back to Dr. Fouad Salloum page

أنـتم قَـدَرُنـا

 

(قصة من كتاب الدكتور فؤاد سلوم الجديد بعنوان: "العودة الى دوارة الاعرج". قيد الاعداد)

 

تمتدّ قرية "الصالحية" فوق منبسط عند سفح تلَّة "عصف الريح". سكّانها أكثرية مسلمة وأقلّيّة مسيحيّة. كان المسيحيّون أكثريّة، وكانوا أصحاب الأملاك الخصيبة. كانوا الأصل في القرية، فكان يفد إليهم، بين الحين والحين، عائلات مسلمة تعمل في الأراضي التي تعشق الأيدي الخشنة، وتكافئها بيانع الثمر. كان المسيحيّون يدفعون بدل أتعاب بعض العاملين على الأرض قطعاً صغيرة منها، ويصبرون عليهم بما تبقَى من ثمن، ريثما تيسّر الحال. كانت هذه السياسة تعتبر في رأي بعض العقلاء الذين يستشرفون المستقبل، سياسة عدم تبصّر. أما أولئك العمَال فكانوا يبنون على تلك الأراضي المكتسبة بيوتاً لعيالهم.


كانت الحياة آنئذٍ، في قريَة "الصالحية"‘ تسير سيراً ليّناً، خالياً من أيَّة متاعب، وكانت الحياة هنيئة.


كانت القرية تتلقَى أوَل قبلة للشمس عند بزوغها، وكان يشعر بدفئها كلّ الأهالي. وكان المساء ينزل رقيقاً في الصيف، ثقيلاً في الشتاء، لا يخاف عتمته أحد، إن رقّ وإن ثقل، وإن استشمّت جدران بيوتهم الوحوش.


أما النجوم فكانت تتراقص فوق تلّة "عصف الريح"، وعلى التلال المتناظرة حولها. وكان القمر يغزل الأشعّة فوق كروم التلّة، فتتلوّن العناقيد بالذهب، ويتوارى البعض الآخر حيّياً بين الورق. ولأنها تلّة "عصف الريح"، فإن الريح كانت تعصف برأسها فتميت الدوالي، لذلك عمّمها الأهالي بشجر السرو مصدّاً للرياح، فانكسرت شوكة الريح، وعرَّشت الدوالي.


وكان الرعاة يخرجون صبحاً، وتتوزّع قطعانهم في البراري السخيَة، ترتعي عشباً نديّاً، مباحاً، ورعاتها محمد وجرجس شريكان في قطيع، وحسين وطنوس في قطيعين يسرح أحدهما على المنبطح، والآخر في الوهدة المجاورة، وعدوّهما واحد هو الذئب. وكانت المنجيرات تصدح في أفواه الرعيان، تتجاوب أصداءها، تأتلف وتتمايز، وفي الحالين تشرح الصدور.


وكانت المواسم مدرارة، يسارع إلى قطافها أصحابها متعاونين : اليوم في حقل مصطفى وغداً في حقل سمعان، والكل يغنّي، تتناقر أبيات العتابا وتتصافى في المواويل. تطلع زينب بسحبة "ابو الزلف" فتكسر عليها مرتا في الميجنا، ولكلّ واحدة مشجّعون وردّيدة من شبّان وصبايا. كانت المواسم مهرجانات فرح ينتشي فيها أهالي قرية الصالحية أسابيع.


وكان التكافل الاجتماعي اسلوب عيش معتاد عند أهل الصالحيّة، فلا تكاد تجد بينهم فقيراً. تنفق بقرة واحد منهم فيعملون "لمّة" يجمعون منها ما يقارب ثمن بقرة. ينهدّ حائط بيت فيسارع اهل النخوة، وكلّهم أهل نخوة، فيردّون المتهدّم إلى ما كان عليه. يمرض فقير فيؤازره الجار وجار الجار. في الأفراح تأتي الهدايا من كل حدب و صوب. في الأحزان لا يطبخ أهل الفقيد في بيتهم، بل تأتيهم الصواني العامرة أياماً. يحتاج أحدهم أن يستدين سدّاً لضائقة ما، فيعرض عليه ميسور من هنا وآخر من هناك، ولا يأكلون ربىً على دين.


فرح العائلة فرح القرية وحزنها حزنها.


