back to Ashya Saghira

من كتاب "اشياء صغيرة"

للدكتور فؤاد سلوم

 


منطقــــــي

 

كان الطفل هلال، إبن السنوات السبع، يحبّ الفلاة ويحبّ الأغنام حبًّا وعشقًا. وبمقدار حبّه للفلاة وللصيف أيضًا كان يكره الشتاء؛ وليس لما في الشتاء من مطر وبرد، فهذان يتكفّل بردّهما الكبان (كوبان، بلغة البدو)، بل لأنّ فصل الشتاء هو فصل المدرسة التي استحدثوها، منذ سنوات قليلة في قرية "العماير" والمجاورة لمضاربهم القائمة عند أطراف الوطن.

لم يكن أبوه البدويّ يعرف ما المدرسة، ولماذا يذهب إليها الأولاد، وأية فائدة يجنون منها، بل كان يرى فيها ملهاةً، ومفسدة للرجولة، تقضي على الشجاعة وتضعف البأس وتسرق من البادية رجالها. هذا ما حصل، كما كان يشاهد، لأكثر من قرية في المنطقة التي يسرّح في مشاعاتها قطيعه بين عام وآخر، إذ يذهب شبّانها، أبناء المدارس، إلى المدن البعيدة، ممّا حوّلها إلى قرى من غير قطعان. لكنّه، وإن أسعده ذلك، لأنّ الجوّ قد خلا له، وارتاح من المزاحمين على المرعى، لا يريد لابنه أن يسير على دروب هؤلاء، يريده، وهو الغنّام إبن الغنّام، أن يكون غنّامًا أيضًا. لكنّ المشكلة عند فهيمة زوجته التي تريد لبكرها ووحيدها، الصبي بين بنات، أن يكون متعلّمًا كأبناء الأغواث في البلدة الكبيرة التي تحمل إليها كلّ نهار خميس، على دأبها، حاجاتهم من لبن وجبن فتلتقي بأولئك الأبناء جائين صوب المدرسة أو رائحين، ضاحِكي الوجوه لامعي الشعور، وبثياب لائقة وأحذية نظيفة. كانت تسمع من زبائنها أخبارًا عن أبنائهم الكِبار المتعلّمين يرتعون في وظائف محترمة يتقاضون مرتّبات عالية ويقتنون سيّارات فارهة و... فتروح تحلم، وهي في طريق العودة الطويل، بمستقبل آخر لولدها هلال، بمستقبل ما له ولزوجته العتيدة، بعيد عن مهانة الدرّ والبعر والإيواء في خيمة الشعر السوداء. لكن لا بدّ من إرساله إلى المدرسة أوّلاً.

هلال كان كأبيه يحبّ الغنم ولا يحبّ المدرسة. كان يحبّ أن يخرج مع القطيع، صبحًا، مبتعدًا عن الحظيرة، مصفّرًا لأغنامها، مناديًا ما شرد منها بأسمائها ليضبط سير القطيع مجتمعًا، ثمّ يتوغّل بها في مدى الفلاة الغنية بالأعشاب، يرافقه كلبه "شام" البلدي، الغليظ الجثة، يحاذي الغنم من شمال ومن يمين، مساعدًا صاحبه في الحفاظ على أمن الرزق الغالي. وكم كان هلال سعيدًا وهو يتأمّل أغنامه المنتشرة في سهلة ممتدة أو على نشز من الأرض الخضراء، لا ترفع رؤوسها عن عشب حتّى وهي تسير ناقلة أظلافها الصغيرة كما ينقل طفل قدميه الناعمتين. كان هلال يغنّي إذا سرحت الأغنام تمشي، وكان يقطف أزهارًا إذا علقت في مرجة ممرعة، أو يعود إلى أقرب خروف يطعمه ما جمع من أزهار، أو ينقف عصفورة جاءت إلى الغنم تنقر عليه ذبابات أو بعوضًا، أو يرمي حجرًا على مدى ما تطال ذراعه ثمّ يسابق كلبه إليه...

