا والتّملّق، فلا يتورّع هؤلاء عن اغتصاب حقوق الضّعفاء لصالح شركائهم، إنْ لم يكن طمعاً بالهدايا يكن رغبة بإثبات الوجود أو التّعظّم في عيون التّابعين أو التّلذّذ بممارسة التّسلّط.

وإذا أراد الدّير أن يستهلك حصّته من مصاريع[8] الماء مرّة واحدة فإنّ الماء سينحجب عن بقيّة الزّرّاع مدّة أسبوعين، فما إنْ تبدأ حصّة الأوّل منهم حتّى يكون الآخرون، كلّهم، في عطش فلا يأتي دور الأخير إلاّ بعد أن يكون زرعه قد يبس تماماً.

لذلك تقتضي عدّالة التّوزيع أن يكون تقطيع في الأدوار ومناوبة حتّى لا تحصل الأضرار... ويبقى الشّاويّ في جهدٍ جهيد، ولا سيّما في عزّ الصّيف، فهو بين أن يعدل أو أن يراعي مصلحته الذّاتيّة مع أصحاب الملكيّات الكبرى الّذين يطمعونه بعلاوات وإكراميّات، أو أن يرضخ لتهديد. وهو، أيضاً، كالحكومة الضّعيفة، إذا تصادم الأفرقاء الأقوياء تعطّلت سلطته، فوقف على الحياد يتفرّج، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً!... هذه السّنة تعطّلت سلطته فوقف على الحياد، معلناً أمام النّاس، ذات نهار أحد في حوش الكنيسة، بعد القدّاس:

-         يا جماعة، أنا العبد الفقير، شو طالع بإيدي لمّا الشّيخ والدّير بيختلفو عَ المَي؟ شو بعمل؟

وتجيئه الأصوات من حواليه:

-         شو بتعمل؟ بتمشّي الحقّ.

-         أنا دلّيت عَ الحقّ وين. بس لمّا الشّيخ يوقف قدّام الحقّ وبيمنعو يمشي عَ ساقية الدّير. ولمّا الدّير بيمنع المَي تمشي بساقية الشّيخ، كيف أنا بقدر مشّي الحقّ؟

-         اشتكي للحكومي!

-         أيّ حكومي؟ وين في حكومي تسمع للمعتّرين متلنا؟ ما الحكومي هنّي الحكومي؟ إذا الشّيخ عيّن " شيخ الصلح" هيدا بدّو يمشّي صالح مين؟ الدّير رسالة أجنبيّة عندو امتيازات. يعني أقوى من الحكومي. ليش أنتو غربا عن أورشليم؟

-         وحقوقنا، ورزاقنا وين بتروح؟

وتعلو الهمهمات والتّمتمات والتّذمّر والشّكوى... لكن على غير طائل. وحدهم الرّعاة الّذين لا زرع لهم يبتسمون شامتين، وينسحبون مردّدين:" فخّار يكسّر بعضو". وينسحبون لا مبالين، بينما يصرخ أحدهم وكأنّه يصرخ في قطيع:

-         خع ع ع ع ع ع ...

هذه المرّة بقي شركاء الدّير يتداولون ماء السّاقية في زراريعهم مدّة أسبوع، ليلاً نهاراً، فلا يكاد الماء يجري في التّراب السّاخن الّذي ما فتئت تضربه "الشّرقية" مدّة أسبوع... زراريع النّاس ذبلت وصارت مهدّدة باليباس. زراريع الدّير الّتي لم يصلها الماء، بعد، إذا بقيت تنتظر عودة الماء إليها، بعد نقلته المعتادة، ستيبس حتماً. لذلك حاول الشّمّاس[9] أن يثني الشّاويّ عن نقل الماء إلى أرض الشّيخ، صاحبة الدّور، فراح يغريه بالعلاوات ويعلّله بالهدايا ويؤجّله مصراعاً بعد مصراع... ثار شريك الدّير يريد حقّه من الماء فهدّد وتوعّد. صار الشّاوي بين مطرقة هذا وسندان ذاك، فكان أن طرح القضيّة أمام كلّ النّاس بعد قدّاس الأحد. إزاء استعفاء الشّاويّ وتعنّت الشّمّاس استشار شريك الشّيخ شيخه الّذي شجّعه:

-         الحقّ إلك! دِيْر المَي ولا تخاف!

لم يكن الشّريك يريد أن يسمع أكثر، فهرول إلى المسكور وهدر الماء باتّجاه زرعه، سعيداً بالتّحدّي الّذي لن يكلّفه شيئاً، مطمئنّاً إلى دعم الشّيخ الّذي سيواجه عنه... انذهل شركاء الدّير! مَنْ تجرّأ على قطع الماء عنهم؟ راجعوا الشّمّاس الّذي استدعى الشّاوي:

-         أنا ما خصّني. اصطفل[10] أنت والشّيخ. بدّك أنا أكسر الشّيخ؟ على كلّ حال، يا "فرير"، العوايد بتقول أنّو مالكن حقّ تاخدو حصّتكم مرّة واحدة. هالمرّة الحقّ مع الشّيخ!