ولتنظيم السلطة في القرية لم يشأ المسلمون، وهم الأكثرية، أن يأخذوا رئاسة البلدية من المسيحيّين، بل تركوها، كما كانت، بيدهم، لكنهم أخذوا مشيخة الصلح، أي المخترة، فكان منهم المختار وأعضاء المخترة، ورئيس البلدية من المسيحيين. ومع كاهن الرعيَة و إمام الجامع وأعضاء المخترة والبلدية، و كبار الوجهاء، تكوّن برلمان في قرية الصالحية يبتّ في كل شأن من شؤون هذا المجتمع الصغير. آنئذٍ كانت قرية الصالحية، ترتع في أمان ورفاهيّة، وكانت نموذجيّة في تكوين تعدُّدي منسجم.


لكنَ دوام الحال من المحال، كما يقال، وإن النعم لا تدوم، وإن طوارئ الحدثان غالباً ما تأتي بالنوائب، وأن المياه لا بد أن يعروها اعتكار !...


ذات يوم حلّ إمام ضيفاً على كبير وجهاء المسلمين. و كان حديث بينهما امتدّ امتداد السهر. آخر الكلام كان سؤالاً من الضيف:
- لماذا رئاسة البلدية بيدهم طالما أنتم الغالبيّة الساحقة؟
- ماذا تعني ؟ هل تريد من الأكثرية الساحقة أن تسحق الأخوّة بين الشركاء في العيش المطمئن في مثل هذه القرية الجميلة الهانئة؟
- لا اقصد السحق. أقصد قيام المبدأ المعروف، المشروع، الذي هو قيام الديمقراطية. الأغلبية تحكم. هذا حقكم!
- في الحقيقة، نحن، هنا، لا نفرّق بين مسيحي و مسلم. نصلّي في جامع إلى جانب الكنيسة التي كانت قائمة عندما جئنا، و التي يصلِّي فيها المسيحيّون. كلنا "صالحيّون" قريتنا أمّ لنا وأب و كلّنا الأبناء. هكذا نشأنا معاً وهكذا تعوّدنا، ونحن، كلانا، راضون تمام الرضى بما هو قائم، فلماذا نطلب البديل؟ و لماذا نعكِّر ماءً عذباً نشرب منه جميعاً؟
- هل صار طلب الحقّ تعكيرًا للماء؟ أنتم أكثريّة وأنتم اصحاب الحق الذي لا ينكره عليكم منكر!
- صحيح نحن أكثرية. لكن كيف صرنا أكثرية؟ هم صيّرونا، هنا، أكثريّة. جئنا أفراداً، وقليلنا، أزواجاً. عملنا عندهم وتقاضينا أجوراً. ما بخلوا علينا بشيء. باعونا قطع أرض وصبروا علينا بإيفاء الثمن، ليس إلى أجل محدّد، بل إلى أن تتيسّر الحال. بنينا بيوتاً وسخوا على أكثرنا بإعانات. تزاوجنا، الواحد منّا بأكثر من إمراة، هكذا أنجبنا أبناءً كثيرين. بأموالهم تملّكنا، بها بنينا و تزوّجنا وأنجبنا. بكثرة الانجاب صرنا اكثرية وليس بإنجازات قمنا بها، فانحاز إلينا الناس لنصير أكثرية. هذا سرّ الديمقراطية، اي كسب الشعبيّة بالإنجازات والخدمات، وصوابيّة المواقف، وليس بزخم الإنجاب. الديمقراطية، أيضاً، تكون إذا كان الناس من نسيج واحد، ويتنافسون على خدمة المجتمع، ولا تكون بأكثرية إثنيّة وبأقلّية إثنيّة، وإلاّ، بربك قل لي: إذا أساءت الاكثرية في حكمها، وإذا قصّرت في انجاز المشاريع، في تلبية حاجات المواطن، وفي توفير كرامته، هل يمكن أن يتغيّر رأي الاكثرية فتلتحق بالاقلّية لتتحول الى اكثريّة؟ طبعاً هذا لن يكون، بل ستزيد الاكثرية بقوّة الانجاب وسيبقى ولاؤها للطائفة أو العشيرة.