سعادته غامرة إذا خرج بالغَنمات إلى المرعى. سعادته غامرة إذا عاد بها مساءً، إلى الحظيرة، يساعد أمّه في الحليب وملء الدلاء والقدور بالحليب الدافئ ذي الرغوة العابقة. ينام هلال مبكّرًا لا يكاد يتمّ عشاءه. أحلامه أغنام وحملان وحليب ومَرعى وسماء زرقاء أو غائمة وماطرة.

ينام خلي البال، لا يشغله شاغل. عده آمن، فالمراعي لا تبرح مكانها ولا تختبئ أعشابها، والقطيع لا يبرح الحظيرة إلاّ عندما يفتح له بابها فيخرج متّجهًا حيث تدعوه الأعشاب، فكأنّ القطيع هو الذي يسرح بالراعي الصغير. أمّا المدرسة فهي مشغلة بال : كتابة فرض، وتحضير درس بعد الانصراف منها. وقبل الذهاب إليها، صبحًا، غسيل وجه ويدين وفمّ إستعدادًا للذهاب إليها. وارتداء ثياب نظيفة ومرتّبة على نمط معلوم، وتفقّد المزود لتأمين محتوياته الضروريّة لئلاّ ينسى ما يحاسب على نسيانه. وبعد الوصول إنتظام في الصف، وأوامر : تراصف، أسدل، استرح، تقدّم... وتدافع في الدخول والخروج، وتفتيش على الأظافر والأُذنين والشعر... وتركيز إنتباه على ما يقول معلّم أو معلّمة. ومتابعة بالأصبع على الكلمات عندما يقرأ رفيق أو رفيقة. ونقر مُؤلم بالمسطرة على الأصابع عند أقلّ هفوة. فكيف يحبّ المدرسة ؟ المدرسة سجن واختناق والفلاة حرّية وانشراح !

إنتصرت الأمّ فهيمة بعد لأيٍّ. وطبيعي أن تنتصر المرأة في كلّ معركة حاسمة. حتّى المرأة البدويّة لا تفتقر إلى سلاح حوّاء الفتّاك، المعروف : دموع ولجاجة وحَرَد !...

وذهب هلال إلى المدرسة. صحيح كان يعاني لأنّه كان مغلوبًا على أمره، لكنّه كان موضع إعجاب المعلّمة. كان ذكيًّا يسبق كلّ زملائه في تلقّف ما يخرج من فمها من أحرف ومقاطع وكلمات بسرعة مدهشة. صار يتهجّأ الكلمات باللغتين العربيّة والفرنسيّة في خلال الفصل الأوّل. وما أن أشرف العام على نهايته حتّى صار يقرأ كرجًا، وأجاد كتابة الأحرف والمقاطع والأرقام، وبَرع في عمليّات الحساب البسيط.

مُدهش هذا الطفل !

دار العام وحانت العودة، من جديد، إلى المدرسة. كذلك احتدمت ممانعة الأب وسجّلت فهيمة انتصارًا جديدًا. طلبت المعلّمة كتابين : واحدًا للقراءة العربيّة وآخر للفرنسيّة. ودفاتر للّغات وللحساب والرسم، وأقلامًا للكتابة والتلوين وممحاة. أبو هلال، في عادته، بخيل لا تنقلع منه الليرة إلاّ بعد حرب ضروس مع فهيمة، هذا إذا كانت الحاجة ضروريّة. أمّا أن يدفع للمدرسة بعد كلّ تلك الممانعة التي باء فيها بالخسران، فذلك أمر غير معقول. لكن هو أذكى مِمّن ؟ من فهيمة ؟ لا. فهيمة تحسّبت جيّدًا لذلك. كانت تقتطع كسورًا، في كلّ مرّة، من ثمن الحليب وتهيّئه ليومٍ يسوّده أبو هلال بعناده المعهود. لكن كلفة إدخال هلال، هذه السنة فاقت كلّ حساب. كانت باهظة : رسوم تسجيل، ومَريلة، وكتبًا، وقرطاسيّة، وثيابًا وحذاء... استنفدت كلّ ما وفّرته، وبقي للدكّنجيّ، متعهّد الكتب، في ذمّتها، قروش لم تستطع تأمينها، فسحب من كدسة الكتب والدفاتر دفتر الرسم وأقلام التلوين، على أساس أنّ هذه الكماليّات، حسب وجهة نظره.

