Webmaster Elie Abboud

back to Dr. Fouad Salloum page


القبيات

تكرّم الكاهن

د. فؤاد سلوم

 

مجلة الرعية، العدد 239 تاريخ تشرين الأول 1988

 

احتفلت القبيات مؤخراً بيوبيل الأب اغوسطين الكرملي الكهنوتي الذهبي. وبهذه المناسبة السعيدة أرسل إلينا الأستاذ فؤاد سلوم نص الكلمة التي القاها في الاحتفال.

ولا يمكن اسرة الرعية بهذه المناسبة الا ان تتمنى للقبيات العزيزة، المتمسكة بإيمانها المسيحي، الخير والسلام بعد موجة العنف التي أثارتها عليها الأيادي الخبيثة الشريرة التي لا تزال تعيش في هذا البلد شرّاً وفساداً.

وفي ما يلي نص كلمة الاستاذ سلّوم:

 

 

من نكرّم في شخص المحتفى به؟

أنكرّم الأب اغوسطينوس النسيب؟ أم الصديق؟

أم الزميل، أم الجار، أم المربي، أم المواطن الحق؟! إنها صفات فيه تستحق، ولا شك، كل تقدير وكل إكرام، لكنها لا تحتاج إلى كثير من الانبهار...

 

أما الصفة التي تستحق إكباراً وإنبهاراً في الأب اغوسطينوس، فهي كهنوت عظيم، كهنوت نقي، حمل سرّه هذا الانسان الضعيف، طيلة خمسين عاماً، حمل سرّه في القلب والفكر واللسان واليد، وما من وهن، أو ناء يوماً بحمل ثقيل، ولا تذمّر من تعب، لأنّه وإن كان الجسد ضعيفاً فإن الروح فيه قوي، على مثال معلمه، معلمنا، السيد المسيح له المجد.

 

إنه كهنوت ذهبي فعلاً، لا يصدئه كرّ السنين، ولا ينال من وهج فرّ الليالي.

 

الـكاهن المسيحي، أيها السادة، واسطة العقد بين الله والإنسان، وبين الكنيسة والعالم. هو من ناحية يوزّع الله على الناس، ومن ناحية أخرى، يأتي بالناس الى الكنيسة، يدمجهم في جسد الكنيسة، اي في جسد المسيح.

 

هذا الوجه، في الكهنوت، خطير جدّاً، لكنه ليس موضوع كلامي، بل الموضوع، هو الوجه الآخر، المتلازم معه كوجهي العملة، عنيت دور الكاهن في خلق الحضارة.

 

نعم، إن الكهنوت صانع الحضارة منذ وجد الانسان على وجه الأرض، وجد الانسان فأحسّ بالحاجة الى إله. إخترع الإله فوجد نفسه محتاجاً الى وسيط متفرّغ، يقوده إليه، فوجد الكاهن.

 

عند عتبة الوجود، كان الكاهن، دائماً، رائداً للإنسان في غير سعيه اليومي الى كل ما يشبع الجسد. الإنسان ليس جسداً وحسب، انه جسد وروح، فقلق الإنسان إلى ما يشبع الروح. وهكذا، كان الكهنوت رسالة لا يمكن الاستغناء عنها في كل زمان وكل مكان، وهو ما حدا بفيلسوف عصري ليقول: مدينة بلا كاهن تبدو غير إنسانية.

 

التنظيم شكل من أشكال الحضارة. وأول إشكال التنظيم كان في أول شكل من أشكال العبادة على الأرض. تلك العبادة هي العبادة التوتمية. عبد الإنسان التوتمي ما توهمه جداً لسلالته، فاختار من يصلح للقيام بطقوس تلك العبادة، فكان له كهنته، خدّام هيكله البسيط.

 

وتتابعت الحضارات ترمي بظلالها على وجه الأرض الحرّان، يحمل الكهنة ألويتها، فبرزت حضارات وسمت تاريخ الوجود بعلامات مميّزة، فكانت السومرية والبابلية والفينيقية واليونانية والهندية وكثير غيرها.

 

قبل اهتداء الإنسان إلى الإله الواحد، اخترع آلهة كثيرين، فبنى كثيراً من المعابد وسام كثيراً من الكهنة. وكانت لتلك الآلهة، صفات انسانية، وقدرة متفوقة، فخافها الإنسان وسعى إلى إرضائها بواسطة الكهنة، فقادوه الى مضاعفة الجهد: فلح وزرع، بنى واحترف، فازدهرت الزراعة والصناعة والخدمات. على هذا الأساس نشأت الحضارة الفرعونية أم الحضارات، وعلى يد كهنتها كانت الهيروغليفية أول الكتابات. وعظم دور الكهنة إلى درجة ان الفرعون، صاحب السلطة العليا، الذي كان أشبه بإله، اشتهى أن يترهّب لإله خاص، فاخترع أتون وقلب اسمه من أمينوفيس إلى أخناتون جاعلاً من نفسه خادماً.

 

وعلى هذا الأساس ايضاً، حول المعبد، وعلى يد الكهنة قامت الحضارة اليونانية، أعظم الحضارات القديمة، واشتهر كهنتها وعرّافوها، وإنما سمّي الكاهن عرّافاً لأنه كان كثير المعرفة، وان كانت تلك المعرفة على قدر ذلك الزمان.

