back to Ashya Saghira

من كتاب "اشياء صغيرة"

للدكتور فؤاد سلوم

 

حــقّ الكـــلام
 

كان لي صديق وسيم، أنيق، حلو المعشر، طموح، يرنو إلى العُلى، ويحلم بالثروة والجاه. كنّا نمارس، معًا، مهنة التعليم، وهي مهنة أبعد ما تكون، عن بغية من يطلب الكسب والجاه، ويسمّونها، في وسطنا، مهنة الكَسالى، الذين يفتقرون إلى روح المغامرة، لأنّهم يرضون بمعاش ثابت، وإن كان لا يفي بضرورات الحياة. آخرون يسمّونها رسالة، ملطّفين من عقوقها.

جاءت ذات صيف، إلى القرية، مغتربة. كانت في مطلع شبابها. اصطحبها معه أبوها الذي عاد، بعد طول غياب، ليرى أمّه الشيخة، ولتراه قبل وداعها الأخير. كان إسم أمّه كتّور، وكان إسم الشابّة الصغيرة، كاتيا، على إسم جدّتها. ولربّما اصطحب الأب إبنته معه، إنما كان ذلك ليؤكد للوالدة، أنّه يحبّها بمقدار، ولم ينسها في غيابه الطويل، وسمّى ابنته الصغيرة على اسمها، حتّى يبقى ذكر الأمّ الحنون في بيته، وعلى لسانه، إن في الوطن، أو المهجر.

كانت كاتيا، فتاة غاية في الرّقة والعذوبة. ضئيلة الجسم، لكنّها شقراء، شعرها ذهب، وعيناها بلون الربيع. بشرتها ناعمة، لا تحتمل مرّ النسيم العليل. وكانت متأنّقة، ترفل بأجمل وأحدث ما أخرجت دُور الأزياء من طرز. وتحتلي بالذهب، والحجر الكريم : في العنق والأُذنين، والمعاصم والأصابع. كيفما نظرت إليها، تبدو ثروة، تبرق في أعيُن الشبّان المتشهيّة، وتلوّح منادية في أحلامهم. تجمّعوا حولها، يخطبون ودّها، ويتنافسون في اكتساب قلبها، مؤمّلين النفس بالحصول على جمال وثروة.

كانت تحسن القليل من كلام عربي، على يديّ أبيها، تتلفّظ به، مدعوكًا بلهجة اسبانيوليّة، تزيدها جاذبيّة وإثارة.

تعازمها الشبّان، وسخوا في استضافتها. بذلوا ممّا يقدرون، وممّا لا يقدرون. استدانوا، وتمادوا في مرح الصيف. وتمادت، فاستوتها الحياة الحلوة في لبنان الجميل.

آذن الصيف بالرحيل، وقرّت عيون الوالد بوجه الأم الحبيب، وعادت صورة الحنان، لتترسّخ في باله. كانت تلحّ عليه المشاغل، والأهل في كوستاريكا، فحزم أمتعته، متأهبًا لمغادرة الوطن. لكن كاتيا، لم تحزم أمتعتها، ولم ترغب بالرحيل، قرّرت البقاء، واستأذنته بإلحاح أن تبقى لبعض شهور. إندهش، تحيَّر، وتقصّى الأسباب. ما هذه الثروة ؟ هل من داعٍ ذي أهميّة ؟ كيف يعقل أن تتعلّق فتاة صغيرة، مولودة في غير مكان، بعيدًا عن لبنان، الذي لم يكن، يومًا، موطنًا لها، أن تتعلّق به بمثل هذا العناد ؟ تجهل لغة أهله، إلاّ قليلاً، غريبة عن عاداته وتقاليد أهله، ومع ذلك، تتحمّس للبقاء بينهم، بإصرار، بينما هو، إبن الوطن، حيث مسقط رأسه، ومرتع طفولته، ومسرح صباه، لا يجد مثل تلك الحماسة ليبقى ؟

لكنّ للشباب، أحلامًا تنادي، ولأحاسيسه مسارات، لا يضبطها منطق مألوف !

انتصر منطق الشابّة الغامض، تعضده رغبة الجدّة الدفين، في أن تعود أمّا لطفلة كبيرة، تغدق عليها حنان الأمومة، الذي عاد يملأ صدرها من جديد.

بقيت كاتيا في موطنها الجديد، وسافر الوالد تاركًا موطنه القديم.

لم تبرح الطريدة حقل الصيد، واستمرّ الصيّادون في تنافسهم لأخذها.