-         ما قلنا لأ. بس طلبنا من جميلهم يصبرونا مصراع مصراعين. حرام هالشّركا المساكين بدّن يطعمو عيالهن.

-         التعتير واحد عَ شركا الدّير وعَ شركا المشايخ. كمان بقيّة الملاّكين الزّغار يلّي ما ألن حدا هنّي معتّرين، عندن عيال بدّا تاكل وناطرين دورن وحقّن. عَ الحساب أنتو يا "فرير"[11] أهل ديانة، العالم ناطرا منكن تساهل وسماح. حرام لا تقسو كتير عَ النّاس بالوقت الصّعب. النّاس بتتجزّا[12] لمّا ما في مجال تاخد كلّ حقها...

عندما كان الشّاوي ينطق بهذه الحكمة الفطريّة كان الشّمّاس يشعر بالمهانة فيحتقن غيظاً:

-         إذا أنت ما فيك تكسر الشّيخ، أنا فيّي.

قال ذلك وصرف الشّاويّ. ثمّ نهض غاضباً ومشى على السّاقية حتّى وصل إلى المسكور، فأعاد الماء إلى أرض الدّير، لكن ما كاد الماء يصل حتّى انقطع. فعاد وأعاد الماء إلى ساقيته. هكذا، صار الماء يجري لحظة في هذه السّاقية وأخرى في السّاقية المقابلة. هذا يقطع وذاك يقطع. والماء ساعة في ساقية شرقيّة وساعة في ساقية غربيّة، فلا يصل إلى زرع في الشرق أو إلى زرع في الغرب، والعطش في كلّ مكان ينتظر الرّواء. إلى ان انقضى النّهار.

كان الشّمّاس، على نزقه، ذكيّاً يحبّ الكيد ويجيد حبك الخطط. يعرف أنّ ثوبه الرّهبانيّ يحميه فلا تمتدّ يد إليه بالعنف. وفي الوقت نفسه ثوبه يحرجه فيستحي أن يبادىء بمدّ يد العنف، في شجار، إلى الآخرين... بعد تفكير وجد أنّ بالإمكان أن يربح الجولة بثوب يحمي المسكور فلا تجرؤ يد أن تمتدّ إليه. قام إلى الخزائن وجمع منها قماشاً: أخضر وأبيض وأحمر. خاط منها علماً. كان ذاك علم دولة إيطاليا! ثبّّته على عصاً، وحمله، عند الفجر، ومشى مشية الجنديّ الباسل إلى المسكور. حوّل الماء إلى أرض الدّير، وشكّ العلم في السدّ، ثمّ عاد إلى قواعده مطمئنّاً إلى النّصر.

بعد قليل وصل السّاقي، المقطوع الماء، إلى المسكور ملهوفاً، بعدأن كان قد ظنّ أنّ الأمور سارت في مجاريها على ما يروم، فأطلّ على ألوانٍ زاهية تخيّم فوق الماء. اقترب، فرفع يده إلى جبينه، تلقائيّاً، يكاد أن يأخذ تحيّة العلم، لولا أن غلب على سمعه خرير الماء الّذي يجري في الاتّجاه المعاكس!... ما العمل؟ ليردّ الماء في اتّجاه زرعه عليه أن يسقط علم إيطاليا، أن ينزعه، فيُدان بالاعتداء على دولة أجنبيّة، وتحقير رموزها وهي تهمة قد تذهب به إلى حبل المشنقة، فيصير شهيد البندورة والباذنجان، وهي شهادة حمراء سوداء لا يحبّها! إذاً، إلى شيخه ليرفع القضيّة... وقع الشّيخ في دهشة وحيرة. أيّ شيطان وسوس إلى شمّاس الدّير بمثل هذه الفكرة الجهنّميّة؟ أيخفي تحت جبّته شريك ملائكة أشرار أم ملائكة أبرار؟ هذا ما لم يكن في الحسبان! فكّر بردّ مناسب. لكن من غير طائل. لم يجد ردّاً مناسباً. الأمور كبرت. تعدّت الحدود. لم تعد مسألة كوسى وخيار، صارت أمميّة. شاهده والده العجوز المعتزل مرتبكاً قلقاً. سأله: " ما الخبر؟" بعد إلحاح، أخبره! ابتسم الشّيخ المتقاعد وقال:

-         هيّنة.

-         كيف؟ نعتدي على الطليان؟

-         كلاّ. يعتدي غيرنا عليهم ونحن نقطف الثّمار. بالكيل الّذي كالوا نكيل لهم.

-         إذاً، ماذا تنتظر؟ عجّل. إذا كانت العواقب مأمونة.

