back to Ashya Saghira

من كتاب "اشياء صغيرة"

للدكتور فؤاد سلوم

 

 

خـــيارات

 

 

تعقيب مقدّم

الخيار الحرّ هو أرقى درجات الكرامة الإنسانيّة، لأنـّه يتعلـّق بالحرّيّة الشخصيّة، من جهة، وبالقناعة الفكريّة، من جهة ثانية، ثمّ بما يترتـّب على ذلك من مسؤوليّة. أمّا التخيير فيكون بين شركاء، واحد يمتلك زمام المبادرة، وآخر يتلقـّى. هنا تكون الحرّيّة والقناعة والمسؤوليّة محدودات، وتكون الكرامة مشروطة. مَنْ خيّرني، إذا كان صادقـاً، يكون أكرمني وأكرم نفسه، لأنـّه يكون قد وضع نفسه في موقع التسامح المترفـّع.


وعادة ً ما يختار الواحد منـّا بين أمرين لا بدّ أن يفضـّل أحدهما على الآخر لسبب من الأسباب. وقد يكون كلا الأمرين مفضـّل، لكن الحصول عليهما، معًا، غير متاح. وقد يكون الأمران، أحلاهما مرّ "كالفرار أوالردى" على ما يقول الشاعر.


وأغلب ما يكون التخيير بين الشركاء عند القسمة، فلا تغيب الأثرة، هنا، لأنـّها من طبيعة النفس البشريّة، فيرغب كلّ من الشريكين في أن تكون الحصّة الأفضل من نصيبه. ولطالما تأتـّى عن ذلك انفصال الشركاء، وخصام بين الأصدقاء، ودمار في المصالح. الحياة غنيّة بالعبر، والكثير منها طريف، ومن أطرفها نقصّ ثلاث حكايات.

 

 

 

الأولى: تخيير ملزِم
هذه الحكاية معروفة بين الناس وفي كتب الأدب. كان عبدالرزّاق وعبد الكريم طفلين جارين. عبد الرزّاق "بيك" صغير، ولد في قصر. عبد الكريم ابن فلا ّح، ولد في كوخ قائم على أرض البيك، قريبًا من القصر، فلا يمتلك ولو كوخـاً. كبر الطفلان معاً كأخوين لا ينفصل أحدهما عن الآخر. لم يذهب عبد الكريم إلى المدرسة لأنّ المدرسة لم تكن مكانـًا يذهب إليه الفقراء. أمّا عبد الرزّاق فقد جاءت إليه المدرسة تسعى بأظلافها وتقف في بابه تستأذنه الدخول، لأنّ في باب الغنيّ يقف طلا ّب الحاجات والأساتذة والمتسوّلون، وحتـّى الشعراء. هكذا... أمّ قصر البيك أساتذة مختصّون ليعلّموا عبد الرزّاق علومًا تصلح لمثل ذلك الزمان. ألحّ عبد الرزّاق على والده أن يأذن لرفيقه عبد الكريم بأن يلازمه أثناء الدراسة حتـّى يونسه أو يؤمّن له خدمات يحتاجها، فكان له ما أراد.


كان الأساتذة يلاقون مشقـّة في جعل عبدالرزّاق يستجيب لتعليمهم. كان صعب المراس، دائم التأفـّف، قليل التركيز، كثير الطلبات. وكان عبد الكريم متحفـّزًا دائمًا، وعلى أهبة ليلبّي ما يطلب منه. كان يجلس عند الباب يصغي، من غير أن يبدو عليه ذلك، يصغي كمن يسترق كنزًا ثمينـاً. وكان لقنـاً، يحفظ ما يسمع ويكتم شأنه. كان يعرف، بغريزة الخدم، أنّ ما هو للأسياد محرّم على الخدم، ولو كلن فتاتـًا يسقط عن موائدهم. لكن سرّ عبد الكريم لم يكن خافيًا على الأساتذة، وكانوا يرحّبون بذلك، ويستطيلون في الشروحات إذا ما آنسوا، بحدسهم، أنّ عبد الكريم راغب بذلك، سواءً رغب عبد الرزّاق أم لم يرغب، وغالباً ما كان هذا لا يعبأ بما يجري.


