back to Ashya Saghira

من كتاب "اشياء صغيرة"

للدكتور فؤاد سلوم

 

 

مـــعـــــــاً

  إلــى روح صــديقــي الأستــــــــــــــاذ

  أحمد اليوسف، الفارس الأخير

طْرَقْ قَ قْ... دووو...

انفجر السكون !

كانت المدينة الغافية، على طرف السهل الساحليّ، تتململ، تريد أن تفيق، من خدر ظهيرة يوم صيفي. موظّفو البنك، في الداخل، هانئون ببرودة المكاتب المكيّفة. صاحب متجر العطور خرج من الجوّ الخانف. وجلس أمام باب المحل، مع صديقين، بعد أن بدأت الشمس تميل إلى الغروب، يتحدّثون بلا حديث. المطعم هادئ، خالٍ من الروّاد، وبعض صبيانه، برخاوة وضجر، يتّكئون على جانبَي الباب. الشارع ساكن، إلاّ من سيّارة، كلّ بضع دقائق، تعبر الشارع العام، صعودًا أو نزولاً...

هبّ الجالسون. ركض الواقفون، ونقز بعضهم يريد الهروب ! خرج من كانوا في المحلاّت التجاريّة المتلاصقة، على امتداد الرصيف العريض، على دويّ الإنفجار، مستطلعين ؟

سيّارة رينو 18 قفزت، بسرعة قذيفة، لتصدم مقدّم سيّارة بويك موديل 1979، رصاصيّة، تخصّ صاحب متجر العطور، فبرمتها لتصدم مؤخرتها مقدّم سيّارة مرسيدس حديثة، قريبة، هناك لصاحب متجر مجاور :

الأضرار في الحديد، الحمدالله على السلامة.

خرج من سيّارة الرينو التي تبعّج مقدّمها، شاب برتقاليّ الوجه، يده على صدره. وقف أمام الجمهور الذي بدأ يتجمّع، زائغ العينين، كان يبلغ بريقه ولا يردّ على "الحمدالله على السلامة". كان جامدًا في وقفته، لا يتقدّم ولا يميل، يخشى أن يقع إن هو فعل. نظر إلى سيّارته عبر زجاجها الأمامي : امرأته على المقعد، رأسها إلى المسند، وخيط رفيع من الدم يسرح عند طرف حاجبها الأيمن.

تفتح عينيها لحظة، ثمّ تغمضهما. الجرح بسيط، وليس بها إلاّ ردّة الفعل المذكورة!... بادر شاب من بين أوائل الواصلين، فتح الباب ومدّ يده ليساعدها في الخروج. أبت. ألحّ، عاندت، ثمّ رضخت. كانت تبكي... ذعرها بدأ يتنفّس. عندما وضعت رجلها على الأرض كادت تقع، فمدّ الشابّ يدًا ثانية، جامدة، وأمسك بكوعها. بعد خطوتين، وصل صاحب البويك المصدومة بكرسي أجلسها عليه، وأمر صبيًّا ليأتي لها من المطعم بزجاجة ماء غازيّة مبرّدة...

كان صاحب المرسيدس هائجًا. يلوم، يندب حظ سيّارته الجديدة، يتّهم، ويسجّل رقم السيّارة الجانية وأوصافها، وكأنّها ستفرّ. صاحب البويك كان متفهّمًا، يهوّن ويؤاسي.

أبو جنجر، صاحب السيّارة الرينو، لم يهتمّ به أحد. كانوا ينظرون إليه بفضول ويتحوّلون بأنظارهم إلى الامرأة الجميلة، الشاحبة، الجالسة بثوب صيفي تختصر... بدوره أبو خنجر لم يكن يهتمّ بأحد، ولا بما كان يسمع من لوم وتهديد. كان ينظر، حينًا، إلى زوجته الجالسة الباكية، وحينًا ينقل النظر في الجمع، فيراهم وكأنّهم مغموسون في غبش. كان غبش نفسه يغيم في عينيه، وشجن قلبه يغرورق فيهما. الصدمة في داخله، عميقًا، في داخله، وليس في صدره المرضوض بصدمة مقود السيّارة. الوجع كان هناك، عميقًا، وعتيقًا...