وكان زان، صديقي، أمير الصيّادين. كان يملك السلاح الأمضى، وسامة وجه، وصوتًا رخيمًا، وكلامًا معسولاً، ورشاقة.

اختارته كاتيا، وفاز بقلبها.

لم يكن زمن الخطوبة طويلاً. كلاهما مستعجل، هي لتحظى بحبّه، وهو ليحظى بالكنز. تجهّزا، وأعدّ لها بيتًا مستأجرًا، ورياشًا، وثيابًا. استدان زان على أمل... وكان عرس جميل، لا يُنتسى، قصف فيه الشباب، ورقصت القرية جميعها، وهزّت الجدّة أعطافها، وزغردت، ولوّحت بالمناديل...

انقضى العرس، وراح العروسان في شهر عسل، وعادا. وكان الصيف قد مضى، وانتهت العطلة، وعاد زان إلى العمل. وبقيت كاتيا في المنزل تتمرّن على وظيفة لم تألفها : التدبير المنزليّ ! استعانت بالحماة والجدّة والجارات، فكانت تجيد مرّة وتفسد مرّة، من غير أن يسيء الإفساد والتقصير إلى سعادة الزوجين. لم تكن كاتيا تشكو من علّة أُخرى. كانت هنيّة، قانعة، تستجيب لكلّ ما يرغب به زان. أحبّته لأنّه كان يرعاها باهتمام، ويتركها تتصرّف على هواها، إلاّ في أمر واحد، حسب رأيها، هو حقّها في الكلام والتدخّل، ساعة تشاء في أي موضوع مطروح بينه وبين أصحابه، أو أهله. الكلام في هذه المواضيع، حقّ حصري له، فكان يدهشها، ويغيظها أنّ شؤون الرجال، في هذه البلاد، حكر على الرجال، على غير ما عهدته في بلادها، لا سيّما مع أمّها وأبيها، فكانت أمّها حرّة في التدخّل في أيّ شأن من شؤون زوجها، أكان عملاً، أم غير عمل، وغالبًا ما كان رأيها راجحًا.

كذلك تبيّن لِزان، بعد شهور، أنّه تزوّج كاتيا عن حبّ حقيقي، وليس لأمر آخر.

كانا سعيدين...

مضت سنة على الزواج، وولدت كاتيا لِزان، إبنة جميلة شقراء، تشبه أمّها. لكنّ، ما عوّل عليه من ثروة، تأتي من عبر البحر، كان أملاً مبالغًا فيه. جاء مبلغ متواضع، كهديّة زواج، إذ لم تكن الأمور الماليّة في أميركا اللاتينيّة، على ما ارتجى زان، وعلى ما ظنّ شبّان القرية. كان أهل كاتيا، شبعانين، كما يُقال، لكن، لم يكونوا أثرياء، على ما يظهر من سخاء الأب وابنته، أثناء الزيارة للوطن. لقد بذّرا مالاً، كمَن يبذّر في إجازة، استعدّ لها طويلاً، وادّخر ليصرف ويبهر العيون. وهو ما كان من أمر والد كاتيا، الذي كان مصمّمًا منذ زمن، على زيارة الوطن، وتفقّد الوالدة، فأعدّ للأمر عدّة، ووفّر ما يفي بالمرام.

استعان زان بالمال القليل، الذي جاءه من عبر البحر، ومن "النقوط" التي قدّمها الأنسباء والأصدقاء، على ما هو مألوف، في القُرى، إستعان بها على وفاء ديون العرس.

هكذا اعتدل ميزانه، بل رجح، رجّحته "نقوط" الجدّة، التي كانت تملك قطيعًا صغيرًا من نعاج، يسهر عليها راعٍ شريك في مزرعة مجاورة. كان عدد نِعاج القطيع إثنتين وأربعين، تدرّ حليبًا، وتنتج صوفًا، وتلد حملانًا تُباع، وتبقى الأمّهات واقفات. لم يكن ذلك الدخل الصغير يسيرًا، في مثل ذلك الزمن. لولاه، لِما استقرّت حال زان الماديّة، إذ لم يكن مرتّبه من الوظيفة، ليفي بحاجات العائلة.

وكانت كاتيا، حريصة على هذه النِعاج، على ثروتها الصغيرة، كحرصها على زان الحبيب من أن يسأم منها فيزيغ، فكانت تدلّله كلّ الدلال، ما عدا أن يقرّب صوت النِعاج. كانت تخاف عليها من زان، ومن الذئب، ومن سوء أمانة الراعي، فكان زان يخفّف من خشيتها ويطمئنها قدر ما يستطيع.