 

أما حضارة اليوم التي نتمتع بعطاءاتها، وتفاخر بها الأزمنة، فإنها بقيت إلى ما بعد منتصف هذا القرن العشرين، تسمّى الحضارة المسيحية، وذلك لأنها نشأت في أوروبا حول الأديار، على يد رجال الدين المسيحيين.

 

لقد تفرغ الرهبان منذ القرون الوسطى للعلم، فحوّلوا مكاتبهم إلى صوامع للفكر، وأقبيتهم إلى معامل ومختبرات، وقلاليهم الى مشافٍ، وقاعاتهم الفسيحة إلى مدارس، ولا تزال "السوربون"، أعظم جامعات العالم اليوم، تشهد على نشأتها اللاهوتية على يد رجل دين كان أول من أسّس جامعة وذلك القرن الثالث عشر.

 

لقد حمل الرهبان منذ ذلك الوقت وزر عدّة وزارات، حملوا أعباء ما يسمّى اليوم وزارة التربية، فأمسكوا التعليم، وهو أساس الحضارة، بكل قضاياه. وحملوا عبء وزارة الصحة فكانوا الصيادلة والاطباء والممرضين. وحملوا عبء وزارة الشؤون الاجتماعية، فأسّسوا الجمعيات، اهتموا بالفقراء وأداروا المياتم وانشأوا دور العجزة. وإذا اهتم الملوك، ملوك ذلك الزمان، بالصيد والنساء، تركوا أعباء الادارة والموظفين على كاهل رجال الدين، فما تقدّم الزمن، قليلاً، حتى كان، قمة السياسة، ريشليو ومازاران. في دنيا الفكر، حمل مئات منهم المشاعل، فلمعت نجوم قديسين منهم، تضيء السماء بنور القداسة وتنير ارض البشر بضوء الفكر الرفيع، فكان للبشرية القديس توما الأكويني وكانت الموسوعة الالهية وكان القديس اغوسطينوس وكانت "مدينة الله" و"الاعترافات".

 

أما في العصور الحديثة، فمن يستطيع، إذا ذكر الفكر، أن يغفل أمثال تيلاردي شاردان، ونادونسال، ودانيلو، وكونغار ولاكوست وسواهم كثيرين؟

 

ونحن في لبنان، اما قامت نهضتنا على اكتاف الرهبان؟

 

في القديم، ذاع في اوروبا قول مأثور، فقالوا: فلان عالم كماروني. وانما قالوا ذلك لأنه رسخ في اذهانهم علم اساتذة جامعاتهم وامناء مكتباتهم من العلماء الموارنة امثال: الصهيوني والحاقلاني والحصروني والشدراوي والسمعاني وغيرهم ممن بقي في اوروبا يعلّم ويؤلف ويبحث، او من رفاقهم الذين عادوا الى لبنان؟ فأقاموا، في كل قبو، وتحت كل سنديانة، مدرسة. ثم جاء انعقاد المجمع اللبناني سنة 1736 فكرّس نشاطهم التربوي هذا، وجعله صنواً لنشاط الكاهن الروحي.

 

ومن جرّاء ذلك اضطرّ عدو للرهبان وخصم للاديار، فيلسوف ساخر رحّالة، هو قولناي، الى ان يقول عن لبنان، بعد ان تجول في البلاد العربية: "لا حضارة حيث لا رهبانية".

 

فعلاً ازدهرت قرانا، تلك التي شهد لها قولناي، حول الاديار، فأضيف كثير من اسمائها الى الدير، وعلّم الرهبان اجدادنا العلوم المدرسية تحت السنديانة، وعلّموهم الزراعة في حقول الدير، وفي أقبيته علّموهم كل الحرف من حدادة ودباغة ونجارة وتصبين وسوى ذلك ...

 

ولما حاول الاتراك القضاء على اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، انبرى لهم الرهبان فصانوها في اديرتهم، شذّبوها ونقّوها وجلوها، ثم بعثوها بياناً ساحراً على أقلام أدباء لبنان، وذلك منذ المطران جرمانوس فرحات وحتى أكبر فقهاء اللغة العربية، بشهادة أئمتهم، وهو الأب أنستاس الكرملي.

 

أما في التاريخ والجغرافيا وعلم الآثار، واما في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي، وأما في العمل الانساني، فإن الورق لا يتسع لذكر الآلاف من الرهبان والاهبات الذين نبشوا تاريخنا، وعلمنوا أرضنا، وعنونوا آثارنا، ودرسوا اقتصادنا، وساعدوا فقراءنا ومسحوا جراح مرضانا في كل دير ومستشفى.

 

بعد كل هذا ماذا يمكن أن أقول؟ وماذا لا أقول؟ أيها الأب أغوسطين!

 

حاولنا أن نعطيك وفاءً في يوم يوبيلك، فارتدّ عطاؤنا الينا، لانك الشهادة والشاهد، ولأنك العطاء.

 

وأنت ايها الأب جورج نكد، يا ابن بلدة القديس شربل، ثق ان احتفاءنا بك لا يقلّ عن احتفائنا بالأب أغوسطينوس، فهنيئاً لك يومك الذهبي.

 

وأنتم أيها الآباء الكرمليون!

 

يحسدنا عليكم من ليس لهم آباء مثلكم، فان تحاسد الناس، يوماً، في جبل لبنان، فقالوا: نيّال من له تينة سوداء، يرمزون الى رهبان الموارنة، فنحن هنا في القبيات، هنيئاً لنا تيناتنا البنّيات.

 

د. فؤاد سلوم

Webmaster Elie Abboud

back to Dr. Fouad Salloum page