ولشدّة ما كان يخشى عبدالكريم أن تبطل هذه المدرسة عندما كان يشهد حواراً ساخنـاً بين والد عبد الرزّاق وجدّه، إذ يقول الجدّ، عندما يشهد المشقـّة التي يعانيها عبد الرزّاق في صراعه مع الأساتذة: كفاك تعذيباً للولد بحشو رأسه بمثل هذه التفاهات! ألا تراه كم هو كاره لذلك؟ ماذا ينفعه العلم؟ هل تريد أن توظفه عند الحكومة؟ هل ترانا تعلّمنا؟ ألا ترى أنّنا نحن الحكومة، نوظّف من نشاء؟ ألسنا نحكم سنجقـاً واسع الأرجاء بكلّ من فيه من متعلّمين وغير متعلّمين؟. دعه على راحته. إقتن ِ له أزلامًا من مثل عبد الكريم يتكيّسون *(كانت الدراهم توضع في تكيّس على حساب فلان يعني كان يتقاضى منه معاشـًا) على حسابه، يسيرون خلفه، يخدمونه ويضرب بهم أخصامه... وكان والد عبد الرزّاق يرد: الزمن تغيّر يا سيّدي الوالد. أخصامنا يعلّمون أبناءهم، يحضّرونهم لمستقبل جديد، متغيّر، يختلف عن حاضرنا وماضينا. أبناء العامّة يقرأون ويكتبون ونحن ننظر إليهم مدهوشين. تغيّر الزمن يا سيّدي الوالد، تغيّر...


استمرّت المدرسة زمنـاً كافياً كنز فيه عبد الكريم كثيرًا من العلم. ما أظهر يومًا براعته أمام عبدالرزّاق، ولم يصحّح له معلومة أو يسفـّه له قولا ً. كان يكنّ له مودّة كبيرة ويحفظ له جميلا ً.. كلّ ما لديه من فضل صديقه، فكيف يكابر؟ أكثر من ذلك، عندما كانت تنتهي الدروس كان يسارع الرفيقان إلى اللعب في المرج والتدرّب على الفروسيّة، وإلى النزهات على صهوات الخيل. كان عبد الكريم أشبه ببيك، فكان ولاؤه لعبدالرزّاق حاسمًا. كان الصيد أحبّ الهوايات إليهما، وكانا بارعين في الصيد كما في الفروسيّة. لم يكن عبد الرزّاق يميّز نفسه بشيء عن رفيقه، وكان عبد الكريم يضع نفسه في مرتبة متواضعة، وكان صديقـًا نصوحاً وخادماً أمينـاً. عندما كانا يذهبان إلى الصيد البرّيّ كان يرافقهما الحائشون والبازيّون والسباهيّون (أصحاب الكلاب). عند الظهيرة كان ينزل الجميع إلى وادٍ فيه نبع ظليل أو ساقية، فيجلس عبد الرزّاق وعبد الكريم في الظلال ويقوم الخدم بإشعال النار وإصلاح الطرائد للغداء، ثمّ يحملون ما يزيد إلى القصر. لم يكن يبخل عبد الرزّاق ببعض الطرائد على عائلة عبدالكريم. ومثل ذلك عندما ينزلان إلى صيد السمك في النهر. كانا يجلسان في الظلال ويقوم الخدم بالصيد وبإعداده طعاماً للغداء كما كانوا يفعلون في حفلات الصيد البرّيّ.


وكان يوم أحبّ فيه البيك أن يمضيا بعيدًا في الصيد طلبًا للطرائد الكبيرة. لم يصحبا أحداً معهما. أراد عبد الرزّاق، لنزوة خطرت في باله، أن يثبت لصديقه أنـّه يساويه بنفسه فيعامله من ندٍّ إلى ندّ، فاشترط على أن يقتسما ما يصيدانه بالتساوي. لم يكن يهتمّ عبدالكريم بالقسمة وبالحصص. إذا كان هو، بكلّيته للبيك، أيعود ويفكّر بحصّة؟ لكن عندما يقول البيك، يصير الكلام واقفـاً.


