back to Ashya Saghira

من كتاب "اشياء صغيرة"

للدكتور فؤاد سلوم

 



الأستــاذ النبيـــه

 

رامح أبو رمح. أستاذ معروف بين زملائه في المدارس الرسميّة في المنطقة. يحبّونه لأنه رفيق شباب. ليّن العريكة، ينشيء علاقة سريعة مع من يتعرّف به من أوّل لقاء. معاقر كأس، لاعب ورق، يطرب للغناء، يقهقه للنكتة ولو كانت عاديّة. إسمه رامح، لكنّ زملاءه أضافوا إليه كنية أبو رمح فلزمته. وإنّما سمّوه بذلك لأنّه عندما يلتقي بأحد منهم يرفع قبضته فوق رأسه كحامل رمح ويحيّيهم بهزّها. ذلك كان أسلوبه في إلقاء التحيّة وهو يبتسم من غير كلام. وحتّى تكون مجانسة بين الإسم والكِنية سمّوه أبو رمح فلزمته الكِنية إلى الأبد.

كان أبو رمح أستاذًا ناجحًا. يلتزم النظام. جاهزَ دفتر التحضير. يصحّح الفروض والمسابقات في مواعيدها. يؤدّي الدروس بضمير حيّ. قادرًا على تعليم كلّ المواد في المرحلتين الإبتدائيّة والمتوسطة. علّة وحيدة تشوب شخصيّة أبو رمح وتضفي عليها نكهة خاصّة، تتجلّى في ما يصدر عنه من سلوك غريب، رغم خروجه عن المألوف، فيه من الطرافة ما يدهش.

علّته تلك هي النسيان ! بالأحرى هي الشرود عمّا هو بصدد عمله، وعن الوجوه التي أمامه، فيتورّط في حوادث مؤسفة، لكن لا يترتّب عليها ذيول مؤذية، إذ سرعان ما تنكشف خلفيّتها البريئة.

ذات يوم إثنين، وكان أوّل نهار تستأنف فيه الدروس، بعد عطلة فصل الربيع، صعد في سيّارته وانطلق قاصدًا المدرسة. وصل إلى الدوّار، وسط المدينة، وبدلاً من أن ينعطف يمينًا إلى المدرسة، دار حول الدوّار وانعطف شمالاً باتجاه العاصمة. لم يدرك ما فعل. كان مطروبًا يستمع إلى أغاني الصباح في وصلة من الألحان العذبة والموسيقى الناعمة على صوت فيروز. بعد مسير ربع ساعة طالعته لوحة تحمل إسم قرية تبعد حوالي خمسة عشر كيلو مترًا بعيدًا عن المدرسة في اتّجاه معاكس لها تمامًا. أفاق من نشوته وضرب كفًّا على جبينه وأدار السيّارة عائدًا باتجاه المدرسة، وقد انقلب طربه أسفًا واشمئزازًا من نفسه. في هذه الأثناء كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة ودخل التلاميذ إلى الصفوف وبدأوا دروسهم. إنشغل بال المدير على أبو رمح، وبال زملائه ! ماذا به ؟ لماذا تأخّر ؟ لماذا لم يرسل إعتذارًا إذا كان لن يأتي. اتّصل المدير بمنزله مرّة وثانية وثالثة. التلفون يرنّ... لا مُجيب، عجبًا ! ماذا عساه يكون ؟

بعد نصف ساعة هدأ هدير سيّارة أمام المدرسة عند الرصيف. أطلّ المدير. إنّه أبو رمح. لاقاه. كان متجهّم الوجه عندما حيّاه، لكنّه كرّر اعتذاره عدّة مرّات...
- خير إن شاء الله ؟ إنشغل بالنا عليك ؟
- شكرًا. خير إن شاء الله، لا تؤاخذوني، أرجوك. لا تؤاخذني...
- ما كنت بالبيت. تلفنَّا كتير. ما حدا ردّ.
أنا آسف. لا تؤاخذني. أرجوكم لا تؤاخذوني. كان الأساتذة يطلّون برؤوسهم من أبواب صفوفهم سائلين. كان يسلّم ويعتذر بابتسامة صفراء على غير عادته. كانوا يقولون في أنفسهم : ما هذا أبو رمح. أين مرحه المعتاد ؟ دخل صفّه فخرج الأستاذ البديل. سأله عن السبب وألحّ فكان جوابه إعتذارًا بعد اعتذار، وبين الاعتذار والاعتذار، يهزّ برأسه ويبتسم بمرارة. أثار فضول الجميع، لكنّ الجميع احترم سرّه !