هذا ذكّرني بولاء الشاعر الغزّي لعشيرته رغم اعترافه بضلالها، قال:
بذلت لهم نصحي عند منعطف اللوي
فلم يستبينوا الرشد إلا من ضحى الغد
هل أنا إلا من غزيّة؟ إذا غوت
غويت وإن ترشد غزِيّة أرشد


- أعجبتني مرافعتك، لكنها لم تغيّر من قناعتي. دعني أسألك: إذا صرت أنت رئيساً للبلدية، وهو منصب يليق بك، هل ستهمل مصالحهم؟ هل ستتعالى عليهم؟ هل ستتعامل معهم على غير ما ستتعامل مع جماعتك؟ هل يمكن ألاّ تنصفهم ؟لا أظنك ستفعل. أنت رجل على خلق وستلتزم النزاهة. ثم لا تنسَ أن المسلم لا يجوز له أن يخضع لحكم من ليس بمسلم إذا كان في مقدوره ان تكون السلطة له. أنتم بمقدوركم أن تكون السلطة لكم....


تصبح على خير!
وهكذا انقلب كل منهما الى مخدعه.


لم يصل الإمام الى نتيجة مع محدّثه، لكن كلامه ترك صدىً.


مرّ زمن على هذا الحدث ودامت الامور في القرية على حالها، الى أن وصل، ذات يوم، الى القرية مواطن مغترب، من إحدى دول الخليج وقد جنى أموالاً طائلة، بطريقة ما. نوى هذا المغترب أن يبيِّض أمواله باستثمارات بريئة في ظاهرها. بعد إقامة قصيرة رأى أن الفرصة سانحة ليكاشف أهله في نيته. قال: كنيستكم بدا عليها القدم، لم يعد وجهها مشرقاً، لا من داخل ولا من خارج. برج الجرس على سطح الكنيسة واطئ. انظروا الى جانب الباب، الحائط متشقّق من الإرتجاج الذي يحدثه قرع الجرس! يلزم الكنيسة برج جديد، عالٍ، فوقه صليب، يضاهي مئذنة الجامع في ارتفاعه، إن لم يكن أعلى. أنا أتبرع بالتكاليف، وانتم تقدمون الايدي العاملة، يعنى عونة...


ثم ماذا حصل لكم؟ قبل أن اسافر كانت جميع أملاك القرية بأيدينا. كلّنا كنا نعتني بالأرض، نعزق، نحرث، نشذّب، ونقطف قطفاً يانعاً. كانت تلك أياماً مباركة. صحيح كنا نستعين بإخواننا من الجماعة، كانوا يعيشون بيننا، مُرحّباً بهم، لكن لم نكن نبيعهم أراضينا. لم يكونوا يتملّكون و يبنون...


الذي حصل قد حصل. لكن لماذا تستمرّون في بيع اراضيكم لهم ويبقى اولادكم بلا ارض في قريتهم؟ يتوظّفون ليعملوا بجهد أقل، وبدخل لا يوازي ما قد تغلّه أرضهم فيما لو أحسنوا استغلالها.


أبناؤنا يبحثون عن الرفاهية، عن اللهو، يحرثون علب الليل، ويحصدون الصداع! يسكنون في شقق مؤجّرة، قليلاً ما تكون مملوكة، لكنها معلّقة في فضاء لا تحتضنها حدائق، ولا تغازلها طيور، بل تقابلها حوائط الإسمنت. إنهم اشبه بالمتشرّدين. مع ذلك، وإن لم يكن من بدّ، وتصرّون على بيع أراضيكم، فلماذا تبيعونها للمسلمين؟ لتصبحوا بلا ارض؟ بلا حضانة، بلا موئل يعود إليه ابناؤكم إذا دعت الحاجة؟ بلا وطن، فكأنكم غرباء؟ أنا أريد أن استثمر في هذه القرية الجميلة، قرية آبائي وأجدادي. بيعوني وبأيّ ثمن!...


عرض سخي وإن كان يضمر ما لا يعلن. ترك أثراً ايجابياً في نفوس المسيحيين. وجدوه إيجابيّاً، لا غبار عليه ولا يسيء إلى أحد.


وجاء زمن آخر! في هذا الزمن تخرّج ميلاد، إبن راحيل الأرملة، أم ميلاد، تخرّج من ثانوية في بلدةٍ مجاورة، وهو يزمع أن يذهب في العام الدراسي القابل إلى الجامعة في بيروت. الحياة في بيروت مهلكة للمال، وراحيل الأرملة مغلوبة على أمرها! من أين لها المال الذي ترميه في فوهة بيروت التي لا تشبع؟ لكن لراحيل قطعة أرض صغيرة في موقع مثير للشهيّة، عند مصب عين الضيعة. أرضها رسوبيّة مفروشة بالطمي الذي تجرفه سيول الوادي في الشتاء، وتراكمه في هذه القطعة الصغيرة. لا يمكن أن ينظر العابر أو المستريح في ظلّ شجرة العين إلى هذه القطعة إلا ويرقص قلبه في صدره لمنظر الاخضرار اليانع في هذه البقعة الصغيرة، والذي يبقى ولا يصوَّح، حتى دخول كانون الأوّل. الخصوبة والماء حياة الزرع الزاهية.