سارا. عبرا وديانـاً كثيرة وصعّدا في الهضاب بعد الهضاب، وتسلّقا الجبال طيلة نهار كامل. لم تكن الطرائد كثيرة فأعياهما الصيد الوفير، غير طريدتين: غزال وأرنب، سقطا، من قبيل الصدف، على يد عبد الكريم، ولم يصطد عبد الرزّاق شيئـاً، فلم يكن منشرح الصدر لمثل هذه النتيجة. في الطريق كان يحلم عبد الرزّاق لو أنّ هذا الغزال الجميل سقط على يده فكان حمله وراءه على الحصان ودخل به متباهياً إلى باحة القصر بعد أن يكون عبر به دروب القرى على الطريق. كان عبد الكريم يلحظ ذلك، وكان يتمنـّى في أعماقه لو لم تكن النتيجة على مثل هذه الحال... وبدأت القرى تلوح أمام أعينهما، وتقترب، فقال عبد الرزّاق:
- ملْ بنا يا عبد الكريم نقتسم الصيد فيحمل كلّ منـّا نصيبه.
- هو ما تقول يا سيّدي
- إقسم الصيد، إذًا، يا عبد الكريم.
- أعوذ بالله! أتقدّم عليك، وأنت وليّ النعم؟! تأخذ أنت ما يحلو في عينيك وتترك ما لا ترغب.
- لا لا .نحن متساويان ... أخيّرك. إختر ما تريد.
- ممّ أختار؟ الصيد كلّه لك يا سيّدي.
- لا. إختر: تريد أرنبًا خذ أرنبًا تريد غزالا ً خذ أرنبًا.
- آ آ آ ...أنا أحبّ لحم الأرانب يا سيّدي، إخترت الأرنب.

 

 

 

الثانية: تخيير ذكيّ
وُلِدَ عمّي عزيز وحيداً لأبويه، فتربّى مدلّلا ً. جنى أبوه ثروة في المهجر وعاد إلى لبنان ينفق عن سعة، لو كان في طبعه أن ينفق. لم يكتفِ بما جنى بل بنى إلى جانب بيته العتيق الذي حافظ عليه كما ورثه عن والده، غرفة جديدة واسعة من حجر مقصوب وجعلها دكانـاً يبيع فيها حاجات بسيطة تلزم أهل الريف في عيشهم المتواضع. كان يكسب، في هذا الدكان ما يكفيه هو وامرأته، وكان يكفيها اليسير، فلا يمدّ يداً إلى ما عاد به من المهجر من ليرات ذهبيّة وزّعها في اكياس وخبّأها، هنا وهناك، في زوايا الدكّان، وكتم سرّها فلا يهتدي إليها سواه. وزيادة في الحرص ربط مفتاح الدكّان بجديلة من قماش ليعلّقه بزنـّاره فلا يفارقه ليلا ً ولا نهاراً. كان مقتـّراً لا يندى على مسنّ، لكن نقطة ضعفه كانت وحيده عزيزاً، فلا يردّ له طلباً.