عندما كان الراعي يأتيهما، في المواسم، بحصّتهما من الحِملان، كان زان يترفّع عن قبض المال، ويقول للراعي : أعطِ المال صاحبة النِعاج. وكانت كاتيا تقبض منتشية، وتضع كدسة الليرات أمامها على المنضدة، منتظرة بفارغ الصبر ذهاب الراعي، حتّى إذا ما ذهب، تأخذ كدسة الليرات باليد اليُسرى، وتربّت عليها باليد اليُمنى، ثمّ تقرّ بها من خدّها، وتميل برأسها عليها، تمسحها بخدّها، وكأنها تحتضن طفلتها، وتبادر زان : "سفت" (شفت) يا زان، غنماتي أيش "عتيونا" (عطيونا) ؟ أنا بهبهن، بهبهن (أحبهن).

وكان زان يبتسم.

جاء، ذات يوم، منصور، زميل زان في المدرسة ورفيق عمره. دار الحديث حول غلاء المعيشة، وضآلة المعاش، والحاجات الكثيرة... وتكاشف الصديقان الأسرار، فكشف زان مدخّراته. وكشف منصور عن مدخّراته، فتبيّن أن منصورًا، العازب، قد ادخر ضعفَي ما ادخر زان. تداولا عن كيفيّة استثمار المبلغين بالشراكة، فقرّ الرأي على أن أفضل الاستثمارات في مثل حالهما، تكون في اقتناء جرّار زراعيّ، إذ قد ولّى زمن الثيران، والمستقبل للتكنولوجيا.

كانت كاتيا تستمع وتحاول بين مرّة وأُخرى أن تتدخّل، أن تبدي رأيًا ما، لكنّ زان كان يزجرها بنظرة : لا يحقّ للنساء أن تتدخّل في شؤون الرجال.

هكذا، دائمًا، ما كان يفعله زان : يمنعها بعينيه، بإشارة يده، اسكتي، اسكتي...

-      لا يحصل مثل ذلك في كوستاريكا. عندما تتكلّم أمّي، يسكت أبي.

ووازن الرجلان الكلفة، المبلغان يشتريان جرّارًا صغيرًا. لِمنصور ثلثان، ولِزان ثلث واحد. لو تعادل مبلغ زان مع مبلغ منصور لأمكنهما شراء جرّار أكبر، لكنّ زان لا يملك أكثر ! نظر زان إلى كاتيا متردّدًا، ثمّ استجمع شجاعته وسألها : ما رأيك، يا حبيبتي، لو نبيع بعض الغَنمات، فأصير شريكًا، نصفًا بنصف، في جرّار كبير يدرّ مالاً أكثر ؟

فكأنّ الذئب قد داهم النِعاج... هبّت واقفة، تقلّصت عضلات وجهها، شزرته بعينيها، وانتقلت مُسرعة إلى غرفة النوم.

إبتسم منصور. ضحك زان بوجه محمّر، وقال : توكّلنا على الله. جرّار، ثلثان بثلث.

جاء الجرّار، وبدأ العمل، وكان العمل كثيرًا بحيث لا يعود إلى مركنه إلاّ متأخّرًا عند المساء. كانت الغلّة التي يتقاسمانها عند نهاية كلّ أسبوع وافية. وكان الشريكان راضيين، وبقي الوضع كذلك لشهور...

بعدئذ، دخل الشيطان إلى التفاصيل... يقول منصور للسائق : وأنتَ عائد مُرّ إلى فلان، له دوّارة أمام البيت حركها له. تكلّف نصف ساعة، مدّة شرب فنجان قهوة. لا تدخلها في الحساب. أو : قبل أن تذهب إلى حقل فلان، مُرّ إلى أبي ناصيف، حرام ! سيّارته معطّلة، إسحبها له إلى المرآب. وهكذا. مُرّ من هنا، إذهب إلى هناك، سامح فلانًا لأنّ الشغلة ما هي حرزانة... أعطى منصور لنفسه ثلثي المونة على الجرّار. إذًا، تعليماته مرجّحة ضعفَي تعليمات زان. ويعاتبه زان بلطف ومودّة : صحيح يا صاحبي، الشغلة ما هي حرزانة، لكن أنا أيضًا، شريك. أقلّه لتكن الأمور بعِلمِي.

زان، بدوره، لم يكن مقصّرًا، كان يرسل السائق إلى دوّارة عمّته، ليفلحها مجّانًا. ويأمره: بعد أن تنتهي من حقل فلان، مُرّ، بدربك إلى السوق – وإن لم تكن السوق على دربه – واجلب معك ربطة الخبز. أو : في طريقك، غدًا صباحًا، إجمع فعلتي من بيوتهم وخذهم إلى كرمي، ريثما ألحق بهم.