-         هي مأمونة تماماً. لكنّها مسألة أخلاق!

-         أيّة اخلاق؟ ما دخلها هنا؟

-         سيتعطّل تدفـّق الماء، على الجّميع، لساعات. قد يكون التّعطيل لأيّام. حسب...

-         حسب ماذا؟

-         حسب ضمير الخصم. إذا كان عنيداً ولم يرفع العلم من المسكور بيده تتأذّى المزروعات بانحباس الماء عنها، فيتضرّر النّاس.

-         المهمّ أن ننتصر.

-         قلت لك إنّها مسألة أخلاق.

-         دع الأخلاق، وهات، عجّل لنا بالانتصار على الطليان.

-         اسمع: في الخزانة القديمة علم دولتنا العليّة. كنّا نرفعه عند استقبال السّنجقدار والوالي. هناك أكثر من علم. خذ الأكبر، المطرّز، المتوهّج بحمرته المهيبة وفي وسطه هلال كبير في فمه نجمة. ثبّته على عصاً متينة، عالية، بحيث يُرى من بعيد. إصعد إلى أعلى السّاقية، قريباً من العين، حوّل الماء إلى الوادي وسدّ السّاقية جيّداً وشكّ علم دولتنا المحروسة في المسكور. هكذا ينقطع الماء عن رزق الدّير، ويبقى علم الطّليان في مكانه، محفوظاً له احترامه، لكن في مسكور جافّ!

-         وتقوم الضّجّة.

-         نعم تقوم الضّجّة. النّاس تريد ماءً. الماء يذهب هدراً في الوادي لا يفيد منه أحد. "قطع الأرزاق من قطع الأعناق" صحّ. العلم التّركيّ يحرس المسكور وهو أولى بالاحترام من أعلام الغرباء. فمن يجرؤ؟

-         لكنّنا سنكون الملومين!

-         البادىء أظلم. والشّاطر يخلّص نفسه. يبرّرها.

-         كيف؟

-         تهيّىء وفداً من الملاّكين " المنشافين". يذهبون إلى رئيس الدّير. يشتكون. يتكلّم باسمهم ملسان، يقول:" ما ذنبنا نحن الأبرياء المساكين؟ شمّاس الدّير بدأ. وصّلنا إلى هون. أعلام الدّوَل تتحارب على أرضنا ونحن ندفع الثّمَن، أرزاقنا الضّحيّة. ما ذنبنا؟ هل لنا قدرة على احتمال حروب الدّوَل؟ مَن نحن؟ واحدنا لا يكاد يحصّل لقمة عيشه وعيش عياله. شو صاير بالدّني يا بونا؟ ما حدا بيرحم؟ هيك علّمنا الإنجيل؟...

وهكذا...لم يكسل الشيخ النّشيط!

خيّم العلم العثمانيّ على أعلى السّاقية. وانحدر الماء العذب الزلال، متنوّع الخرير، صوب الوادي... الزّروع العطشى بقيت تنتظر انجلاء غبار حرب العلمين. أمّا وفد الأعيان فعاد مسروراً ممّا سمع ورأى عند رئيس الدّير الّذي استدعى الشّمّاس إلى المحضر وأسمعه توبيخاً قاسياً أمام الجّميع. أمره:"... قوّموا سبل الرّبّ. تعقـّلوا. دعوا الماء يجري في سبله المستقيمة. كفى خسائر. نحن نعوّض ما أمكن، والله يعوّض على الجّميع".

وعادت المياه إلى مجاريها.

 

[1] الشّاويّ: ناظر الماء الّذي يسهر على توزيع حصصه على الحقول المزروعة. يسمّونه في أماكن اخرى "سوّاق"، وفي غير اماكن تسميات أخرى تركيّة.

[2] مفردها سَلطعون أي السرطان وهو حيوان من القشريّات العشريّة الأرجل يحمل عقّاصتين يدافع بهما عن نفسه. يعيش في المياه المالحة والعذبة.

[3] ثقب. عاميّة

[4] متأخّر ضدّ ربعيّ أي متقدّم. لفظة سريانيّة

[5] هواء حار يهبّ أحياناً في صيف هذه البلاد

[6] يفضّل يبتدىء به. عامّيّة

[7] حبوب كالعدس والفاصوليا والحمّص...

[8] المصراع: إثنتا عشرة ساعة ليلاً أو نهاراً

[9] الشمّاس هو خادم الدير أو مساعد الكاهن. سريانيّة

[10] إصطفّ لك. أي إختَر ما تريد أن تفعله. صيغة عامّيّة

[11] يا أخ، فرنسية. مناداة تعوّد عليها الناس في مخاطبة شمّاس الدير.

[12] تأخذ جزءاً من حقّها ريثما يسمع الظرف. عامّية

 

Electronic Edition designed by Webmaster Elie Abboud

All Rights Reserved

back to Zilal el Ams