أمّ عزيز المدرسة، وكان تلميذًا ذكيّـاً لقـّن بحذاقة كلّ علوم زمانه من قراءة وكتابة وحساب وتاريخ وجغرافيا وعلوم الدين. شبّ وترك المدرسة وعاش بطـّالا ً لبضع سنوات، ينفق بسخاء على نفسه وعلى أصدقائه، لكنـّه، بعد حين، سئم مثل هذا الأسلوب من الحياة البطّالة، فقرّر أن يسافر إلى حيث كان أبوه، إلى نيويورك. لم تنفع توسّلات أبيه ليبقى، فرضخ، لكن زوّده بمال يقيه مشقـّات الاغتراب التي خبرها بنفسه، بالإضافة إلى رأسمال يباشر به تجارة ما أو نشاطـًا نافعًا، وبنصائح كثيرة... في العادة يذهب المهاجرون فقراء إلى المغتربات ليعودوا بمالٍ ينفقونه في الوطن. عمّي عزيز ذهب بمالٍ إلى المغترب لينفقه في عواصم العالم ومدنه، وليعود فقيراً. لم يستقرّ في نيويورك، كان جوّاب آفاق... تاجر، في البداية، بما معه من مال، وجنى أرباحاً. أنفق ما جنى في سياحات قام بها، وفي ملذّات من كلّ نوع، تمتـّع بها. لكنّ الآفة التي كانت غاية لذّته ومبعث دماره، كانت لعب القمار. عرفته كازينوهات العالم، وعرف كبار المقامرين، إن في أميركا، وإن في البرازيل والريوديجانيرو. اغتنى قاموسه اللغويّ بكلّ ما في اللغات الانكليزيّة والبرتغاليّة والاسبانيّة من شوارد. عرف النوم في أرقى الفنادق والأكل في أغلى المطاعم. وعرف الجوع العضّاض والنوم في مداخل الأبنية وتحت الأدراج، كما هو شأن لاعب القمار... حتى جاءته رسالة من أبيه إلى أحد العناوين لدى أقرباء له في نيويورك التي كان يمرّ بها بعد غيبة وأخرى. الرسالة من أبيه، تقول: " أنا على فراش الموت. عد لأراك قبل أن أترك هذه الدنيا. أنت لست بحاجة إلى أموال الأميركان. لا يزال لدينا ذهب كثير. خبّأته في الحديقة. إن لم يعثر عليه، بعدي، أحد الوارثين الأباعد سيضيع في التراب. في كلتا الحالتين ستكون وحدك الخاسر. عد سريعاً...".


قرأ الرسالة، فكأنّه مخدّر، وجاءته صفعة مفاجئة. تنبّه. استيقظ. انتابه حنين مفاجىء، عاصف إلى المنزل الأبويّ، إلى ملاعب الطفولة ومسارح الشباب... إلى الوطن... إلى الكنز المخبوء. كرّر قراءة الرسالة. حقـّـاً. يؤكّد الوالد أنّ هناك كنزاً مخبوءاً. يعرف والده، لا يقول كلمتين. إذا قال: نعم، فنعم. وإذا قال:لا، فلا. أمّا هو، عزيز، فقد أحسّ أنّ زمانه قد انقلب. لم تعد مباهج الحضارة الغربيّة تجذبه. لم يعد ضجيج العالم يملأ أذنيه. صار جاذبه بيت عتيق، وأمّ شيخة، ووالد أشيب، وسكون يتأوّد فيه غصن، ويصدح فيه، على شجرة الزيتون، أمام الباب، بلبل عابر.


خلال أيّام معدودة صفـّى عزيز مشاغله القليلة وحزم حقائبه وركب البحر إلى بيروت. حقائب؟ بل هي واحدة، عاديّة، فيها بدائل من ثياب حملها بيده. وصل عند الغروب إلى مرفأ بيروت. لا يريد أن ينام فيها. سارع إلى موقف العربات واكترى واحدة، وسريعاً إلى طرابلس. نام في "النزل العربيّ". ربّما نام!... عربة الخيل التي تعمل على خطّ بلدته تنطلق ظهراً في طريق العودة وتصل عصراً. بالانتظار، تجوّل في شوارع المدينة الأحبّ إلى قلبه من أيّة مدينة أخرى في ربوع الوطن أو العالم. كانت مرتع صباه وشبابه. التقى، أثناء تجواله، ببعض من أهل بلدته الذين طمأنوه: والدك بألف خير. برد قلبه. كلّ شيء يسير في طريقه الصحيح... وصل عصراً. مشى من الساحة إلى البيت في الزقاق الضيّق الذي لا يزال كما كان. لم يتغيّر شيء من الحيّ. كلّ شيء على ما كان عليه. التغيير بطيء في مثل هذا المكان، وفي مثل ذلك الزمان. لا يهمّ ...