ويدري منصور، عن طريق موارب، بهذه التكليفات، فيأتي إلى زان : دخل إنت كلّفته بكذا وكذا ؟

ويجيب زان : نعم، فيها شي ؟

-      لا أبدًا...

-      إذًا لماذا تسأل ؟

-      فقط لأعلم.

أو :

لا يهم، وإن كان المازوت غاليًا.

أو :

تأخّر ذلك اليوم، وكان أمامه عمل طويل !

مثل تلك الحوارات، حول التفاصيل "المتشيطنة" أخذت ترتدي حدّة، مرّة بعد مرّة. وكثر التذمّر، وتكرّرت الشكوى من الشريكين كليهما، وتدخّل الأصدقاء والجيران. وكان زان يردع كاتيا عن التدخّل دائمًا. كانت تتحمّس لتنصر زان على منصور، الذي كان يفوز في كلّ نقاش. وفي كلّ مرّة كانت تسأله، بعد أن يذهب منصور، مستنكرة : لماذا تسكت له ؟ ألأنه دفع أكثر ؟ ولا يجيبها زان. يبقى مطبقًا فمه، ناظرًا في الخواء... طبعًا لا يحتاج سؤالها إلى جواب !...

كنّا، يومًا، في السيّارة معًا، نلبّي دعوة عائليّة إلى الغداء. الطريق طويل، والحديث حديث كلّ يوم. حديث الجرّار، وحديث الشراكة تلك. قال زان، مغتمًّا :

-      أيعجبكم ؟ وعدت فلانًا أنّ دوره في فلاحة حقله سيكون في هذا النهار بالذات. لكنّ منصورًا اتّصل بي أمس، مساءً، وقال غاضبًا : سيفلح غدًا لِفلان. كيف تَعِد من غير أن تسألني ؟

-      لماذا أسألك ؟ ألستَ ملاّكًا مثلك ؟ لو وعدت قبلي لَكان الحق معك. لكن الآن...

-      الحق معي. ستكون الفلاحة لِفلان.

وهكذا تطوّر الكلام : الحق معي، لأ معي، وأنا وأنت... إلى أن انفجر منصور، وبادرني منفعلاً :

-      يا أخي إشترِ أم بِعني. الشركة ما فيها بركة. خُذ ثمن حصّتك، وفوقها حبّة مسك، ودعنا نبقَ صديقين...

وعلّق زان ساهمًا : نبقى صديقين ؟ أيّ صداقة ؟ يعرف أنّني لا أستطيع أن أشتري. والله لا أعرف ماذا سأفعل ؟

وتابع زان، وهو مُحبط، يعدّد سوءَات منصور في موضوع الشراكة...

كانت كاتيا متأثّرة. وجهها متوهّج، وفي عينيها نار، فكأنّ العشب الأخضر يشتعل. تقلّب لسانها في فمها، ترطّبه، وتبلع بريقها... وفجأة قرّبت قعدتها من طرف المقعد، وأدارت وجهها وجسمها إلى زان، الذي يتّكئ إلى جانبها، زاحلاً عن مقعده، مرخيًا برأسه إلى المسند، قالت :

-      زان هبيبي !

-      ماذا يا حبيبتي ؟

بقي مسترخيًا، ولم يلتفت إليها.

-      شو رأيك يا هبيبي، بيع غنماتي ونشتري نحنا، التراك (الجرّار) ؟

جلس زان، واستقام، ونظر إليها مفجوءًا ؟

-      الغنمات ؟

-      أم م م م م.

وهي تُومئ برأسها : أن نعم.

-      الغنمات، الغنمات ؟...

-      أم م م م م... الغنمات. نبيعها.

أشرق وجه زان بسعادة، وعاد يسأل، كمَن لا يصدّق، وهو يشير بكفّه، إشارة صرف وإبعاد :

-      الغنمات، الغنمات ؟...

-      نعم. نعم. نبيع الغنمات، ونشتري التراك. لكن بشرط.

-      أشرطي ما بدا لك !

-      يصير لي حقّ إحكي متل ما بدّي !...

ضحك زان مليًا، وعاد ليلقي برأسه إلى المسند، وغمرها بزنده وشدّها إليه وقبّلها وقال:

آه يا حبيبتي : الغنمات الغاليات، مقابل حقّ الكلام. يا امرأة، لم أكن أعلم، أنّ الكلام أغلى ثمنًا، بمثل هذا المقدار !... 

 

back to Ashya Saghira