أم ميلاد عرضت هذه الأرض للبيع. صحيح أن الرزق غالٍ، وأن هذه القطعة تمتاز في موقعها وفي خصوبتها، لكن ميلاد أغلى في قلب أمّه، ومستقبله أهم من الأرض. وصحيح أن الأرض في القرى اللبنانية عزيزة في نفوس أصحابها لأنها كانت دائماً مصدر الحياة الحرّة، ولهذا السبب يساوونها بالبنين، فتغنّج الأمّ طفلها، تقول له : يا رزقاتي! لكن في العصر الحديث طرأ مصدر جديد للحياة العزيزة الحرّة، هو العلم. صار اللبناني يبيع طروشه، ويبيع أرضه، ليرسل أبناءه إلى المدارس. كم و كم من الأراضي بيعت في قرى لبنان من أجل إرسال الابناء إلى المدارس!


لكن المشكلة في أرض راحيل أنها مشتهاة. الكلّ يرغب في اقتناءها، وعلى رأس الراغبين المغترب العائد، الذي عرض ثمناً فاق كل التوقعات، وأثار قدراً كبيراً من الضغائن.


في محاولة لإزالة أسباب الضغائن اقترح أعضاء في البلدية أن يشتري المجلس البلدي هذه القطعة لصالح البلدية، لكن الصندوق البلدي لم يكن في مقدوره أن يدفع القيمة المعروضة من المغترب، فاقترح بعض الأعضاء أن تمتلك البلدية الأرض بقوّة القانون، أي الإستملاك، لتجعل منها ملعباً لأطفال الضيعة، أو موقفاً للسيارات التي يمكن أن تزدحم مستقبلاً، كما في كل القرى.


هنا انقسم المجلس البلدي، المسيحيون، بمن فيهم الرئيس، انحازوا إلى راحيل التي ستفيد من ثمن عالٍ يدفعه المغترب، والمسلمون يريدون الإستملاك بذريعة المصلحة العامة. وكما انقسم المجلس البلدي انقسمت الضيعة، وصارت على شفير الطلاق. وفي وقت طال بين أخذ وردّ، اشترى المغترب الأرض، وتأمّنت سنة ميلاد الجامعيّة، بل أكثر.


أخذ التشنّج بأحوال الضيعة، وزاد أن المسيحيين أقاموا برجاً لجرس الكنيسة يضاهي مئذنة الجامع. اعتبر المسلمون ذلك تحدّياً. وزاد أن من أراد أن يبيع أرضاً كان يبيعها من المغترب الذي يدفع أثماناً عالية، ممّا اعتبره المسلمون اغتصاباً و ليس شراءً. بدأت العلاقات تفتر شيئاً فشيئاً بين الحيّين. لقد فعل الكلام الذي قاله الإمام لمضيفه، الوجيه الكبير، فعله في مثل هذه الظروف فصار يسوّقه بين جماعته، وكان جلّ تركيزه على رئاسة البلدية :لماذا تبقى في يد الفريق الآخر؟... كانت رَدّة فعل أعضاء البلدية المسلمين أن استقالوا، فسقطت البلدية. أجريت انتخابات فرعية، ففاز المسلمون بطبيعة الحال، وبالأكثرية الساحقة. ترشح الوجيه الكبير للرئاسة وفاز. صدم المسيحيّون : لقد انكسر الميثاق، وصار انقلاب على العهود... لم يكتفِ الرئيس الجديد بالفوز، خلافاً للميثاق، بل صعّد من التحدّي، وأبدل موظّفي البلدية القدامى بجدد من جماعته، كذلك فعل بعناصر الشرطة البلدية. وامتدّ الاستئثار إلى كل شأن من الشؤون، إلى درجة ان خرج المسيحيّون من الحياة العامّة في القرية خروجاً تامّاً...زيادة في استفراس المسلمين صار إذا اختلف اثنان يسارع المسلمون إلى مناصرة أخيهم في الطائفة، ظالماً كان أم مظلوماً، فينهزم المسيحي، وينكفئ إلى بيته ذليلاً. كل ذلك جعل المسيحيين يقولون :هذه لم تعد قرية "الصالحية"، لم تعد تلك التي عرفها آباؤنا واجدادنا، وعرفناها نحن إلى أمد قريب ! كيف نعيش اذّلاء في أرضنا وبيتنا؟...تشاوروا :هذه الحياة لم تعد تطاق!...نرحل !