في الأسبوعين الأوّل والثاني، سارت الأمور على خير ما يُرام. وكان هلال يجلّي في قراءة وكتابة. في الأسبوع الثالث انتظمت المدرسة واكتملت عدّتها، وصار تطبيق المنهج مطلوبًا بتمامه ومنه ساعة الرسم.

-       ضعوا دفتر الرسم أمامكم وأقلام الرصاص والتلوين. قالت المعلّمة ومشت إلى اللوح لترسم بالطبشورة إبريقًا. لوّنته بتؤدة وذوق، وقالت : إسموه. ثمّ راحت تمرّ على كلّ طفل تتفقّد ما يعمله وتبدي ما يلزم من ملاحظات وتمدّ يد المساعدة إلى من تلزمه. وصلت إلى هلال. ليس أمامه دفتر ولا أقلام. يتأمّل ما يفعل رفيقاه عن يمين وعن شمال، ولا يفعل شيئًا. صرخت به :

-       وين دفترك. ليش ما بترسم ؟

-       ما في دفتر.

-       كيف ؟

-       ما في.

كان يجيبها وهو مدهوش بما لا يقلّ عن دهشتها. فهو لا يعرف بما فعل الدكّنجيّ، ولماذا ليس معه دفتر وأقلام تلوين، ولم تفهم المعلّمة السبب، لذلك طلبت منه أن يريها ما في مزوده. شال الكتب والدفاتر ووضعها أمامها. تفحّصتها. رفعت المزود وأفرغته على الطبقة. وقع كيس.

-       ما هذا ؟

-       خبزة وقريشة.

-       ودفتر الرسم ؟

-       ما في.

هزّت له سبَابتها مهدّدة. قالت :

-       إيّاك أن تجيء الأسبوع المقبل من غير دفتر رسم.

جاء الأسبوع المقبل. أبلغ والده ما قالته المعلّمة، فرأى أبو هلال أن يكيد لزوجته، فهيمة والمعلّمة في آن. فأجاب :

-       جُلْها (أي قل لها. بلفظ البدو القاف جيم) ما في فلوس. وقال هلال للمعلّمة :

-       يجلّك بُوي ما في فلوس.

صفعته وهدّدته :

-       قل لأبيك إن لم تأتِ في الأسبوع القادم بدفتر الرسم سأعيدك إلى البيت مطرودًا.

أبلغ أباه في اليوم عينه. لم يردّ أبو هلال. أمّه ما بيدها حيلة. لم يصل آخر الشهر ليحاسبها زبائنها فلربّما كانت استطاعت أن تقتطع ثمن الدفتر بطريقةٍ ما. صباح يوم الرسم راجع أباه المتأهّب لإخراج القطيع إلى المرعى، فنهره :

-       جلها، لا تتعبي جلبك. ما في فلوس.

ذهب وبلّغ المعلّمة رسالة أبيه بالحرف. ثارت ونفّذت تهديدها. أمسكته من يده وأخرجته من الصفّ ودفعته في طريق البيت :

-       بلِّغ "بوك"، ما في فلوس ما في مدرسة.

عاد هلال مبكّرًا إلى البيت. أخبر أمّه فدقّت كفّا بكف، وبكت من حنق وعجز. ترك البيت هلال وسار في طريق المراعي يريد أباه والقطيع. كان مرتاحًا. هذا عالمه الذي يحبّ... أخبر أباه بما حصل فلم يسمع منه إلاّ كلمة :

-       عال !