كان أبو حنـّا، وهو لقبه قبل ولادة وحيده عزيز، قد أقفل الدكّان وجلس مع مجموعة من رجال الحيّ يتجاذبون أطراف الحديث. أطلّ رجل غريب، صاعد في الزقاق في اتجاه الجماعة، يعتمر قبّعة أميركيّة صارت معروفة في البلدة، وبدلة افرنجيّة في عرفهم، ويحمل بيده حقيبة، وقد تقوّس كتفاه قليلا ً. ابتسم لهم، وابتسم له أبو حنـّا ووقف. لم يعرف أحد من الجماعة، وعرفه أبوه بمجرّد أن أطلّ من بعيد. ظنّ أبو حنـّا أنّ ولده عزيزًا سيتفاجأ إذ يراه موفور الصحّة، وليس على فراش الموت. لم يتفاجأ عزيز لأنّه كان قد عرف الحقيقة وهو في طرابلس... كانت الجماعة تنظر مدهوشة، تنقل نظرها بين الاثنين. مضيفهم يبتسم وعيناه مغرورقتان بالدمع، وذقنه ترتجف. الغريب يقترب بينما يرفع رأسه عن الأرض الحجرة لحظة بعد أخرى. وصل الغريب إلى فناء البيت ورمى بالحقيبة أرضًا، واندفع إلى أبيه الذي تقدّم باتجاهه فاحتضن الاثنان بعضهما بعضًا، وراحا يتأرجحان كجسم واحد يمنة ويسرة وهما ينشجان من غير كلام. كانت الأمّ قد خرجت على وقع هذه الحركة غير المألوفة في الخارج.شهقت وارتخت ركبتاها وكادت تسقط إلى الخلف، لكنّها سقطت إلى الأمام وهي تندفع صوب الرجلين، بعد أن صرخت: عزيز! ابني! كتّر خيرك يا الله!...


كان عزيز قد ذهب بعينين إلى أميركا وعاد بعين واحدة. الأخرى صارت من زجاج. كان قد خسرها بضربة من آلة حادّة في شجار على مائدة القمار. تهدّلت كتفاه، وابيضّ مفرقاه. ومع أنّه عاد بعلم كثير، وبخبرة واسعة، وبتجارب فاعلة لكنّه لم يعد ذلك، الشاب الوسيم. وجد عزيز أنّ سرّ أبيه لم يكن الكنز المخبوء، وإن يكن الذهب لا يزال وفيرًا بيد أبو حنـّا. كان سرّه أنـّه يرغب في أن يزوّج عزيزاً ليرى له حفيداً بل أحفاداً. قال عزيز: نتزوّج. لكن نتعرّف أولا ً، ثمّ ندرس ونرى...
كان في نيّة عزيز أن يرجىء ويماطل، لكن أبو حنا ألحّ: لا لزوم. العروس موجودة. كلّ شيء جاهز. فقط تقف معها أمام الكاهن ويكلّلكما زوجاً وزوجة.


قال عزيز: أخشى أن يكون الأبناء جاهزين أيضاً.
-لا هؤلاء عليك.
حاول عزيز أن يتملّص، لكنـّه عاد ورضخ على أمل أن تكون العروس على قدر التوقـّع. ورافق أبويه ليرى العروس: سمراء، قصيرة، ممتلئة... وساذجة. نظر إلى والده. التقت أعينهما، فكسر الأب نظره، لكن بقي مطمئنّـاً إلى سطوته اطمئنان مالك الذهب الذي لا يخشى الانكسار... وأخذ الحلم عزيزًا إلى أميركا، شماليها وجنوبيها، إلى النساء الشقراوات الفارعات الطول، الزرقاوات العيون. إلى البرازيليّات المتأوّدات، إلى الاسبانيّات الشهيّات... "يا رعاك الله، يا بو حنّا! ماذا يجمع بين الثرى والثريّا؟".
حرد عزيز وضجّ واحتجّ. قال له صديق: لا تغضب أباك. تأتي بالعروس إلى البيت، فيرضى. تجنّب منها ذرّيّة، بينما تفعل كما كنت تفعل. تتنزّه في بساتين الهوى، تقطف منها ما يحلو لك من زهرات يانعات. أما كان هذا دأبك إن في الوطن أو المهجر؟
إذًا؟
وكان ذلك. تزوّج عزيز حسبما أراد والده وأنجب ثلاثة صبيان وابنة واحدة. علّمهم الجدّ في أرقى مدارس ذلك الزمان، ودخلوا في معترك الحياة بنجاح... ورحل أبو حنّا، فبدّد عزيز، بعد رحيل الوالد، ما أورثه من ذهب. وباع أراضي كثيرة، وبدّد الثمن بلعب القمار. كانت هوايته الأحبّ لعب القمار، وكانت بالنسبة إليه، أشبه بحرفة. هوايته الثانية كانت على نقيض الأولى، كانت حرفة طالما كفته حاجة وسدّت جوعه، إنّها تربية النحل.