خلال شهر تهيّأوا للرحيل في اتجاه بلدة مسيحيّة مجاورة. تناهى الخبر الى المسلمين. لم يصدّقوا: هذا أمر لا يقبله عقل !...لكنهم اضطروا إلى التصديق عندما رأوا إعلانات مرفوعة فوق البيوت، ومعلّقة على الحقول، حتى على جذوع الاشجار: للبيع. كذلك تناهى إلى سمعهم أن إخوانهم المسيحيين حدّدوا يوماً معلوماً يجتمعون فيه، في ساحة الضيعة، و ينطلقون راحلين مشية رجل واحد. رغم ذلك لم يصدقوا. تواصلوا مع إخوانهم فوجدوهم مصمّمين. حاولوا إقناعهم : عبثاً. و مع ذلك لم يصدّقوا : هل هذه حكاية خيالية؟


من قال إن الخيال لا يكون، أحياناً، أصدق من الواقع وأمرّ؟


مع ذلك تشاوروا فيما بينهم : يجب الّا يحصل هذا باي ثمن. اقترح عاقل منهم : ندعهم يرحلون ريثما يتنفّس احتقانهم. نلحق بهم نحن وعيالنا، مثلهم، مشية رجل واحد، لا نقترب منهم و لا نتخلّف حتى منتصف الطريق. يلاحظون إصرارنا، مع أطفالنا، على اللحاق بهم. عندئذ لا بدّ أن يتوقفوا ويسألوا: ماذا نريد؟ نؤكد لهم : لن نعيش من دونكم في قرية الصالحيّة". أخطأنا بحقكم واليوم نريد أن نصلح خطأنا. تبقوا نبقى. ترحلوا نرحل، وليأكل الذئب قرية "الصالحيّة".


هكذا صار. عند منتصف الطريق، نظر المسيحيون إلى الوراء، لاحظوا إصرار إخوانهم على اللحاق بهم، توقفوا وأداروا وجوههم؟


عندئذٍ انفلت الاطفال من بين أهاليهم، وتراكضوا باتجاه اترابهم :هذه الطفلة أمسكت بيد جارة لها، تلك أحاطت ركبتي أخرى بذراعيها، ذلك أخذ كيساً من يد جار قاصداً أن يخفّف عنه في المسير، وآخر تخاصر مع ترب له... وهكذا!


كان الاطفال سعداء، أدركوا من يحبّهم ويحبونه، لم يكونوا يفهمون اللعبة. ما همّ؟ فجأة تركهم احبّاؤهم، من غير أن يعرفوا لماذا. فجأة، صاروا معهم ليسيروا معاً.


إلى أين؟ لا يهمّ ! المهم أنهم عادوا ليبقوا معاً، لم يعد هناك انفصال. الحب لا يريد ان يفهم. الحب يريد أن نكون مع من نحب، وكفى... الطوبى للأطفال !


"إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماء".


عندئذٍ حثّ المسلمون الخطى حتى قاربوا إخوانهم. توجّه الإمام بالكلام، قال : يا أحباءنا المسيحيين، أنتم قدرنا. لن نبقى في "الصالحيّة" من دونكم. لكن لِمَ نتركها وهي واحة الواحات؟ عودوا. نحن نستسلم بلا قيد أو شرط. انتم ملحنا. رئاسة البلدية لكم. هذا عهدنا الجديد. تريدون المخترة خذوها. تريدون الوظائف كلّها، خذوها. تريدون إمامة الجامع؟ خذوها –ضحك- لا نريد شيئاً، نريدكم. عودوا أو خذونا معكم.


عندئذ صار عناق واختلطت دموع...

 

(قصة من كتاب الدكتور فؤاد سلوم الجديد بعنوان: "العودة الى دوارة الاعرج". قيد الاعداد)

 

back to Dr. Fouad Salloum page