عند المساء، بعد عودة القطيع، دارت معركة صاخبة بين الأم والأب تخلّلها صراخ وصفع وبكاء وإضراب عن العشاء. مع ذلك بقي أبو هلال صفيق المشاعر، مُقفل الكَمَر لا يُخرج منه فلسًا. هلال ابتأس كثيرًا ورقّ للإهانة تلحّف بأمّه ولألمها بسببه. لكنّه ماذا يستطيع أن يفعل ؟

عند الصباح إستيقظ محتارًا : هل يذهب مع القطيع ؟ أم يذهب إلى المدرسة فلا يلبث أن يعود مطرودًا مُهانًا ؟ لم يلقَ من جانب أبيه ولو إيماءة تدعوه إلى مرافقة القطيع. بقي عابسًا فتهيّب هلال أن يسأله. رأى أمّه تخرج وتعود باكية. صعب عليه أمرها ورقّ قلبه لها حتّى الانسحاق. إقترب منها وهمس في أذنها :

-       ماذا أفعل ؟

همست :

-       تروح المدرسة

همس :

-       تعيدني المعلّمة.

همست :

-       تروح المدرسة.

كان إصرارها عجيبًا. تريده أن يذهب إلى المدرسة كائنًا ما كانت النتيجة. لن يكسر هلال بخاطرها مهما كانت النتيجة. وسار في طريق المدرسة حانقًا، حائرًا، يقدّم رجلاً ويؤخّر ثانية. في ملعب المدرسة انتحى ركنه، ولم يخالط أحدًا. كان حزينًا، وكلّما اقترب ميعاد جرس الدخول، جاشت نفسه، وتهيّب الموقف. كان يشعر أنّ الموقف آيل إلى صدام. رنّ الجرس، فتأهّبت نفسه، بغريزة البدويّ، إلى القتال، لكن من غير خطّة. وقف آخر الصفّ. دخل زملاؤه وأمامهم المعلّمة. لم يدخل. اتّكأ على جانب الباب ونظر إلى المعلّمة بأجفان جامدة. التفتت، رأت، عرفت، صرخت :

-       جيت بدون دفتر رسم ؟

لم يجب. هزّ برأسه أن نعم. فار غضبها وتناولت المسطرة الكبيرة عن الطاولة وهجمت عليه صارخة :

-       رجاع.

لم يتحرّك وبقي ينظر إليها بثبات. لقد استفزّها.

رفعت المسطرة تهمّ أن تهوي بها على رأسه، فجمع رأسه إلى ما بين كتفيه، وقلب بحركة عفويّة سريعة، مزوّدة إلى رأسه فغطاه كدرعٍ ينكسر عليه سيف المعلّمة المسلول فيما لو نزل. قهقه الصفّ طربًا بالمواجهة التي صارت متكافئة، فبقي سيف المعلّمة المسلول مرفوعًا، لم تهوِ به لكنها عادت تصرخ من جديد :

-       رجاع. قلتلّك رجاع ولا تجي بكرا إلاّ مع أبوك والدفتر.

أنزل هلال ترسه ورفع رأسه ناظرًا إليها بعين حزينة وقال بصوت كسير :

-       بوي ؟ تجولين بوي ؟

وتردّد، ثمّ تابع بصوت مأساوي :

-       والله يا معلّمة، حيّرتونا. نروح البيت يجولون : روح المدرسة. نجي المدرسة تجولون : روح البيت. لا بيت يجبلنا (يقبلنا) ولا مدرسة تجبلنا. والله حيّرتونا يا عالم ! بالله تجولولنا : وين نروح ؟ وين نروح ؟

هنا استرخت المعلّمة. ضحكت وقالت مقلّدة لهجته البدويّة :

-       نجلّك تفضّل، أجعد مطرحك.

وأشارت إليه بالدخول.

نظر في وجهها غير مصدّق :

-       أتفضّل ؟

-       تفضّل.

-       عن صحّ، أتفضّل ؟

-       تفضّل.

دلف هلال إلى مقعده، وكان يحاول أن يرطّب بلعابه حلقه الجاف، مندهشًا كيف ذاب، بلحظة، كلّ هذا الجبل من الكوابيس !

في اليوم التالي استقبلته المعلّمة بكيس فيه دفتر رسم وأقلام تلوين وممحاة. وأيضًا مبراة حتّى لا يعود يقشّر بأسنانه الخشب عن رصاصة القلم، كما كان يفعل.

 

 

back to Ashya Saghira