وصلنا، هنا، إلى بيت القصيد، بعد الحكاية الطويلة التي سردناها لنعرّف بالرجل الذي خاض تجارب كثيرة قبل أن يصير الحكاية.


إذا كان عزيز أبرز النحّالين في المنطقة ورائدهم، فإنّ نسيبه باخوس الذي أخذ عنه، قد تفوّق عليه لأنّه اعتمد على آخر تطوّرات العلم في تربية النحل، واعتمد تكنولوجيا جديدة. كان أستاذًا، وكان يشتمل على صفات كثيرة من مثل ذكاء عزيز وحذقه في الاستثمار وتدبير الأمور. لكنّه كان على عكسه، يجمع ولا يبدّد، ولا تعتوره نقائص. وكان محتشماً، مستقيماً.


كان عزيز قد نوّف على السبعين وباخوس في عزّ الشباب. كان عزيز مدهوشـاً من نجاح باخوس في تربية النحل وفي ازدهار مملكته أمام بابه في البستان حيث تتوزّع الأجران البيضاء اللامعة في ترتيب هندسيّ. كان يسخر من اعتماده الأساليب الجديدة، ويتباهى باعتماده الأساليب التقليديّة التي كانت منها بركة الآباء والأجداد. وكم كان يغيظه أنّ مملكة باخوس على أزدهار ومملكته تتقهقر، فسأله في محاولة عابرة: تعال نتشارك. خذ كلّ ما عندي. الأكلاف نصفاً بنصف. الجنى نصفاً بنصف! قبل باخوس ونقل الأجران إلى بستانه، وتعهدها بعنايته وعلمه. نجحت الشراكة، وكان كلا الشريكين راضيين تمام الرضى... بعد سنوات ارتأى الشريكان أنّ الأوان قد حان لتتمّ القسمة.


قال باخوس: - تحبّ أن تجري القسمة يا عمّي؟
- لا. لا أعرف ماذا في الأجران. أنت كنت ترعاها. إقسم قسمة عادلة يرتاح إليها ضميرك.


مضى باخوس يختار من الأجران واحداً يرتّبه في نظام مشروعه في البستان، ويختار مقابلا ً له يخرجه من البستان ليكون في حصّة عزيز. كان باخوس يؤدّي القسمة وفي قناعته أنه يقسم بعدل. لكنّ الفار لعب في عبّ عزيز، أي الشكّ. قال في نفسه: ما الذي يضمن أنّ القسمة عادلة؟ الضمير؟ لقد جرّبت ضمائر الكثيرين وكم كانت خيباتي مرّة! نادى باخوس وقال: توقـّف، سنعيد القسمة على أسلوب جديد. تختار أنت، أوّلا ً بأوّل، أفضل جرنين، نضعهما جانباً، وأنا أختار واحداً منهما، تنقله إلى حصّتي، ونتابع القسمة على هذا المنوال. هكذا لا تستطيع إلا أن تكون صادقـاً، لأنّ المخاطرة لن تكون مأمونة، فقد أختار الأقوى ويبقى لك الأضعف. ما رأيك، ألا تأتي القسمة على هذا المنوال أكثر عدلا ً؟


ضحك باخوس وأجاب: بلى.
ومضى يختار على مثال ما أوصى به عزيز.