ومرّ شريط العمر سريعًا في ذهنه ! قاتمًا حينًا، باسمًا في أغلب الأحيان. يقف الشريط، هنا، الآن، عند مأزقين : اصطدام السيّارة ! مأزق عابر، صحيح، لكنّه كان نتيجة لمأزق العمر، ودعوة لمواجهة المصير، أي مصير ؟

مواجهة، ما أرهبها !

رضوى، الحبيبة الجميلة، التي كان يحسده عليها جميع الرفاق في الثانوية، فضّلته على الجميع. من أجلها كافح ليؤمّن مستقبلاً فيه عيش كريم لها وله، وفّق في تعلّم الميكانيك واقتناء مرآب، مورد رزق سخيّ. تزوّجا ليبقيا معًا إلى الأبد. هل يمكن أن يفترقا؟! انتظرته. تمنّعت على من يفضله بكثير.

لأجله انتظرت، ولأجلها ناضل، فكيف يفترقان ؟ تزوّجا وانتظرا مجيء الأطفال : سنة، سنتين... خمس سنوات. لم يأتوا. استعانا بالطبّ بالتكنولوجيا، أكثر من مرّة.

قال الطبّ وقالت التكنولوجيا التي لا تحابي، أكثر من مرّة، أنّ رضوى سليمة، ليس بها عيب وقادرة على الإنجاب. لكن لا الطبّ ولا التكنولوجيا أقنعا الحماة بأنّها بريئة من العقم. لا يمكن أن يكون إبنها، البطل، قدّ الجبل، غير قادر على الإنجاب.

العلّة في الكنّة. الرجل رجل، يزرع لكنّ الأرض موات، لا تنبت ! أبو خنجر كان يحب أن يقتنع أن زوجته سليمة لا عيب فيها، لكنّه كان مقتنعًا، أيضًا، بمقولة أمّه وناس الضيعة بأن الرجل رجل فلا يمكن أن يكون غير منجاب. كان يعزو حرمان العائلة من الأولاد إلى إرادة الله، وأنّ هذه النعمة، لا بدّ أن تحلّ في يوم. لم يستطع أن يقنع أمّه بوجهة نظره، كانت تكفّره وتتّهمه بالإنحياز لها، للزوجة، ضدّ نفسه.

وكانت تأسف لضعفه إزاء امرأة. مثلها مئات في الضيعة وخارجها، الحب يعمي. هي تريد أن يمتلئ بيتها بالأطفال. إبنها وحيد، فلِمَن تترك البيت والجنينة والأرزاق ؟ جنى عمرها وعمر المرحوم زوجها، سيذهب سدىً. كيف ذلك ؟ أيرثهم أبناء الأصهار الغرباء والأنسباء الشامتون، المتربصون ؟

كم عانت رضوى من أمّه ! كان يرقّ لها، يحاول أن يدافع عنها، يؤكّد سلامتها من العقم، ولا يقبل الكلام بإمكانيّة البحث عن حلّ لمجيء الأولاد بغير رضوى. مستحيل ! رضوى أوّلاً. رضوى دائمًا... ومع ذلك لم يكن يقدر على إخفاء شعوره الداخلي بالتميّز، بالاكتمال، كانت تندّ منه، أحيانًا، إشارة ترفع تلويحة تمنين. وكانت تحسّ بذلك. كانت تتألّم، وكانت تسامحه وكأنّه يحقّ له أن يكون مصدرًا لألمها. كانت تحبّ الألم لأجله...

الآن، يا للخيبة، بل يا للعار ! هو الذي لا ينجب.

منذ شهور أقنعته رضوى، سرًا، أن يزور الطبيب ويجري فحصًا. "ماذا يضرّ، طالما أنّ سرّنا لنا وحدنا ؟" قالت. قبل من أجلها، مطمئنًّا إلى النتيجة، زار طبيبًا مختصًا، وأجرى فحوصًا مخبرية : عاقر.