وعادت الأمور إلى مجاريها... كلّ في مكانه يقوم بواجبه، والهدوء يعمّ المدرسة. بعد عشر دقائق تعالت ضوضاء غير مألوفة في صفّ أبو رمح. توقّفت الدروس في الصفوف وأصغى الأساتذة والطلاّب مستطلعين، بينما صوت أبو رمح يُلعلع ساخطًا مهدّدًا... إنفتح الباب وانصفق بقوّة، ثمّ انفتح. خرج الأساتذة من الصفوف وخرج المدير. شاهدوا فتاة تندفع من صف أبو رمح مُهرولة باتّجاه الباب الخارجي تبتغي الهرب من المدرسة كليًّا. لاقاها المدير مسرعًا وتصيّدها بين ذراعيه عندما كان أبو رمح قد خرج من صفّه شاهرًا مسطرة كبيرة، كرمح في يمينه ما جعل الفتاة تنفلت من بين ذراعي المدير وتختبئ وراء ظهره وقد دسّت رأسها وعينيها فيه. أدرك المدير الموقف بسرعة ورفع يده قبالة الأستاذ وصرخ :
- لاه لاه يا أبو رمح ! لا تغلط، لا تغلط.

توقّف أبو رمح مدهوشًا، لا سيّما وهو يرى زملاءه قد خرجوا من صفوفهم ضاحكين وقد أدركوا بدورهم أيضًا، طرافة الموقف، بينما انفلش طلاّب الصفوف على الأبواب يستطلعون، وقد حصل في كّل المدرسة هرج ومرج، ممّا حدا بالأساتذة إلى دحرهم إلى الداخل وأقفلوا الأبواب.

دخل المدير بالفتاة إلى الإدارة وهي ترتجف بين يديه كورقة. أومأ إلى أبو رمح أن ادخل فتبعهما، تناول المدير المسطرة من يد الأستاذ ووضعها عاليًا على سطح إحدى الخزانات التي في الإدارة. أجلس الفتاة المرتجفة إلى جانبه، وراء المكتب وسأله :
- إيش صاير معك، اليوم، يا أبو رمح ؟
- إيش صاير معي ؟ لو كنت محلّي وشفت قدّيش هِي كسلانة، وقحة، قليلة التهذيب كان جنّ جنونك أكثر منّي.

سأله المدير مبتسمًا، خصوصًا للوصف، كسلانة :
- كيف ؟
- متل العادة. أسئلة عن الدرس السابق حتّى إتأكّد من حسن عمل التلاميذ. وصل الدور إلى حضرتها (ابتسم المدير ابتسامة واسعة) سألتها. بقيت قاعدة، فاتحة عيونها فيِّ كأنّها بتشوفني لأوّل مرّة (المدير يبتسم إبتسامة واسعة أكثر) : ما جاوبت. سألتها ليش ما حضّرتِ درسك ؟ ما جاوبت. وين كتابك ؟ ما جاوبت. صرخت فيها وشدّيت خصلة من شعرها. رحت تناولت المسطرة عن الطاولة، ما لقيتها إلاّ فرّت متل الباشق وصفقت الباب وراها.

كان أبو رمح يتكلّم حانقًا ولا يرى الابتسام المُريب على ثغر المدير. يروي ويحيي بالحركة الحادث كما حصل.
- يا أستاذ أبو رمح إنت بتعرف كلّ تلاميذ صفّك ؟
- إي. ولو ؟
- تطلّع مليح. هالبنت من تلاميذك ؟

تطلّع أبو رمح بالفتاة جيّدًا. عجبًا ! يراها لأوّل مرّة. كيف لم يفطن إلى ذلك ؟ نقل نظره بين المدير والفتاة. كان المدير يبتسم.
- أوّل مرّة بشوفها. شو يعني ؟ تلميذة جديدة ؟
- نحنا في شهر نيسان، وتلميذة جديدة ؟
- لكن شو ؟
- يا أستاذ. يا أستاذ. شو صايرلك اليوم ؟
- طيّب. فهِّمني هيدي مين ؟ شو كان إلها شغل بصفّي ؟
يا أستاذ هيدي خادمة. خادمة بيتنا الجديدة. اتّفقت مع أهلها من أسبوع إلي بعد الفرصة بروح جيبها من بيتهم في المزرعة هون. جبتها. وين بدّي حطّها حتّى بينما خلّصنا عند الضهر بتروح معي عَ البيت. قلت بتركها مع ولاد من جيلها بالصف. ما فكّرت الأستاذ أبو رمح رح يطالبها بالدرس والفرض. حقّك عليِّ. أنا غلطان مليح هيك ؟
لأ يا أخي أنا الغلطان، هَلْيوم يوم بؤس أبو رمح.

صارح أبو رمح المدير بالذي حصل معه عند الصباح، فصارت الحكاية إلى كلّ أهل البلدة يروونها ضاحكين ولا تزال تُروى عن النسيان والنسّائين.  

 

 

back to Ashya Saghira