 

 

 

الثالثة: تخيير عبثيّ

كان طنسا عازار سكّيرًا، يكاد لا يفيق. أينما ذهب يضع بطحة العرق (قنينة رقيقة معروفة) في جيب الجاكيت الداخليّة، ويحافظ عليها أكثر من عينيه. يعرفه الأولاد ويعرفون خفـّة دمّه، فحيثما التقوه على الطرقات ينقفونه بالحصى، لا يريدون به أذيّة، بل يستكشفون ردّات فعله الطريفة التي تضحكهم. كانوا يصيبونه بالحصى على ظهره، على كتفه، يلتفت إليهم، ينتهرهم، يسبّهم، ويتقدّم صوبهم هاجمًا، مترنّحًا إلى أمام، إلى وراء، إلى يمين، إلى يسار، يحاول أن يتماسك، ثمّ يقول مهدّدًا: أصبتم ظهري! مليح. أصبتم كتفي! مليح. أصبتم رأسي! مليح ... لا سمح الله، إذا أصبتم البطحة شو بيصير؟
فيتضاحكون، ويتركونه في حال تأرجح وزوغان. ويشتدّ السكر على طنسا، فيقع ولا يعود يستطيع النهوض. يمرّ به الناس باسمين، غير عابئين، فالمشهد مألوف في أعينهم، لكنّه يسبّهم متلعثمًا: يلعن أبو هالشعب، ما عندو نخوة. شو بهن ما حدا يجي يشيلني؟


بعد حين يأتي شاب متحمّس فيحمله على كتفيه ويمضي به إلى المنزل، فيروح طنسا، وهو محمول على الكتفين، يحيي الناس الذين يعبر بهم، مرّة باليمين ومرّة بالشمال، على طريقة السياسيّين المعتادين الركوب على اكتاف محازبيهم. يصل إلى البيت فتلاقيه امرأته بأنواع الشتائم والنعوت فيكتفي بأن يجيبها: يلعن أبويي إذا بقا أتجوّز من بيت كلتوم (عائلة الزوجة).


كان طنسا جنديًا متقاعدًا، ولم ينجب أولادًا، فكان ينفق معاشه على العرق و"المازة"، ولا يعبأ بغده.
وكان لطنسا جار اسمه سليم فركوح. سمّي كذلك لتقوّس رجليه منذ الطفولة. كان قصير القامة وبرأس كبير، ووجه مستطيل، غائر الخدّين، كبير الفكّين، جاحظ العينين. كان ساخرًا، فكهاً يضحك على نفسه. رفض مرّة أن يوقـّع على ضبط مخالفة "سرعة وعدم امتثال" قائلا ً للدركي المبلّغ: " بربّك هل ترى هذين الرجلين رجلي شوفير؟" وكان سليم، أيضًا يحبّ العرق، لم يكن سكّيراً، كان جسمه أقوى على احتمال الشرب، ولطالما طلع من المبارزات منتصرًا.


أمام بيت طنسا بضع عرائش من العنب، وأمام بيت سليم مثلها. عند نهاية الصيف، وكان موسم العنب مقبلاً، قال سليم لطنسا: عرائشك لا تكفي، وحدها، لعصر "تمّ" من العرق، وكذلك عرائشي. ما رأيك لو نجمع غلالنا، معًا، فنحصل على نصف برميل من العصير، نقطّره ونقتسم مؤوننا من العرق؟
رحّب طنسا بحماسة: نعم الرأي.