غيّر الطبيب والمختبر : عاقر. وجرّب ثالثًا. وهذه الرابعة : العيب فيه. إقتنع. لكن يا للظلم الذي لحق بحبيبته رضوى : يا للعار، عار عائلته المتجنّية الظالمة ! خمس سنين ورضوى تعاني وهي راضية ! الآن دقت ساعة الحقيقة.

... وأخذ قرارًا تمليه الرجولة، وتحت وطأة الكبرياء : رضوى حرّة في أن تختار مستقبلها... هو قرّر أن يدفن سعادته إلى الأبد !...

وانهمر أبو خنجر بالبكاء. إنحاز إلى سيّارة البويك واتّكأ عليها، يد على عينيه والأخرى مكتوفة إلى صدره.

أيضًا، الشريط المسحوب سريعًا، في ذهن رضوى، جرى قاتمًا، حينًا، باسمًا في أغلب الأحيان، لكنّه الآن يقف عند حلم كسير ! ها هي تشرف على خسارة الحبّ، وعلى خسارة الوعد الجميل.

كيف تستمرّ الحياة من غير أبو خنجر ؟

الأطفال، أطفالهما، الذين كانت تحلم بهم أجسادًا طريئة في حضنها، وملائكة صغارًا تهدهدهم على ذراعيها، لم يأتوا !... كم قاست طوال خمس سنوات ! كم كانت مظلومة ! الجميع كان ينظر إليها كشجرة لا تُثمر. جاراتها، رفيقاتها، حتّى أمّها، نذرتها للأولياء والقدّيسين لاعتقادها، كالجميع، أن علّة العقم إنّما هي في المرأة. كانت تتمزّق عندما يتناهى إلى سمعها صوت حماتها تردّد على الجارات، وهي في المطبخ تعدّ لهنّ القهوة في صبحيّات القهوة :

-       حلوة ؟ شو نفعنا حلاها ؟ ربّينا طفالنا بالدلال من ورا حلاها ؟

-       عاقلة ؟ إيه. لأنّها عاقلة سمّت ابنها البكر عَ إسم جدّو !

-       هنيّة ؟ إيه. البغلة هنيّة لكن ما بتخلّف...

قاتلة، قاتلة هذه السخرية المرّة...

كم تحمّلت ! كم تحمّلت !

عند خروجها من المستشفى، هذه المرّة الأخيرة، الحاسمة، أحسّت وكأن صخرة قد انزلقت عن ظهرها. مشت رشيقة إلى جانبه من غير كلام. رأته لا يستطيع الكلام، لا يستطيع السمع، لا يقبل رأيًا أو مشورة... أرادت أن تقود السيّارة بدلاً منه، لكنّها لا تجرؤ أن تطلب. شعرت به، وهو إلى جانبها، أنه صار بعيدًا بعيدًا. تنازع الخواطر في ذهنها يؤلمها، يؤلمها. مرتاحة لأنّها سليمة، بريئة من العقم. سعيدة لأن الألسنة لن تجرؤ على تناولها بعد اليوم. ستخجل الوجوه الناكرة من نفسها وتندم على تناولها كلّ تلك المدّة بالسوء. إنّها شجرة مثمرة. شجرة مزهرة مثمرة ! هذه هي الحقيقة الساطعة، الحقيقة الساطعة قد بانت، الآن !... مع ذلك النتيجة واحدة ! ها هو، تراه إلى جانبها، متوتّرًا، تجوح بهما السيّارة ذات اليمين وذات اليسار. لا تجرؤ أن تطلب منه أن تتولّى القيادة مكانه... هي أيضًا، تخاف منه، وتخاف من نفسها. هل هي أكثر اتّزانًا منه ؟ مشاعرها تحيّرها. غبطتها ممزوجة بالأسى ! تلوم نفسها : عرفت طعم الظلم. كانت مظلومة، فهل تصير ظالمة ؟ يهون الأمر لو كان ظلمها يلحق بأولئك، بأهل الشماتة والثرثرة. أمّا أن تشعر بأنّ غبطتها ثأر من الحبيب، من شريك العمر كلّ ذلك الزمن، فهذا يطعن روحها هذا خيانة ! الآن، تشعر بأنّها خائنة كلّما ساور الفرح نفسها... بل وتحسّ بالندم... لا، لا، لا تحسّ بالندم لأنّ الحقيقة أهمّ. هل تحسّ بالندم لأنّها دفعته إلى إجراء الفحوصات ؟ لكنّ الحقيقة يجب أن تُعرف...