جمعا العنب وعصراه في البرميل، في باحة مسوّرة أمام بيت سليم. انتظرا ريثما يصفو العصير، بفارغ الصبر، فيقطّرانه. جاء الموعد، استأجرا "الكركة" (الأنبيق). أشعلا النار تحت العصير، وركّبا "الغالون" تحت القطّارة. كان المساء قد أقبل، فراحا يعدّان لجلسة أراداها تاريخيّة. فرشا حصيرًا قبالة النار ووزّعا الحشيّات (الطراريح) والمساند ليكون المتّكأ مريحًا، وضعا طبليّة (طاولة قصيرة الأرجل) أمامهما، ومدّا عليها صحائف الشنكليش والبيض المسلوق والبطاطا المقليّة والبندورة والقصبة النيّئة والخبز. ما أن امتلأ الغالون حتى كانت المائدة السخيّة جاهزة. رفعاه وركّبا البديل تحت القطّارة وراحا يحتفلان بفيض العرق الذي قلّما ألفاه... شربا وشربا حتى فرغ الغالون، وانطفأ طنسا وانقلب على جنبه نائمًا وهو يشخر. بقي سليم يغالب النعاس، ويراقب الغالون تحت القطّارة. امتلأ الغالون فرفعه وركّب الثالث. بعد قليل فطن إلى أمر. الغالون الثالث، كما هو معروف، سيكون فقيرًا بالكحول. الأوّل زهرة العرق. الثاني جيّد. الثالث ضعيف. فاستحسن أن يحمل الثاني إلى فوق، إلى البيت. يكون هذا حصّته والثالث حصّة طنسا. عبوة الانبيق لا تخرج أكثر من ثلاثة، إذًا تكون القسمة، هكذا، عادلة.


حمل سليم الغالون الملآن ومشى به بثقل خطواته رجلان مقوّستان وسكرة قويّة ونعاس، فما كاد يصل إلى أعلى الدرج حتى عثرت رجله فسقط الغالون وانتثر حطامه وسال العرق على الدرج. انكفأ سليم راجعًا حزينـاً، واتكأ إلى جانب طنسا، وراح غارقـاً في شبه غيبوبة. هكذا تحرّر الغالون الذي تحت القطّارة من الرقابة، فامتلأ وابيضّ العرق بعد أن خالطه الماء، ثمّ سرح بعد أن فاض، واطفأ النار. الفارسان يغطّان في نومهما العميق... طلع الصباح، وطلعت الشمس، فاستيقظ طنسا ولكز زميله: قوم حتى نقسم الغلّة عَ الضوّ.


استيقظ سليم ونظر: الغالون تحت القطارة تحوّل إلى ماء وفاض وأوحل التراب وأطفأ النار. صفّر سليم: ووف ف ف... ودلّ بيده إلى الغالون الفيّاض. نظر طنسا بدوره وصرخ: يا ساتر كمان؟ يا ضيعان الرزق... وسحب العصا التي إلى جانبه ورفعها فوق رأس سليم: أنا بشو نطّرتك؟ بشو؟ الرزق بينترك هيك؟
أجاب سليم الذي غطّى رأسه بيديه: غصب عنّي. غلبني النعس متلك.
فعفّ عنه وسأله: أنا وين حصّتي؟
أجابه، وهو يشير إلى الغالون الفارغ: هيدا شربناه!
فركله برجله، فتدحرج: فاضي. وين حصّتي ؟ وين التاني؟ وهدّد بالعصا.
- التاني فوق. أشار سليم بعينيه وهو يبتسم.
- هربت فيه؟ بدّي ياه.
- تكرم عينك. نقّي واختار. بدّك يللي فوق خدو. بدك يللي تحت خدو.
- اللي فوق.
ونهض يريد الذي فوق. قبل أن يصل إلى أسفل الدرج شمّ رائحة العرق. ارتاب. نظر وراءه. سليم يقف بعيدًا خائفـًا من العصا. تقدّم طنسا، فرأى الزجاج المنتثر يغطّي الدرج، فالتفت إلى سليم:
- يكسر رقبتك. أنا تعجّبت. قلت شو هالسماحة عند سليم. خيّرني!
- ما ظلمتك. تعادلنا. قسمة حقّ.
- تعادل سلبي. يلعن أبويي إذا بعد أتشارك معك.

 

 

back to Ashya Saghira