رضوى، لا تعرف، أتندم أم لا تندم ؟ عندما أكّدت لها إحدى زميلاتها السابقات في الثانوية، والتي صارت في آخر سنة من دراسات الطب، أنّ الرجل مثل المرأة، مسؤول عن العقم، سواء بسواء، ولا يفضل أحد الآخر في هذا المجال، وحرّضتها على أن تدفع به ليجري فحوصات، أقنعته. لأجل إرضائها فعل. كان متأكّدًا أنه سليم، مُعافى... هل تشكّ رضوى، الآن، بزميلتها القديمة هذه ؟ كانتا تتنافسان على الحظوة لديه، وفضّلها هي. هل من الممكن إن كان بنيّة هذه الزميلة النصوح أن تثأر، أن تنكّد عيشها ؟! لكنّ الحق جاء لصالحها. بالفعل ثبت أنّ الرجل مسؤول عن العقم كالمرأة. وها هي الحقيقة القاطعة التي تواجهها الآن، بمرارتها حينًا، بحلاوتها حينًا آخر !

والحقيقة الثانية، أيضًا، هي أنّها لا تعرف، هل هي حلوة أم مرّة تلك الحقيقة ؟...

في مكان الاصطدام كان الجمع يتكاثف ويخفّ. يأتي أفراد مستطلعين. بعضهم ينظر، يسأل، يقول : الحمدلله على السلامة. ثمّ ينصرف. بعض آخر ينظر إلى الحلقات، يدلي برأي، يجتهد في تحليل الأسباب، يقدّر الأضرار، ويسترق النظر إلى المرأة الجالسة، الجريح. ثمّ يمرّر نظرة عابرة إلى الرجل الصادم والمصدوم، أو يلقي بكلمة، كلمتين...

صاحب المرسيدس قلق، يحاكم، تعلو نبراته مرّة وتخفت أخرى. يهدّؤونه، يستمهلونه ريثما تهدأ أعصاب صاحب السيّارة الرينو. يؤكّدون أن حقّه لن يضيع. علامَ يعجل ؟...

ونفذت إجهاشة أبو خنجر إلى أذنيها. نخزتها، فهبّت واقفة، فكأنّها في لحظة إلهام، إتّجهت إلى أبو خنجر، وعلى جبينها جرح بسيط يغطّيه دم يابس، وعلى شفتيها شبه ابتسامة حزينة، حدّقت في وجهه فأجهش بأقوى وإطّى عينيه الباكيتين بكلتا يديه. مدّت يدها إلى يديه وأزاحتهما عن العينين، وبإبهامها مسحت دموعًا عالقة بالجفنين، ونزلت به تمسح الخيط الرطيب النازل حتّى وسط الخدّ، وقالت بين دعابة وحزم :

-       زعلان عَ السيّارة ؟

-       عَ السيّارة ؟

-       لا تهتمّ، طالما نحنا، إنت وأنا، مع بعض، سوا، منغلب الكون، مهما كانت الظروف !...

أنا وإنت بس... من هون ورايح يلِّلي بيقدّرو الله مليح.

أحسّ أبو خنجر وكأنّ الربيع مشى، من جديد، في عروقه، وبدأ نسيمه يبرّد الأسى العميق في قلبه. شعر بقوّة جديدة، فأمسك بأصابعها واعتصرها. خياره الجديد الحاكم أعطاه عزمًا جديدًا، توجّه إلى المتضرّرين وقال : هذا عنواني على هذه البطاقة. وهذا رقم تليفوني. أنا المسؤول، أنا الكفيل أتحمّل كلّ المسؤوليّات. أشكركم على سعة صدركم، واعذروني.

وتابع أبو خنجر طريقه إلى البيت مع رضوى بسيّارة أجرة. 

 

back to Ashya Saghira